Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 81–90 of 109

81

فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ

And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allah will expose its worthlessness. Indeed, Allah does not amend the work of corrupters.

﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْا مِنَ العِصِيِّ والحِبالِ واسْتَرْهَبُوا النّاسَ وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴿قالَ﴾ لَهم ﴿مُوسى﴾ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِهِمْ وبِما صَنَعُوا ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السحر﴾ ما مَوْصُولَةٌ وَقَعَتْ مُبْتَدَأً، والسحر خَبَرُهُ، أيْ: هو السحر لا ما سَمّاهُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ مِن آياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوْ هو مِن جِنْسِ السحر، يُرِيهِمْ أنَّ حالَهُ بَيِّنٌ لا يُعْبَأُ بِهِ،كَأنَّهُ قالَ: ما جِئْتُمْ بِهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُجاءَ بِهِ، وقُرِئَ (السحر) عَلى الِاسْتِفْهامِ فَـ"ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ أهْوَ السحر الَّذِي يَعْرِفُ حالَهُ كُلُّ أحَدٍ، ولا يَتَصَدّى لَهُ عاقِلٌ، وقُرِئَ (ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ) وقُرِئَ (ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ) ودَلالَتُهُما عَلى المَعْنى الثّانِي في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أظْهَرُ.

﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ أيْ: سَيَمْحَقُهُ بِالكُلِّيَّةِ بِما يُظْهِرُهُ عَلى يَدَيَّ مِنَ المُعْجِزَةِ، فَلا يَبْقى لَهُ أثَرٌ أصْلًا، أوْ سَيَظْهَرُ بُطْلانُهُ لِلنّاسِ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: عَمَلَ جِنْسِ المُفْسِدِينَ عَلى الإطْلاقِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ السحر دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ عَمَلَكم فَيَكُونُ مِن بابِ وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالإفْسادِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ولَيْسَ المُرادُ بِعَدَمِ إصْلاحِ عَمَلِهِمْ عَدَمُ جَعْلِ فَسادِهِمْ صَلاحًا، بَلْ عَدَمُ إثابَتِهِ وإتْمامِهِ، أيْ: لا يُثْبِتُهُ ولا يُكْمِلُهُ ولا يُدِيمُهُ، بَلْ يَمْحَقُهُ ويُهْلِكُهُ ويُسَلِّطُ عَلَيْهِ الدَّمارَ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ: "إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ" والكُلُّ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ السحر إفْسادٌ وتَمْوِيهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ.

82

وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ

And Allah will establish the truth by His words, even if the criminals dislike it."

﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "سَيُبْطِلُهُ" أيْ: يُثْبِتُهُ ويُقَوِّيهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَقامَيْنِ الأخِيرَيْنِ لِإلْقاءِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ بِأوامِرِهِ وقَضاياهُ، وقُرِئَ (بِكَلِمَتِهِ) ﴿وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ذَلِكَ، والمُرادُ بِهِمْ: كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإجْرامِ مِنَ السحرةِ وغَيْرِهِمْ.

83

فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ

But no one believed Moses, except [some] youths among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ قَدْ فُصِّلَ في مَواقِعَ أُخَرَ، أيْ: (فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي تَلَقَّفَ ما يَأْفِكُونَ) ... إلَخْ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ذَلِكَ وإيثارًا لِلْإيجازِ، وإيذانًا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ مِمّا لا يَحْتَمِلُ الخُلْفَ أصْلًا، وعَطْفُهُ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ - مَعَ كَوْنِهِ عَدَمًا مُسْتَمِرًا - مِن قَبِيلِ ما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ وما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ وصِحْتُ بِهِ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ - وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ - لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ، أيْ: فَما آمَنَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمُشاهَدَةِ تِلْكَ الآياتِ القاهِرَةِ ﴿إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾ أيْ: إلّا أوْلادٌ مِن أوْلادِ قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، حَيْثُ دَعا الآباءَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ، وأجابَتْهُ طائِفَةٌ مِن شُبّانِهِمْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، والذُّرِّيَّةُ طائِفَةٌ مِن شَبابِهِمْ آمَنُوا بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وامْرَأتُهُ آسِيَةُ، وخازِنُهُ وامْرَأتُهُ، وماشِطَتُهُ، وهو بَعِيدٌ ﴿عَلى خَوْفٍ﴾ أيْ: كائِنِينَ عَلى خَوْفٍ عَظِيمٍ ﴿مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ لِفِرْعَوْنَ، والجُمَعُ لِما هو المُعْتادُ في ضَمائِرِ العُظَماءِ، ولا يَأْباهُ مَقامُ بَيانِ عُلُوِّهِ في الفَسادِ وغُلُوِّهِ في الشَّرِّ، والتَّسَلُّطِ عَلى العِبادِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ آلُهُ، كَما يُقالُ: رَبِيعَةُ ومُضَرُ، أوْ لِلذَّرِّيَّةِ، أوْ لِلْقَوْمِ، أيْ: عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومِن أشْرافِ بَنِي إسْرائِيلَ، حَيْثُ كانُوا يَمْنَعُونَ أعْقابَهم خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمْ وعَلى أنْفُسِهِمْ.

