Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 91–100 of 109

91

ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ

Now? And you had disobeyed [Him] before and were of the corrupters?

صفحة ٢٧٧

﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾

مَقُولٌ لِقَوْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: قالَ اللَّهُ. وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ: آمَنتُ لِأنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ طَلَبَ الإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ اعْتِرافًا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَكَأنَّهُ وجَّهَ إلَيْهِ كَلامًا. فَأجابَهُ اللَّهُ بِكَلامٍ.

وقالَ اللَّهُ هَذا الكَلامُ لَهُ عَلى لِسانِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِتَعْذِيبِهِ تَأْيِيسًا لَهُ مِنَ النَّجاةِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، تِلْكَ النَّجاةُ الَّتِي هي مَأْمُولَةٌ حِينَ قالَ آمَنتُ إلى آخِرِهِ، فَإنَّهُ ما آمَنَ إلّا وقَدْ تَحَقَّقَ بِجَمِيعِ ما قالَهُ مُوسى، وعَلِمَ أنَّ ما حَلَّ بِهِ كانَ بِسَبَبِ غَضَبِ اللَّهِ، ورَجا مِنِ اعْتِرافِهِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ ويُنْجِيَهُ مِنَ الغَرَقِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَقِبَ كَلامِهِ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ كَما سَيَأْتِي.

والِاسْتِفْهامُ في آلْآنَ إنْكارِيٌّ.

والآنَ: ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: آمَنتُ تَقْدِيرُهُ: الآنَ تُؤْمِنُ، أيْ هَذا الوَقْتُ. ويُقَدَّرُ الفِعْلُ مُؤَخَّرًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ دَلَّ عَلَيْهِ، ولِأنَّ مَحَطَّ الإنْكارِ هو الظَّرْفُ.

والإنْكارُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الإنْكارَ لَيْسَ وقْتًا يَنْفَعُ فِيهِ الإيمانُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ في قُوَّةِ النَّفْيِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا إيمانَ الآنَ.

والمَنفِيُّ هو إيمانٌ يُنْجِي مَن حَصَلَ مِنهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وإنَّما لَمْ يَنْفَعْهُ إيمانُهُ لِأنَّهُ جاءَ بِهِ في وقْتِ حُصُولِ المَوْتِ. وهو وقْتٌ لا يُقْبَلُ فِيهِ إيمانُ الكافِرِ ولا تَوْبَةُ العاصِي، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]

صفحة ٢٧٨

والآنَ اسْمُ ظَرْفٍ لِلزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] في سُورَةِ الأنْفالِ.

وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَعْمُولِ تُؤَمِنُ المَحْذُوفِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ لِما في الِاسْتِفْهامِ مِن مَعْنى الإنْكارِ، فَإنَّ إيمانَهُ في ذَلِكَ الحِينِ مُنْكَرٌ، ويَزِيدُهُ إنْكارًا أنَّ صاحِبَهُ كانَ عاصِيًا لِلَّهِ ومُفْسِدًا لِلدِّينِ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، ومُفْسِدًا في الأرْضِ بِالجَوْرِ والظُّلْمِ والتَّمْوِيهِ بِالسِّحْرِ.

وصِيغَةُ ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أبْلَغُ في الوَصْفِ بِالإفْسادِ مِن: وكُنْتَ مُفْسِدًا، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وبِمِقْدارِ ما قَدَّمَهُ مِنَ الآثامِ والفَسادِ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ العَذابُ.

والفاءُ الَّتِي في قَوْلِهِ: (فاليَوْمَ) فاءُ الفَصِيحَةِ، تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. والمَعْنى: فَإنْ رُمْتَ بِإيمانِكَ بَعْدَ فَواتِ وقْتِهِ أنْ أُنْجِيَكَ مِنَ الغَرَقِ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ، والكَلامُ جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ، فَإطْلاقُ الإنْجاءِ عَلى إخْراجِهِ مِنَ البَحْرِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ.

ولَيْسَ مُسَوِّغُها التَّهَكُّمَ المَحْضَ كَما هو الغالِبُ في نَوْعِها، بَلْ فِيها عَلاقَةُ المُشابِهَةِ؛ لِأنَّ إخْراجَهُ إلى البَرِّ كامِلًا بِشَكَّتِهِ يُشْبِهُ الإنْجاءَ، ولَكِنَّهُ ضِدُّ …

92

فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ

So today We will save you in body that you may be to those who succeed you a sign. And indeed, many among the people, of Our signs, are heedless

صفحة ٢٧٧

﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾

مَقُولٌ لِقَوْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: قالَ اللَّهُ. وهو جَوابٌ لِقَوْلِهِ: آمَنتُ لِأنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ طَلَبَ الإنْجاءِ مِنَ الغَرَقِ اعْتِرافًا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَكَأنَّهُ وجَّهَ إلَيْهِ كَلامًا. فَأجابَهُ اللَّهُ بِكَلامٍ.

وقالَ اللَّهُ هَذا الكَلامُ لَهُ عَلى لِسانِ المَلَكِ المُوَكَّلِ بِتَعْذِيبِهِ تَأْيِيسًا لَهُ مِنَ النَّجاةِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، تِلْكَ النَّجاةُ الَّتِي هي مَأْمُولَةٌ حِينَ قالَ آمَنتُ إلى آخِرِهِ، فَإنَّهُ ما آمَنَ إلّا وقَدْ تَحَقَّقَ بِجَمِيعِ ما قالَهُ مُوسى، وعَلِمَ أنَّ ما حَلَّ بِهِ كانَ بِسَبَبِ غَضَبِ اللَّهِ، ورَجا مِنِ اعْتِرافِهِ لَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُ ويُنْجِيَهُ مِنَ الغَرَقِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَقِبَ كَلامِهِ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ كَما سَيَأْتِي.

