Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 81–90 of 109

81

فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ

And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allah will expose its worthlessness. Indeed, Allah does not amend the work of corrupters.

صفحة ٢٥٣

﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ جَوابٍ ثانٍ لِحَرْفِ (لَمّا) حُكِيَ أوَّلًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ دَعْوَةَ مُوسى ومُعْجِزَتَهُ مَن مَنعِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ تَأْيِيدًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ حُكِيَ ثانِيًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ خاصَّةً تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن مُحاوَلَةِ تَأْيِيدِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] لِيُثْبِتُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها مِمّا تَحْصِيلُ أسْبابِهِ مِن خَصائِصِ فِرْعَوْنَ، لِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ لِخاصَّةِ الأُمَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ لِإبْطالِ ما يُخْشى مِنهُ.

والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ”ائْتُونِي“ هم مَلَأُ فِرْعَوْنَ وخاصَّتُهُ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَنْفِيذُ أمْرِهِ.

وأمَرَ بِإحْضارِ جَمِيعِ السَّحَرَةِ المُتَمَكِّنِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّهم أبْصَرُ بِدَقائِقِهِ، وأقْدَرُ عَلى إظْهارِ ما يَفُوقُ خَوارِقَ مُوسى في زَعْمِهِ، فَحُضُورُهم مُغْنٍ عَنْ حُضُورِ السَّحَرَةِ الضُّعَفاءِ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّ عَمَلَهم مَظِنَّةُ أنْ لا يُوازِيَ ما أظْهَرُهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ فَإذا أتَوْا بِما هو دُونَ مُعْجِزَةِ مُوسى كانَ ذَلِكَ مُرَوِّجًا لِدَعْوَةِ مُوسى بَيْنَ دَهْماءِ الأُمَّةِ.

والعُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ بِكُلِّ ساحِرٍ تَعْلَمُونَهُ وتَظْفَرُونَ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِكُلِّ مَعْنى الكَثْرَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾، عَطَفَ مَجِيءَ السَّحَرَةِ وقَوْلَ مُوسى لَهم عَلى جُمْلَةِ قالَ فِرْعَوْنُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى الفَوْرِ في إحْضارِهِمْ وهو تَعْقِيبٌ بِحَسْبِ المُتَعارَفِ في الإسْراعِ بِمِثْلِ الشَّيْءِ المَأْمُورِ

صفحة ٢٥٤

بِهِ، والمَعْطُوفُ في المَعْنى مَحْذُوفٌ لِأنَّ الَّذِي يَعْقُبُ قَوْلَهُ: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ هو إتْيانُهم بِهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْواهُ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتِ القِصَّةُ لِأجْلِهِ حُذِفَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما يَقْتَضِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً ولَفْظِيَّةً مِن قَوْلِهِ: جاءَ السَّحَرَةُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِمْ فَلَمّا جاءُوا قالَ لَهم مُوسى.

والتَّعْرِيفُ في السَّحَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ.

وإنَّما أمَرَهم مُوسى بِأنْ يَبْتَدِئُوا بِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ إظْهارًا لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ لِأنَّ شَأْنَ المُبْتَدِئِ بِالعَمَلِ المُتَبارِي فِيهِ أنْ يَكُونَ أمْكَنَ في ذَلِكَ العَمَلِ مِن مُبارِيهِ، ولا سِيَّما الأعْمالِ الَّتِي قِوامُها التَّمْوِيهُ والتَّرْهِيبُ، والَّتِي يَتَطَلَّبُ المُسْتَنْصِرُ فِيها السَّبْقَ إلى تَأثُّرِ الحاضِرِينَ وإعْجابِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ في آياتٍ أُخْرى أنَّ السَّحَرَةَ خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ هو بِإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ وبَيْنَ أنْ يَبْتَدِئُوا، وأنَّ مُوسى اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُبْتَدِئِينَ.

وفَعْلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما …

82

وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ

And Allah will establish the truth by His words, even if the criminals dislike it."

صفحة ٢٥٣

﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦]، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ جَوابٍ ثانٍ لِحَرْفِ (لَمّا) حُكِيَ أوَّلًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ دَعْوَةَ مُوسى ومُعْجِزَتَهُ مَن مَنعِ أنْ يَكُونَ ما جاءَ بِهِ تَأْيِيدًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. ثُمَّ حُكِيَ ثانِيًا ما تَلَقّى بِهِ فِرْعَوْنُ خاصَّةً تِلْكَ الدَّعْوَةَ مِن مُحاوَلَةِ تَأْيِيدِ قَوْلِهِمْ ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] لِيُثْبِتُوا أنَّهم قادِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها مِمّا تَحْصِيلُ أسْبابِهِ مِن خَصائِصِ فِرْعَوْنَ، لِما فِيهِ مِنَ الأمْرِ لِخاصَّةِ الأُمَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ لِإبْطالِ ما يُخْشى مِنهُ.

والمُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ”ائْتُونِي“ هم مَلَأُ فِرْعَوْنَ وخاصَّتُهُ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ تَنْفِيذُ أمْرِهِ.

وأمَرَ بِإحْضارِ جَمِيعِ السَّحَرَةِ المُتَمَكِّنِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّهم أبْصَرُ بِدَقائِقِهِ، وأقْدَرُ عَلى إظْهارِ ما يَفُوقُ خَوارِقَ مُوسى في زَعْمِهِ، فَحُضُورُهم مُغْنٍ عَنْ حُضُورِ السَّحَرَةِ الضُّعَفاءِ في عِلْمِ السِّحْرِ لِأنَّ عَمَلَهم مَظِنَّةُ أنْ لا يُوازِيَ ما أظْهَرُهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ فَإذا أتَوْا بِما هو دُونَ مُعْجِزَةِ مُوسى كانَ ذَلِكَ مُرَوِّجًا لِدَعْوَةِ مُوسى بَيْنَ دَهْماءِ الأُمَّةِ.

