Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 41–50 of 109

41

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ

And if they deny you, [O Muhammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."

قوله عزّ وجلّ:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾

المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا في أنَّهُ مُفْتَرًى، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِها الوَعِيدَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ، و"تَأْوِيلُهُ" -عَلى هَذا- يُرادُ بِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، والآيَةُ بِجُمْلَتِها -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثانِي: أنَّهُ أرادَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنَبِّئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِعِلْمِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يُرِيدُ مَن سَلَفَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، قالَ الزَجّاجُ: "كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ "كانَ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها "فانْظُرْ" لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

هَذا قانُونُ النَحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا "كَيْفَ" في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِكَ: "كَيْفَ زَيْدٌ؟"، ولِـ "كَيْفَ" تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا، تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو "كَيْفِيَّةُ" وتُخْلَعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ هَذا أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهُمْ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ"، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: "كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ"، فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ. وَذُكِّرَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى "العاقِبَةِ" لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَآلِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ تَأْنِيثُها بِحَقِيقِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، ولِهَذا الكَلامِ مَعْنَيانِ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن سَيُؤْمِنُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنهم مَن حَتَّمَ اللهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هو مُؤْمِنٌ بِهَذا الرَسُولِ إلّا أنَّهُ يَكْتُمُ إيمانَهُ وعِلْمَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعْجازَ القُرْآنِ حَقٌّ، حِفْظًا لِرِياسَتِهِ أو خَوْفًا مِن قَوْمِهِ، كالفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، وكالعَبّاسِ ونَحْوِ هَذا، ومِنهم مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفائِدَةُ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- التَفَرُّقُ لِكَلِمَةِ الكُفّارِ، وإضْعافُ نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم عَلى وجَلٍ مِن بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ آيَةُ مُناجَزَةٍ لَهم ومُتارَكَةٍ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا …

42

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ

And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear, although they will not use reason?

قوله عزّ وجلّ:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾

المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا في أنَّهُ مُفْتَرًى، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِها الوَعِيدَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ، و"تَأْوِيلُهُ" -عَلى هَذا- يُرادُ بِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، والآيَةُ بِجُمْلَتِها -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثانِي: أنَّهُ أرادَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنَبِّئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِعِلْمِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يُرِيدُ مَن سَلَفَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، قالَ الزَجّاجُ: "كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ "كانَ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها "فانْظُرْ" لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

هَذا قانُونُ النَحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا "كَيْفَ" في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِكَ: "كَيْفَ زَيْدٌ؟"، ولِـ "كَيْفَ" تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا، تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو "كَيْفِيَّةُ" وتُخْلَعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ هَذا أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهُمْ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ"، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: "كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ"، فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ. وَذُكِّرَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى "العاقِبَةِ" لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَآلِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ تَأْنِيثُها بِحَقِيقِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، ولِهَذا الكَلامِ مَعْنَيانِ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن سَيُؤْمِنُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنهم مَن حَتَّمَ اللهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هو مُؤْمِنٌ بِهَذا الرَسُولِ إلّا أنَّهُ يَكْتُمُ إيمانَهُ وعِلْمَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعْجازَ القُرْآنِ حَقٌّ، حِفْظًا لِرِياسَتِهِ أو خَوْفًا مِن قَوْمِهِ، كالفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، وكالعَبّاسِ ونَحْوِ هَذا، ومِنهم مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفائِدَةُ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- التَفَرُّقُ لِكَلِمَةِ الكُفّارِ، وإضْعافُ نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم عَلى وجَلٍ مِن بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ آيَةُ مُناجَزَةٍ لَهم ومُتارَكَةٍ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا …

43

وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ

And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?