والِاسْتِفْهامُ في آلْآنَ إنْكارِيٌّ.

والآنَ: ظَرْفٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: آمَنتُ تَقْدِيرُهُ: الآنَ تُؤْمِنُ، أيْ هَذا الوَقْتُ. ويُقَدَّرُ الفِعْلُ مُؤَخَّرًا؛ لِأنَّ الظَّرْفَ دَلَّ عَلَيْهِ، ولِأنَّ مَحَطَّ الإنْكارِ هو الظَّرْفُ.

والإنْكارُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الإنْكارَ لَيْسَ وقْتًا يَنْفَعُ فِيهِ الإيمانُ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ في قُوَّةِ النَّفْيِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا إيمانَ الآنَ.

والمَنفِيُّ هو إيمانٌ يُنْجِي مَن حَصَلَ مِنهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وإنَّما لَمْ يَنْفَعْهُ إيمانُهُ لِأنَّهُ جاءَ بِهِ في وقْتِ حُصُولِ المَوْتِ. وهو وقْتٌ لا يُقْبَلُ فِيهِ إيمانُ الكافِرِ ولا تَوْبَةُ العاصِي، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]

صفحة ٢٧٨

والآنَ اسْمُ ظَرْفٍ لِلزَّمانِ الحاضِرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦] في سُورَةِ الأنْفالِ.

وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَعْمُولِ تُؤَمِنُ المَحْذُوفِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ لِما في الِاسْتِفْهامِ مِن مَعْنى الإنْكارِ، فَإنَّ إيمانَهُ في ذَلِكَ الحِينِ مُنْكَرٌ، ويَزِيدُهُ إنْكارًا أنَّ صاحِبَهُ كانَ عاصِيًا لِلَّهِ ومُفْسِدًا لِلدِّينِ الَّذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، ومُفْسِدًا في الأرْضِ بِالجَوْرِ والظُّلْمِ والتَّمْوِيهِ بِالسِّحْرِ.

وصِيغَةُ ﴿وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أبْلَغُ في الوَصْفِ بِالإفْسادِ مِن: وكُنْتَ مُفْسِدًا، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وبِمِقْدارِ ما قَدَّمَهُ مِنَ الآثامِ والفَسادِ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ العَذابُ.

والفاءُ الَّتِي في قَوْلِهِ: (فاليَوْمَ) فاءُ الفَصِيحَةِ، تُفْصِحُ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. والمَعْنى: فَإنْ رُمْتَ بِإيمانِكَ بَعْدَ فَواتِ وقْتِهِ أنْ أُنْجِيَكَ مِنَ الغَرَقِ فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ، والكَلامُ جارٍ مَجْرى التَّهَكُّمِ، فَإطْلاقُ الإنْجاءِ عَلى إخْراجِهِ مِنَ البَحْرِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ.

ولَيْسَ مُسَوِّغُها التَّهَكُّمَ المَحْضَ كَما هو الغالِبُ في نَوْعِها، بَلْ فِيها عَلاقَةُ المُشابِهَةِ؛ لِأنَّ إخْراجَهُ إلى البَرِّ كامِلًا بِشَكَّتِهِ يُشْبِهُ الإنْجاءَ، ولَكِنَّهُ ضِدُّ …

93

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍۢ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And We had certainty settled the Children of Israel in an agreeable settlement and provided them with good things. And they did not differ until [after] knowledge had come to them. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ

﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ الماضِيَةِ فَإنَّ جَمِيعَ تِلْكَ الجُمَلِ مَقْصُودٌ مِنها مَوْعِظَةُ الكُفّارِ مِنَ العَرَبِ بِأحْوالِ مَن سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ في مُشابَهَةِ كُفْرِهِمْ بِكُفْرِهِمْ وبِما حَلَّ بِهِمْ مِن أنْواعِ العَذابِ جَزاءَ كُفْرِهِمْ كَما قالَ - تَعالى: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ [القمر: ٤٣]

فَلَمّا ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ السَّوْءِ أتْبَعَهُ بِمَثَلِ الصَّلاحِ بِحالِ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرَّسُولَ واتَّبَعُوهُ، وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهُمِ الحُسْنى لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ مَصِيرَيْ فَرِيقَيْنِ جاءَهم رَسُولٌ فَآمَنَ بِهِ فَرِيقٌ وكَفَرَ بِهِ فَرِيقٌ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لِلْمُشْرِكِينَ في الإيمانِ، وبِشارَةً لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ.

فالمُرادُ بِبَنِي إسْرائِيلَ القَوْمُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ [يونس: ٩٠] الآيَةَ وتَرْتِيبُ الإخْبارِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ بَوَّأهم مُبَوَّأ صِدْقٍ عَقِبَ مُجاوَزَتِهِمُ البَحْرَ وغَرَقِ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَإنَّهم دَخَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ صَحْراءَ التِّيهِ وأمِنُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وأقْبَلُوا عَلى تَزْكِيَةِ نُفُوسِهِمْ وإصْلاحِ شُئُونِهِمْ، ورُزِقُوا المَنَّ والسَّلْوى، وأُعْطُوا النَّصْرَ عَلى الأُمَمِ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهم تُحاوِلُ مَنعَهم مِنِ امْتِلاكِ الأرْضِ الطَّيِّبَةِ.

