فَلَمَّآ أَلْقَوْا۟ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ
And when they had thrown, Moses said, "What you have brought is [only] magic. Indeed, Allah will expose its worthlessness. Indeed, Allah does not amend the work of corrupters.
قوله تعالى: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر} : قرأ أبو عمرو وحده دون باقي السبعة «آلسحرُ» بهمزة الاستفهام، وبعدها ألف محضةٌ، وهي بدل عن همزة الوصلِ الداخلةِ على لام التعريف، ويجوز أن تُسَهَّل بينَ بينَ، وقد تقدَّم تحقيق هذين الوجهين في قوله: {ءَآلذَّكَرَيْنِ} [الأنعام: 143] وهي قراءةُ مجاهدٍ وأصحابه وأبي جعفر. وقرأ باقي السبعة بهمزةِ وصلٍ تَسْقط في الدَّرْج. فأمَّا قراءة أبي عمرو ففيها أوجهٌ، أحدها: أنَّ «ما» استفهاميةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و «جِئْتُمْ به» الخبرُ، والتقديرُ: أيُّ شيءٍ جئتم، كأنه استفهامُ إنكارٍ وتقليلٌ للشيءِ المُجَاء به. و «السحر» بدلٌ من اسم الاستفهام، ولذلك أُعِيد معه أداتُه لما قرَّرْتُه في كتب النحو. الثاني: أن يكون «السحر» مبتدأً خبرُه محذوف، تقديره: أهو السحر. الثالث: أن يكونَ مبتدأً محذوفَ الخبر تقديره: السحر هو. ذكر هذين الوجهين أبو البقاء، وذكر الثاني مكي، وفيهما بُعد. الرابع: أن تكونَ «ما» موصولةً بمعنى الذي، وجئتم به صلتُها، والموصولُ في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و «السحر» على وجهيه من كونِه خبرَ مبتدأ محذوف، أو مبتدأً محذوفَ الخبر، تقديره: الذي جئتم به/ أهو السحر، أو الذي جئتم به السحر هو، وهذا الضميرُ هو الرابط كقولك: الذي جاءك أزيدٌ هو، قاله الشيخ.
قلت: قد منع مكي أن تكونَ «ما» موصولةً على قراءة أبي عمرو فقال: «وقد قرأ أبو عمرو» آلسحرُ «بالمد، فعلى هذه القراءةِ تكون» ما «استفهاماً مبتدأ، و» جئتم به «الخبر، و» السحر «خبرُ ابتداء محذوف، أي: أهو السحر، ولا يجوزُ أن تكونَ» ما «بمعنى الذي على هذه القراءةِ إذا لا خبر لها» . قلت: ليس كما ذكر، بل خبرُها الجملةُ المقدَّرُ أحدُ جُزْأيها، وكذلك الزمخشري وأبو البقاء لم يُجيزا كونَها موصولةً إلا في قراءة غيرِ أبي عمرو، لكنهما لم يتعرَّضا لعدمِ جوازه.
الخامس: أن تكونَ «ما» استفهاميةً في محلِّ نصب بفعل مقدرٍ بعدها لأنَّ لها صدرَ الكلام، و «جئتم به» مفسِّر لذلك الفعل المقدر، وتكون المسألةُ حينئذٍ من باب الاشتغال، والتقدير: أيُّ شيءٍ أَتَيْتُمْ جئتم به، و «السحر» على ما تقدم، ولو قرىء بنصب «السحر» على أنه بدلٌ مِنْ «ما» بهذا التقديرِ لكان له وجه، لكنه لم يُقرأ به فيما عَلِمْت، وسيأتي ما حكاه مكي عن الفراء مِنْ جواز نصبِه لمَدْرَكٍ آخرَ على أنها قراءةٌ منقولة [عن الفرَّاء] .
وأمَّا قراءةُ الباقين ففيها أوجهٌ أيضاً، أحدها: أن تكون «ما» بمعنى الذي في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و «جئتم به» صلةٌ وعائدُه، و «السحرُ» خبرهُ، والتقدير: الذي جئتم به السحرُ، ويؤيِّد هذا التقديرَ قراءةُ أُبَيّ وما في مصحفه: {ما أتيتم به سحرٌ} وقراءةُ عبد الله والأعمش {مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر} .
الثاني: أن تكونَ «ما» استفهاميةً في محلِّ نصبٍ بإضمارِ فعل على ما تقرَّر، و «السحر» خبر ابتداء مضمر أو مبتدأٌ مضمرُ الخبر. الثالث: أن تكونَ «ما» في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و «السحر» على ما تقدَّم مِنْ كونِه مبتدأً أو خبراً، والجملةُ خبر «ما» الاستفهامية. قال الشيخ بعدما ذكر الوجه الأول: «ويجوز عندي أن تكونَ في هذا الوجهِ استفهاميةً في موضع رفع بالابتداء، أو في موضع نصبٍ على الاشتغال، وهو استفهامٌ على سبيل التحقيرِ والتقليلِ لِما جاؤوا به، و» السحر «خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو السحر» .
قلت: ظاهرُ عبارتِه أنه لم يَرَه غيرُه، حيث قال «عندي» ، وهذا قد جوَّزه أبو البقاء ومكي. قال أبو البقاء: لمَّا ذكر قراءة غير أبي عمرو «ويُقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان» ، ثم قال: «ويجوزُ أن تكونَ» ما «استفهاماً، و» السحر «خبر مبتدأ محذوف» . وقال مكي في قراءةِ غيرِ أبي عمرو بعد ذِكره كونَ «ما» بمعنى الذي: «ويجوز أن تكونَ» ما «رفعاً بالابتداء وهي استفهامُ، و» جئتم به «الخبر، و» السحر «خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو السحر، ويجوز أن تكونَ» ما «في موضعِ نصبٍ …