Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 81–90 of 109

81

فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ

And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allah will expose its worthlessness. Indeed, Allah does not amend the work of corrupters.

﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْا مِنَ العِصِيِّ والحِبالِ واسْتَرْهَبُوا النّاسَ وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴿قالَ﴾ لَهم ﴿مُوسى﴾ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِمْ وبِما صَنَعُوا ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ (ما) مَوْصُولَةٌ وقَعَتْ مُبْتَدَأً و(السِّحْرُ) خَبَرٌ وألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ والتَّعْرِيفِ لِإفادَةِ القَصْرِ إفْرادًا أيِ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ هو السِّحْرُ لا الَّذِي سَمّاهُ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى سِحْرًا وهو لِلْجِنْسِ ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ ألْ لِلْعَهْدِ لِتَقَدُّمِ السِّحْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ﴾ ورَدَ بِأنَّ شَرْطَ كَوْنِها لِلْعَهْدِ اتِّحادُ المُتَقَدِّمِ والمُتَأخِّرِ ذاتًا كَما في ﴿أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ولا اتِّحادَ فِيما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّ السِّحَرالمُتَقَدِّمَ ما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهَذا ما جاءَ بِهِ السَّحَرَةُ ومِنَ النّاسِ مَن مَنَعَ اشْتِراطَ الِاتِّحادِ الذّاتِيِّ مُدَّعِيًا أنَّ الِاتِّحادَ في الجِنْسِ كافٍ فَقَدْ قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ إنَّ ألْ لِلْعَهْدِ مَعَ أنَّ السَّلامَ الواقِعَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرُ السَّلامِ الواقِعِ عَلى يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ ذاتًا والظّاهِرُ اشْتِراطُ ذَلِكَ وعَدَمُ كِفايَةِ الِاتِّحادِ في الجِنْسِ وإلّا لَصَحَّ في رَأيْتُ رَجُلًا وأكْرَمْتُ الرَّجُلَ إذا كانَ الأوَّلُ زَيْدًا والثّانِي عَمْرًا مَثَلًا أنْ يُقالَ: إنَّ ألْ لِلْعَهْدِ لِأنَّ الِاتِّحادَ في الجِنْسِ ظاهِرٌ ولَمْ نَجِدْ مَن يَقُولُهُ بَلْ لا أظُنُّ أحَدًا تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِذَلِكَ وما في الآيَةِ مِن هَذا القَبِيلِ بَلِ المُغايِرَةُ بَيْنَ المُتَقَدِّمِ والمُتَأخِّرِ أظْهَرُ إذِ الأوَّلُ سِحْرٌ ادِّعائِيٌّ والثّانِي حَقِيقِيٌّ و(السَّلامُ) فِيما قَلَوْا مُتَحِدٌّ، وتَعَدُّدُ مَن وقَعَ عَلَيْهِ لا يَجْعَلُهُ مُتَعَدِّدًا في العُرْفِ والتَّدْقِيقُ الفَلْسَفِيُّ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ في مِثْلِ ذَلِكَ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ القَوْلَ بِكَوْنِ التَّعْرِيفِ لِلْعَهْدِ مَعَ دَعْوى اسْتِفادَةِ القَصْرِ مِنهُ مِمّا يَتَنافَيانِ لِأنَّ

صفحة 167

القَصْرَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ نَعَمْ إذا لَمْ يُرِدْ بِالنَّكِرَةِ المَذْكُورَةِ أوَّلًا مُعَيَّنَ ثُمَّ عُرِّفَتْ لا يُنافِي التَّعْرِيفُ الجِنْسِيَّةَ لِأنَّ النَّكِرَةَ تُساوِي تَعْرِيفَ الجِنْسِ فَحِينَئِذٍ لا يُنافِي تَعْرِيفُ العَهْدِ القَصْرَ وإنْ كانَ كَلامُهم يُخالِفُهُ ظاهِرًا فَلْيُحَرَّرِ انْتَهى.

وأقُولُ: دَعْوى الفَرّاءِ العَهْدَ هُنا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ولَعَلَّهُ أرادَ الجِنْسَ وإنْ عَبَّرَ بِالعَهْدِ بِناءً عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في هَمْعِ الهَوامِعِ نَقْلًا عَنِ ابْنِ عُصْفُورٍ أنَّهُ قالَ: لا يَبْعُدُ عِنْدِي أنْ يُسَمّى الألِفُ واللّامُ اللَّتانِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ عَهْدِيَّتَيْنِ لِأنَّ الأجْناسَ عِنْدَ العُقَلاءِ مَعْلُومَةٌ مُذْ فَهِمُوها والعَهْدُ تُقَدِّمُ المَعْرِفَةَ. وادَّعى أبُو الحَجّاجِ يُوسُفُ بْنُ مَعْزُوزٍ أنَّ ألْ لا تَكُونُ إلّا عَهْدِيَّةً وتَأوَّلَهُ بِنَحْوِ ما ذَكَرَ إلّا أنَّ ظاهِرَ التَّعْلِيلِ لا يُساعِدُ ذَلِكَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (سِحْرٌ) بِالتَّنْكِيرِ وأُبَيٌّ (ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ) والكَلامُ عَلى ذَلِكَ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ أيْضًا لَكِنْ بِواسِطَةِ التَّعْرِيضِ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وجُوِّزَ في (ما) في جَمِيعِ هَذا القِراءاتِ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً و(السِّحْرُ) خَبَرُ …