فَما زالُوا يَتَدَرَّجُونَ في مَدارِجِ الخَيْرِ والإنْعامِ فَذَلِكَ مُبَوَّأُ الصِّدْقِ.

صفحة ٢٨٢

والرِّزْقُ: مِنَ الطَّيِّباتِ.

فَمَعْنى ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ أُولَئِكَ ولا مَن خَلَفَهم مِن أبْنائِهِمْ وأخْلافِهِمْ.

والتَّبَوُّءُ تَقَدَّمَ آنِفًا، والمُبَوَّأُ: مَكانُ البَوْءِ، أيِ الرُّجُوعِ، والمُرادُ المَسْكَنُ كَما تَقَدَّمَ، وإضافَتُهُ إلى صِدْقٍ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُبَوَّأُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا. والصِّدْقُ هُنا بِمَعْنى الخالِصِ في نَوْعِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] . والمُرادُ بِمُبَوَّأِ الصِّدْقِ ما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بِلادِ فِلَسْطِين وما فِيها مِن خِصْبٍ وثَراءٍ قالَ - تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧]

وتَفْرِيعُ قَوْلِهِ: فَما اخْتَلَفُوا عَلى بَوَّأْنا وما عُطِفَ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ ثَناءٍ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم شَكَرُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ ولَمْ يُكْفُرُوها كَما كَفَرَها المُشْرِكُونَ الَّذِينَ بَوَّأهُمُ اللَّهُ حَرَمًا آمِنًا تُجْبى إلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، فَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِالرَّسُولِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ. فَوَقَعَ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ. وتَقْدِيرُ مَعْناهُ: فَشَكَرُوا النِّعْمَةَ واتَّبَعُوا وصايا الأنْبِياءِ وما خالَفُوا ذَلِكَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ.

والِاخْتِلافُ افْتِعالٌ أُرِيدَ بِهِ شِدَّةُ التَّخالُفِ ولا يُعْرَفُ لِمادَّةِ هَذا المَعْنى فِعْلٌ مُجَرَّدٌ. وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الِاسْمِ الجامِدِ وهو الخَلْفُ لِمَعْنى الوَراءِ فَتَعِينَ أنَّ زِيادَةَ التّاءِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ (اكْتَسَبَ) مُبالَغَةً في (كَسَبَ)، فَيُحْمَلُ عَلى خِلافِ تَشْدِيدٍ وهو مُضادَّةُ ما جاءَ بِهِ الدِّينُ وما …

94

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

So if you are in doubt, [O Muhammad], about that which We have revealed to you, then ask those who have been reading the Scripture before you. The truth has certainly come to you from your Lord, so never be among the doubters.

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى سِياقِ القَصَصِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مَثَلًا لِأهْلِ مَكَّةَ وعِظَةً بِما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ. انْتَقَلَ بِهَذا التَّفْرِيعِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ كِلاهُما تَعْرِيضٌ بِالمُكَذِّبِينَ، فالأُسْلُوبُ السّابِقُ تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يَحِلَّ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُماثِلَةِ لَهم، وهَذا الأُسْلُوبُ المَوالِي تَعْرِيضٌ لَهم بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ عَلى تِلْكَ الحَوادِثِ، وما في الكُتُبِ السّابِقَةِ مِنَ الإنْباءِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فالمُرادُ مِن (ما أنْزَلْنا) هو المُنَزَّلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ وهو ما أُنْزِلَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ القَصَصِ.

ثُمَّ إنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لا يَسْتَقِيمُ ما سِواهُما؛ أوَّلُهُما أنْ تَبْقى الظَّرْفِيَّةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها في عَلى حَقِيقَتِها، ويَكُونُ الشَّكُّ قَدْ أُطْلِقَ وأُرِيدَ بِهِ أصْحابُهُ، أيْ فَإنْ كُنْتَ في قَوْمٍ أهْلِ شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ، أيْ يَشُكُّونَ في وُقُوعِ هَذِهِ القَصَصِ، كَما يُقالُ: دَخَلَ في الفِتْنَةِ، أيْ في أهْلِها. ويَكُونُ مَعْنى ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فاسْألْ أهْلَ الكِتابِ سُؤالَ تَقْرِيرٍ وإشْهادٍ عَنْ صِفَةِ تِلْكَ الأخْبارِ يُخْبِرُوا بِمِثْلِ ما أخْبَرْتَهم بِهِ، فَيَزُولُ الشَّكُّ مِن نُفُوسِ أهْلِ الشَّكِّ إذْ لا يُحْتَمَلُ تَواطُؤَكَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ عَلى صِفَةٍ واحِدَةٍ لِتِلْكَ الأخْبارِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ.

