Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 91–100 of 109

91

ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ

Now? And you had disobeyed [Him] before and were of the corrupters?

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾: قَرَأ الحَسَنُ: وجَوَّزْنا بِتَشْدِيدِ الواوِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الباءِ في بَنِي إسْرائِيلَ، وكَمْ كانَ الَّذِينَ جازُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: فاتَّبَعَهم بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي﴾ رُباعِيًّا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ مَن جَوَّزَ الَّذِي في بَيْتِ الأعْشى:

؎وإذا تُجَوُّزُها حِبالَ قَبِيلَةٍ

لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنهُ لَكانَ حَقُّهُ أنْ يُقالَ: وجَوَّزْنا بِـ بَنِي إسْرائِيلَ في البَحْرِ كَما قالَ:

؎كَمّا جَوَّزَ السُّبْكِيُّ في البابِ فَيْنَقُ،

انْتَهى

وقالَ الحَوْفِيُّ: تَبِعَ واتَّبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأتْبَعَهم: لَحِقَهم، يُقالُ: تَبِعَهُ حَتّى اتَّبَعَهُ. وفي اللَّوامِحِ: تَبِعَهُ إذا مَشى خَلْفَهُ واتَّبَعَهُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ حاذاهُ في المَشْيِ واتَّبَعَهُ لَحِقَهُ، ومِنهُ العامَّةُ، يَعْنِي: ومِنهُ قِراءَةُ العامَّةِ: فَأتْبَعَهم وجُنُودُ فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ألْفُ ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: وعُدُوًّا عَلى وزْنِ عُلُوٍّ، وتَقَدَّمَتْ في الأنْعامِ. وعَدْوًا وعُدُوًّا مِنَ العُدْوانِ، واتِّباعُ فِرْعَوْنَ هو في مُجاوَزَةِ البَحْرِ. رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ فَوَجَدَهُ قَدِ انْفَرَقَ، ومَضى فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّما انْفَلَقَ بِأمْرِي، وكانَ عَلى فَرَسٍ ذَكَرٍ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، ودَنَوْا فَدَخَلَ بِها البَحْرَ ولَجَّ فَرَسُ فِرْعَوْنَ وراءَهُ وجَنْبُ الجُيُوشِ خَلْفَهُ، فَلَمّا رَأى أنَّ الِانْفِراقَ ثَبَتَ لَهُ اسْتَمَرَّ، وبَعَثَ اللَّهُ مِيكائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسُوقُ النّاسَ حَتّى حَصَلَ جَمِيعُهم في البَحْرِ فانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ الباءِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ ابْتِداءَ كَلامٍ أوْ بَدَلًا مِن آمَنَتْ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: قائِلًا أنَّهُ.

ولَمّا لَحِقَهُ مِنَ الدَّهَشِ ما لَحِقَهُ كَرَّرَ المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّلَعْثُمِ إذْ ذَلِكَ مَقامٌ تَحارُ فِيهِ القُلُوبُ، أوْ حِرْصًا عَلى القَبُولِ ولَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ إذْ فاتَهُ وقْتُ القَبُولِ وهو حالَةُ الِاخْتِيارِ وبَقاءُ التَّكْلِيفِ، والتَّوْبَةُ بَعْدَ المُعايَنَةِ لا تَنْفَعُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: (آلْآنَ) في قَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ﴾ [يونس: ٥١] والمَعْنى: أتُؤْمِنُ السّاعَةَ في حالِ الِاضْطِرارِ حِينَ أدْرَكَكَ الغَرَقُ وأيِسْتَ مِن نَفْسِكَ ؟ قِيلَ: قالَ ذَلِكَ حِينَ ألْجَمَهُ الغَرَقُ. وقِيلَ: بَعْدَ أنْ غَرِقَ في نَفْسِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يُحْكى أنَّهُ حِينَ قالَ: آمَنتُ، أخَذَ جِبْرِيلُ مِن جالِ البَحْرِ فَدَسَّهُ في فِيهِ، فَلِلْغَضَبِ في اللَّهِ تَعالى عَلى حالِ الكافِرِ في وقْتٍ قَدْ عَلِمَ …

92

فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةًۭ ۚ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ

So today We will save you in body that you may be to those who succeed you a sign. And indeed, many among the people, of Our signs, are heedless

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾: قَرَأ الحَسَنُ: وجَوَّزْنا بِتَشْدِيدِ الواوِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في الباءِ في بَنِي إسْرائِيلَ، وكَمْ كانَ الَّذِينَ جازُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: فاتَّبَعَهم بِتَشْدِيدِ التّاءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي﴾ رُباعِيًّا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ مَن جَوَّزَ الَّذِي في بَيْتِ الأعْشى:

؎وإذا تُجَوُّزُها حِبالَ قَبِيلَةٍ

لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنهُ لَكانَ حَقُّهُ أنْ يُقالَ: وجَوَّزْنا بِـ بَنِي إسْرائِيلَ في البَحْرِ كَما قالَ:

؎كَمّا جَوَّزَ السُّبْكِيُّ في البابِ فَيْنَقُ،

انْتَهى

وقالَ الحَوْفِيُّ: تَبِعَ واتَّبَعَ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأتْبَعَهم: لَحِقَهم، يُقالُ: تَبِعَهُ حَتّى اتَّبَعَهُ. وفي اللَّوامِحِ: تَبِعَهُ إذا مَشى خَلْفَهُ واتَّبَعَهُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ حاذاهُ في المَشْيِ واتَّبَعَهُ لَحِقَهُ، ومِنهُ العامَّةُ، يَعْنِي: ومِنهُ قِراءَةُ العامَّةِ: فَأتْبَعَهم وجُنُودُ فِرْعَوْنَ، قِيلَ: ألْفُ ألْفٍ وسِتُّمِائَةِ ألْفٍ. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: وعُدُوًّا عَلى وزْنِ عُلُوٍّ، وتَقَدَّمَتْ في الأنْعامِ. وعَدْوًا وعُدُوًّا مِنَ العُدْوانِ، واتِّباعُ فِرْعَوْنَ هو في مُجاوَزَةِ البَحْرِ. رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ فَوَجَدَهُ قَدِ انْفَرَقَ، ومَضى فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّما انْفَلَقَ بِأمْرِي، وكانَ عَلى فَرَسٍ ذَكَرٍ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، ودَنَوْا فَدَخَلَ بِها البَحْرَ ولَجَّ فَرَسُ فِرْعَوْنَ وراءَهُ وجَنْبُ الجُيُوشِ خَلْفَهُ، فَلَمّا رَأى أنَّ الِانْفِراقَ ثَبَتَ لَهُ اسْتَمَرَّ، وبَعَثَ اللَّهُ مِيكائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَسُوقُ النّاسَ حَتّى حَصَلَ جَمِيعُهم في البَحْرِ فانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ الباءِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ: بِكَسْرِها عَلى الِاسْتِئْنافِ ابْتِداءَ كَلامٍ أوْ بَدَلًا مِن آمَنَتْ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ: قائِلًا أنَّهُ.

ولَمّا لَحِقَهُ مِنَ الدَّهَشِ ما لَحِقَهُ كَرَّرَ المَعْنى بِثَلاثِ عِباراتٍ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّلَعْثُمِ إذْ ذَلِكَ مَقامٌ تَحارُ فِيهِ القُلُوبُ، أوْ حِرْصًا عَلى القَبُولِ ولَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ إذْ فاتَهُ وقْتُ القَبُولِ وهو حالَةُ الِاخْتِيارِ وبَقاءُ التَّكْلِيفِ، والتَّوْبَةُ بَعْدَ المُعايَنَةِ لا تَنْفَعُ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ: (آلْآنَ) في قَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ﴾ [يونس: ٥١] والمَعْنى: أتُؤْمِنُ السّاعَةَ في حالِ الِاضْطِرارِ حِينَ أدْرَكَكَ الغَرَقُ وأيِسْتَ مِن نَفْسِكَ ؟ قِيلَ: قالَ ذَلِكَ حِينَ ألْجَمَهُ الغَرَقُ. وقِيلَ: بَعْدَ أنْ غَرِقَ في نَفْسِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يُحْكى أنَّهُ حِينَ قالَ: آمَنتُ، أخَذَ جِبْرِيلُ مِن جالِ البَحْرِ فَدَسَّهُ في فِيهِ، فَلِلْغَضَبِ في اللَّهِ تَعالى عَلى حالِ الكافِرِ في وقْتٍ قَدْ عَلِمَ …

93

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍۢ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخْتَلَفُوا۟ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And We had certainty settled the Children of Israel in an agreeable settlement and provided them with good things. And they did not differ until [after] knowledge had come to them. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ

﴿ولَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إسْرائِيلَ مُبَوَّأ صِدْقٍ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما جَرى لِـ فِرْعَوْنَ وأتْباعِهِ مِنَ الهَلاكِ، ذَكَرَ ما أحْسَنَ بِهِ لِ بَنِي إسْرائِيلَ وما امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، إذْ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ أُخْرِجُوا مِن مَساكِنِهِمْ خائِفِينَ مِن فِرْعَوْنَ، فَذَكَرَ تَعالى أنَّهُ اخْتارَ لَهم مِنَ الأماكِنِ أحْسَنَها.

والظّاهِرُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ هُمُ الَّذِينَ كانُوا آمَنُوا بِـ مُوسى ونَجَوْا مِنَ الغَرَقِ، وسِياقُ الآياتِ يَشْهَدُ لَهم. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ كانُوا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ، وانْتَصَبَ ﴿مُبَوَّأ صِدْقٍ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَبَوَّأْنا كَقَوْلِهِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت: ٥٨] وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا.

ومَعْنى صِدْقٍ، أيْ: فَضْلٍ وكَرامَةٍ ومِنَّةٍ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥] . وقِيلَ: مَكانَ صِدْقِ الوَعْدِ، وكانَ وعَدَهم فَصَدَقَهم وعْدَهُ. وقِيلَ: (صِدْقٍ) تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الصَّدَقَةَ والبِرَّ مِنَ الصِّدْقِ. وقِيلَ: صَدَقَ فِيهِ ظَنُّ قاصِدِهِ وساكِنِهِ. وقِيلَ: مَنزِلًا صالِحًا مُرْضِيًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الأُرْدُنُّ وفِلَسْطِينُ. وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ وقَتادَةُ: الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ. وقالَ مُقاتِلٌ: بَيْتُ المَقْدِسِ. وعَنِ الضَّحّاكِ أيْضًا: مِصْرُ، وعَنْهُ أيْضًا: مِصْرُ والشّامُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأصَحُّ أنَّهُ الشّامُ وبَيْتُ المَقْدِسِ بِحَسَبِ ما حُفِظَ مِن أنَّهم لَمْ يَعُودُوا إلى مِصْرَ، عَلى أنَّهُ في القُرْآنِ كَذَلِكَ.

﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] يَعْنِي ما تَرَكَ القِبْطُ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وأوْرَثْناها مَعْناها: الحالَّةُ مِنَ النِّعْمَةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ في قُطْرٍ واحِدٍ، انْتَهى.

وقِيلَ: ما بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ مِن أرْضِ يَثْرِبَ ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ، وهَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ هُمُ الَّذِينَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ . ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ بَوَّأهم مُبَوَّأ صِدْقٍ ذَكَرَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِما رَزَقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ، وهي: المَآكِلُ المُسْتَلَذّاتُ أوِ الحَلّالُ، فَما اخْتَلَفُوا أيْ: كانُوا عَلى مِلَّةٍ واحِدَةٍ وطَرِيقَةٍ واحِدَةٍ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في أوَّلِ حالِهِ، حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ أيْ: عِلْمُ التَّوْراةِ فاخْتَلَفُوا، وهَذا ذَمٌّ لَهم.

أيْ أنَّ سَبَبَ الإيقافِ هو العِلْمُ، فَصارَ عِنْدَهم سَبَبُ الِاخْتِلافِ، فَتَشَعَّبُوا شُعَبًا بَعْدَما قَرَءُوا التَّوْراةَ. وقِيلَ: العِلْمُ بِمَعْنى المَعْلُومِ وهو مُحَمَّدٌ، لِأنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَهم مَكْتُوبَةً في التَّوْراةِ، وكانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ، أيْ: يَسْتَنْصِرُونَ، وكانُوا قَبْلَ مَجِيئِهِ إلى المَدِينَةِ مُجْمِعِينَ عَلى نُبُوَّتِهِ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ في الحُرُوبِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ انْصُرْنا فَيُنْصَرُونَ، فَلَمّا جاءَ قالُوا: النَّبِيُّ المَوْعُودُ بِهِ مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، وهَذا مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، فَلَيْسَ هو ذاكَ، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ.

وقِيلَ: العِلْمُ: القُرْآنُ، واخْتِلافُهم: قَوْلُ بَعْضِهِمْ: هو مِن كَلامِ مُحَمَّدٍ، وقَوْلُ …

94

فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّۢ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

So if you are in doubt, [O Muhammad], about that which We have revealed to you, then ask those who have been reading the Scripture before you. The truth has certainly come to you from your Lord, so never be among the doubters.

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (إنْ) شَرْطِيَّةٌ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِمّا كُنْتَ في شَكٍّ فَسْألْ، يَعْنِي: لا نَأْمُرُكَ بِالسُّؤالِ لِأنَّكَ شاكٌّ، ولَكِنْ لِتَزْدادَ يَقِينًا كَما ازْدادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُعايَنَةِ إحْياءِ المَوْتى، انْتَهى.