والعُمُومُ في قَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ، أيْ بِكُلِّ ساحِرٍ تَعْلَمُونَهُ وتَظْفَرُونَ بِهِ، أوْ أُرِيدَ بِكُلِّ مَعْنى الكَثْرَةَ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾، عَطَفَ مَجِيءَ السَّحَرَةِ وقَوْلَ مُوسى لَهم عَلى جُمْلَةِ قالَ فِرْعَوْنُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى الفَوْرِ في إحْضارِهِمْ وهو تَعْقِيبٌ بِحَسْبِ المُتَعارَفِ في الإسْراعِ بِمِثْلِ الشَّيْءِ المَأْمُورِ

صفحة ٢٥٤

بِهِ، والمَعْطُوفُ في المَعْنى مَحْذُوفٌ لِأنَّ الَّذِي يَعْقُبُ قَوْلَهُ: ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ﴾ هو إتْيانُهم بِهِمْ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْواهُ في الغَرَضِ الَّذِي سِيقَتِ القِصَّةُ لِأجْلِهِ حُذِفَ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِما يَقْتَضِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً ولَفْظِيَّةً مِن قَوْلِهِ: جاءَ السَّحَرَةُ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَوْهُ بِهِمْ فَلَمّا جاءُوا قالَ لَهم مُوسى.

والتَّعْرِيفُ في السَّحَرَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ.

وإنَّما أمَرَهم مُوسى بِأنْ يَبْتَدِئُوا بِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ إظْهارًا لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ لِأنَّ شَأْنَ المُبْتَدِئِ بِالعَمَلِ المُتَبارِي فِيهِ أنْ يَكُونَ أمْكَنَ في ذَلِكَ العَمَلِ مِن مُبارِيهِ، ولا سِيَّما الأعْمالِ الَّتِي قِوامُها التَّمْوِيهُ والتَّرْهِيبُ، والَّتِي يَتَطَلَّبُ المُسْتَنْصِرُ فِيها السَّبْقَ إلى تَأثُّرِ الحاضِرِينَ وإعْجابِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَ القُرْآنُ في آياتٍ أُخْرى أنَّ السَّحَرَةَ خَيَّرُوا مُوسى بَيْنَ أنْ يَبْتَدِئَ هو بِإظْهارِ مُعْجِزَتِهِ وبَيْنَ أنْ يَبْتَدِئُوا، وأنَّ مُوسى اخْتارَ أنْ يَكُونُوا المُبْتَدِئِينَ.

وفَعْلُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿ألْقُوا ما …

83

فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٌۭ مِّن قَوْمِهِۦ عَلَىٰ خَوْفٍۢ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ ۚ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ

But no one believed Moses, except [some] youths among his people, for fear of Pharaoh and his establishment that they would persecute them. And indeed, Pharaoh was haughty within the land, and indeed, he was of the transgressors

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلّا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمُ أنْ يَفْتِنَهم وإنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ في الأرْضِ وإنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المُحاوَرَةِ، أيْ فَتَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُوسى لِأنَّ حَصْرَ المُؤْمِنِينَ في ذُرِّيَّةٍ مِن قَوْمِ مُوسى يُفِيدُ أنَّ غَيْرَهم لَمْ يُؤْمِنُوا وهو المَقْصُودُ، فَكانَتْ صِيغَةُ القَصْرِ في هَذا المَقامِ إيجازًا. والتَّقْدِيرُ: تَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ تَصْمِيمٌ عَلى الإعْراضِ.

وقَدْ طُوِيَ ما حَدَثَ بَيْنَ المُحاوَرَةِ وبَيْنَ تَصْمِيمِهِمْ عَلى الإعْراضِ، وهو إلْقاءُ مُوسى عَصاهُ والتِقامُها ما ألْقَوْهُ مِن سِحْرِهِمْ، لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِبَيانِ ذَلِكَ إذِ

صفحة ٢٥٩

المَقْصُودُ الإفْضاءُ إلى أنَّهم صَمَّمُوا عَلى الإعْراضِ لِأنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ تَمْثِيلِ أعْمالِهِمْ بِحالِ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ.

وفِعْلُ آمَنَ أصْلُهُ (أأْمَنَ) بِهَمْزَتَيْنِ: إحْداهُما أصْلِيَّةٌ في الكَلِمَةِ لِأنَّ الكَلِمَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الأمانَةِ، والثّانِيَةُ هَمْزَةٌ مَزِيدَةٌ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ جَعَلَهُ ذا أمانَةٍ، أيْ غَيْرَ كاذِبٍ فَصارَ فِعْلُ آمَنَ بِمَعْنى صَدَّقَ، وحَقُّهُ أنْ يُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ ولَكِنْ عُدِّيَ بِاللّامِ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ (آمَنَ) بِمَعْنى صَدَّقَ مِنَ الأمانَةِ وبَيْنَ (آمَنَ) بِمَعْنى جَعَلَهُ في أمْنٍ، أيْ لا خَوْفَ عَلَيْهِ مِنهُ.

وهَذِهِ اللّامُ سَمّاها ابْنُ مالِكٍ لامَ التَّبْيِينِ وتَبِعَهُ ابْنُ هِشامٍ، وهي تَدْخُلُ عَلى المَفْعُولِ لِتَقْوِيَةِ مَعْنى المَفْعُولِيَّةِ، ويُؤَكِّدُ قَصْدَ التَّقْوِيَةِ في مِثْلِ فِعْلِ آمَنَ بِمَعْنى صَدَّقَ دَفْعَ أنْ يَلْتَبِسَ بِفِعْلِ آمَنَهُ إذا جَعَلَهُ في أمْنٍ وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠] في سُورَةِ الإسْراءِ.

وقَدْ يُعَدّى بِالباءِ لِتُضَمُّنِهِ مَعْنى صَدَّقَ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]

والذُّرِّيَّةُ: الأبْناءُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

أيْ فَما آمَنَ بِما جاءَ بِهِ مُوسى إلّا أبْناءُ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَبْلُغْ دَعْوَتُهُ بَقِيَّةَ قَوْمِهِ أوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ إلَيْهِمْ حِينَئِذٍ.