صفحة ٢٨٥

وثانِيهِما أنْ تَكُونَ في لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] ويَكُونُ سَوْقُ هَذِهِ المُحاوَرَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ لِقَصْدِ أنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ فَيَكُونُ اسْتِقْرارُ حاصِلِ المُحاوَرَةِ في نُفُوسِهِمْ أمْكَنَ مِمّا لَوْ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مُواجَهَةً. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الإلْقاءِ التَّعْرِيضِيِّ يَسْلُكُها الحُكَماءُ وأصْحابُ الأخْلاقِ مَتى كانَ تَوْجِيهُ الكَلامِ إلى الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ مَظِنَّةَ نُفُورٍ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] أوْ كانَ في ذَلِكَ الإلْقاءِ وفْقٌ بِالَّذِي يُقْصَدُ سَوْقُ الكَلامِ إلَيْهِ كَما في قِصَّةِ الخَصْمِ مِنَ اللَّذَيْنِ اخْتَصَما إلى داوُدَ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ ص.

وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ يُلاقِي قَوْلَهُ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ مِمّا لا يَكْتُمُهُ أهْلُ الكِتابِ، وأنَّهم يَشْهَدُونَ بِهِ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ في القَصَصِ المُوافَقَةُ لِما في كُتُبِهِمْ فَإنَّهم لا يَتَحَرَّجُونَ مِن إعْلانِها والشَّهادَةِ بِها. وغَيْرُ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ بَعْضَ ما في الآيَةِ، ويَقْتَضِي أنَّ المُخاطَبَ النَّبِيءُ ﷺ لِمَكانِ قَوْلِهِ: مَن قَبْلِكَ

ولَيْسَ المُرادُ بِضَمائِرِ الخِطابِ كُلَّ مَن يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ يُناكِدُ ذَلِكَ إلّا بِتَعَسُّفٍ.

وإنَّما تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ …

95

وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And never be of those who deny the signs of Allah and [thus] be among the losers.

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى سِياقِ القَصَصِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مَثَلًا لِأهْلِ مَكَّةَ وعِظَةً بِما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ. انْتَقَلَ بِهَذا التَّفْرِيعِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ كِلاهُما تَعْرِيضٌ بِالمُكَذِّبِينَ، فالأُسْلُوبُ السّابِقُ تَعْرِيضٌ بِالتَّحْذِيرِ مِن أنْ يَحِلَّ ما حَلَّ بِالأُمَمِ المُماثِلَةِ لَهم، وهَذا الأُسْلُوبُ المَوالِي تَعْرِيضٌ لَهم بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ عَلى تِلْكَ الحَوادِثِ، وما في الكُتُبِ السّابِقَةِ مِنَ الإنْباءِ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فالمُرادُ مِن (ما أنْزَلْنا) هو المُنَزَّلُ الَّذِي تَفَرَّعَ عَلَيْهِ هَذا الكَلامُ وهو ما أُنْزِلَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ القَصَصِ.

ثُمَّ إنَّ الآيَةَ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لا يَسْتَقِيمُ ما سِواهُما؛ أوَّلُهُما أنْ تَبْقى الظَّرْفِيَّةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها في عَلى حَقِيقَتِها، ويَكُونُ الشَّكُّ قَدْ أُطْلِقَ وأُرِيدَ بِهِ أصْحابُهُ، أيْ فَإنْ كُنْتَ في قَوْمٍ أهْلِ شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ، أيْ يَشُكُّونَ في وُقُوعِ هَذِهِ القَصَصِ، كَما يُقالُ: دَخَلَ في الفِتْنَةِ، أيْ في أهْلِها. ويَكُونُ مَعْنى ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فاسْألْ أهْلَ الكِتابِ سُؤالَ تَقْرِيرٍ وإشْهادٍ عَنْ صِفَةِ تِلْكَ الأخْبارِ يُخْبِرُوا بِمِثْلِ ما أخْبَرْتَهم بِهِ، فَيَزُولُ الشَّكُّ مِن نُفُوسِ أهْلِ الشَّكِّ إذْ لا يُحْتَمَلُ تَواطُؤَكَ مَعَ أهْلِ الكِتابِ عَلى صِفَةٍ واحِدَةٍ لِتِلْكَ الأخْبارِ. فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ.

صفحة ٢٨٥

وثانِيهِما أنْ تَكُونَ في لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩] ويَكُونُ سَوْقُ هَذِهِ المُحاوَرَةِ إلى النَّبِيءِ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ لِقَصْدِ أنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ المُشْرِكُونَ فَيَكُونُ اسْتِقْرارُ حاصِلِ المُحاوَرَةِ في نُفُوسِهِمْ أمْكَنَ مِمّا لَوْ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مُواجَهَةً. وهَذِهِ طَرِيقَةٌ في الإلْقاءِ التَّعْرِيضِيِّ يَسْلُكُها الحُكَماءُ وأصْحابُ الأخْلاقِ مَتى كانَ تَوْجِيهُ الكَلامِ إلى الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ مَظِنَّةَ نُفُورٍ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] أوْ كانَ في ذَلِكَ الإلْقاءِ وفْقٌ بِالَّذِي يُقْصَدُ سَوْقُ الكَلامِ إلَيْهِ كَما في قِصَّةِ الخَصْمِ مِنَ اللَّذَيْنِ اخْتَصَما إلى داوُدَ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ ص.