وإذا كانَتْ إنْ شَرْطِيَّةً فَذَكَرُوا أنَّها تَدْخُلُ عَلى المُمْكِنِ وجُودُهُ، أوِ المُحَقَّقِ وُجُودُهُ المُنْبَهِمُ زَمانُ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والَّذِي أقُولُهُ: أنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ تَقْتَضِي تَعْلِيقَ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، ولا تَسْتَلْزِمُ تَحَتُّمَ وُقُوعِهِ ولا إمْكانِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ في المُسْتَحِيلِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ومُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَكَذَلِكَ هَذا مُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ في شَكٍّ، وفي المُسْتَحِيلِ عادَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥]، أيْ: فافْعَلْ. لَكِنَّ وُقُوعَ إنْ لِلتَّعْلِيقِ عَلى المُسْتَحِيلِ قَلِيلٌ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ. ولَمّا خَفِيَ هَذا الوَجْهُ عَلى أكْثَرِ النّاسِ اخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّوابُ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ، والمُرادُ بِها سِواهُ مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ أنْ يَشُكَّ أوْ يُعارِضَ، انْتَهى.

ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبِرَّنِي، ولَيْسَ هَذا المِثالُ بِجَيِّدٍ، وإنَّما مِثالُ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، انْتَهى.

وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: واخْتارَهُ جَماعَةٌ، وضَعُفَ بِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةَ: أأنْتَ في شَكٍّ ؟ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ. وقِيلَ: كَنّى هُنا بِالشَّكِّ عَنِ الضِّيقِ، أيْ: فَإنْ كُنْتَ في ضَيْقٍ مِنَ اخْتِلافِهِمْ فِيما أُنْزِلَ إلَيْكَ وتَعَنُّتِهِمْ عَلَيْكَ. وقِيلَ: كَنّى بِالشَّكِّ عَنِ العَجَبِ، أيْ: فَإنْ كُنْتَ في تَعَجُّبٍ مِن عِنادِ فِرْعَوْنَ.

ومُناسَبَةُ المَجازِ أنَّ التَّعَجُّبَ فِيهِ تَرَدُّدٌ، كَما أنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ إنْ كُنْتَ في شَكٍّ أنَّ هَذا عادَتُهم مَعَ الأنْبِياءِ فَسَلْهم كَيْفَ كانَ صَبْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِمَعْنى: العَرْضِ والتَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا فَسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم قَرَأةُ الكِتابِ، ووَصَفَهم بِأنَّ العِلْمَ قَدْ جاءَهم، لِأنَّ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، فَأرادَ أنْ يُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ بِصِحَّةِ القُرْآنِ وصِحَّةِ نُبُوَّةِ …

95

وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And never be of those who deny the signs of Allah and [thus] be among the losers.

﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ (إنْ) شَرْطِيَّةٌ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِمّا كُنْتَ في شَكٍّ فَسْألْ، يَعْنِي: لا نَأْمُرُكَ بِالسُّؤالِ لِأنَّكَ شاكٌّ، ولَكِنْ لِتَزْدادَ يَقِينًا كَما ازْدادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُعايَنَةِ إحْياءِ المَوْتى، انْتَهى.

وإذا كانَتْ إنْ شَرْطِيَّةً فَذَكَرُوا أنَّها تَدْخُلُ عَلى المُمْكِنِ وجُودُهُ، أوِ المُحَقَّقِ وُجُودُهُ المُنْبَهِمُ زَمانُ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والَّذِي أقُولُهُ: أنَّ إنِ الشَّرْطِيَّةَ تَقْتَضِي تَعْلِيقَ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ، ولا تَسْتَلْزِمُ تَحَتُّمَ وُقُوعِهِ ولا إمْكانِهِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ في المُسْتَحِيلِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] ومُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَكَذَلِكَ هَذا مُسْتَحِيلٌ أنْ يَكُونَ في شَكٍّ، وفي المُسْتَحِيلِ عادَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: ٣٥]، أيْ: فافْعَلْ. لَكِنَّ وُقُوعَ إنْ لِلتَّعْلِيقِ عَلى المُسْتَحِيلِ قَلِيلٌ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ. ولَمّا خَفِيَ هَذا الوَجْهُ عَلى أكْثَرِ النّاسِ اخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّوابُ أنَّها مُخاطَبَةٌ لِلنَّبِيِّ، والمُرادُ بِها سِواهُ مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ أنْ يَشُكَّ أوْ يُعارِضَ، انْتَهى.