وعَلى في قَوْلِهِ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ﴾ بِمَعْنى مَعَ مِثْلُ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أيْ آمَنُوا مَعَ خَوْفِهِمْ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ذُرِّيَّةِ، أيْ في حالِ خَوْفِهِمِ المُتَمَكِّنِ مِنهم.

وهَذا ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم آمَنُوا ولَمْ يَصُدَّهم عَنِ الإيمانِ خَوْفُهم مِن فِرْعَوْنَ.

والمَعْنى: أنَّهم آمَنُوا عِنْدَ ظُهُورِ مُعْجِزَتِهِ، أيْ أعْلَنُوا الإيمانَ بِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ لِأنَّ الإيمانَ لا يُعَرَفُ إلّا بِإظْهارِهِ ولا فائِدَةَ مِنهُ إلّا ذَلِكَ الإظْهارُ. أيْ مِنَ الحاضِرِينَ

صفحة ٢٦٠

فِي ذَلِكَ المَشْهَدِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّ عادَةَ هَذِهِ المَجامِعِ أنْ يَغْشاها الشَّبابُ واليافِعُونَ فَعَبَّرَ عَنْهم بِالذُّرِّيَّةِ أيِ الأبْناءِ، كَما يُقالُ: الغِلْمانُ، فَيَكُونُونَ قَدْ آمَنُوا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، وكُلُّ هَذا لا يَقْتَضِي أنَّ بَقِيَّةَ قَوْمِهِ كَفَرُوا بِهِ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا آمَنُوا بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمّا بَلَغَتْهم دَعْوَتُهُ لِأنَّهُ يَكُونُ قَدِ ابْتَدَأ بِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ مُبادَرَةً لِامْتِثالِ الأمْرِ مِنَ …

84

وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ

And Moses said, "O my people, if you have believed in Allah, then rely upon Him, if you should be Muslims."

﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

عَطَفَ بَقِيَّةَ القِصَّةِ عَلى أوَّلِها فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ [يونس: ٧٩]، وهَذا خِطابُ مُوسى لِجَمِيعِ قَوْمِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِمِصْرَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ دَعاهم وآمَنُوا بِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ . والغَرَضُ مِنهُ تَثْبِيتُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ عَلى تَوَكُّلِهِمْ، وأمْرُ مَن عَداهُمُ الَّذِينَ خافَ ذُرِّيَّتُهم أنْ يُؤَنِّبُوهم عَلى إظْهارِ الإيمانِ بِأنْ لا يَجَبِّنُوا أبْناءَهم، وأنْ لا يَخْشَوْا فِرْعَوْنَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ . والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ حَقًّا كَما أظْهَرَتْهُ أقْوالُكم فَعَلَيْهِ اعْتَمِدُوا في نَصْرِكم ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَعْتَمِدُوا في ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكم بِمُصانَعَةِ فِرْعَوْنَ ولا عَلى فِرْعَوْنَ بِإظْهارِ الوَلاءِ لَهُ.

صفحة ٢٦٢

وأرادَ إثارَةَ صِدْقِ إيمانِهِمْ وإلْهابَ قُلُوبِهِمْ بِجَعْلِ إيمانِهِمْ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ مُحْتَمَلِ الوُقُوعِ، حَيْثُ تَخَوَّفُوا مِن فِرْعَوْنَ أنْ يَفْتِنَهم فَأرادُوا أنْ يَكْتُمُوا إيمانَهم تَقِيَّةً مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وإنَّما جَعَلَ عَدَمَ اكْتِراثِهِمْ بِبَطْشِ فِرْعَوْنَ عَلامَةً عَلى إيمانِهِمْ لِأنَّ الدَّعْوَةَ في أوَّلِ أمْرِها لا تَتَقَوَّمُ إلّا بِإظْهارِ مُتَّبِعِيها جَماعَتَهم، فَلا تُغْتَفَرُ فِيها التَّقِيَّةُ حِينَئِذٍ. وبِذَلِكَ عَمِلَ المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ مِثْلُ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وأبِي بَكْرٍ، فَأعْلَنُوا الإيمانَ وتَحَمَّلُوا الأذى، وإنَّما سُوِّغَتِ التَّقِيَّةُ لِلْآحادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ تَقَوُّمِ جامِعَةِ الإيمانِ، فَذَلِكَ مَحَلُّ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]

فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ لِإفادَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمُ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، فَآلَ المَعْنى إلى نَهْيِهِمْ عَنْ مَخافَةِ فِرْعَوْنَ.

والتَّوَكُّلُ: تَقَدَّمَ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ شَرْطٌ ثانٍ مُؤَكِّدٌ لِشَرْطِ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ حُصُولَ هَذا التَّوَكُّلِ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِ إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالتَّوَكُّلِ وأنَّهُ مُلازِمٌ لِلْإيمانِ والإسْلامِ، ومُبَيِّنٌ أيْضًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، أيْ إنْ كانَ إيمانُكم إيمانَ مُسْلِمٍ لِلَّهِ، أيْ مُخْلِصٍ لَهُ غَيْرِ شائِبٍ إيّاهُ بِتَرَدُّدٍ في قُدْرَةِ اللَّهِ ولا في أنَّ وعْدَهُ حَقٌّ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الشَّرْطَيْنِ ما يَقْتَضِي تَعْلِيقَ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ عَلى الشَّرْطِ الآخَرِ.