﴿أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ أيْ: يُعَذِّبَهُمْ، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ، أوْ مَفْعُولُ (خَوْفٍ) فَإنَّ إعْمالَ المَصْدَرِ المُنَكَّرِ كَثِيرٌ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا﴾ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ بَعْدَ حَذْفِ اللّامِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى فِرْعَوْنَ خاصَّةً؛ لِأنَّهُ الآمِرُ بِالتَّعْذِيبِ.

﴿وَإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ﴾ لَغالِبٌ في أرْضِ مِصْرَ ﴿وَإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾ في الظُّلْمِ والفَسادِ بِالقَتْلِ وسَفْكِ الدِّماءِ، أوْ في الكِبْرِ والعُتُوِّ حَتّى ادَّعى الربوبية واسْتَرَقَّ أسْباطَ الأنْبِياءِ، والجُمْلَتانِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ.

84

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ

And Moses said, "O my people, if you have believed in Allah, then rely upon Him, if you should be Muslims."

﴿وَقالَ مُوسى﴾ لَمّا رَأى تَخَوُّفَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ: ﴿يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ: صَدَّقْتُمْ بِهِ وبِآياتِهِ ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ وبِهِ ثِقُوا ولا تَخافُوا أحَدًا غَيْرَهُ، فَإنَّهُ كافِيكم كُلَّ شَرٍّ وضُرٍّ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ مُسْتَسْلِمِينَ لِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى مُخْلِصِينَ لَهُ، ولَيْسَ هَذا مِن تَعْلِيلِ الحُكْمِ بِشَرْطَيْنِ؛ فَإنَّ المُعَلَّلَ بِالإيمانِ وُجُوبُ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى فَإنَّهُ المُقْتَضِي لَهُ، والمَشْرُوطَ بِالإسْلامِ وُجُودُهُ، فَإنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ مَعَ التَّخْلِيطِ، ونَظِيرُهُ: إنْ أحْسَنَ إلَيْكَ زَيْدٌ فَأحْسِنْ إلَيْهِ إنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ.

85

فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

So they said, "Upon Allah do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people

﴿فَقالُوا﴾ مُجِيبِينَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ في ذَلِكَ: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ، ثُمَّ دَعَوُا رَبَّهم قائِلِينَ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً﴾ أيْ: مَوْقِعَ فِتْنَةٍ ﴿لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: لا تُسَلِّطْهم عَلَيْنا حَتّى يُعَذِّبُونا، أوْ يَفْتِنُونا عَنْ دِينِنا، أوْ يُفْتَتَنُوا بِنا، ويَقُولُوا: لَوْ كانَ هَؤُلاءِ عَلى الحَقِّ لَما أُصِيبُوا.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

86

وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And save us by Your mercy from the disbelieving people."

﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ دُعاءٌ مِنهم بِالإنْجاءِ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ وشُؤْمِ مُصاحَبَتِهِمْ بَعْدَ الإنْجاءِ مِن ظُلْمِهِمْ، ولِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْهم بِالكُفْرِ بَعْدَما وُصِفُوا بِالظُّلْمِ، وفي تَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلى التَّوَكُّلِ تَلْوِيحٌ بِأنَّ الدّاعِيَ حَقُّهُ أنْ يَبْنِيَ دُعاءَهُ عَلى التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ تَعالى:

87

وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah and establish prayer and give good tidings to the believers."

﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ؛ لِأنَّ في الوَحْيِ مَعْنى القَوْلِ، أيِ: اتَّخِذا مَباءَةً ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ تَسْكُنُونَ فِيها وتَرْجِعُونَ إلَيْها لِلْعِبادَةِ ﴿واجْعَلُوا﴾ أنْتُما وقَوْمُكُما ﴿بُيُوتَكُمْ﴾ تِلْكَ ﴿قِبْلَةً﴾ مُصَلًّى، وقِيلَ: مَساجِدَ مُتَوَجِّهَةً نَحْوَ القِبْلَةِ يَعْنِي الكَعْبَةَ، فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يُصَلِّي إلَيْها ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيْ: فِيها، أُمِرُوا بِذَلِكَ في أوَّلِ أمْرِهِمْ؛ لِئَلّا يَظْهَرَ عَلَيْهِمُ الكَفَرَةُ فَيُؤْذُوهم ويَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ بِالنُّصْرَةِ في الدُّنْيا إجابَةً لِدَعْوَتِهِمْ والجَنَّةِ في العُقْبى، وإنَّما ثُنِّيَ الضَّمِيرُ أوَّلًا؛ لِأنَّ التَّبَوُّؤَ لِلْقَوْمِ واتِّخاذَ المَعابِدَ مِمّا يَتَوَلّاهُ رُؤَساءُ القَوْمِ بِتَشاوُرٍ، ثُمَّ جُمِعَ؛ لِأنَّ جَعْلَ البُيُوتِ مَساجِدَ والصَّلاةَ فِيها مِمّا يَفْعَلُهُ كُلُّ أحَدٍ، ثُمَّ وُحِّدَ؛ لِأنَّ بِشارَةَ الأُمَّةِ وظِيفَةُ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ، ووَضْعُ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ القَوْمِ لِمَدْحِهِمْ بِالإيمانِ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّهُ المَدارُ في التَّبْشِيرِ.

88

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ

And Moses said, "Our Lord, indeed You have given Pharaoh and his establishment splendor and wealth in the worldly life, our Lord, that they may lead [men] astray from Your way. Our Lord, obliterate their wealth and harden their hearts so that they will not believe until they see the painful punishment."

﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً﴾ أيْ: ما يُتَزَيَّنُ بِهِ مِنَ اللِّباسِ والمَراكِبِ ونَحْوِها ﴿وَأمْوالا﴾ وأنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ المالِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِلَفْظِ الأمْرِ بِما عُلِمَ بِمُمارَسَةِ أحْوالِهِمْ أنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُهُ، كَقَوْلِكَ: لَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ، وقِيلَ: اللّامُ لِلْعاقِبَةِ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(آتَيْتَ) أوْ لِلْعِلَّةِ؛ لِأنَّ إيتاءَ النِّعَمِ عَلى الكُفْرِ اسْتِدْراجٌ وتَثْبِيتٌ عَلى الضَّلالِ؛ ولِأنَّهم لَمّا جَعَلُوها ذَرِيعَةً إلى الضَّلالِ فَكَأنَّهم أُوتُوها لِيَضِلُّوا، فَيَكُونُ "رَبَّنا" تَكْرِيرًا لِلْأوَّلِ تَأْكِيدًا أوْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَرْضُ ضَلالِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تَقْدِمَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ الطَّمْسُ المَحْوُ، وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ، أيْ: أهْلِكْها ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ: اجْعَلْها قاسِيَةً، واطْبَعْ عَلَيْها حَتّى لا تَنْشَرِحَ لِلْإيمانِ، كَما هو قَضِيَّةُ شَأْنِهِمْ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾ جَوابٌ لِلدُّعاءِ، أوْ دُعاءٌ بِلَفْظِ النَّهْيِ، أوْ عَطْفٌ عَلى (لِيَضِلُّوا) وما بَيْنَهُما دُعاءٌ مُعْتَرِضٌ ﴿حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ: يُعايِنُوهُ ويُوقِنُوا بِهِ بِحَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ إذْ ذاكَ.

89

قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ

[Allah] said, "Your supplication has been answered." So remain on a right course and follow not the way of those who do not know."

﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ يَعْنِي مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِأنَّهُ كانَ يُؤَمِّنُ، كَما يُشْعِرُ بِهِ إضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ ﴿فاسْتَقِيما﴾ فاثْبُتا عَلى ما أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ الدَّعْوى وإلْزامِ الحُجَّةِ، ولا تَسْتَعْجِلا فَإنَّ ما طَلَبْتُما كائِنٌ في وقْتِهِ لا مَحالَةَ، رُوِيَ أنَّهُ مَكَثَ فِيهِمْ بَعْدَ الدُّعاءِ أرْبَعِينَ سَنَةً ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِعاداتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في تَعْلِيقِ الأُمُورِ بِالحِكَمِ والمَصالِحِ، أوْ سَبِيلَ الجَهَلَةِ في الِاسْتِعْجالِ أوْ عَدَمِ الوُثُوقِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ وكَسْرِها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ (وَلا تَتْبَعانِ) مِن تَبِعَ، (وَلا تَتَّبِعانِ) أيْضًا.