82

وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ

And Allah will establish the truth by His words, even if the criminals dislike it."

﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ أيْ يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيهِ وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَقامَيْنِ لِإلْقاءِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ أيْ بِأوامِرِهِ وقَضاياهُ، وعَنِ الحَسَنِ أيْ بِوَعْدِهِ النَّصْرَ لِمَن جاءَ بِهِ وهو سُبْحانُهُ لا يُخْلِفُ ذَلِكَ، وعَنِ الجِبائِيِّ أيْ بِما يُنْزِلُهُ مُبَيِّنًا لِمَعانِي الآياتِ الَّتِي أتى بِها نَبِيُّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقُرِئَ (بِكَلِمَتِهِ) وفُسِّرَتْ بِالأمْرِ واحِدِ الأوامِرِ حَسْبَما فُسِّرَتِ الكَلِماتُ بِالأوامِرِ وأُرِيدَ مِنها الجِنْسُ فَيَتَطابَقُ القِراءَتانِ وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها قَوْلُ كُنْ وأنْ يُرادَ بِها الأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ ويُرادَ بِالكَلِماتِ الأُمُورُ والشُّؤُونُ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ 82﴾ ذَلِكَ والمُرادُ بِهِمْ كُلُّ مَنِ اتَّصِفَ بِالإجْرامِ مِنَ السَّحَرَةِ وغَيْرِهِمْ

83

فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ

But no one believed Moses, except [some] youths among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ فُصِّلَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أيْ

صفحة 168

﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ إلَخْ وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ذَلِكَ وإيثارًا لِلْإيجازِ وإيذانًا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ مَما لا يَحْتَمِلُ الخُلْفَ أصْلًا ولَعَلَّ عَطْفَهُ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ بِاعْتِبارِ الإيجابِ الحادِثِ الَّذِي هو أحَدُ مَفْهُومَيْ الحَصْرِ فَإنَّهم قالُوا: مَعْنى ما قامَ إلّا زِيدٌ قامَ زَيْدٌ ولَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ وبَعْضُهم لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ عَطْفَهُ بِالفاءِ عَلى ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ عَدَمًا مُسْتَمِرًّا مِن قَبِيلِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ وما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وصِحْتُ بِهِ فَلَمْ يَنْزَجِرْ والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ بِحَسْبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ أيْ فَما آمَنَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَبْدَأِ أمْرِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ أيْ إلّا أوْلادُ بَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ دَعا عَلَيْهِ السَّلامُ الآباءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ وأجابَتْهُ طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ فالمُرادُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الشُّبّانُ لا الأطْفالُ.

و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلِابْتِداءِ والتَّبْعِيضُ مُسْتَفادٌ مِنَ التَّنْوِينِ والضَّمِيرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما هو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّ الضَّمِيرَ لِفِرْعَوْنَ وبِهِ قالَ جَمْعٌ فالمُؤْمِنُونَ مِن غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ ومِنهم زَوْجَتُهُ آسِيَةُ وماشِطَتُهُ ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ والخازِنُ وامْرَأتُهُ وفي إطْلاقِ الذَّرِّيَّةِ عَلى هَؤُلاءِ نَوْعُ خَفاءٍ ورَجَّحَ بَعْضُهم إرْجاعَ الضَّمِيرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ وبِأنَّ المُناسِبَ عَلى القَوْلِ الآخَرِ الإضْمارُ فِيما بَعْدُ ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ إرْجاعَ الضَّمِيرِ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّ المَعْرُوفَ في القَصَصِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا في قَهْرِ فِرْعَوْنَ وكانُوا قَدْ بُشِّرُوا بِأنَّ خَلاصَهم عَلى يَدِ مَوْلُودٍ يَكُونُ نَبِيًّا صِفَتُهُ كَذا كَذا، فَلَمّا ظَهَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اتَّبَعُوهُ ولَمْ يُعْرَفْ أنَّ أحَدًا مِنهم خالَفَهُ فالظّاهِرُ القَوْلُ الثّانِي وما ذُكِرَ مِن أنَّ المُحَدِّثَ عَنْهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ فَإنَّ لِقائِلٍ أنْ يُقابِلَ ذَلِكَ بِأنَّ الكَلامَ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُمُ القائِلُونَ إنَّهُ ساحِرٌ ولِأنَّ وعْظَ أهْلِ مَكَّةَ وتَخْوِيفَهُمُ المَسُوقَ لَهُ الآياتُ قاضٍ بِأنَّ المَقْصُودَ هُنا شَرْحُ أحْوالِهِمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ لِلْبَحْثِ في هَذا مَجالًا والمَعْرُوفُ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ مَعْرُوفًا لا يَضُرُّ القَوْلُ الأوَّلُ لِأنَّ المُرادَ حِينَئِذٍ فَما أظْهَرَ إيمانَهُ وأعْلَنَ بِهِ إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإنَّهم أخْفَوْهُ ولَمْ يُظْهِرُوهُ ﴿عَلى خَوْفٍ﴾ حالٌ مِن ذُرِّيَّةٍ و﴿عَلى﴾ بِمَعْنى مَعَ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ كائِنِينَ مَعَ خَوْفٍ عَظِيمٍ ﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ والجَمْعُ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ عَلى ما هو المُعْتادُ في ضَمائِرِ العُظَماءِ ورَدَ بِأنَّ الوارِدَ في كَلامِ العَرَبِ الجَمْعُ في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَنَحْنُ …

84

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ

And Moses said, "O my people, if you have believed in Allah, then rely upon Him, if you should be Muslims."

﴿وقالَ مُوسى﴾ لَما رَأى تَخَوُّفَ المُؤْمِنِينَ ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ صَدَّقْتُمْ بِهِ وبِآياتِهِ ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ أيِ اعْتَمِدُوا لا عَلى أحَدٍ سِواهُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافِيكم كُلَّ شَرٍّ وضُرٍّ

صفحة 170

﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ 84﴾ أيْ مُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى مُخْلِصِينَ لَهُ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ بَلْ مِن تَعْلِيقِ شَيْئَيْنِ بِشَرْطَيْنِ لِأنَّهُ عَلَّقَ وُجُوبَ التَّوَكُّلِ المَفْهُومِ مِنَ الأمْرِ وتَقْدِيمِ المُتَعَلِّقِ بِالإيمانِ فَإنَّهُ المُقْتَضِي لَهُ وعَلَّقَ نَفْسَ التَّوَكُّلِ ووُجُودِهِ بِالإسْلامِ والإخْلاصِ لِأنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ مَعَ التَّخْلِيطِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: إنْ دَعاكَ زِيدٌ فَأجِبْهُ إنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ فَإنَّ وُجُوبَ الإجابَةِ مُعَلَّقٌ بِالدَّعْوَةِ ونَفْسَ الدَّعْوَةِ مُعَلَّقَةٌ بِالقُدْرَةِ، وحاصِلُهُ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَيَجِبُ عَلَيْكُمُ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فافْعَلُوهُ واتَّصِفُوا بِهِ إنْ كُنْتُمْ مُسْتَسْلِمِينَ لَهُ تَعالى.

وهَذا النَّوْعُ عَلى ما في الكَشْفِ يُفِيدُ مُبالِغَةً في تُرَتِّبُ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ عَلى نَحْوِ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ كُنْتِ زَوْجَتِي. وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِشَرْطَيْنِ المُقْتَضِي لِتَقَدُّمِ الشَّرْطِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ في الوُجُودِ حَتّى لَوْ قالَ: إنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَأنْتِ طالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدّارَ لَمْ تُطَلَّقْ ما لَمْ تَدْخُلْ قَبْلَ الكَلامِ لِأنَّ الشَّرْطَ الثّانِيَ شَرْطٌ لِلْأوَّلِ فَيَلْزَمُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ، وقَرَّرَهُ بِأنَّ هَهُنا ثَلاثَةُ أشْياءَ: الإيمانُ والتَّوَكُّلُ والإسْلامُ والمُرادُ بِالإيمانِ التَّصْدِيقُ وبِالتَّوَكُّلِ إسْنادُ الأُمُورِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وبِالإسْلامِ تَسْلِيمُ النَّفْسِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وقَطْعُ الأسْبابِ فَعَلَّقَ التَّوَكُّلَ بِالتَّصْدِيقِ بَعْدَ تَعْلِيقِهِ بِالإسْلامِ لِأنَّ الجَزاءَ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ الأوَّلِ وتَفْسِيرٌ لِلْجَزاءِ الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ تَعالى وآياتِهِ فَخُصُّوهُ سُبْحانَهُ بِإسْنادِ جَمِيعِ الأُمُورِ إلَيْهِ وذَلِكَ لا يَتَحَصَّلُ إلّا بَعْدَ أنْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى مُسْتَسْلِمِينَ بِأنْفُسِكم لَهُ سُبْحانَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيكم نَصِيبٌ وإلّا فاتْرُكُوا أمْرَ التَّوَكُّلِ.