وهَذا مِن مَسْألَةِ تَعْلِيقِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ، والإيمانُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِيما جاءَ بِهِ وهو عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإسْلامِ، والإسْلامُ: النُّطْقُ بِما يَدُلُّ عَلى الإيمانِ ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإيمانِ، فالإيمانُ انْفِعالٌ قَلْبِيٌّ نَفْسانِيٌّ، والإسْلامُ عَمَلٌ …

85

فَقَالُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةًۭ لِّلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

So they said, "Upon Allah do we rely. Our Lord, make us not [objects of] trial for the wrongdoing people

﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

عَطَفَ بَقِيَّةَ القِصَّةِ عَلى أوَّلِها فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ [يونس: ٧٩]، وهَذا خِطابُ مُوسى لِجَمِيعِ قَوْمِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِمِصْرَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ دَعاهم وآمَنُوا بِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ . والغَرَضُ مِنهُ تَثْبِيتُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ عَلى تَوَكُّلِهِمْ، وأمْرُ مَن عَداهُمُ الَّذِينَ خافَ ذُرِّيَّتُهم أنْ يُؤَنِّبُوهم عَلى إظْهارِ الإيمانِ بِأنْ لا يَجَبِّنُوا أبْناءَهم، وأنْ لا يَخْشَوْا فِرْعَوْنَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ . والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ حَقًّا كَما أظْهَرَتْهُ أقْوالُكم فَعَلَيْهِ اعْتَمِدُوا في نَصْرِكم ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَعْتَمِدُوا في ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكم بِمُصانَعَةِ فِرْعَوْنَ ولا عَلى فِرْعَوْنَ بِإظْهارِ الوَلاءِ لَهُ.

صفحة ٢٦٢

وأرادَ إثارَةَ صِدْقِ إيمانِهِمْ وإلْهابَ قُلُوبِهِمْ بِجَعْلِ إيمانِهِمْ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ مُحْتَمَلِ الوُقُوعِ، حَيْثُ تَخَوَّفُوا مِن فِرْعَوْنَ أنْ يَفْتِنَهم فَأرادُوا أنْ يَكْتُمُوا إيمانَهم تَقِيَّةً مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وإنَّما جَعَلَ عَدَمَ اكْتِراثِهِمْ بِبَطْشِ فِرْعَوْنَ عَلامَةً عَلى إيمانِهِمْ لِأنَّ الدَّعْوَةَ في أوَّلِ أمْرِها لا تَتَقَوَّمُ إلّا بِإظْهارِ مُتَّبِعِيها جَماعَتَهم، فَلا تُغْتَفَرُ فِيها التَّقِيَّةُ حِينَئِذٍ. وبِذَلِكَ عَمِلَ المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ مِثْلُ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وأبِي بَكْرٍ، فَأعْلَنُوا الإيمانَ وتَحَمَّلُوا الأذى، وإنَّما سُوِّغَتِ التَّقِيَّةُ لِلْآحادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ تَقَوُّمِ جامِعَةِ الإيمانِ، فَذَلِكَ مَحَلُّ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]

فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ لِإفادَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمُ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، فَآلَ المَعْنى إلى نَهْيِهِمْ عَنْ مَخافَةِ فِرْعَوْنَ.

والتَّوَكُّلُ: تَقَدَّمَ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ شَرْطٌ ثانٍ مُؤَكِّدٌ لِشَرْطِ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ حُصُولَ هَذا التَّوَكُّلِ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِ إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالتَّوَكُّلِ وأنَّهُ مُلازِمٌ لِلْإيمانِ والإسْلامِ، ومُبَيِّنٌ أيْضًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، أيْ إنْ كانَ إيمانُكم إيمانَ مُسْلِمٍ لِلَّهِ، أيْ مُخْلِصٍ لَهُ غَيْرِ شائِبٍ إيّاهُ بِتَرَدُّدٍ في قُدْرَةِ اللَّهِ ولا في أنَّ وعْدَهُ حَقٌّ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الشَّرْطَيْنِ ما يَقْتَضِي تَعْلِيقَ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ عَلى الشَّرْطِ الآخَرِ.

وهَذا مِن مَسْألَةِ تَعْلِيقِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ، والإيمانُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِيما جاءَ بِهِ وهو عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإسْلامِ، والإسْلامُ: النُّطْقُ بِما يَدُلُّ عَلى الإيمانِ ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإيمانِ، فالإيمانُ انْفِعالٌ قَلْبِيٌّ نَفْسانِيٌّ، والإسْلامُ عَمَلٌ …

86

وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

And save us by Your mercy from the disbelieving people."

﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَقالُوا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ﴾

عَطَفَ بَقِيَّةَ القِصَّةِ عَلى أوَّلِها فَهو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ﴾ [يونس: ٧٩]، وهَذا خِطابُ مُوسى لِجَمِيعِ قَوْمِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ بِمِصْرَ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خاطَبَهم بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ دَعاهم وآمَنُوا بِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾ . والغَرَضُ مِنهُ تَثْبِيتُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ في حَضْرَةِ فِرْعَوْنَ عَلى تَوَكُّلِهِمْ، وأمْرُ مَن عَداهُمُ الَّذِينَ خافَ ذُرِّيَّتُهم أنْ يُؤَنِّبُوهم عَلى إظْهارِ الإيمانِ بِأنْ لا يَجَبِّنُوا أبْناءَهم، وأنْ لا يَخْشَوْا فِرْعَوْنَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ . والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ حَقًّا كَما أظْهَرَتْهُ أقْوالُكم فَعَلَيْهِ اعْتَمِدُوا في نَصْرِكم ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَعْتَمِدُوا في ذَلِكَ عَلى أنْفُسِكم بِمُصانَعَةِ فِرْعَوْنَ ولا عَلى فِرْعَوْنَ بِإظْهارِ الوَلاءِ لَهُ.