90

۞ وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًۭا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ

And We took the Children of Israel across the sea, and Pharaoh and his soldiers pursued them in tyranny and enmity until, when drowning overtook him, he said, "I believe that there is no deity except that in whom the Children of Israel believe, and I am of the Muslims."

﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ هو مِن جاوَزَ المَكانَ إذا تَخَطّاهُ وخَلَّفَهُ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ: جَعَلْناهم مُجاوَزِينَ البَحْرَ، بِأنْ جَعَلْناهُ يَبَسًا، وحَفِظْناهم حَتّى بَلَغُوا الشَّطَّ، وقُرِئَ (جَوَّزْنا) وهو مِنَ التَّجْوِيزِ المُرادِفِ لِلْمُجاوَزَةِ لا مِمّا هو بِمَعْنى التَّنْفِيذِ نَحْوُ ما وقَعَ في قَوْلِ الأعْشى:

؎ كَما جَوَّزَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ

وَإلّا لَقِيلَ: وجَوَّزْنا بَنِي إسْرائِيلَ في البَحْرِ، ولَخَلا النَّظْمُ الكَرِيمُ عَنِ الإيذانِ بِانْفِصالِهِمْ عَنِ البَحْرِ، وبِمُقارَنَةِ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ لَهم عِنْدَ الجَوازِ، كَما هو المَشْهُورُ في الفَرْقِ بَيْنَ أذْهَبَهُ وذَهَبَ بِهِ.

﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ يُقالُ: تَبِعْتُهُ حَتّى أتْبَعْتُهُ إذا كانَ سَبَقَكَ فَلَحِقَتْهُ، أيْ: أدْرَكَهم ولَحِقَهم ﴿فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ حَتّى تَراءَتِ الفِئَتانِ وكادَ يَجْتَمِعُ الجَمْعانِ ﴿بَغْيًا وعَدْوًا﴾ ظُلْمًا واعْتِداءً، أيْ: باغِينَ وعادِينَ، أوْ لِلْبَغْيِ والعُدْوانِ، وقُرِئَ (وَعَدُوًّا) وذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن فِرْعَوْنَ، فَلَمّا سَمِعَ بِهِ تَبِعَهم حَتّى لَحِقَهُمْ، ووَصَلَ إلى السّاحِلِ، وهم قَدْ خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ، ومَسْلَكُهم باقٍ عَلى حالِهِ يَبَسًا فَسَلَكَهُ بِجُنُودِهِ أجْمَعِينَ، فَلَمّا دَخَلَ آخِرُهم وهَمَّ أوَّلُهم بِالخُرُوجِ غَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهم.

﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وألْجَمَهُ ﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ﴾ أيْ: بِأنَّهُ، والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وقُرِئَ (إنَّهُ) عَلى الِاسْتِئْنافِ بَدَلًا مِن (آمَنتُ) وتَفْسِيرٌ لَهُ ﴿لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ لَمْ يَقُلْ كَما قالَهُ السحرةُ: ( ﴿آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ) بَلْ عَبَّرَ عَنْهُ تَعالى بِالمَوْصُولِ، وجَعَلَ صِلَتَهُ إيمانَ بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ تَعالى لِلْإشْعارِ بِرُجُوعِهِ عَنِ الِاسْتِعْصاءِ وبِاتِّباعِهِ لِمَن كانَ يَسْتَتْبِعُهُمْ؛ طَمَعًا في القَبُولِ والِانْتِظامِ مَعَهم في سِلْكِ النَّجاةِ.

﴿وَأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ أسْلَمُوا نُفُوسَهم لِلَّهِ أيْ: جَعَلُوها سالِمَةً خاصَّةً لَهُ تَعالى، وأرادَ بِهِمْ إمّا بَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً، وإمّا الجِنْسَ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ: عَطْفٌ عَلى (آمَنتُ) وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِادِّعاءِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، وعَلى الثّانِي: يَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ أيْضًا مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: آمَنتُ مُخْلِصًا لِلَّهِ مُنْتَظِمًا في سِلْكِ الرّاسِخِينَ فِيهِ، ولَقَدْ كُرِّرَ المَعْنى الواحِدُ بِثَلاثِ عِباراتٍ؛ حِرْصًا عَلى القَبُولِ المُفْضِي إلى النَّجاةِ، وهَيْهاتَ هَيْهاتَ بَعْدَما فاتَ ما فاتَ وأتى ما هو آتٍ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.