ويُعْلَمُ مِنهُ أنْ لَيْسَ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ المُومِنِينَ الخَوْضُ في التَّوَكُّلِ بَلْ لِلْآحادِ مِنهم وأنَّ مَقامَ التَّوَكُّلِ دُونَ مَقامِ التَّسْلِيمِ، والأكْثَرُ عَلى الأوَّلِ ولَعَلَّهُ أدَقُّ نَظَرًا

85

فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

So they said, "Upon Allah do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people

﴿فَقالُوا﴾ مُجِيبِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وبَلْعِ رِيقٍ في ذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا لا عَلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ويُؤْخَذُ مِن هَذا القَصْرِ والتَّعْبِيرِ بِالماضِي دُونَ نَتَوَكَّلُ أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ قِيلَ: ولِذا أُجِيبَ دُعاؤُهم ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ 85﴾ أيْ مَوْضِعَ فِتْنَةٍ وعَذابٍ لَهم بِأنْ تُسَلِّطَهم عَلَيْنا فَيُعَذِّبُونا أوْ يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا أوْ يُفْتَنُوا بِنا ويَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أُصِيبُوا

86

وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And save us by Your mercy from the disbelieving people."

﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ دُعاءٌ بِالإنْجاءِ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ وسُوءِ صَنِيعِهِمْ بَعْدَ الإنْجاءِ مِن ظُلْمِهِمْ، ولِذا عَبَّرَ عَنْهم بِالكُفْرِ بَعْدَ ما وُصِفُوا بِالظُّلْمِ فَفِيهِ وضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ المَلَأُ الَّذِينَ تَخَوَّفُوا مِنهم ومِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهُمْ، وفي تَقْدِيمِ التَّوَكُّلِ عَلى الدُّعاءِ وإنْ كانَ بَيانًا لِامْتِثالِ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِهِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ الدّاعِيَ حَقُّهُ أنْ يَبْنِيَ دُعاءَهُ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ أرْجى لِلْإجابَةِ ولا يَتَوَهَّمَنَّ أنَّ التَّوَكُّلَ مُنافٍ لِلدُّعاءِ لِأنَّهُ أحَدُ الأسْبابِ لِلْمَقْصُودِ، والتَّوَكُّلُ قَطْعُ الأسْبابِ لِأنَّ المُرادَ بِذاكَ قَطْعُ النَّظَرِ عَنِ الأسْبابِ العادِيَّةِ وقِصَرُهُ عَلى مُسَبِّبِها عَزِّ وجَلَّ واعْتِقادُ أنَّ الأمْرَ مَرْبُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وقَدْ صَرَّحُوا أنَّ الشَّخْصَ إذا تَعاطى الأسْبابَ مُعْتِقَدًا ذَلِكَ يُعَدُّ مُتَوَكِّلًا أيْضًا، ومِثْلُ التَّوَكُّلِ في عَدَمِ المُنافاةِ لِلدُّعاءِ عَلى ما تُشْعِرُ بِهِ الآيَةُ الِاسْتِسْلامُ نَعَمْ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ الِاسْتِسْلامَ مِن صِفاتِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مِن آثارِهِ تَرْكُ الدُّعاءِ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ واكْتِفاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالعِلْمِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: حَسْبِي مِن سُؤالِي عِلْمُهُ بِحالِي، ما يُشْعِرُ بِالمُنافاةِ، ومَن عَرَفَ المَقاماتِ وأمْعَنَ النَّظَرَ هانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجَمْعِ

87

وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah and establish prayer and give good tidings to the believers."

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ في الوَحْيِ مَعْنى القَوْلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ

صفحة 171

تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً والتَّبَوُّءُ اتِّخاذُ المُباءَةِ أيِ المَنزِلِ كالتَّوَطُّنِ اتِّخاذُ الوَطَنِ، والجُمْهُورُ عَلى تَحْقِيقِ الهَمْزَةِ ومِنهم مَن قَرَأ (تَبَوَّيا ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ فَجَعَلَها ياءً وهي مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ تَخْفِيفًا والفِعْلُ عَلى ما قِيلَ مِمّا يَتَعَدّى لِواحِدٍ فَيُقالُ: تَبَوَّأ زَيْدٌ كَذا لَكِنْ إذا أُدْخِلَتِ اللّامُ عَلى الفاعِلِ فَقِيلَ: تَبَوَّأ لِزَيْدٍ كَذا تَعَدّى لَمّا كانَ فاعِلًا بِاللّامِ فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، وخَرَجَتِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ فَلِقَوْمِكُما أحَدُ المَفْعُولَيْنِ، وقِيلَ: هو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ و﴿لِقَوْمِكُما﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ البُيُوتِ، واللّامُ عَلى الوَجْهَيْنِ غَيْرُ زائِدَةٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لِاثْنَيْنِ واللّامُ زائِدَةٌ كَما في ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ وفَعَلَ وتَفَعَّلَ قَدْ يَكُونانِ بِمَعْنًى مِثْلَ عَلَّقْتُها وتَعَلَّقْتُها، والتَّقْدِيرُ بَوِّئا قَوْمَكُما بُيُوتًا يَسْكُنُونَ فِيها أوْ يَرْجِعُونَ إلَيْها لِلْعِبادَةِ. و(مِصْرَ) غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأنَّهُ مُؤَنَّثُ مَعْرِفَةٍ ولَوْ صَرَفْتَهُ لِخِفَّتِهِ كَما صَرَفْتَ هِنْدًا لَكانَ جائِزًا، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِتَبَوَّآ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿بُيُوتًا﴾ أوْ مِن قَوْمِكُما أوَ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (تَبَوَّآ) وفِيهِ ضَعْفٌ ﴿واجْعَلُوا﴾ أنْتُما وقَوْمُكُما فَفِيهِ تَغْلِيبُ المُخاطَبِ عَلى غَيْرِهِ ﴿بُيُوتَكُمْ﴾ تِلْكَ فالإضافَةُ لِلْعَهْدِ ﴿قِبْلَةً﴾ أيْ مُصَلًّى وقِيلَ: مَساجِدُ مُتَوَجِّهَةٌ نَحْوَ القِبْلَةِ يَعْنِي الكَعْبَةَ فَإنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُصَلِّي إلَيْها، وعَلى التَّفْسِرَيْنِ تَكُونُ القِبْلَةُ مَجازًا فِيما فُسِّرَتْ بِهِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ أوِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ، والِاخْتِلافُ في المُرادِ هُنا ناظِرٌ لِلِاخْتِلافِ في أنَّ تِلْكَ البُيُوتَ المُتَّخَذَةَ هَلْ لِلسُّكْنى أوْ لِلصَّلاةِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فالقِبْلَةُ مَجازٌ عَنِ المُصَلّى وإنْ كانَ الثّانِي فَهي مَجازٌ عَنِ المَساجِدِ.

واعْتُرِضَ القَوْلُ بِحَمْلِ القِبْلَةِ عَلى المَساجِدِ المُتَوَجِّهَةِ إلى الكَعْبَةِ بِأنَّ المَنصُوصَ عَلَيْهِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ اليَهُودَ تَسْتَقْبِلُ الصَّخْرَةَ والنَّصارى مَطْلِعَ الشَّمْسِ ولَمْ يَشْتَهِرْ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَسْتَقْبِلُ الكَعْبَةَ في صَلاتِهِ فالقَوْلُ بِهِ غَرِيبٌ وأغْرَبُ مِنهُ ما قالَهُ العَلائِيُّ: مِن أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانَتْ قِبْلَتَهم كُلَّهُمُ الكَعْبَةُ قِيلَ: وجَعْلُ البُيُوتِ مُصَلًّى يُنافِيهِ ما في الحَدِيثِ: جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا. مِن أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في كَنائِسِهِمْ، وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّ مَحَلَّهُ إذا لَمْ يُضْطَرُّوا فَإذا اضُطِرُّوا جازَتْ لَهُمُ الصَّلاةُ في بُيُوتِهِمْ كَما رَخَّصَ لَنا صَلاةَ الخَوْفِ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى خَرَّبَ مَساجِدَهم ومَنَعَهم مِنَ الصَّلاةِ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ صَلُّوا في بُيُوتِكم كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لا مُنافاةَ أصْلًا بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ تَعْيِينُ البُيُوتِ لِلصَّلاةِ وعَدَمُ صِحَّةِ الصَّلاةِ في غَيْرِها فَيَكُونُ حُكْمُها إذْ ذاكَ حُكْمَ الكَنائِسِ اليَوْمَ وما هو مِنَ الخَصائِصِ صِحَّةُ الصَّلاةِ في أيْ مَكانٍ مِنَ الأرْضِ وعَدَمُ تَعَيُّنِ مَوْضِعٍ …

88

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ

And Moses said, "Our Lord, indeed You have given Pharaoh and his establishment splendor and wealth in the worldly life, our Lord, that they may lead [men] astray from Your way. Our Lord, obliterate their wealth and harden their hearts so that they will not believe until they see the painful punishment."

﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً﴾ أيْ ما يَتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ اللِّباسِ والمَراكِبِ ونَحْوِها وتُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا ﴿وأمْوالا﴾ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ المالِ كَما يُشْعِرُ بِهِ الجَمْعُ والتَّنْوِينُ، وذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ الزِّينَةِ مَن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ لِلشُّمُولِ وقَدْ يُحْمَلُ عَلى ما عَداهُ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الزِّينَةَ بِالجَمالِ وصِحَّةِ البَدَنِ وطُولِ القامَةِ ونَحْوِهِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ أيْ لِكَيْ يَضِلُّوا عَنْها وهو تَعْلِيلٌ لِلْإيتاءِ السّابِقِ، والكَلامُ إخْبارٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أمَدَّهم بِالزِّينَةِ والأمْوالِ اسْتِدْراجًا لِيَزْدادُوا إثْمًا وضَلالَةً كَما أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ أمْثالِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ وإلى كَوْنِ اللّامِ لِلتَّعْلِيلِ ذَهَبَ الفَرّاءُ والظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ فَيَكُونُ ذَلِكَ الضَّلالُ مُرادَ اللَّهِ تَعالى ولا يَلْزَمُ ما قالَهُ المُعْتَزِلَةُ مِن أنَّهُ إذا كانَ مُرادًا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ بِهِ بِناءً عَلى أنَّ الإرادَةَ أمْرٌ أوْ مُسْتَلْزَمٌ لَهُ لِما أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بُطْلانُ هَذا المَبْنى في الكَلامِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم حَذَرًا مِن ذَلِكَ لِئَلّا يَضِلُّوا كَما قُدِّرَ في ﴿شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا﴾ شَهِدْنا أنْ لا تَقُولُوا ولا حاجَةَ إلَيْهِ وقِيلَ: إنَّ التَّعْلِيلَ مَجازِيٌّ لِأنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِ ذَلِكَ جُعِلَ إيتاؤُهُ كَأنَّهُ لِلضَّلالِ فَيَكُونُ في اللّامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: اللّامُ لِلْعاقِبَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إخْبارًا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُمارَسَتِهِ لَهم وتَفَرُّسِهِ بِهِمُ أوْ لِعِلْمِهِمْ بِالوَحْيِ عَلى ما قِيلَ بِأنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الإيتاءِ الضَّلالُ.

والفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيلِ المَجازِيِّ وهَذا إنْ قُلْنا بِأنَّهُ مَعْنًى مَجازِيٌّ أيْضًا أنَّ في التَّعْلِيلِ ذِكْرَ ما هو سَبَبٌ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ إيتاؤُهُ لِكَوْنِهِ سَبَبًا وفي لامِ العاقِبَةِ لَمْ يُذْكَرْ سَبَبٌ أصْلًا وهي كاسْتِعارَةِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ لِلْآخَرِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّها لِلدُّعاءِ، ولا مَغْمَزَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ إمّا لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ بِالمُمارَسَةِ أوْ نَحْوِها أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ فَدَعا بِهِ وحاصِلُهُ أنَّهُ دُعاءٌ بِما لا يَكُونُ إلّا ذَلِكَ فَهو تَصْرِيحٌ بِما جَرى قَضاءُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَحْوَهُ لَعَنَ اللَّهُ تَعالى الشَّيْطانَ وإمّا لِأنَّهُ لَيْسَ بِدُعاءٍ حَقِيقَةً ولَيْسَ النَّظَرُ إلى تَنْجِيزِ المَسْؤُولِ وعَدَمِهِ بَلِ النَّظَرُ إلى وصْفِهِمْ بِالعُتُوِّ وإبْلاءِ عُذْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدَّعْوَةِ فَهو كِنايَةٌ إيمائِيَّةٌ عَلى هَذا وما قِيلَ: هَذا شَهادَةٌ بِسُوءِ حالِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ في الكِنايَةِ لِأنَّ الضَّلالَ رَدِيفُ الإضْلالِ وهو مَنعُ اللُّطْفِ فَكُنِّيَ بِالضَّلالِ عَنِ الإضْلالِ والإضْلالُ رَدِيفُ كَوْنِهِمْ كالمَطْبُوعِ عَلَيْهِمْ فَكانَ هَذا كَشْفًا وبَيانًا لِحالِهِمْ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ فَهو عَلى ما فِيهِ شَيْءٌ عَنْهُ غِنًى لِأنَّ الطَّبْعَ مُصَرَّحٌ بِهِ بَعْدُ بَلِ النَّظَرُ هَهُنا إلى الزُّبْدَةِ والخُلاصَةِ مِن هَذِهِ المَطالِبِ كُلِّها، ويُشْعِرُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِاخْتِيارِ كَوْنِها لِلدُّعاءِ وفي الِانْتِصافِ أنَّهُ اعْتِزالٌ أدَقُّ مِن دَبِيبِ النَّمْلِ يَكادُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ يَكُونُ كَشْفًا …

89

قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ

[Allah] said, "Your supplication has been answered." So remain on a right course and follow not the way of those who do not know."

﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ هو خِطابٌ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ وظاهِرُهُ أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ دَعا بِمِثْلِ ما دَعا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَقِيقَةً لَكِنِ اكْتَفى بِنَقْلِ دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ الرَّسُولَ بِالِاسْتِقْلالِ عَنْ نَقْلِ دُعائِهِ وأُشْرِكَ بِالبِشارَةِ إظْهارًا لِشَرَفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ لَمْ يَدْعُ حَقِيقَةً لَكِنْ أُضِيفَتْ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ دَعْوَةَ مُوسى في حُكْمِ دَعْوَتِهِ لِمَكانِ كَوْنِهِ تابِعًا ووَزِيرًا لَهُ، والَّذِي تَضافَرَتْ بِهِ الآثارُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُؤَمِّنُ لِدُعاءِ أخِيهِ والتَّأْمِينُ دُعاءٌ، فَإنَّ مَعْنى آمِينَ اسْتَجِبْ ولَيْسَ اسْمًا مِن أسْمائِهِ تَعالى كَما يَرْوُونَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قِيلَ: ولِكَوْنِهِ دُعاءً اسْتَحَبَّ الحَنَفِيَّةُ الإسْرارَ بِهِ وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مَدارَ اسْتِحْبابِ الإسْرارِ والجَهْرِ لَيْسَ كَوْنَهُ دُعاءً فَإنَّ الشّافِعِيَّةَ اسَتَحَبُّوا الجَهْرَ بِهِ مَعَ أنَّ المَشْهُورَ عَنْهم أنَّهم قائِلُونَ أيْضًا بِكَوْنِهِ دُعاءً وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ إضافَةَ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ تُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُؤَمِّنُ لِدُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ الإشْعارِ مِنَ الخَفاءِ وقُرِئَ (دَعَواتُكُما) بِالجَمْعِ ووَجْهُهُ ظاهِرٌ ﴿فاسْتَقِيما﴾ فامْضِيا لِأمْرِي وأثْبِتا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوَةِ وإلْزامِ الحُجَّةِ ولا تَسْتَعْجِلا فَإنَّ ما طَلَبْتُماهُ كائِنٌ في وقْتِهِ لا مَحالَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّ فِرْعَوْنَ مَكَثَ بَعْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ، وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الدَّعْوَةَ أُجِيبَتْ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً ولَمْ يَذْكُرِ الزَّعْمَ ﴿ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ 89﴾ بِعاداتِ اللَّهِ تَعالى في تَعْلِيقِ الأُمُورِ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ أوْ سَبِيلِ الجَهَلَةِ في عَدَمِ الوُثُوقِ بِوَعْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والنَّهْيُ لا يَقْتَضِي صِحَّةَ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ فَقَدْ كَثُرَ نَهْيُ الشَّخْصِ عَمّا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ مِنهُ ولَعَلَّ الغَرَضَ مِنهُ هُنا مُجَرَّدُ تَأْكِيدِ أمْرِ الوَعْدِ وإفادَةُ أنَّ في تَأْخِيرِ إنْجازِهِ

صفحة 175

حِكَمًا إلَهِيَّةً. وعَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ (ولا تَتَّبِعانِ) بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ المَكْسُورَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ووَجَّهَ ذَلِكَ ابْنُ الحاجِبِ بِأنَّ (لا) نافِيَةٌ والنُّونُ عَلامَةُ الرَّفْعِ، والجُمْلَةُ إمّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في - اسْتَقِيما - كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَقِيما غَيْرَ مُتَّبِعِينَ، والجُمْلَةُ المُضارِعِيَّةُ المَنفِيَّةُ - بِلا - الواقِعَةِ حالًا يَجُوزُ اقْتِرانُها بِالواوِ وعَدَمُهُ خِلافًا لِمَن زَعَمَ وُجُوبَ عَدَمِ الِاقْتِرانِ بِالواوِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ مُبْتَدَأً، وإمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ الَّتِي قَبْلَها وهي وإنْ كانَتْ خَبَرِيَّةً لَفْظًا إلّا أنَّها طَلَبِيَّةٌ مَعْنًى لِأنَّ المُرادَ مِنها النَّهْيُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ (ولا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ) والنَّهْيُ المُخْرَجُ بِصُورَةِ الخَبَرِ أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ المُخْرَجِ بِصُورَتِهِ، …

90

۞ وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًۭا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ

And We took the Children of Israel across the sea, and Pharaoh and his soldiers pursued them in tyranny and enmity until, when drowning overtook him, he said, "I believe that there is no deity except that in whom the Children of Israel believe, and I am of the Muslims."

