Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 91–100 of 109

91

ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ

Now? And you had disobeyed [Him] before and were of the corrupters?

﴿آلْآنَ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قالَ، أيْ: فَقِيلَ: الآنَ، وهو إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آيَةً﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ الغَضَبِ عَلى المَخْذُولِ، ومُقابَلَةُ ما أظْهَرَهُ بِالرَّدِّ عَلى وجْهِ الإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ عَلى تَأْخِيرِهِ وتَقْرِيعِهِ بِالعِصْيانِ والإفْسادِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي حَذْفِ الفِعْلِ المَذْكُورِ وإبْرازِ الخَبَرِ المَحْكِيِّ في صُورَةِ الإنْشاءِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى عِظَمِ السُّخْطِ وشَدَّةِ الغَضَبِ ما لا يَخْفى، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ دَسَّ فاهُ عِنْدَ ذَلِكَ بِحالِ البَحْرِ وسَدَّهُ بِهِ، فَإنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلرَّدِّ القَوْلَيِّ بِالرَّدِّ الفِعْلِيِّ، ولا يُنافِيهِ تَعْلِيلُهُ بِمَخافَةِ إدْراكِ الرَّحْمَةِ، فِيما نُقِلَ أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ««فَلَوْ رَأيْتَنِي يا مُحَمَّدُ وأنا آخُذُ مِن حالِ البَحْرِ فَأدُسُّهُ في فِيهِ؛ مَخافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ»» إذِ المُرادُ بِها الرَّحْمَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، أيِ: النَّجاةُ الَّتِي هي طِلْبَةُ المَخْذُولِ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ إدْراكِها صِحَّةُ الإيمانِ - كَما في إيمانِ قَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى يَلْزَمَ مِن كَراهَتِهِ ما لا يُتَصَوَّرُ في شَأْنِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الرِّضا بِالكُفْرِ، إذْ لا اسْتِحالَةَ في تَرَتُّبِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ عَلى مُجَرَّدِ التَّفَوُّهِ بِكَلِمَةِ الإيمانِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في حالَةِ البَأْسِ واليَأْسِ، فَيُحْمَلُ دَسُّهُ ﷺ عَلى سَدِّ بابِ الِاحْتِمالِ البَعِيدِ لِكَمالِ الغَيْظِ وشِدَّةِ الحَرْدِ، فَتَدَبَّرْ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.

وَحَقُّ العامِلِ في الظَّرْفِ أنْ يُقَدَّرَ مُؤَخَّرًا لِيَتَوَجَّهَ الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ إلى تَأْخِيرِ الإيمانِ إلى حَدٍّ يَمْتَنِعُ قَبُولُهُ فِيهِ، أيِ: الآنَ تُؤْمِنُ حِينَ يَئِسْتَ مِنَ الحَياةِ، وأيْقَنْتَ بِالمَماتِ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ، جِيءَ بِهِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى تَأْخِيرِ الإيمانِ إلى هَذا الآنَ، بِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَأْخِيرُهُ لِعَدَمِ بُلُوغِ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، ولا لِلتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ في دَلائِلِهِ وآياتِهِ ولا لِشَيْءٍ آخَرَ مِمّا عَسى يُعَدُّ عُذْرًا في التَّأْخِيرِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الرَّدِّ والِاسْتِعْصاءِ والإفْسادِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى "عَصَيْتَ" داخِلٌ في حَيِّزِ الحالِ، أيْ: وكُنْتَ مِنَ الغالِينَ في الضَّلالِ الإضْلالِ عَنِ الإيمانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ فَهَذا عِبارَةٌ عَنْ فَسادِهِ الرّاجِعِ إلى نَفْسِهِ، والسّارِي إلى غَيْرِهِ مِنَ الظُّلْمِ والتَّعَدِّي، وصَدِّ بَنِي إسْرائِيلَ عَنِ الإيمانِ، والأوَّلُ عَنْ عِصْيانِهِ الخاصِّ بِهِ.