وكِلا الِاحْتِمالَيْنِ يُلاقِي قَوْلَهُ: ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ مِمّا لا يَكْتُمُهُ أهْلُ الكِتابِ، وأنَّهم يَشْهَدُونَ بِهِ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ في القَصَصِ المُوافَقَةُ لِما في كُتُبِهِمْ فَإنَّهم لا يَتَحَرَّجُونَ مِن إعْلانِها والشَّهادَةِ بِها. وغَيْرُ هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ بَعْضَ ما في الآيَةِ، ويَقْتَضِي أنَّ المُخاطَبَ النَّبِيءُ ﷺ لِمَكانِ قَوْلِهِ: مَن قَبْلِكَ

ولَيْسَ المُرادُ بِضَمائِرِ الخِطابِ كُلَّ مَن يَصِحُّ أنْ يُخاطَبَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ يُناكِدُ ذَلِكَ إلّا بِتَعَسُّفٍ.

وإنَّما تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ …

96

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those upon whom the word of your Lord has come into effect will not believe,

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾

تَبَيَّنَ تَناسُبُ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الَّتِي قَبْلَها بِما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ السّابِقَةَ فَإنَّهُ لَمّا سَبَقَ التَّعْرِيضُ إلى المُشْرِكِينَ الشّاكِّينَ في صِدْقِ النَّبِيئِ ﷺ والِاسْتِشْهادُ عَلَيْهِمْ في صِدْقِهِ بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّهم مِن زُمْرَةِ الفِرَقِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أنْ لا يُؤْمِنُوا، فَهم لا تُجْدِي فِيهِمُ الحُجَّةُ لِأنَّهم أهْلُ مُكابَرَةٍ، ولَيْسُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ لِأنَّ الفِطْرَةَ الَّتِي فُطِرَتْ عَلَيْها عُقُولُهم غَيْرُ قابِلَةٍ لِحَقائِقِ الإيمانِ، فالَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما يَجِيءُ مِنَ الآياتِ هم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، تِلْكَ أماراتُهم. وهَذا مَسُوقٌ مَساقَ التَّأْيِيسِ مِن إيمانِهِمْ.

صفحة ٢٨٧

ومَعْنى حَقَّتْ ثَبَتَتْ.

وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو تَمَكُّنُ الفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ. والمُرادُ بِكَلِماتِ اللَّهِ: أمْرُ التَّكْوِينِ، وجُمِعَتِ الكَلِماتُ بِالنَّظَرِ إلى أنَّ مُتَعَلِّقَها ناسٌ كَثِيرُونَ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم تَحِقُّ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ.

وقَرَأ غَيْرُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ ”كَلِمَةُ رَبِّكَ“ عَلى مُراعاةِ الجِنْسِ إذْ تَحِقُّ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ كَلِمَةٌ، وهَذا الكَلامُ عِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ. قالَ غَيْرُهم: وتَحْذِيرٌ مِن أنْ يَكُونُوا مَظْهَرًا لِمَن حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الشِّقْوَةِ وإنْذارٌ بِوَشْكِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ.

فالمَوْصُولُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ مُرادٌ بِهِ مَعْهُودٌ، والجُمْلَةُ كُلُّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وإنَّ لِلتَّوْكِيدِ المَقْصُودِ بِهِ التَّحْقِيقُ، أيْ لا شَكَّ أنَّ هَؤُلاءِ مِن أُولَئِكَ فَقَدِ اتَّضَحَ أمْرُهم واليَأْسُ مِن إيمانِهِمْ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْعَلَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْقَصَصِ السّابِقَةِ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ، والمَوْصُولُ لِلْعُمُومِ الجامِعِ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّتِي هي بِمَثابَةِ الأُمَمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وتَكُونُ إنَّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَتُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ، وتُغْنِي عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ كالَّتِي في قَوْلِ بِشارٍ:

إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ

كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ويَكُونُ في الآيَةِ تَعْرِيضٌ آخَرُ بِالمُشْرِكِينَ.

ولَوْ وصَلْيَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ فَكَيْفَ إذا لَمْ تَجِئْهم إلّا بَعْضُ الآياتِ.

وكُلُّ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ وقَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ ولَوْ جاءَتْهم آياتٌ كَثِيرَةٌ تُشْبِهُ في الكَثْرَةِ اسْتِغْراقَ جَمِيعِ الآياتِ المُمْكِنِ وُقُوعُها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ آنِفًا.

صفحة ٢٨٨

ورُؤْيَةُ العَذابِ، كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِهِ بِهِمْ.

والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا حِين لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ؛ لِأنَّ نُزُولَ العَذابِ هو ابْتِداءُ مُجازاتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الشُّرُوعِ في المُجازاةِ عَفْوٌ.

ومِن بَرَكَةِ هَذا الدِّينِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ قَدْ هَداهُمُ اللَّهُ قَبْلَ أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ عَذابًا.

97

وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ

Even if every sign should come to them, until they see the painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾

تَبَيَّنَ تَناسُبُ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الَّتِي قَبْلَها بِما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ السّابِقَةَ فَإنَّهُ لَمّا سَبَقَ التَّعْرِيضُ إلى المُشْرِكِينَ الشّاكِّينَ في صِدْقِ النَّبِيئِ ﷺ والِاسْتِشْهادُ عَلَيْهِمْ في صِدْقِهِ بِشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّهم مِن زُمْرَةِ الفِرَقِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أنْ لا يُؤْمِنُوا، فَهم لا تُجْدِي فِيهِمُ الحُجَّةُ لِأنَّهم أهْلُ مُكابَرَةٍ، ولَيْسُوا طالِبِينَ لِلْحَقِّ لِأنَّ الفِطْرَةَ الَّتِي فُطِرَتْ عَلَيْها عُقُولُهم غَيْرُ قابِلَةٍ لِحَقائِقِ الإيمانِ، فالَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما يَجِيءُ مِنَ الآياتِ هم مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، تِلْكَ أماراتُهم. وهَذا مَسُوقٌ مَساقَ التَّأْيِيسِ مِن إيمانِهِمْ.