صفحة ٢٦٢

وأرادَ إثارَةَ صِدْقِ إيمانِهِمْ وإلْهابَ قُلُوبِهِمْ بِجَعْلِ إيمانِهِمْ مُعَلَّقًا بِالشَّرْطِ مُحْتَمَلِ الوُقُوعِ، حَيْثُ تَخَوَّفُوا مِن فِرْعَوْنَ أنْ يَفْتِنَهم فَأرادُوا أنْ يَكْتُمُوا إيمانَهم تَقِيَّةً مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ، وإنَّما جَعَلَ عَدَمَ اكْتِراثِهِمْ بِبَطْشِ فِرْعَوْنَ عَلامَةً عَلى إيمانِهِمْ لِأنَّ الدَّعْوَةَ في أوَّلِ أمْرِها لا تَتَقَوَّمُ إلّا بِإظْهارِ مُتَّبِعِيها جَماعَتَهم، فَلا تُغْتَفَرُ فِيها التَّقِيَّةُ حِينَئِذٍ. وبِذَلِكَ عَمِلَ المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ مِثْلُ بِلالٍ، وعَمّارٍ، وأبِي بَكْرٍ، فَأعْلَنُوا الإيمانَ وتَحَمَّلُوا الأذى، وإنَّما سُوِّغَتِ التَّقِيَّةُ لِلْآحادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ تَقَوُّمِ جامِعَةِ الإيمانِ، فَذَلِكَ مَحَلُّ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]

فَتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ لِإفادَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمُ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣]، فَآلَ المَعْنى إلى نَهْيِهِمْ عَنْ مَخافَةِ فِرْعَوْنَ.

والتَّوَكُّلُ: تَقَدَّمَ آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ.

وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ شَرْطٌ ثانٍ مُؤَكِّدٌ لِشَرْطِ ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ﴾، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ حُصُولَ هَذا التَّوَكُّلِ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِ إيمانِهِمْ وإسْلامِهِمْ، لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالتَّوَكُّلِ وأنَّهُ مُلازِمٌ لِلْإيمانِ والإسْلامِ، ومُبَيِّنٌ أيْضًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، أيْ إنْ كانَ إيمانُكم إيمانَ مُسْلِمٍ لِلَّهِ، أيْ مُخْلِصٍ لَهُ غَيْرِ شائِبٍ إيّاهُ بِتَرَدُّدٍ في قُدْرَةِ اللَّهِ ولا في أنَّ وعْدَهُ حَقٌّ، فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الشَّرْطَيْنِ ما يَقْتَضِي تَعْلِيقَ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ عَلى الشَّرْطِ الآخَرِ.

وهَذا مِن مَسْألَةِ تَعْلِيقِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ، والإيمانُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِيما جاءَ بِهِ وهو عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإسْلامِ، والإسْلامُ: النُّطْقُ بِما يَدُلُّ عَلى الإيمانِ ولا يُعْتَبَرُ شَرْعًا إلّا مَعَ الإيمانِ، فالإيمانُ انْفِعالٌ قَلْبِيٌّ نَفْسانِيٌّ، والإسْلامُ عَمَلٌ …

87

وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًۭا وَٱجْعَلُوا۟ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةًۭ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And We inspired to Moses and his brother, "Settle your people in Egypt in houses and make your houses [facing the] qiblah and establish prayer and give good tidings to the believers."

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بِيُوتًا واجْعَلُوا بِيُوتَكم قِبْلَةً وأقِيمُوا الصَّلاةَ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالَ مُوسى يا قَوْمِ﴾ [يونس: ٨٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، أيْ عَلى مَجْمُوعِ الكَلامِ السّابِقِ؛ لِأنَّ مَجْمُوعَ قَصَصَهِ هي حِكايَةُ أطْوارٍ لِقِصَّةِ مُوسى وقَوْمِهِ.

ووَقَعَ الوَحْيُ بِهَذا الأمْرِ إلى مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ الرّاجِعَةِ إلى تَدْبِيرِ أمْرِ الأُمَّةِ، فَيُمْكِنُ الِاشْتِراكُ فِيها بَيْنَ الرَّسُولِ ومُؤازِرِهِ.

والتَّبَوُّءُ: اتِّخاذُ مَكانٍ يَسْكُنُهُ، وهو تَفَعُّلٌ مِنَ البَوْءِ، أيِ الرُّجُوعِ، كَأنَّ صاحِبَ المَسْكَنِ يُكَلِّفُ نَفْسَهُ الرُّجُوعَ إلى مَحَلِّ سَكَنِهِ ولَوْ كانَ تَباعَدَ عَنْهُ في شُئُونِ اكْتِسابِهِ بِالسَّيْرِ إلى السُّوقِ أوِ الصَّيْدِ أوِ الِاحْتِطابِ أوْ قَطْفِ الثِّمارِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ

صفحة ٢٦٥

عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] في آلِ عِمْرانَ. فَمَعْنى ﴿تَبَوَّآ لِقَوْمِكُما﴾ اجْعَلا قَوْمَكُما مُتَبَوِّئِينَ بُيُوتًا.

وفاعِلُ هَذا الفِعْلِ في الأصْلِ هو السّاكِنُ بِالمَباءَةِ، وإنَّما أُسْنِدَ هُنا إلى ضَمِيرِ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، إذْ كانا سَبَبَ تَبَوُّءِ قَوْمِهِما لِلْبُيُوتِ. والقَرِينَةُ قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمِكُما﴾ إذْ جَعَلَ التَّبَوُّؤَ لِأجْلِ القَوْمِ.

ومَعْنى تَبَوُّءِ البُيُوتِ لِقَوْمِهِما أنْ يَأْمُرا قَوْمَهُما بِاتِّخاذِ البُيُوتِ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَأْمُرانِهِمْ بِهِ. وإذْ قَدْ كانَلِبَنِي إسْرائِيلَ دِيارٌ في مِصْرَ مِن قَبْلُ، إذْ لا يَكُونُونَ قاطِنِينَ مِصْرَ بِدُونِ مَساكِنَ، وقَدْ كانُوا ساكِنِينَ أرْضَ (جاسانَ) قُرْبَ مَدِينَةِ (مَنفِيسَ) قاعِدَةِ المَمْلَكَةِ يَوْمَئِذٍ في جَنُوبِ البِلادِ المِصْرِيَّةِ، كَما بَيَّنّاهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، لا جَرَمَ أنْ تَكُونَ البُيُوتُ المَأْمُورُ بِتَبَوُّئِها غَيْرَ البُيُوتِ الَّتِي كانُوا ساكِنِيها.

واضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ وذَكَرُوا رِواياتٍ غَيْرَ مُلائِمَةٍ لِحالَةِ القَوْمِ يَوْمَئِذٍ. فَقِيلَ: أُرِيدَ بِالبُيُوتِ بُيُوتُ العِبادَةِ أيْ مَساجِدُ يُصَلُّونَ فِيها، ورُبَّما حَمَلَ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ مَن تَأوَّلَهُ وُقُوعُ قَوْلِهِ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ عَقِبَهُ، وهَذا بِعِيدٌ لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ مُفارِقُونَ مِصْرَ قَرِيبًا بِإذْنِهِ. وقِيلَ: البُيُوتُ بُيُوتُ السُّكْنى وأمْسَكُوا عَنِ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ البُيُوتِ. وهَذا القَوْلُ هو المُناسِبُ لِلتَّبَوُّءِ لِأنَّ التَّبَوُّءَ السُّكْنى، والمُناسِبُ أيْضًا لِإطْلاقِ البُيُوتِ، وكَوْنِها بِمِصْرَ.

فالَّذِي يَظْهَرُ بِناءً عَلَيْهِ أنَّ هَذِهِ البُيُوتَ خِيامٌ أوْ أخْصاصٌ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِاتِّخاذِها تَهْيِئَةً لِلِارْتِحالِ وهي غَيْرُ دِيارِهِمُ الَّتِي كانُوا يَسْكُنُونَها في (جاسانَ) قُرْبَ مَدِينَةِ فِرْعَوْنَ وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ ما يَشْهَدُ بِهَذا التَّأْوِيلِ في الفَصْلِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى البادِيَةِ لِيَعْمَلُوا عِيدَ الفِصْحِ ثَلاثَةَ أيّامٍ وأنَّ ذَلِكَ أوَّلُ ما سَألَهُ مُوسى مِن فِرْعَوْنَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ مَنَعَهم مِن ذَلِكَ، وأنَّ مُوسى كَرَّرَ طَلَبَ ذَلِكَ مِن فِرْعَوْنَ كُلُّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ كَما في الفَصْلِ السّابِعِ والفَصْلِ …

88

وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةًۭ وَأَمْوَٰلًۭا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا۟ عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰٓ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ

And Moses said, "Our Lord, indeed You have given Pharaoh and his establishment splendor and wealth in the worldly life, our Lord, that they may lead [men] astray from Your way. Our Lord, obliterate their wealth and harden their hearts so that they will not believe until they see the painful punishment."

﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾

عَطَفَ بَقِيَّةَ ما جَرى في القِصَّةِ مِمّا فِيهِ عِبْرَةٌ ومَوْعِظَةٌ. وهَذا مُقَدِّمَةٌ لِخَبَرِ خُرُوجِ مُوسى ومَن مَعَهُ مِن أرْضِ مِصْرَ. فَهَذِهِ المُقَدِّمَةُ لِتَعْرِيفِ كَرامَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى رَبِّهِ بِأنِ اسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، وأنْفَذَ بِرِسالَتِهِ مُرادَهُ - تَعالى - مِن إنْقاذِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الِاسْتِعْبادِ.ومَهَّدَ مُوسى لِدُعائِهِ تَمْهِيدًا يَدُلُّ عَلى أنَّ ما سَألَهُ مِنَ اللَّهِ لِزَجْرِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ إنَّما هو لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ لا لِلِانْتِقامِ مِنهُ لِقَوْمِهِ ولِنَفْسِهِ، فَسَألَ اللَّهَ سَلْبَ النِّعْمَةِ عَنْ

صفحة ٢٦٨

فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ وحُلُولَ العَذابِ بِهِمْ لِخَضْدِ شَوْكَتِهِمْ وتَذْلِيلِ تَجَبُّرِهِمْ لِيَرْجِعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ ويَسْهُلَ قَبُولُهُمُ الإيمانَ. .

ولَمّا كانَتِ النِّعْمَةُ مُغْرِيَةً بِالطُّغْيانِ لِأهْلِ الجَهالَةِ والخَباثَةِ جَعَلَ مُوسى إمْدادَ فِرْعَوْنَ بِالنِّعْمَةِ مُغْرِيًا لِفِرْعَوْنَ بِالِاسْتِرْسالِ عَلى الإعْراضِ عَنِ الدِّينِ فَكانَ دُعاءُ مُوسى عَلَيْهِمُ اسْتِصْلاحًا لَهم وتَطَلُّبًا لِإيمانِهِمْ بِوَسائِلِ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِن قُلُوبِهِمْ ما لَمْ يَعْلَمْهُ مُوسى وقَضى عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِئْصالِ.

وافْتُتِحَ الدُّعاءُ بِالنِّداءِ لِمُناسَبَتِهِ لِمَقامِ الدُّعاءِ. ونُودِيَ اللَّهُ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ تَذَلُّلًا لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا﴾ تَوْطِئَةٌ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِمْ؛ فَلَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ حَقِيقَةَ الإخْبارِ ضَرُورَةَ أنَّ مُوسى يُوقِنُ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّمْهِيدِ لِطَلَبِ سَلْبِ النِّعْمَةِ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ . ثُمَّ الِانْتِقالِ إلى الدُّعاءِ بِسَلْبِ ما أُوتُوهُ.

فاقْتِرانُ الخَبَرِ بِحَرْفِ إنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ﴾ إلَخْ مَقْصُودٌ بِهِ الِاهْتِمامُ بِهَذا المَعْنى الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ الخَبَرُ إذْ لَيْسَ المَقامُ مَقامَ دَفْعِ تَرَدُّدٍ أوْ دَفْعِ إنْكارٍ.