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ مِن جاوَزَ المَكانَ إذا قَطَعَهُ وتَخَطّاهُ وهو مُتَعَدٍّ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ الَّذِي كانَ فاعِلًا في الأصْلِ بِالباءِ وإلى الثّانِي بِنَفْسِهِ والمَعْنى

صفحة 181

جَعَلْناهم مُجاوِزِينَ البَحْرَ بِأنْ جَعَلْناهُ يَبَسًا وحَفِظْناهم حَتّى بَلَّغُوا الشَّطَّ وقَرَأ الحَسَنُ و(جَوَّزْنا) بِالتَّضْعِيفِ وفَعَلَ بِمَعْنى فاعِلٍ فَهو مَن التَّجْوِيزِ المُرادِفِ لِلْمُجاوَزَةِ بِالمَعْنى السّابِقِ ولَيْسَ بِمَعْنى نَفَذَ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى التَّعْدِيَةِ بِالباءِ ويَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِفي كَما في قَوْلِهِ:

ولا بُدَّ مِن جارٍ يُجِيزُ سَبِيلَها كَما جَوَّزَ السَّكْيَ في البابِ فَيَتَّقِ

فَكانَ الواجِبُ هُنا مِن حَيْثُ اللُّغَةُ أنْ يُقالَ: وجَوَّزْنا بَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ أيْ نَفَذْناهم وأدْخَلْناهم فِيهِ وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى انْفِصالِهِمْ عَنِ البَحْرِ وإلى مُقارَنَةِ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ لَهم عِنْدَ الجَوازِ كَما هو المَشْهُورُ في الفَرْقِ بَيْنَ أذْهَبَهُ وذَهَبَ بِهِ ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ تَبِعَهُ وأتْبَعَهُ إذا قَفا أثَرَهُ إمّا بِالجِسْمِ أوْ بِالِارْتِسامِ والِائْتِمارِ وظاهِرُهُ أنَّ الفِعْلَيْنِ بِمَعْنًى

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: يُقالُ تَبِعْتُهُ حَتّى أتْبَعْتُهُ إذا كانَ سَبَقَكَ فَلَحِقْتَهُ فالمَعْنى هُنا أدْرَكَهم ولَحِقَهم ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ حَتّى تَراءَتِ الفِئَتانِ وكادَ يَجْتَمِعُ الجَمْعانِ ﴿بَغْيًا وعَدْوًا﴾ أيْ ظُلْمًا واعْتِداءً وهُما مَصْدَرانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ اسْمِ الفاعِلِ أيْ باغِينَ وعادِينَ أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأجْلِهِ أيْ لِلْبَغْيِ والعُدْوانِ

وقَرَأ الحَسَنُ و(عُدُوًّا) بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِإجابَةِ دَعَوْتِهِما أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإخْراجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ لَيْلًا وكانُوا كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ فَخَرَجَ بِهِمْ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن فِرْعَوْنِ ومَلَئِهِ فَلَما أحَسَّ بِذَلِكَ خَرَجَ هو وجُنُودُهُ عَلى أثَرِهِمْ مُسْرِعِينَ فالتَفَتَ القَوْمُ فَإذا الطّامَّةُ الكُبْرى وراءَهم فَقالُوا: يا مُوسى هَذا فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ وراءَنا وهَذا البَحْرُ أمامَنا فَكَيْفَ الخَلاصُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فَضَرَبَهُ فانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ وصارَ لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ فَسَلَكُوا ووَصَلَ فِرْعَوْنُ ومِن مَعَهُ إلى السّاحِلِ وهم قَدْ خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ ومَسْلَكُهم باقٍ عَلى حالِهِ بِمَن مَعَهُ أجْمَعِينَ فَلَمّا دَخَلَ آخِرُهم وهَمَّ أوَّلُهم بِالخُرُوجِ غَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهم ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ أيْ لَحِقَهُ والمُرادُ بِلُحُوقِهِ إيّاهُ وُقُوعُهُ فِيهِ وتَلَبُّسُهُ بِأوائِلِهِ وقِيلَ: مَعْنى أدْرَكَهُ قارَبَ إدْراكَهُ كَجاءَ الشِّتاءُ فَتَأهَّبْ لِأنَّ حَقِيقَةَ اللُّحُوقِ تَمْنَعُهُ مِنَ القَوْلِ الَّذِي قَصَّهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿قالَ آمَنتُ﴾ إلَخْ ومِنَ النّاسِ مَن أبْقى الإدْراكَ عَلى ظاهِرِهِ وحَمَلَ القَوْلَ عَلى النَّفْسِيِّ وزَعَمَ أنَّ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّ قِيامَ الِاحْتِمالِ يُبْطِلُ صِحَّةَ الِاسْتِدْلالِ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ الإخْبارَ بِإيمانٍ سابِقٍ كَما قِيلَ بَلْ إنْشاءُ إيمانٍ ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ أيْ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.