ولِذَلِكَ جاءَ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ [يونس: ١٠٤] وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: إنْ كُنْتَ ابْنِي فَبِرَّنِي، ولَيْسَ هَذا المِثالُ بِجَيِّدٍ، وإنَّما مِثالُ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعالى لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، انْتَهى.

وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: واخْتارَهُ جَماعَةٌ، وضَعُفَ بِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةَ: أأنْتَ في شَكٍّ ؟ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشَّكِّ. وقِيلَ: كَنّى هُنا بِالشَّكِّ عَنِ الضِّيقِ، أيْ: فَإنْ كُنْتَ في ضَيْقٍ مِنَ اخْتِلافِهِمْ فِيما أُنْزِلَ إلَيْكَ وتَعَنُّتِهِمْ عَلَيْكَ. وقِيلَ: كَنّى بِالشَّكِّ عَنِ العَجَبِ، أيْ: فَإنْ كُنْتَ في تَعَجُّبٍ مِن عِنادِ فِرْعَوْنَ.

ومُناسَبَةُ المَجازِ أنَّ التَّعَجُّبَ فِيهِ تَرَدُّدٌ، كَما أنَّ الشَّكَّ تَرَدُّدٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناهُ إنْ كُنْتَ في شَكٍّ أنَّ هَذا عادَتُهم مَعَ الأنْبِياءِ فَسَلْهم كَيْفَ كانَ صَبْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ اخْتَلَفُوا عَلَيْهِ ؟ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ بِمَعْنى: العَرْضِ والتَّمْثِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ وقَعَ لَكَ شَكٌّ مَثَلًا وخَيَّلَ لَكَ الشَّيْطانُ خَيالًا مِنهُ تَقْدِيرًا فَسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّمَ ذِكْرَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم قَرَأةُ الكِتابِ، ووَصَفَهم بِأنَّ العِلْمَ قَدْ جاءَهم، لِأنَّ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وهم يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، فَأرادَ أنْ يُؤَكِّدَ عَلَيْهِمْ بِصِحَّةِ القُرْآنِ وصِحَّةِ نُبُوَّةِ …

96

إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ

Indeed, those upon whom the word of your Lord has come into effect will not believe,

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾: ذَكَرَ تَعالى عِبادًا قَضى عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ فَلا تَتَغَيَّرُ، والكَلِمَةُ الَّتِي حَقَّتْ عَلَيْهِمْ قالَ قَتادَةُ: هي اللَّعْنَةُ والغَضَبُ. وقِيلَ: وعِيدُهُ أنَّهم يَصِيرُونَ إلى العَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي كَتَبَ في اللَّوْحِ، وأخْبَرَ بِهِ المَلائِكَةَ أنَّهم يَمُوتُونَ كُفّارًا فَلا يَكُونُ غَيْرُهُ، وتِلْكَ كِتابَةُ مَعْلُومٍ لا كِتابَةُ مُقَدَّرٍ ومُرادُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، انْتَهى.

وكَلامُهُ أخِيرًا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ: كَلِمُ اللَّهِ بِذَلِكَ وإخْبارُهُ عَنْهُ، وخَلْقُهُ في العَبْدِ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ والدّاعِيَةَ، وهو مُوجِبٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الأمْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ أوْجَبَ لَهم سَخَطَهُ مِنَ الأزَلِ وخَلَقَهم لِعَذابِهِ، فَلا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَهم كُلُّ بَيانٍ وكُلُّ وُضُوحٍ، إلّا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُهم فِيهِ الإيمانُ، كَما صَنَعَ فِرْعَوْنُ وأشْباهُهُ، وذَلِكَ وقْتَ المُعايَنَةِ.

وفِي ضِمْنِ الألْفاظِ التَّحْذِيرُ مِن هَذِهِ الحالِ، وبَعْثُ كُلٍّ عَلى المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ والفِرارِ مِن سَخَطِ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَذابُ الألِيمُ عِنْدَ تَقَطُّعِ أسْبابِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ (كَلِمَةٌ) بِالإفْرادِ وبِالجَمْعِ.

97

وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ

Even if every sign should come to them, until they see the painful punishment.

﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾: ذَكَرَ تَعالى عِبادًا قَضى عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ فَلا تَتَغَيَّرُ، والكَلِمَةُ الَّتِي حَقَّتْ عَلَيْهِمْ قالَ قَتادَةُ: هي اللَّعْنَةُ والغَضَبُ. وقِيلَ: وعِيدُهُ أنَّهم يَصِيرُونَ إلى العَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى الَّذِي كَتَبَ في اللَّوْحِ، وأخْبَرَ بِهِ المَلائِكَةَ أنَّهم يَمُوتُونَ كُفّارًا فَلا يَكُونُ غَيْرُهُ، وتِلْكَ كِتابَةُ مَعْلُومٍ لا كِتابَةُ مُقَدَّرٍ ومُرادُ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ، انْتَهى.