قوله عزّ وجلّ:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾

المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا في أنَّهُ مُفْتَرًى، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِها الوَعِيدَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ، و"تَأْوِيلُهُ" -عَلى هَذا- يُرادُ بِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، والآيَةُ بِجُمْلَتِها -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثانِي: أنَّهُ أرادَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنَبِّئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِعِلْمِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يُرِيدُ مَن سَلَفَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، قالَ الزَجّاجُ: "كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ "كانَ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها "فانْظُرْ" لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

هَذا قانُونُ النَحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا "كَيْفَ" في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِكَ: "كَيْفَ زَيْدٌ؟"، ولِـ "كَيْفَ" تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا، تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو "كَيْفِيَّةُ" وتُخْلَعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ هَذا أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهُمْ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ"، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: "كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ"، فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ. وَذُكِّرَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى "العاقِبَةِ" لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَآلِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ تَأْنِيثُها بِحَقِيقِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، ولِهَذا الكَلامِ مَعْنَيانِ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن سَيُؤْمِنُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنهم مَن حَتَّمَ اللهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هو مُؤْمِنٌ بِهَذا الرَسُولِ إلّا أنَّهُ يَكْتُمُ إيمانَهُ وعِلْمَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعْجازَ القُرْآنِ حَقٌّ، حِفْظًا لِرِياسَتِهِ أو خَوْفًا مِن قَوْمِهِ، كالفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، وكالعَبّاسِ ونَحْوِ هَذا، ومِنهم مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفائِدَةُ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- التَفَرُّقُ لِكَلِمَةِ الكُفّارِ، وإضْعافُ نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم عَلى وجَلٍ مِن بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ آيَةُ مُناجَزَةٍ لَهم ومُتارَكَةٍ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا …

44

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Indeed, Allah does not wrong the people at all, but it is the people who are wronging themselves.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ الناسَ شَيْئًا ولَكِنَّ الناسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾

قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ الناسُ" بِتَخْفِيفِ "لَكِنْ" ورَفْعِ "الناسُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وَلَكِنَّ" بِالتَشْدِيدِ ونَصْبِ "الناسَ"، وظُلْمُ الناسِ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما هو بِالتَكَسُّبِ مِنهُمُ الَّذِي يُقارِنُ اخْتِراعَ اللهِ تَعالى لِأفْعالِهِمْ، وعُرْفُ "لَكِنَّ" إذا كانَ قَبْلَها واوٌ أنْ تُثَقَّلَ، وإذا عَرِيَتْ مِنَ الواوِ أنْ تُخَفِّفَ، وقَدْ يَنْخَرِمُ هَذا، وقالَ الكُوفِيُّونَ: قَدْ تَدْخُلُ اللامُ في خَبَرِ "لَكِنَّ" المُشَدِّدَةِ عَلى حَدِّ دُخُولِها في "إنَّ"، ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ بِالحَشْرِ وخِزْيِهِمْ فِيهِ وتَعاوُنِهِمْ في التَلاوُمِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ، ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ﴾، ويَصِحُّ نُصْبُهُ بِـ "يَتَعارَفُونَ"، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَأنْ" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَعْنى الصِفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَحْشُرُهُمْ". وخُصِّصَ النَهارُ بِالذِكْرِ لِأنَّ ساعاتِهِ وقِسْمَتَهُ مَعْرُوفَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْجَمِيعِ، فَكَأنَّ هَؤُلاءِ مُتَحَقِّقُونَ قِلَّةَ ما لَبِثُوا، إذْ كَلُّ أمَدٍ طَوِيلٍ إذا انْقَضى فَهو واليَسِيرُ سَواءٌ. وأمّا قَوْلُهُ: "يَتَعارَفُونَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادَلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ كَأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم يَوْمَ الحَشْرِ يَتَعارَفُونَ، وهَذا التَعارُفُ عَلى جِهَةِ التَلاوُمِ والخِزْيِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "نَحْشُرُهُمْ" ويَكُونُ مَعْنى التَعارُفِ كالَّذِي قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَلْبَثُوا" ويَكُونُ التَعارُفُ في الدُنْيا، ويَجِيءُ مَعْنى الآيَةِ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم لِلْقِيامَةِ فَتَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ بَيْنَهم والأسْبابُ، ويَصِيرُ تَعارُفُهم في الدُنْيا كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ لا قَدَرَ لَها، وبِنَحْوِ هَذا المَعْنى فَسَّرَ الطَبَرِيُّ، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ فِيما رُوِيَ عنهُ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ﴾ إلى آخِرِها. حُكْمٌ عَلى المُكَذِّبِينَ بِالخَسارَةِ، وفي اللَفْظِ إغْلاظٌ عَلى المَحْشُورِينَ مِن إظْهارٍ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى، وهَذا عَلى أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةُ، "وَإمّا" شَرْطٌ، وجَوابُهُ "فَإلَيْنا"، والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ: "نُرِيَنَّكَ" رُؤْيَةُ بَصَرٌ، وقَدْ عُدِّيَ الفِعْلُ بِالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما "الكافُ"، والآخَرُ "بَعْضَ"، والإشارَةُ …