92

فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ

So today We will save you in body that you may be to those who succeed you a sign. And indeed, many among the people, of Our signs, are heedless

﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أيْ: نُخْرِجُكَ مِمّا وقَعَ فِيهِ قَوْمُكَ مِن قَعْرِ البَحْرِ، ونَجْعَلُكَ طافِيًا، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالتَّنْجِيَةِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ مُرادَهُ بِالإيمانِ هو النَّجاةُ - كَما مَرَّ - وتَهَكُّمٌ بِهِ، أوْ نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ لِيَراكَ بَنُو إسْرائِيلَ، وقُرِئَ (نُنْجِيكَ) مِنَ الإنْجاءِ، و(نُنَحِّيكَ) بِالحاءِ مِنَ التَّنْحِيَةِ، أيْ: نُلْقِيكَ بِناحِيَةِ السّاحِلِ ﴿بِبَدَنِكَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، أيْ: نُنْجِيكَ مُلابِسًا بِبَدَنِكَ فَقَطْ لا مَعَ رُوحِكَ كَما هو مَطْلُوبُكَ، فَهو تَخْيِيبٌ لَهُ وحَسْمٌ لِأطْماعِهِ بِالمَرَّةِ، أوْ عارِيًا عَنِ اللِّباسِ، أوْ كامِلًا سَوِيًّا، أوْ بِدِرْعِكَ وكانَتْ لَهُ دِرْعٌ مِنَ الذَّهَبِ يُعْرَفُ بِها، وقُرِئَ (بِأبْدانِكَ) أيْ: بِأجْزاءِ بَدَنِكَ كُلِّها، كَقَوْلِهِمْ: هَوى بِأجْرامِهِ، أوْ بِدُرُوعِكَ، كَأنَّهُ كانَ مُظاهِرًا بَيْنَها.

﴿لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾ لِمَن وراءَكَ عَلامَةً وهم بَنُو إسْرائِيلَ، إذْ كانَ في نُفُوسِهِمْ مِن عَظَمَتِهِ ما خُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّهُ لا يُهْلَكُ، حَتّى يُرْوى أنَّهم لَمْ يُصَدِّقُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أخْبَرَهم بِغَرَقِهِ إلى أنْ عايَنُوهُ مُطَّرَحًا عَلى مَمَرِّهِمْ مِنَ السّاحِلِ، أوْ تَكُونَ لِمَن يَأْتِي بَعْدَكَ مِنَ الأُمَمِ - إذا سَمِعُوا مَآلَ أمْرِكَ مِمَّنْ شاهَدَكَ - عِبْرَةً ونَكالًا مِنَ الطُّغْيانِ، أوْ حُجَّةً تَدُلُّهم عَلى أنَّ الإنْسانَ - وإنْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى مِن عِظَمِ الشَّأْنِ وعُلُوِّ الكِبْرِياءِ وقُوَّةِ السُّلْطانِ - فَهو مَمْلُوكٌ مَقْهُورٌ بَعِيدٌ عَنْ مَظانِّ الربوبية، وقُرِئَ (لِمَن خَلَفَكَ) فِعْلًا ماضِيًا، أيْ: لِمَن خَلَفَكَ مِنَ الجَبابِرَةِ، وقُرِئَ (لِمَن خَلَقَكَ) بِالقافِ، أيْ: لِتَكُونَ لِخالِقِكَ آيَةً كَسائِرِ الآياتِ، فَإنَّ إفْرادَهُ سُبْحانَهُ إيّاكَ بِالإلْقاءِ إلى السّاحِلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَصْدٌ مِنهُ لِكَشْفِ تَزْوِيرِكَ، وإماطَةِ الشُّبْهَةِ في أمْرِكَ، وبُرْهانٌ نَيِّرٌ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وقدرته وحَكَمْتِهِ وإرادَتِهِ، وهَذا الوَجْهُ مُحْتَمَلٌ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أيْضًا، وفي تَعْلِيلِ تَنْجِيَتِهِ بِما ذُكِرَ إيذانٌ بِأنَّها لَيْسَتْ لِإعْزازِهِ، أوْ لِفائِدَةٍ أُخْرى عائِدَةٍ إلَيْهِ، بَلْ لِكَمالِ الِاسْتِهانَةِ بِهِ وتَفْضِيحِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وزِيادَةِ تَفْظِيعِ حالِهِ، كَمَن يُقْتَلُ ثُمَّ يُجَرُّ جَسَدُهُ في الأسْواقِ، أوْ يُدارُ بِرَأْسِهِ في البِلادِ، واللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"نُنَجِّيكَ"، والثّانِيَةُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (آيَةً) أيْ: كائِنَةً لِمَن خَلْفَكَ.

﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها، ولا يَعْتَبِرُونَ بِها، وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، جِيءَ بِهِ عِنْدَ الحِكايَةِ تَقْرِيرًا لِفَحْوى الكَلامِ المَحْكِيِّ.

93

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍۢ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And We had certainty settled the Children of Israel in an agreeable settlement and provided them with good things. And they did not differ until [after] knowledge had come to them. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ

﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ إثْرَ نِعْمَةِ الإنْجاءِ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، وإخْلالِهِمْ بِشُكْرِها، وأداءِ حُقُوقِها، أيْ: أسْكَنّاهم وأنْزَلْناهم بَعْدَما أنْجَيْناهم وأهْلَكْنا أعْداءَهم ﴿مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ أيْ: مَنزِلًا صالِحًا مَرْضِيًّا، وهو الشّامُ ومِصْرُ مَلَكُوهُما بَعْدَ الفَراعِنَةِ والعَمالِقَةِ، وتَمَكَّنُوا فِي نَواحِيهِما حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ .

﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ: اللَّذائِذِ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في أمْرِ دِينِهِمْ ﴿حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ أيْ: إلّا بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بِقِراءَتِهِمُ التَّوْراةَ وعِلْمِهِمْ بِأحْكامِها، أوْ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا مِن بَعْدِ ما عَلِمُوا صِدْقَ نُبُوَّتِهِ وتَظاهُرَ مُعْجِزاتِهِ، فالمُرادُ بِالمُخْتَلِفِينَ أعْقابُهُمُ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فَيُمَيِّزُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِالإثابَةِ والتَّعْذِيبِ.

94

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

So if you are in doubt, [O Muhammad], about that which We have revealed to you, then ask those who have been reading the Scripture before you. The truth has certainly come to you from your Lord, so never be among the doubters.

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ أيْ: في شَكٍّ ما يَسِيرُ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، فَإنَّ مَضْمُونَ الشَّرْطِيَّةِ إنَّما هو تَعْلِيقُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإمْكانِ شَيْءٍ مِنهُما، كَيْفَ لا وقَدْ يَكُونُ كِلاهُما مُمْتَنَعًا كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ونَظائِرِهِما ؟! ﴿مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ مِنَ القَصَصِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها قِصَّةُ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وأخْبارُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مُحَقَّقٌ عِنْدَهُمْ، ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ، حَسْبَما ألْقَيْنا إلَيْكَ، والمُرادُ إظْهارُ نُبُوَّتِهِ ﷺ بِشَهادَةِ الأحْبارِ، حَسْبَما هو المَسْطُورُ في كُتُبِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إلَيْهِ حاجَةٌ أصْلًا، أوْ وصْفُ أهْلِ الكِتابِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ أوْ تَهْيِيجُهُ ﷺ وزِيادَةُ تَثْبِيتِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ اليَقِينِ لا تَجْوِيزُ صُدُورِ الشَّكِّ مِنهُ ﷺ ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: ﴿لا أشُكُّ ولا أسْألُ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وتَمِيمٍ الدّارِيِّ، وكَعْبٍ وأضْرابِهِمْ.

وَقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ: أُمَّتُهُ، أوْ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ، أيْ: إنْ كُنْتَ أيُّها السّامِعُ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلَنا إلَيْكَ عَلى لِسانِ نَبِيِّنا، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن خالَجَتْهُ شُبْهَةٌ في الدِّينِ يَنْبَغِي أنْ يُسارِعَ إلى حَلِّها بِالرُّجُوعِ إلى أهْلِ العِلْمِ، وقُرِئَ (فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكُتُبَ).