وكَلامُهُ أخِيرًا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: المُرادُ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ: كَلِمُ اللَّهِ بِذَلِكَ وإخْبارُهُ عَنْهُ، وخَلْقُهُ في العَبْدِ مَجْمُوعَ القُدْرَةِ والدّاعِيَةَ، وهو مُوجِبٌ لِحُصُولِ ذَلِكَ الأمْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ أوْجَبَ لَهم سَخَطَهُ مِنَ الأزَلِ وخَلَقَهم لِعَذابِهِ، فَلا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَهم كُلُّ بَيانٍ وكُلُّ وُضُوحٍ، إلّا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُهم فِيهِ الإيمانُ، كَما صَنَعَ فِرْعَوْنُ وأشْباهُهُ، وذَلِكَ وقْتَ المُعايَنَةِ.

وفِي ضِمْنِ الألْفاظِ التَّحْذِيرُ مِن هَذِهِ الحالِ، وبَعْثُ كُلٍّ عَلى المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ والفِرارِ مِن سَخَطِ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَذابُ الألِيمُ عِنْدَ تَقَطُّعِ أسْبابِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ (كَلِمَةٌ) بِالإفْرادِ وبِالجَمْعِ.

98

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ

Then has there not been a [single] city that believed so its faith benefited it except the people of Jonah? When they believed, We removed from them the punishment of disgrace in worldly life and gave them enjoyment for a time.

﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾: لَوْلا هُنا: هي التَّحْضِيضِيَّةُ الَّتِي صَحِبَها التَّوْبِيخُ، وكَثِيرًا ما جاءَتْ في القُرْآنِ لِلتَّحْضِيضِ، فَهي بِمَعْنى: هَلّا.

وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: فَهَلّا وكَذا هو في مُصْحَفَيْهِما، والتَّحْضِيضُ: أنْ يُرِيدَ الإنْسانُ فِعْلَ الشَّيْءِ الَّذِي يَحُضُّ عَلَيْهِ، وإذا كانَتْ لِلتَّوْبِيخِ: فَلا يُرِيدُ المُتَكَلِّمُ الحَضَّ عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضَوْطَرَيْ لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا

لَمْ يَقْصِدْ حَضَّهم عَلى عَقْرِ الكَمِيِّ المُقَنَّعِ، وهُنا وبَّخَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ النّافِعِ. والمَعْنى: فَهَلّا آمَنَ أهْلُ القَرْيَةِ وهم عَلى مَهَلٍ لَمْ يَلْتَبِسِ العَذابُ بِهِمْ، فَيَكُونُ الإيمانُ نافِعًا لَهم في هَذِهِ الحالِ.

و(قَوْمَ) مَنصُوبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ والفَرّاءِ والأخْفَشِ، إذْ لَيْسُوا مُنْدَرِجِينَ تَحْتَ لَفْظِ قَرْيَةٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا والجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الهالِكَةِ إلّا قَوْمُ يُونُسَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بِحَسَبِ اللَّفْظِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وكَذَلِكَ رَسَمَهُ النَّحْوِيُّونَ، وهو بِحَسَبِ المَعْنى مُتَّصِلٌ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: ما آمَنَ أهْلُ قَرْيَةٍ إلّا قَوْمُ يُونُسَ، والنَّصْبُ هو الوَجْهُ، ولِذَلِكَ أدْخَلَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ ما لا يَكُونُ فِيهِ إلّا النَّصْبُ، وذَلِكَ مَعَ انْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ، وهَذا مَعَ اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ.

وقالَ المَهْدَوِيُّ: والرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِن (قَرْيَةٌ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ عَنِ الحَرَمِيِّ والكِسائِيِّ، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ (يُونُسَ) بِضَمِّ النُّونِ وكَسْرِها، وذُكِرَ جَوازُ فَتْحِها.