صفحة ٢٨٧

ومَعْنى حَقَّتْ ثَبَتَتْ.

وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، وهو تَمَكُّنُ الفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ. والمُرادُ بِكَلِماتِ اللَّهِ: أمْرُ التَّكْوِينِ، وجُمِعَتِ الكَلِماتُ بِالنَّظَرِ إلى أنَّ مُتَعَلِّقَها ناسٌ كَثِيرُونَ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم تَحِقُّ عَلَيْهِ كَلِمَةٌ.

وقَرَأ غَيْرُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ ”كَلِمَةُ رَبِّكَ“ عَلى مُراعاةِ الجِنْسِ إذْ تَحِقُّ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ كَلِمَةٌ، وهَذا الكَلامُ عِظَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ. قالَ غَيْرُهم: وتَحْذِيرٌ مِن أنْ يَكُونُوا مَظْهَرًا لِمَن حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الشِّقْوَةِ وإنْذارٌ بِوَشْكِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ.

فالمَوْصُولُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ مُرادٌ بِهِ مَعْهُودٌ، والجُمْلَةُ كُلُّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وإنَّ لِلتَّوْكِيدِ المَقْصُودِ بِهِ التَّحْقِيقُ، أيْ لا شَكَّ أنَّ هَؤُلاءِ مِن أُولَئِكَ فَقَدِ اتَّضَحَ أمْرُهم واليَأْسُ مِن إيمانِهِمْ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْعَلَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْقَصَصِ السّابِقَةِ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ، والمَوْصُولُ لِلْعُمُومِ الجامِعِ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّتِي هي بِمَثابَةِ الأُمَمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وتَكُونُ إنَّ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، فَتُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ، وتُغْنِي عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ كالَّتِي في قَوْلِ بِشارٍ:

إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ

كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ويَكُونُ في الآيَةِ تَعْرِيضٌ آخَرُ بِالمُشْرِكِينَ.

ولَوْ وصَلْيَةٌ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ فَكَيْفَ إذا لَمْ تَجِئْهم إلّا بَعْضُ الآياتِ.

وكُلُّ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] في سُورَةِ الحَجِّ وقَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ ولَوْ جاءَتْهم آياتٌ كَثِيرَةٌ تُشْبِهُ في الكَثْرَةِ اسْتِغْراقَ جَمِيعِ الآياتِ المُمْكِنِ وُقُوعُها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ آنِفًا.

صفحة ٢٨٨

ورُؤْيَةُ العَذابِ، كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِهِ بِهِمْ.

والمَعْنى: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إلّا حِين لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ؛ لِأنَّ نُزُولَ العَذابِ هو ابْتِداءُ مُجازاتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، ولَيْسَ بَعْدَ الشُّرُوعِ في المُجازاةِ عَفْوٌ.

ومِن بَرَكَةِ هَذا الدِّينِ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ قَدْ هَداهُمُ اللَّهُ قَبْلَ أنْ يُنْزِلَ بِهِمْ عَذابًا.

98

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ

Then has there not been a [single] city that believed so its faith benefited it except the people of Jonah? When they believed, We removed from them the punishment of disgrace in worldly life and gave them enjoyment for a time.

﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾

الفاءُ لِتَفْرِيعِ التَّغْلِيطِ عَلى امْتِناعِ أهْلِ القُرى مِنَ الإيمانِ بِالرُّسُلِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ عَلى الإخْبارِ بِأنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أنْ لا يُؤْمِنُوا لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ فَإنَّ أهْلَ القُرى مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ بِأنْ لا يُؤْمِنُوا. والغَرَضُ مَن ذِكْرِ أهْلِ القُرى التَّعْرِيضُ بِالمَقْصُودِ، وهم أهْلُ مَكَّةَ فَإنَّهم أهْلُ قَرْيَةٍ فَكانَ ذَلِكَ كالتَّخَلُّصِ بِالتَّعْرِيضِ إلى المَخْصُوصِينَ بِهِ، ولِلْإفْضاءِ بِهِ إلى ذِكْرِ قَوْمِ يُونُسَ فَإنَّهم أهْلُ قَرْيَةٍ.

ولَوْلا حَرْفٌ يَرِدُ لَمَعانٍ مِنها التَّوْبِيخُ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ التَّوْبِيخِ كِنايَةً عَنِ التَّغْلِيطِ؛ لِأنَّ أهْلَ القُرى قَدِ انْقَضَوْا، وذَلِكَ أنَّ أصْلَ مَعْنى لَوْلا التَّحْضِيضُ، وهو طَلَبُ الفِعْلِ بِحَثٍّ، فَإذا دَخَلَتْ عَلى فِعْلٍ قَدْ فاتَ وُقُوعُهُ كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً في التَّغْلِيطِ والتَّنْدِيمِ والتَّوْبِيخِ عَلى تَفْوِيتِهِ، ويَكُونُ ما بَعْدَها في هَذا الِاسْتِعْمالِ فِعْلَ مُضِيٍّ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا﴾ [النور: ١٦] . وإذا تَوَجَّهَ الكَلامُ الَّذِي فِيهِ (لَوْلا) إلى غَيْرِ صاحِبِ الفِعْلِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً في التَّعْجِيبِ مِن حالِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النور: ١٣]

صفحة ٢٨٩

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام: ٤٣] وهَذِهِ الآيَةُ أصْرَحُ في ذَلِكَ لِوُجُودِ كانَ الدّالَّةِ عَلى المُضِيِّ والِانْقِضاءِ. والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِأنَّ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ يُوشِكُ أنْ يَكُونُوا عَلى سُنَنِ أهْلِ القُرى. قالَ - تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعْمالًا ومَعْنًى قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ [هود: ١١٦]، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْرِيضِ أهْلِ مَكَّةَ عَلى الإيمانِ قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ.