﴿لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ولا رَيْبَ في حَقِّيَّتِهِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وظَهَرَ ذَلِكَ بِالآياتِ القاطِعَةِ الَّتِي لا يَحُومُ حَوْلَها شائِبَةُ الِارْتِيابِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ التَّشْرِيفِ ما لا يَخْفي ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ بِالتَّزَلْزُلِ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الجَزْمِ واليَقِينِ، ودُمْ عَلى ذَلِكَ كَما كُنْتَ مِن قَبْلُ.

95

وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And never be of those who deny the signs of Allah and [thus] be among the losers.

﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، والمُرادُ بِهِ: إعْلامُ أنَّ التَّكْذِيبَ مِنَ القُبْحِ والمَحْذُورِيَّةِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُتَصَوَّرُ إمْكانُ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ اتِّصافُهُ بِهِ، وفِيهِ قَطْعٌ لِأطْماعِ الكَفَرَةِ ﴿فَتَكُونَ﴾ بِذَلِكَ ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أنْفُسًا وأعْمالًا.

96

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those upon whom the word of your Lord has come into effect will not believe,

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ سِرِّ إصْرارِ الكَفَرَةِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ، أيْ: ثَبَتَتْ ووَجَبَتْ بِمُقْتَضى المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ حُكْمُهُ وقَضاؤُهُ بِأنَّهم يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ ويُخَلَّدُونَ في النّارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ إلى آخِرِهِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أبَدًا إذْ لا كَذِبَ لِكَلامِهِ ولا انْتِقاضَ لِقَضائِهِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ إيمانًا نافِعًا واقِعًا في أوانِهِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِمُ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ مَثَلُ فِرْعَوْنَ باقِيًا عِنْدَ المَوْتِ فَيَدْخُلُ فِيهِمُ المُرْتَدُّونَ.

97

وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ

Even if every sign should come to them, until they see the painful punishment.

﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ واضِحَةُ المَدْلُولِ مَقْبُولَةٌ لَدى العُقُولِ؛ لِأنَّ سَبَبَ إيمانِهِمْ وهو تَعَلُّقُ إرادَتِهِ تَعالى بِهِ مَفْقُودٌ، لَكِنَّ فِقْدانَهُ لَيْسَ لِمَنعٍ مِنهُ سُبْحانَهُ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ، بَلْ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمُ المُتَفَرِّعِ عَلى عَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِذَلِكَ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وأضْرابِهِمْ.

98

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ

Then has there not been a [single] city that believed so its faith benefited it except the people of Jonah? When they believed, We removed from them the punishment of disgrace in worldly life and gave them enjoyment for a time.

﴿فَلَوْلا كانَتْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِنِ اسْتِحالَةِ إيمانِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُهُ تَعالى لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ التَّدارُكِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ الآتِي بَيانًا لِكَوْنِ قَوْمِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمَّنْ لَمْ يَحِقَّ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ لِاهْتِدائِهِمْ إلى التَّدارُكِ في وقْتِهِ و"لَوْلا" بِمَعْنى: هَلّا، وقُرِئَ (كَذَلِكَ) أيْ: فَلا كانَتْ ﴿قَرْيَةٌ﴾ مِنَ القُرى المُهْلَكَةِ ﴿آمَنَتْ﴾ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ، ولَمْ تُؤَخِّرْ إيمانَها إلى حِينِ مُعايَنَتِهِ كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ﴿فَنَفَعَها إيمانُها﴾ بِأنْ يَقْبَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنها ويَكْشِفَ بِسَبَبِهِ العَذابَ عَنْها ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ قَوْمُ يُونُسَ ﴿لَمّا آمَنُوا﴾ أوَّلَ ما رَأوْا أمارَةَ العَذابِ ولَمْ يُؤَخِّرُوا إلى حُلُولِهِ ﴿كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بَعْدَما أظَلَّهم وكادَ يَحِلُّ بِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ حَرْفُ التَّخْصِيصِ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، إذِ المُرادُ بِـ"القُرى": أهالِيها، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ طائِفَةٌ مِنَ الأُمَمِ العاصِيَةِ فَنَفَعَهم إيمانُهم إلّا قَوْمَ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ (لَمّا آمَنُوا)﴾ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ نَفْعِ إيمانِهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِيَّةِ ﴿وَمَتَّعْناهُمْ﴾ بِمَتاعِ الدُّنْيا بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم ﴿إلى حِينٍ﴾ مُقَدَّرٍ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.