45

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allah and were not guided

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ الناسَ شَيْئًا ولَكِنَّ الناسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾

قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ الناسُ" بِتَخْفِيفِ "لَكِنْ" ورَفْعِ "الناسُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وَلَكِنَّ" بِالتَشْدِيدِ ونَصْبِ "الناسَ"، وظُلْمُ الناسِ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما هو بِالتَكَسُّبِ مِنهُمُ الَّذِي يُقارِنُ اخْتِراعَ اللهِ تَعالى لِأفْعالِهِمْ، وعُرْفُ "لَكِنَّ" إذا كانَ قَبْلَها واوٌ أنْ تُثَقَّلَ، وإذا عَرِيَتْ مِنَ الواوِ أنْ تُخَفِّفَ، وقَدْ يَنْخَرِمُ هَذا، وقالَ الكُوفِيُّونَ: قَدْ تَدْخُلُ اللامُ في خَبَرِ "لَكِنَّ" المُشَدِّدَةِ عَلى حَدِّ دُخُولِها في "إنَّ"، ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ بِالحَشْرِ وخِزْيِهِمْ فِيهِ وتَعاوُنِهِمْ في التَلاوُمِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ، ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ﴾، ويَصِحُّ نُصْبُهُ بِـ "يَتَعارَفُونَ"، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَأنْ" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَعْنى الصِفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَحْشُرُهُمْ". وخُصِّصَ النَهارُ بِالذِكْرِ لِأنَّ ساعاتِهِ وقِسْمَتَهُ مَعْرُوفَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْجَمِيعِ، فَكَأنَّ هَؤُلاءِ مُتَحَقِّقُونَ قِلَّةَ ما لَبِثُوا، إذْ كَلُّ أمَدٍ طَوِيلٍ إذا انْقَضى فَهو واليَسِيرُ سَواءٌ. وأمّا قَوْلُهُ: "يَتَعارَفُونَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادَلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ كَأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم يَوْمَ الحَشْرِ يَتَعارَفُونَ، وهَذا التَعارُفُ عَلى جِهَةِ التَلاوُمِ والخِزْيِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "نَحْشُرُهُمْ" ويَكُونُ مَعْنى التَعارُفِ كالَّذِي قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَلْبَثُوا" ويَكُونُ التَعارُفُ في الدُنْيا، ويَجِيءُ مَعْنى الآيَةِ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم لِلْقِيامَةِ فَتَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ بَيْنَهم والأسْبابُ، ويَصِيرُ تَعارُفُهم في الدُنْيا كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ لا قَدَرَ لَها، وبِنَحْوِ هَذا المَعْنى فَسَّرَ الطَبَرِيُّ، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ فِيما رُوِيَ عنهُ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ﴾ إلى آخِرِها. حُكْمٌ عَلى المُكَذِّبِينَ بِالخَسارَةِ، وفي اللَفْظِ إغْلاظٌ عَلى المَحْشُورِينَ مِن إظْهارٍ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى، وهَذا عَلى أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةُ، "وَإمّا" شَرْطٌ، وجَوابُهُ "فَإلَيْنا"، والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ: "نُرِيَنَّكَ" رُؤْيَةُ بَصَرٌ، وقَدْ عُدِّيَ الفِعْلُ بِالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما "الكافُ"، والآخَرُ "بَعْضَ"، والإشارَةُ …

46

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ

And whether We show you some of what We promise them, [O Muhammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allah is a witness concerning what they are doing

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ الناسَ شَيْئًا ولَكِنَّ الناسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾

قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ الناسُ" بِتَخْفِيفِ "لَكِنْ" ورَفْعِ "الناسُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وَلَكِنَّ" بِالتَشْدِيدِ ونَصْبِ "الناسَ"، وظُلْمُ الناسِ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما هو بِالتَكَسُّبِ مِنهُمُ الَّذِي يُقارِنُ اخْتِراعَ اللهِ تَعالى لِأفْعالِهِمْ، وعُرْفُ "لَكِنَّ" إذا كانَ قَبْلَها واوٌ أنْ تُثَقَّلَ، وإذا عَرِيَتْ مِنَ الواوِ أنْ تُخَفِّفَ، وقَدْ يَنْخَرِمُ هَذا، وقالَ الكُوفِيُّونَ: قَدْ تَدْخُلُ اللامُ في خَبَرِ "لَكِنَّ" المُشَدِّدَةِ عَلى حَدِّ دُخُولِها في "إنَّ"، ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ بِالحَشْرِ وخِزْيِهِمْ فِيهِ وتَعاوُنِهِمْ في التَلاوُمِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ، ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ﴾، ويَصِحُّ نُصْبُهُ بِـ "يَتَعارَفُونَ"، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَأنْ" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَعْنى الصِفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَحْشُرُهُمْ". وخُصِّصَ النَهارُ بِالذِكْرِ لِأنَّ ساعاتِهِ وقِسْمَتَهُ مَعْرُوفَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْجَمِيعِ، فَكَأنَّ هَؤُلاءِ مُتَحَقِّقُونَ قِلَّةَ ما لَبِثُوا، إذْ كَلُّ أمَدٍ طَوِيلٍ إذا انْقَضى فَهو واليَسِيرُ سَواءٌ. وأمّا قَوْلُهُ: "يَتَعارَفُونَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادَلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ كَأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم يَوْمَ الحَشْرِ يَتَعارَفُونَ، وهَذا التَعارُفُ عَلى جِهَةِ التَلاوُمِ والخِزْيِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "نَحْشُرُهُمْ" ويَكُونُ مَعْنى التَعارُفِ كالَّذِي قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَلْبَثُوا" ويَكُونُ التَعارُفُ في الدُنْيا، ويَجِيءُ مَعْنى الآيَةِ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم لِلْقِيامَةِ فَتَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ بَيْنَهم والأسْبابُ، ويَصِيرُ تَعارُفُهم في الدُنْيا كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ لا قَدَرَ لَها، وبِنَحْوِ هَذا المَعْنى فَسَّرَ الطَبَرِيُّ، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ فِيما رُوِيَ عنهُ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ﴾ إلى آخِرِها. حُكْمٌ عَلى المُكَذِّبِينَ بِالخَسارَةِ، وفي اللَفْظِ إغْلاظٌ عَلى المَحْشُورِينَ مِن إظْهارٍ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى، وهَذا عَلى أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةُ، "وَإمّا" شَرْطٌ، وجَوابُهُ "فَإلَيْنا"، والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ: "نُرِيَنَّكَ" رُؤْيَةُ بَصَرٌ، وقَدْ عُدِّيَ الفِعْلُ بِالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما "الكافُ"، والآخَرُ "بَعْضَ"، والإشارَةُ …

47

وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And for every nation is a messenger. So when their messenger comes, it will be judged between them in justice, and they will not be wronged

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ إخْبارٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٩]، وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ صُيِّرَ قَوْمٌ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٌ لِلنّارِ، فَذَلِكَ القَضاءُ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُنْيا وبُعِثَ صارُوا مِن حَتْمِ اللهِ بِالعَذابِ لِقَوْمٍ والمَغْفِرَةِ لِآخَرِينَ لِغاياتِهِمْ، فَذَلِكَ قَضاءٌ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقَرَنَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]، وذَلِكَ يَتَّفِقُ إمّا بِأنْ نَجْعَلَ "مُعَذِّبِينَ" في الآخِرَةِ، وإمّا بِأنْ نَجْعَلَ القَضاءَ بَيْنَهم في الدُنْيا بِحَيْثُ يَصِحُّ اشْتِباهُ الآيَتَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. الضَمِيرُ في "يَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ الكَفّارُ، وسُؤالُهم عَنِ الوَعْدِ تَحْرِيرٌ بِزَعْمِهِمْ في الحُجَّةِ، أيْ: هَذا العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَنا حَدَّدَ لَنا فِيهِ وقْتَهُ لِنَعْلَمَ الصِدْقَ في ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهم هَذا عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لا يَظْهَرُ مِنَ اللَفْظَةِ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ﴾، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ رَدًّا لِلْحُجَّةِ: إنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا مِن دُونِ اللهِ، ولا أنا إلّا في قَبْضَةِ سُلْطانِهِ وبِضِمْنِ الحاجَةِ إلى لُطْفِهِ، فَإذا كُنْتُ هَكَذا، فَأحْرى ألّا أعْرِفَ غَيْبَهُ ولا أتُعاصى شَيْئًا مِن أمْرِهِ، ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِلْمِ حَدِّهِ ووَقْتِهِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ في مَوْتٍ أو هَلاكِ أُمَّةٍ لَمْ يَتَأخَّرُوا ساعَةً ولا أمْكَنَهُمُ التَقَدُّمُ عن حَدِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "آجالُهُمْ" بِالجَمْعِ.