والمُسْتَخْلَصُ مِنَ الرِّواياتِ الوارِدَةِ في قَوْمِ يُونُسَ أنَّهم بادَرُوا إلى الإيمانِ بَعْدَ أنْ فارَقَهم يُونُسُ، تَوَقُّعًا لِنُزُولِ العَذابِ، وقَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِهِمُ العَذابُ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُعامَلَةَ اللَّهِ إيّاهم لَيْسَتْ مُخالَفَةً لِما عامَلَ بِهِ غَيْرَهم مِن أهْلِ القُرى، وأنْ لَيْسَتْ لِقَوْمِ يُونُسَ خُصُوصِيَّةً، وبِذَلِكَ لا يَكُونُ اسْتِثْناؤُهِمُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا.

وإذْ كانَ الكَلامُ تَغْلِيطًا لِأهْلِ القُرى المُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وتَعْرِيضًا بِالتَّحْذِيرِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ. كانَ الكَلامُ إثْباتًا صَرِيحًا، ووُقُوعُ ”قَرْيَةٌ“ وهو نَكِرَةٌ في مَساقِ الإثْباتِ أفادَ العُمُومَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ مِثْلَ قَوْلِ الحَرِيرِيِّ ”يا أهْلَ ذا المَغْنى وُقِيتُمْ ضُرًّا“ أيْ كُلَّ ضُرٍّ لا ضُرًّا مُعَيَّنًا، وبِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ فَإنَّهُ مِعْيارُ العُمُومِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مِن كَلامٍ مُوجَبٍ فَلِذَلِكَ انْتَصَبَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ فَهَذا وجْهُ تَفْسِيرِ الآيَةِ. وجَرى عَلَيْهِ كَلامُ العُكْبَرِيِّ في إعْرابِ …

99

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ

And had your Lord willed, those on earth would have believed - all of them entirely. Then, [O Muhammad], would you compel the people in order that they become believers?

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] لِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ. وهَذا تَذْيِيلٌ لِما تَقَدَّمَ مِن مُشابَهَةِ حالِ قُرَيْشٍ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ بِحالٍ قَوْمِ نُوحٍ وقَوْمِ مُوسى وقَوْمِ يُونُسَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ كالمُقَدِّمَةِ الكُلِّيَّةِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها، وهي جُمْلَةُ أفَأنْتَ تُكْرِهُ المُفَرَّعَةُ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى، وهي المَقْصُودُ مِنَ التَّسْلِيَةِ.

والنّاسُ: العَرَبُ، أوْ أهْلُ مَكَّةَ مِنهم، وذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّهُمُ المَقْصُودُ مَن سَوْقِ القَصَصِ الماضِيَةِ كَما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ﴾ [يونس: ٧١]

والتَّأْكِيدُ بِـ كُلُّهم لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ المُسْتَفادِ مِن مَنِ المَوْصُولَةِ فَإنَّها لِلْعُمُومِ، والتَّأْكِيدُ بِـ جَمِيعًا لِزِيادَةِ رَفْعِ احْتِمالِ العُمُومِ العُرْفِيِّ دُونَ الحَقِيقِيِّ.

والمَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ مَدارِكَ النّاسِ مُتَساوِيَةً مُنْساقَةً إلى الخَيْرِ، فَكانُوا سَواءً في قَبُولِ الهُدى والنَّظَرِ الصَّحِيحِ.

صفحة ٢٩٣

ولَوْ تَقْتَضِي انْتِفاءَ جَوابِها لِانْتِفاءِ شَرْطِها. فالمَعْنى: لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، فاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ خَلَقَ عُقُولَ النّاسِ مُتَأثِّرَةً ومُنْفَعِلَةً بِمُؤَثِّراتِ التَّفاوُتِ في إدْراكِ الحَقائِقِ فَلَمْ يَتَواطَئُوا عَلى الإيمانِ، وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا إذا اسْتَكْمَلَتْ خِلْقَةُ عَقْلِها ما يُهَيِّئُها لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ وحُسْنِ الوَعْيِ لِدَعْوَةِ الخَيْرِ ومُغالَبَةِ الهُدى في الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ.

وجُمْلَةُ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ إلَخْ مُفَرَّعَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ اللَّهَ لَمْ تَتَعَلَّقْ مَشِيئَتُهُ بِاتِّفاقِ النّاسِ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ؛ تَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ إنْكارُ ما هو كالمُحاوَلَةِ لِتَحْصِيلِ إيمانِهِمْ جَمِيعًا.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ إنْكارِيٌّ، فَنَزَّلَ النَّبِيءَ ﷺ لِحِرْصِهِ عَلى إيمانِ أهْلِ مَكَّةَ وحَثِيثِ سَعْيِهِ لِذَلِكَ بِكُلِّ وسِيلَةٍ صالِحَةٍ مَنزِلَةَ مَن يُحاوِلُ إكْراهَهم عَلى الإيمانِ حَتّى تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ التَّنْزِيلِ إنْكارَهُ عَلَيْهِ.