رُوِيَ أنَّ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بُعِثَ إلى نِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَكَذَّبُوهُ فَذَهَبَ عَنْهم مُغاضِبًا، فَلَمّا فَقَدُوهُ خافُوا نُزُولَ العَذابِ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ، وعَجُّوا أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وقِيلَ: قالَ لَهم يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: أجَلُكم أرْبَعُونَ لَيْلَةً، فَقالُوا: إنْ رَأيْنا أسْبابَ الهَلاكِ آمَنّا بِكَ، فَلَمّا مَضَتْ خَمْسٌ وثَلاثُونَ أغامَتِ السَّماءُ غَيْمًا أسْوَدَ هائِلًا يُدَخِّنُ دُخانًا شَدِيدًا، ثُمَّ يَهْبِطُ حَتّى يَغْشى مَدِينَتَهُمْ، ويُسَوِّدَ سُطُوحَهُمْ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ وبَرَزُوا إلى الصَّعِيدِ بِأنْفُسِهِمْ، ونِسائِهِمْ، وصِبْيانِهِمْ، ودَوابِّهِمْ، وفَرَّقُوا بَيْنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، وبَيْنَ الدَّوابِّ وأوْلادِها، فَحَنَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ وعَلَتِ الأصْواتُ والعَجِيجُ، وأظْهَرُوا الإيمانَ والتَّوْبَةَ، وتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى فَرَحِمَهم وكَشَفَ عَنْهُمْ، وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ عاشُوراءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بَلَغَ مِن تَوْبَتِهِمْ أنْ تَرادُّوا المَظالِمَ، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَقْتَلِعُ الحَجَرَ - وقَدْ وضَعَ عَلَيْهِ أساسَ بِنائِهِ - فَيَرُدُّهُ إلى صاحِبِهِ، وقِيلَ: خَرَجُوا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا: قَدْ نَزَلَ بِنا العَذابُ، فَما تَرى؟ فَقالَ لَهُمْ: قُولُوا: يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، ويا حَيَّ مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوها، فَكُشِفَ عَنْهم.

وَعَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالُوا: إنَّ ذُنُوبَنا قَدْ عَظُمَتْ وجَلَّتْ، وأنْتَ أعْظَمُ مِنها وأجَلُّ، افْعَلْ بِنا ما أنْتَ أهْلُهُ، ولا تَفْعَلْ بِنا ما نَحْنُ أهْلُهُ.

99

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ

And had your Lord willed, those on earth would have believed - all of them entirely. Then, [O Muhammad], would you compel the people in order that they become believers?

﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ﴾ تَحْقِيقٌ لِدَوَرانِ إيمانِ كافَّةِ المُكَلَّفِينَ وُجُودًا وعَدَمًا عَلى قُطْبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى مُطْلَقًا، إثْرَ بَيانِ تَبَعِيَّةِ كُفْرِ الكَفَرَةِ لِكَلِمَتِهِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِوُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ مِن وُقُوعِها شَرْطًا، وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ، وأنْ لا يَكُونَ في تَعَلُّقِها بِهِ غَرابَةٌ كَما هو المَشْهُورُ، أيْ: لَوْ شاءَ سُبْحانَهُ إيمانَ مَن في الأرْضِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ لَآمَنَ كُلُّهم بِحَيْثُ لا يَشِذُّ عَنْهم أحَدٌ "جَمِيعًا" مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، لَكِنَّهُ لا يَشاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها بُنِيَ أساسُ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى إيمانَهُ يُؤْمِنُ لا مَحالَةَ.

﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ عَلى ما لَمْ يَشَأِ اللَّهُ مِنهم حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ حَرْفُ الِامْتِناعِ في الشَّرْطِيَّةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أرَبُّكَ لا يَشاءُ ذَلِكَ فَأنْتَ تُكْرِهُهم ﴿حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ فَيَكُونُ الإنْكارُ مُتَوَجِّهًا إلى تَرْتِيبِ الإكْراهِ المَذْكُورِ عَلى عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلى عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مُتَأخِّرَةٌ في الِاعْتِبارِ، وإنَّما قُدِّمَتْ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ، كَما هو رَأْيُ الجُمْهُورِ، وأيًّا ما كانَ فالمَشِيئَةُ عَلى إطْلاقِها إذْ لا فائِدَةَ، بَلْ لا وجْهَ لِاعْتِبارِ عَدَمِ مَشِيئَةِ الإلْجاءِ خاصَّةً في إنْكارِ التَّرْتِيبِ عَلَيْهِ، أوْ تَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلَيْهِ، وفي إيلاءِ الِاسْمِ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ إيذانٌ بِأنَّ الإكْراهَ أمْرٌ مُمْكِنٌ، لَكِنَّ الشَّأْنَ في المُكْرَهِ مَن هُوَ، وما هو إلّا هو وحْدَهُ لا يُشارَكُ فِيهِ؛ لِأنَّهُ القادِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَطاعٍ لِلْبَشَرِ، وفِيهِ إيذانٌ بِاعْتِبارِ الإلْجاءِ في المَشِيئَةِ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.

100

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

And it is not for a soul to believe except by permission of Allah, and He will place defilement upon those who will not use reason.

﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ﴾ بَيانٌ لِتَبَعِيَّةِ إيمانِ النُّفُوسِ المُؤْمِنَةِ لِمَشِيئَتِهِ تَعالى وُجُودًا بَعْدَ بَيانِ الدَّوَرانِ الكُلِّيِّ عَلَيْها وُجُودًا وعَدَمًا، أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّها تُؤْمِنُ ﴿أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِتَسْهِيلِهِ ومَنحِهِ لِلْألْطافِ، وإنَّما خُصَّتِ النَّفْسُ بِمَن ذُكِرَ ولَمْ يُجْعَلْ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، أيْ: ما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ في حالٍ مِن أحْوالِها إلّا حالَ كَوْنِها مُلابِسَةً بِإذْنِهِ تَعالى، فَلا بُدَّ مِن كَوْنِ الإيمانِ مِمّا يَئُولُ إلَيْهِ حالُها، كَما أنَّ المَوْتَ مَآلٌ لِكُلِّ نَفْسٍ بِحَيْثُ لا مَحِيصَ لَها عَنْهُ، فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ النَّفْسِ بِمَن ذُكِرَ، فَإنَّ النُّفُوسَ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ أنَّها لا تُؤْمِنُ لَيْسَ لَها حالٌ تُؤْمِنُ فِيها حَتّى يُسْتَثْنى تِلْكَ الحالُ مِن غَيْرِها ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ أيِ: الكُفْرَ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ، عُبِّرَ عَنْهُ بِالرِّجْسِ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ القَبِيحِ المُسْتَقْذَرِ المُسْتَكْرَهِ - لِكَوْنِهِ عَلَمًا في القُبْحِ والِاسْتِكْراهِ، وقِيلَ: هو العَذابُ، أوِ الخِذْلانُ المُؤَدِّي إلَيْهِ، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقُرِئَ بِالزّايِ، أيْ: يَجْعَلُ الكُفْرَ ويُبْقِيهِ ﴿عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ لا يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ في الحُجَجِ والآياتِ، أوْ لا يَعْقِلُونَ دَلائِلَهُ وأحْكامَهُ لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الطَّبْعِ، فَلا يَحْصُلُ لَهُمُ الهِدايَةُ الَّتِي عُبِّرَ عَنْها بِالإذْنِ، فَيَبْقَوْنَ مَغْمُورِينَ بِقَبائِحِ الكُفْرِ والضَّلالِ، أوْ مَقْهُورِينَ بِالعَذابِ والنَّكالِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَأْذَنُ لَهم بِمَنحِ الألْطافِ ويَجْعَلُ ... إلَخْ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.