وقَوْمُ يُونُسَ: هم أهْلُ نِينَوى مِن بِلادِ المَوْصِلِ، كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ يُونُسَ فَأقامُوا عَلى تَكْذِيبِهِ سَبْعَ سِنِينَ، وتَوَعَّدَهُمُ العَذابَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ. وقِيلَ: بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ قِصَّةَ قَوْمِ يُونُسَ وتَفاصِيلَ فِيها وفي كَيْفِيَّةِ عَذابِهِمُ. اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ ويُوقَفُ عَلى ذَلِكَ في كُتُبِهِمْ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: وذَكَرَهُ عَنْ جَماعَةٍ أنَّ قَوْمَ يُونُسَ خُصُّوا مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَؤُلاءِ دَنا مِنهُمُ العَذابُ ولَمْ يُباشِرْهم كَما باشَرَ فِرْعَوْنَ، فَكانُوا كالمَرِيضِ الَّذِي يَخافُ المَوْتَ ويَرْجُو العافِيَةَ، فَأمّا الَّذِي يُباشِرُهُ العَذابُ فَلا تَوْبَةَ لَهُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: عَلِمَ مِنهم صِدْقَ النِّيّاتِ بِخِلافِ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الهالِكِينَ. قالَ السُّدِّيُّ: (إلى حِينٍ): إلى وقْتِ انْقِضاءِ آجالِهِمْ. وقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، فَعَلى هَذا يَكُونُونَ باقِينَ أحْياءً، وسَتَرَهُمُ اللَّهُ عَنِ النّاسِ.

99

وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ

And had your Lord willed, those on earth would have believed - all of them entirely. Then, [O Muhammad], would you compel the people in order that they become believers?

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، لِأنَّهُ ﷺ أسِفَ بِمَوْتِهِ عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وكانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِ.

ولَمّا كانَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى هِدايَتِهِمْ وأسْعى في وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، والفَوْزِ بِالإيمانِ مِنهم وأكْثَرَ اجْتِهادًا في نَجاةِ العالَمِينَ مِنَ العَذابِ، أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ أهْلًا لِلسَّعادَةِ وأهْلًا لِلشَّقاوَةِ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ إيمانَهم كُلِّهِمْ لَفَعَلَ، وأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى التَّصَرُّفِ في أحَدٍ.

والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ القُدْرَةَ القاهِرَةَ والمَشِيئَةَ النّافِذَةَ لَيْسَتْ إلّا لَهُ تَعالى. وتَقْدِيمُ الِاسْمِ في الِاسْتِفْهامِ عَلى الفِعْلِ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ حُصُولِ الفِعْلِ، لَكِنْ مِن غَيْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ، فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يُكْرِهَ النّاسَ عَلى الإيمانِ لَوْ شاءَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾: مَشِيئَةَ القَسْرِ والإلْجاءِ ﴿لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ﴾ عَلى وجْهِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ جَمِيعًا: مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ مُطْبِقِينَ عَلَيْهِ، لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.

ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ يَعْنِي: إنَّما يَقْدِرُ عَلى إكْراهِهِمْ واضْطِرارِهِمْ عَلى الإيمانِ هَؤُلاءِ أنْتَ ؟ . وإتْلاءُ الِاسْمِ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ الإكْراهَ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وإنَّما الشَّأْنُ في المُكْرِهِ مَن هو ؟ وما هو إلّا هو وحْدَهُ ولا يُشارَكُ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَضْطَرُّونَ عِنْدَهُ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَطاعٍ لِلْبَشَرِ انْتَهى.

وقَوْلُهُ: مَشِيئَةُ القَسْرِ والإلْجاءِ هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إنَّما كانَ جَمِيعُهُ بِقَضاءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ومَشِيئَتِهِ فِيهِمْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَكانَ الجَمِيعُ مُؤْمِنًا، فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى كُفْرِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِكَ، وادْعُ ولا عَلَيْكَ فالأمْرُ مَحْتُومٌ. أتُرِيدُ أنْتَ أنْ تُكْرِهَ النّاسَ بِإدْخالِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، وتَضْطَرَّهم إلى ذَلِكَ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ شاءَ غَيْرَهُ ؟ فَهَذا التَّأْوِيلُ الآيَةُ عَلَيْهِ مَحْكَمَةٌ، أيِ: ادْعُ وقاتِلْ مَن خالَفَكَ.

وإيمانُ مَن آمَنَ مَصْرُوفٌ إلى المَشِيئَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ بِالقِتالِ حَتّى يَدْخُلُوا في الإيمانِ ؟ وزَعَمَتْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في صَدْرِ الإسْلامِ وأنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والآيَةُ عَلى كِلا التَّأْوِيلَيْنِ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ، انْتَهى.

ولِذَلِكَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلى تَفْسِيرِ المَشِيئَةِ بِمَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ، وهو تَفْسِيرُ الجُبّائِيِّ والقاضِي. ومَعْنى إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وتَقْدِيرِهِ لِذَلِكَ والتَّمَكُّنِ مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِتَسْهِيلِهِ وهو مَنحُ الإلْطافِ.

﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخِذْلانُ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ. وسُمِّيَ الخِذْلانُ رِجْسًا وهو العَذابُ لِأنَّهُ سَبَبُهُ انْتَهى.

وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّجْسُ: السَّخَطُ وعَنْهُ: الإثْمُ والعُدْوانُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لا خَيْرَ فِيهِ. …

100

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

And it is not for a soul to believe except by permission of Allah, and He will place defilement upon those who will not use reason.

﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، لِأنَّهُ ﷺ أسِفَ بِمَوْتِهِ عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وكانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِهِ.

ولَمّا كانَ أحْرَصَ النّاسِ عَلى هِدايَتِهِمْ وأسْعى في وُصُولِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، والفَوْزِ بِالإيمانِ مِنهم وأكْثَرَ اجْتِهادًا في نَجاةِ العالَمِينَ مِنَ العَذابِ، أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهُ خَلَقَ أهْلًا لِلسَّعادَةِ وأهْلًا لِلشَّقاوَةِ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ إيمانَهم كُلِّهِمْ لَفَعَلَ، وأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى التَّصَرُّفِ في أحَدٍ.

والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ القُدْرَةَ القاهِرَةَ والمَشِيئَةَ النّافِذَةَ لَيْسَتْ إلّا لَهُ تَعالى. وتَقْدِيمُ الِاسْمِ في الِاسْتِفْهامِ عَلى الفِعْلِ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ حُصُولِ الفِعْلِ، لَكِنْ مِن غَيْرِ ذَلِكَ الِاسْمِ، فَلِلَّهِ تَعالى أنْ يُكْرِهَ النّاسَ عَلى الإيمانِ لَوْ شاءَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾: مَشِيئَةَ القَسْرِ والإلْجاءِ ﴿لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ﴾ عَلى وجْهِ الإحاطَةِ والشُّمُولِ جَمِيعًا: مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ مُطْبِقِينَ عَلَيْهِ، لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ.

ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ يَعْنِي: إنَّما يَقْدِرُ عَلى إكْراهِهِمْ واضْطِرارِهِمْ عَلى الإيمانِ هَؤُلاءِ أنْتَ ؟ . وإتْلاءُ الِاسْمِ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ الإكْراهَ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وإنَّما الشَّأْنُ في المُكْرِهِ مَن هو ؟ وما هو إلّا هو وحْدَهُ ولا يُشارَكُ فِيهِ، لِأنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَضْطَرُّونَ عِنْدَهُ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَطاعٍ لِلْبَشَرِ انْتَهى.

وقَوْلُهُ: مَشِيئَةُ القَسْرِ والإلْجاءِ هو مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى: أنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إنَّما كانَ جَمِيعُهُ بِقَضاءِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ومَشِيئَتِهِ فِيهِمْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَكانَ الجَمِيعُ مُؤْمِنًا، فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى كُفْرِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِكَ، وادْعُ ولا عَلَيْكَ فالأمْرُ مَحْتُومٌ. أتُرِيدُ أنْتَ أنْ تُكْرِهَ النّاسَ بِإدْخالِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ، وتَضْطَرَّهم إلى ذَلِكَ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ شاءَ غَيْرَهُ ؟ فَهَذا التَّأْوِيلُ الآيَةُ عَلَيْهِ مَحْكَمَةٌ، أيِ: ادْعُ وقاتِلْ مَن خالَفَكَ.

وإيمانُ مَن آمَنَ مَصْرُوفٌ إلى المَشِيئَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ بِالقِتالِ حَتّى يَدْخُلُوا في الإيمانِ ؟ وزَعَمَتْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في صَدْرِ الإسْلامِ وأنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والآيَةُ عَلى كِلا التَّأْوِيلَيْنِ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ، انْتَهى.

ولِذَلِكَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلى تَفْسِيرِ المَشِيئَةِ بِمَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ، وهو تَفْسِيرُ الجُبّائِيِّ والقاضِي. ومَعْنى إلّا بِإذْنِ اللَّهِ أيْ: بِإرادَتِهِ وتَقْدِيرِهِ لِذَلِكَ والتَّمَكُّنِ مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِتَسْهِيلِهِ وهو مَنحُ الإلْطافِ.

﴿ويَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخِذْلانُ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ. وسُمِّيَ الخِذْلانُ رِجْسًا وهو العَذابُ لِأنَّهُ سَبَبُهُ انْتَهى.

وهُوَ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّجْسُ: السَّخَطُ وعَنْهُ: الإثْمُ والعُدْوانُ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما لا خَيْرَ فِيهِ. …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.