وقَدْ تَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في مَحَلِّ اللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ . والَّذِي سَلَكَهُ أهْلُ التَّدْقِيقِ مِنهم أنَّ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ. ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ نُحاةِ البَصْرَةِ: الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والأخْفَشِ، وأصْحابِهِما، عَلى نَحْوِ اللّامِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] فاللّامُ المَوْضُوعَةُ لِلتَّعْلِيلِ مُسْتَعارَةٌ لِمَعْنى التَّرَتُّبِ والتَّعْقِيبِ المَوْضُوعِ لَهُ فاءُ التَّعْقِيبِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ في مُتَعَلِّقِ مَعْنى الحَرْفِ فَشَبَّهَ تَرَتُّبَ الشَّيْءِ عَلى شَيْءٍ آخَرَ لَيْسَ عِلَّةً فِيهِ بِتَرَتُّبِ المَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في قُوَّةِ التَّرَتُّبِ حَتّى صارَ كَأنَّهُ مَقْصُودٌ لِمَن ظَهَرَ عِنْدَهُ أثَرُهُ، فالمَعْنى: إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا فَضَّلُوا بِذَلِكَ وأضَلُّوا.

ولِلْمُفَسِّرِينَ وُجُوهٌ خَمْسَةٌ أُخْرى:

صفحة ٢٦٩

أحَدُها: أنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ، وأنَّ المَعْنى: إنَّكَ فَعَلْتَ ذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم، ونُسِبَ إلى …

89

قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ

[Allah] said, "Your supplication has been answered." So remain on a right course and follow not the way of those who do not know."

﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ولا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾

جَوابٌ مِنَ اللَّهِ لِكَلامِ مُوسى جَرى عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ أنْ لا تُعْطَفَ جُمَلُها كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ قَدْ والفِعْلِ الماضِي يُفِيدُ تَحْقِيقَ الحُصُولِ في المُسْتَقْبَلِ، فَشُبِّهَ بِالمُضِيِّ.

وأُضِيفَتِ الدَّعْوَةُ إلى ضَمِيرٍ التَّثْنِيَةِ المُخاطَبِ بِهِ مُوسى وهارُونُ وإنْ كانَتِ الدَّعْوَةُ إنَّما حُكِيَتْ عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحْدَهُ لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَعا لَمّا كانَ هارُونُ مُواطِئًا لَهُ وقائِلًا بِمِثْلِهِ لِأنَّ دَعْوَتَهُما واحِدَةٌ. وقِيلَ: كانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدْعُو وهارُونُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُؤَمِّنُ.

ومَعْنى إجابَةِ الدَّعْوَةِ إعْطاءُ ما سَألَهُ مُوسى رَبَّهُ أنْ يَسْلِبَ عَنْ فِرْعَوْنَ ومَلَإهِ النِّعَمَ، ويُوالِيَ عَلَيْهِمُ المَصائِبَ حَتّى يَسْأمُوا مُقاوَمَةَ دَعْوَةِ مُوسى وتَنْحَطُّ غَلْواؤُهم،

صفحة ٢٧٣

قالَ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] وقالَ ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣]

وفَرَّعَ عَلى إجابَةِ دَعْوَتِهِما أمَرَهُما بِالِاسْتِقامَةِ، فَعُلِمَ أنَّ الِاسْتِقامَةَ شُكْرٌ عَلى الكَرامَةِ فَإنَّ إجابَةَ اللَّهِ دَعْوَةَ عَبْدِهِ إحْسانٌ لِلْعَبْدِ وإكْرامٌ، وتِلْكَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ عَلَيْها وأعْظَمُ الشُّكْرِ طاعَةُ المُنَعِّمِ.

وإذْ قَدْ كانَ مُوسى وهارُونُ مُسْتَقِيمِينِ، وناهِيكَ بِاسْتِقامَةِ النُّبُوَّةِ كانَ أمْرُهُما بِالِاسْتِقامَةِ مُسْتَعْمَلًا في الأمْرِ بِالدَّوامِ عَلَيْها. وأعْقَبَ حَثَّهُما عَلى الِاسْتِقامَةِ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ طَرِيقِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَشْمُولًا لِلِاسْتِقامَةِ تَنْبِيهًا عَلى تَوَخِّي السَّلامَةِ مِنَ العُدُولِ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ اهْتِمامًا بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الفَسادِ.

والِاسْتِقامَةُ: حَقِيقَتُها الِاعْتِدالُ، وهي ضِدُّ الِاعْوِجاجِ، وهي مُسْتَعْمَلَةٌ كَثِيرًا في مَعْنى مُلازِمَةِ الحَقِّ والرُّشْدِ؛ لِأنَّهُ شاعَ تَشْبِيهُ الضَّلالِ والفَسادِ بِالِاعْوِجاجِ والِالتِواءِ. وقِيلَ لِلْحَقِّ: طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، فَكانَ أمْرُهُما بِالِاسْتِقامَةِ جامِعًا لِجَمِيعِ خِصالِ الخَيْرِ والصَّلاحِ.

وفِي حَدِيثِ أبِي عَمْرَةَ الثَّقَفِيِّ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ. قالَ: قُلْ: آمَنَتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» .

ومِنَ الِاسْتِقامَةِ أنْ يَسْتَمِرّا عَلى الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ ولا يَضْجَرا.

والسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ، وهو هُنا مُسْتَعْمِلٌ لِلسِّيرَةِ والعَمَلِ الغالِبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَتَّبِعانِّ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً. وهُما نُونانِ: إحْداهُما نُونُ المُثَنّى والأُخْرى نُونُ التَّوْكِيدِ. وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ ولا تَتَّبِعانِ بِنُونٍ خَفِيفَةٍ مَكْسُورَةٍ. وهي نُونُ رَفْعِ المُثَنّى لا نُونُ التَّوْكِيدِ، فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ لا عَلى هاتِهِ القِراءَةِ نافِيَةً غَيْرَ ناهِيَةٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ والواوُ واوُ الحالِ؛ لِأنَّ جُمْلَةَ الحالِ المُضارِعَةِ المُفْتَتَحَةِ بِحَرْفِ نَفْيٍ يَجُوزُ اقْتِرانُها بِالواوِ وعَدَمِهِ.