48

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ إخْبارٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٩]، وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ صُيِّرَ قَوْمٌ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٌ لِلنّارِ، فَذَلِكَ القَضاءُ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُنْيا وبُعِثَ صارُوا مِن حَتْمِ اللهِ بِالعَذابِ لِقَوْمٍ والمَغْفِرَةِ لِآخَرِينَ لِغاياتِهِمْ، فَذَلِكَ قَضاءٌ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقَرَنَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]، وذَلِكَ يَتَّفِقُ إمّا بِأنْ نَجْعَلَ "مُعَذِّبِينَ" في الآخِرَةِ، وإمّا بِأنْ نَجْعَلَ القَضاءَ بَيْنَهم في الدُنْيا بِحَيْثُ يَصِحُّ اشْتِباهُ الآيَتَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. الضَمِيرُ في "يَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ الكَفّارُ، وسُؤالُهم عَنِ الوَعْدِ تَحْرِيرٌ بِزَعْمِهِمْ في الحُجَّةِ، أيْ: هَذا العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَنا حَدَّدَ لَنا فِيهِ وقْتَهُ لِنَعْلَمَ الصِدْقَ في ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهم هَذا عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لا يَظْهَرُ مِنَ اللَفْظَةِ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ﴾، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ رَدًّا لِلْحُجَّةِ: إنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا مِن دُونِ اللهِ، ولا أنا إلّا في قَبْضَةِ سُلْطانِهِ وبِضِمْنِ الحاجَةِ إلى لُطْفِهِ، فَإذا كُنْتُ هَكَذا، فَأحْرى ألّا أعْرِفَ غَيْبَهُ ولا أتُعاصى شَيْئًا مِن أمْرِهِ، ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِلْمِ حَدِّهِ ووَقْتِهِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ في مَوْتٍ أو هَلاكِ أُمَّةٍ لَمْ يَتَأخَّرُوا ساعَةً ولا أمْكَنَهُمُ التَقَدُّمُ عن حَدِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "آجالُهُمْ" بِالجَمْعِ.

49

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

Say, "I possess not for myself any harm or benefit except what Allah should will. For every nation is a [specified] term. When their time has come, then they will not remain behind an hour, nor will they precede [it]."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ إخْبارٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٩]، وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ صُيِّرَ قَوْمٌ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٌ لِلنّارِ، فَذَلِكَ القَضاءُ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُنْيا وبُعِثَ صارُوا مِن حَتْمِ اللهِ بِالعَذابِ لِقَوْمٍ والمَغْفِرَةِ لِآخَرِينَ لِغاياتِهِمْ، فَذَلِكَ قَضاءٌ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقَرَنَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]، وذَلِكَ يَتَّفِقُ إمّا بِأنْ نَجْعَلَ "مُعَذِّبِينَ" في الآخِرَةِ، وإمّا بِأنْ نَجْعَلَ القَضاءَ بَيْنَهم في الدُنْيا بِحَيْثُ يَصِحُّ اشْتِباهُ الآيَتَيْنِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. الضَمِيرُ في "يَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ الكَفّارُ، وسُؤالُهم عَنِ الوَعْدِ تَحْرِيرٌ بِزَعْمِهِمْ في الحُجَّةِ، أيْ: هَذا العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَنا حَدَّدَ لَنا فِيهِ وقْتَهُ لِنَعْلَمَ الصِدْقَ في ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهم هَذا عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لا يَظْهَرُ مِنَ اللَفْظَةِ.

ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ﴾، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ رَدًّا لِلْحُجَّةِ: إنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا مِن دُونِ اللهِ، ولا أنا إلّا في قَبْضَةِ سُلْطانِهِ وبِضِمْنِ الحاجَةِ إلى لُطْفِهِ، فَإذا كُنْتُ هَكَذا، فَأحْرى ألّا أعْرِفَ غَيْبَهُ ولا أتُعاصى شَيْئًا مِن أمْرِهِ، ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِلْمِ حَدِّهِ ووَقْتِهِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ في مَوْتٍ أو هَلاكِ أُمَّةٍ لَمْ يَتَأخَّرُوا ساعَةً ولا أمْكَنَهُمُ التَقَدُّمُ عن حَدِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "آجالُهُمْ" بِالجَمْعِ.

50

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوْ نَهَارًۭا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ

Say, "Have you considered: if His punishment should come to you by night or by day - for which [aspect] of it would the criminals be impatient?"

قوله عزّ وجلّ:

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أو نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ: لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

المَعْنى: قُلْ: يا أيُّها الكَفَرَةُ المُسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ لَيْلًا وقْتَ المَبِيتِ؟ يُقالُ: بَيَّتَ القَوْمُ القَوْمَ إذا طَرْقُوهم لَيْلًا بِحَرْبٍ أو نَحْوِها، "أو نَهارًا" لَكم مِنهُ مَنَعَةٌ أو بِهِ طاقَةٌ؟ فَماذا تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، وأنْتُمْ لا قِبَلَ لَكم بِهِ؟ و"ما" ابْتِداءٌ، و"ذا" خَبَرُهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ، وضَعَّفَ هَذا أبُو عَلِيٍّ وقالَ: إنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارٍ في "يَسْتَعْجِلُ" وحَذْفُهُ كَما قالَ:

؎ ............................. ∗∗∗ كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ

وَ"زِيدٌ ضَرَبْتُ"، قالَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" في حالِ نَصْبٍ لِـ"يَسْتَعْجِلُ"، والضَمِيرُ في "مِنهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ الآيَةُ، عَطَفَ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ" جُمْلَةَ القَوْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أدْخَلَ عَلى الجَمِيعِ ألِفَ التَقْرِيرِ. ومَعْنى الآيَةِ: إذا وقَعَ العَذابُ وعايَنْتُمُوهُ آمَنتُمْ بِهِ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ غَيْرُ نافِعِكُمْ، بَلْ جَوابُكُمُ الآنَ، وقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ مُكَذِّبِينَ بِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أثَمَّ" بِفَتْحِ الثاءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، مَعْناهُ: هُنالِكَ، وقالَ: لَيْسَتْ "ثُمَّ" هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والمَعْنى صَحِيحٌ عَلى أنَّها "ثُمَّ" المَعْرُوفَةُ، ولَكِنَّ إطْباقَهُ عَلى لَفْظِ التَنْزِيلِ هو كَما قُلْنا، وما ادَّعاهُ الطَبَرِيُّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. و"آلْآنَ" أصْلُهُ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ "آنَ" فِعْلٌ ماضٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ:

؎ ............................. ∗∗∗ ∗∗∗.......الحِمارُ اليُجَدَّعُ

وَلَمْ يَتَعَرَّفْ بِذَلِكَ كُلَّ التَعْرِيفِ، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ ولِذَلِكَ بُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الحَرْفِ، ولِوُقُوعِها مَوْقِعَ المُبْهَمِ، لِأنَّ مَعْناها: "هَذا الوَقْتُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والجُمْهُورُ: "آلْآنَ" بِالمَدِّ والِاسْتِفْهامِ عَلى حَدِّ التَوْبِيخِ، وكَذَلِكَ "آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ"، وقَرَأها بِاسْتِفْهامٍ بِغَيْرِ مَدٍّطَلْحَةُ والأعْرَجُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآيَةُ، هو الوَعِيدُ الأعْظَمُ بِالخُلُودِ لِأهْلِ الظُلْمِ الأخَصِّ الَّذِي هو ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ. ونَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ في الآخِرَةِ هو عَلى تَكَسُّبِ العَبْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي -عَلى هَذا- تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحُدُها الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ، فَهي -عَلى هَذا- تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ: أحُدُها …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.