ولِأجْلِ كَوْنِ هَذا الحِرْصِ الشَّدِيدِ هو مَحَلُّ التَّنْزِيلِ ومَصَبُّ الإنْكارِ وقَعَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ، فَقِيلَ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: أفَتُكْرِهُ النّاسَ، أوْ أفَأنْتَ مُكْرِهُ النّاسِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى مِثْلِ هَذا المُسْنَدِ يُفِيدُ تَقَوِّيَ الحُكْمِ فَيُفِيدُ تَقْوِيَةَ صُدُورِ الإكْراهِ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لِتَكُونَ تِلْكَ التَّقْوِيَةُ مَحَلَّ الإنْكارِ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِالثَّناءِ عَلى النَّبِيءِ ومَعْذِرَةٌ لَهُ عَلى عَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ إيّاهُ، ومَن بَلَغَ المَجْهُودَ حَقَّ لَهُ العُذْرُ.

ولَيْسَ تَقْدِيُمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ هُنا مُفِيدًا لِلتَّخْصِيصِ، أيِ القَصْرِ؛ لِأنَّ المَقامَ غَيْرُ صالِحٍ لِاعْتِبارِ القَصْرِ، إذْ مُجَرَّدُ تَنْزِيلِ النَّبِيءِ ﷺ مَنزِلَةَ مَن يَسْتَطِيعُ إكْراهَ النّاسِ عَلى الإيمانِ كافٍ في الإشارَةِ إلى تَشْبِيهِ حِرْصِهِ عَلى إيمانِهِمْ بِحِرْصِ مَن يَسْتَطِيعُ إكْراهَهم عَلَيْهِ. فَما وقَعَ في الكَشّافِ مِنَ الإشارَةِ إلى مَعْنى الِاخْتِصاصِ غَيْرُ وجِيهٍ؛ لِأنَّ قَرِينَةَ التَّقَوِّي …

100

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

And it is not for a soul to believe except by permission of Allah, and He will place defilement upon those who will not use reason.

صفحة ٢٩٤

﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾

عَطَفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ [يونس: ٩٩] لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِها لِأنَّ مَضْمُونَها إنْكارُ أنْ يَقْدِرَ النَّبِيءُ ﷺ عَلى إلْجاءِ النّاسِ إلى الإيمانِ لِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، أيْ كَيْفَ يُمْكِنُكَ أنْ تُكْرِهَ النّاسَ عَلى الإيمانِ والحالُ أنَّهُ لا تَسْتَطِيعُ نَفْسٌ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ لَها بِالإيمانِ.

والإذْنُ: هُنا إذَنُ تَكْوِينٍ وتَقْدِيرٍ. فَهو، خَلَقَ النَّفْسَ مُسْتَعِدَّةً لِقَبُولِ الحَقِّ مُمَيِّزَةً بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والصَّلاحِ والفَسادِ، مُتَوَصِّلَةً بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ إلى مَعْرِفَةِ ما يَنْبَغِي أنْ يُتَّبَعَ وما لا يَنْبَغِي، مُتَمَكِّنَةً بِصِحَّةِ الإرادَةِ مِن زَجْرِ داعِيَةِ الهَوى والأعْراضِ العاجِلَةِ ومِنِ اتِّباعِ داعِيَةِ الحَقِّ والعاقِبَةِ الدّائِمَةِ حَتّى إذا وُجِّهَ إلَيْها الإرْشادُ حَصَلَ فِيها الهُدى.

ويُومِئُ إلى هَذا المَعْنى مِنَ الإذْنِ قَوْلُهُ في مُقابِلِهِ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ فَقابَلَ هَذِهِ الحالَةَ بِحالَةِ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ فَعَلِمَ أنَّ حالَةَ الإيمانِ حالَةُ مَن يَعْقِلُونَ، فَبَيَّنَتْ آيَةُ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ﴾ [يونس: ٩٩] أنَّ إيمانَ مَن لَمْ يُؤْمِن هو لِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ إيمانَهُ. وبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ إيمانَ مَن آمَنَ هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ إيمانَهُ، وكِلاهُما راجِعٌ إلى تَقْدِيرِ التَّكْوِينِ في النُّفُوسِ والعُقُولِ.

والرِّجْسُ: حَقِيقَتُهُ الخُبْثُ والفَسادُ. وأُطْلِقَ هُنا عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ خُبْثٌ نَفْسانِيٌّ، والقَرِينَةُ مُقابَلَتُهُ بِالإيمانِ كالمُقابِلَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] . والمَعْنى: ويُوقِعُ

صفحة ٢٩٥

الكُفْرَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ. والمُرادُ نَفْيُ العَقْلِ المُسْتَقِيمِ، أيِ الَّذِينَ لا تَهْتَدِي عُقُولُهم إلى إدْراكِ الحَقِّ ولا يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم بِالنَّظَرِ في الأدِلَّةِ.

وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُسْتَعْمَلِ في التَّمَكُّنِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ الَّذِي قَبْلَهُ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ونَجْعَلُ بِنُونِ العَظَمَةِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.