90

۞ وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًۭا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ

And We took the Children of Israel across the sea, and Pharaoh and his soldiers pursued them in tyranny and enmity until, when drowning overtook him, he said, "I believe that there is no deity except that in whom the Children of Israel believe, and I am of the Muslims."

صفحة ٢٧٤

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بَغْيًا وعَدْوًا حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾

مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى وأخِيهِ أنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ [يونس: ٨٧] عَطَفَ الغَرَضَ عَلى التَّمْهِيدِ، أيْ، أمَرْناهُما بِاتِّخاذِ تِلْكَ البُيُوتِ تَهْيِئَةً لِلسَّفَرِ ومُجاوَزَةِ البَحْرِ.

وجاوَزْنا، أيْ قَطَعْنا بِهِمُ البَحْرَ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ أقْطَعْناهُمُ البَحْرَ بِمَعْنى جَعَلْناهم قاطِعِينَ البَحْرَ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ. ومُجاوَزَتُهُمُ البَحْر تَقْتَضِي خَوْضَهم فِيهِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهم طَرائِقَ في البَحْرِ يَمُرُّونَ مِنها.

وأتْبَعَهم بِمَعْنى لَحِقَهم. يُقالُ: تَبِعَهُ فَأتْبَعُهُ إذا سارَ خَلْفَهُ فَأدْرَكَهُ. ومِنهُ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] . وقِيلَ: أتْبَعَ مُرادِفُ تَبِعَ.

والبَغْيُ: الظُّلْمُ، مَصْدَرُ بَغى. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣] في الأعْرافِ.

والعَدْوُ: مَصْدَرُ عَدا. وهو تَجاوُزُ الحَدِّ في الظُّلْمِ، وهو مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ البَغْيِ. وإنَّما عُطِفَ لِما فِيهِ مِن زِيادَةِ المَعْنى في الظُّلْمِ بِاعْتِبارِ اشْتِقاقِ فِعْلِ عَدا.

والمَعْنى: أنَّ فِرْعَوْنَ دَخَلَ البَحْرَ يَتَقَصّى آثارَهم فَسارَ في تِلْكَ الطَّرائِقِ يُرِيدُ الإحاطَةَ بِهِمْ ومَنعَهم مِنَ السَّفَرِ، وإنَّما كانَ اتِّباعُهُ إيّاهم ظُلْمًا وعُدْوانًا إذْ لَيْسَ لَهُ فِيهِ شائِبَةُ حَقٍّ؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أرادُوا مُفارَقَةَ بِلادِ فِرْعَوْنَ ولَيْسَتْ مُفارَقَةُ أحَدٍ بَلَدَهُ مَحْظُورَةً إنْ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ في البَقاءِ، فَإنَّ لِذِي الوَطَنِ حَقًّا في الإقامَةِ في وطَنِهِ فَإذا رامَ مُغادَرَةَ وطَنِهِ فَقَدْ تَخَلّى عَنْ حَقٍّ لَهُ، ولِلْإنْسانِ أنْ يَتَخَلّى عَنْ حَقِّهِ،

صفحة ٢٧٥

فَلِذَلِكَ كانَ الخَلْعُ في الجاهِلِيَّةِ عِقابًا، وكانَ النَّفْيُ والتَّغْرِيبُ في الإسْلامِ عُقُوبَةً لا تَقَعُ إلّا بِمُوجِبٍ شَرْعِيٍّ، وكانَ الإمْساكُ بِالمَكانِ عِقابًا، ومِنهُ السِّجْنُ، فَلَيْسَ الخُرُوجُ مِنَ الوَطَنِ طَوْعًا بِعُدْوانٍ. فَلَمّا رامَ فِرْعَوْنَ مَنعَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخُرُوجِ وشَدَّ لِلِّحاقِ بِهِمْ لَرَدِّهِمْ كَرْهًا كانَ في ذَلِكَ ظالِمًا مُعْتَدِيًا؛ لِأنَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ إكْراهَهم عَلى البَقاءِ ولِأنَّ غَرَضَهُ مِن ذَلِكَ تَسْخِيرُهم.

وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ لِوُقُوعِ إذا الفُجائِيَّةِ بَعْدَها. وهي غايَةٌ لِلِاتِّباعِ، أيِ اسْتَمَرَّ اِتِّباعُهُ إيّاهم إلى وقْتِ إدْراكِ الغَرَقِ إيّاهُ، كُلُّ ذَلِكَ لا يَفْتَأُ يَجِدُّ في إدْراكِهِمْ إلى أنْ أنْجى اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ فاخْتَرَقُوا البَحْرَ، ورَدَّ اللَّهُ غَمْرَةَ الماءِ عَلى فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، فَغَرِقُوا وهَلَكَ فِرْعَوْنُ غَرِيقًا، فَمُنْتَهى الغايَةِ هو الزَّمانُ المُسْتَفادُ مِن إذا، والجُمْلَةُ المُضافَةُ هي إلَيْها وفي ذَلِكَ إيجازُ حَذْفٍ. والتَّقْدِيرُ: حَتّى أدْرَكَهُ الغَرَقُ فَإذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنَتُ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِكَوْنِ الغايَةِ وهي إدْراكُ الغَرَقِ إيّاهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ انْتَهى الِاتِّباعُ، ولَيْسَتِ الغايَةُ هي قَوْلُهُ: آمَنَتُ وإنْ كانَ الأمْرانِ مُتَقارِنَيْنِ.

والإدْراكُ: اللِّحاقُ وانْتِهاءُ السَّيْرِ. وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ الغَرَقَ دَنا مِنهُ تَدْرِيجِيًّا بِهَوْلِ البَحْرِ ومُصارَعَتِهِ المَوْجَ، وهو يَأْمَلُ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.