Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 71–80 of 109

71

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ

And recite to them the news of Noah, when he said to his people, "O my people, if my residence and my reminding of the signs of Allah has become burdensome upon you - then I have relied upon Allah. So resolve upon your plan and [call upon] your associates. Then let not your plan be obscure to you. Then carry it out upon me and do not give me respite.

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ؛ لِتَحْقِيقِ ما سَبَقَ مِن أنَّهم لا يُفْلِحُونَ، وأنَّ ما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عَلى جَناحِ الفَواتِ، وأنَّهم مُشْرِفُونَ عَلى العَذابِ الخالِدِ.

﴿نَبَأ نُوحٍ﴾ أيْ: خَبَرَهُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ مَعَ قَوْمِهِ الَّذِينَ هم أضْرابُ قَوْمِكَ في الكُفْرِ والعِنادِ؛ لِيَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِن زَوالِ ما تَمَتَّعُوا بِهِ مِنَ النَّعِيمِ، وحُلُولِ عَذابِ الغَرَقِ المَوْصُولِ بِالعَذابِ المُقِيمِ، لِيَنْزَجِرُوا بِذَلِكَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، أوْ تَنْكَسِرَ شِدَّةُ شَكِيمَتِهِمْ، أوْ يَعْتَرِفَ بَعْضُهم بِصِحَّةِ نُبُوَّتِكَ، بِأنْ عَرَفُوا أنَّ ما تَتْلُوهُ مُوافِقًا لِما ثَبَتَ عِنْدَهم مِن غَيْرِ مُخالِفَةٍ بَيْنَهُما أصْلًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ ذَلِكَ مِن أحَدٍ لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الوَحْيِ، وفِيهِ مِن تَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن كَوْنِ الكُلِّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ - واخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ تَعالى، وانْتِفاءِ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْ أوْلِيائِهِ عَزَّ وعَلا قاطِبَةً، وتَشْجِيعِ النَّبِيِّ ﷺ وحَمْلِهِ عَلى عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ - ما لا يَخْفى.

﴿إذْ قالَ﴾ مَعْمُولٌ لِـ(نَبَأ) أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بَعْضُ نَبَئِهِ ﷺ لا كُلُّ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقَوْمِهِ﴾ لِلتَّبْلِيغِ.

﴿يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ﴾ أيْ: عَظُمَ وشَقَّ ﴿عَلَيْكم مَقامِي﴾ أيْ: نَفْسِي، كَما يُقالُ: فَعَلْتُهُ لِمَكانِ فُلانٍ، أيْ: لِفُلانٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ) أيْ: خافَ رَبَّهُ، أوْ قِيامِي ومُكْثِي بَيْنَ ظَهْرانَيْكم مُدَّةً طَوِيلَةً، أوْ قِيامِي ﴿وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ﴾ فَإنَّهم كانُوا إذا وعَظُوا الجَماعَةَ يَقُومُونَ عَلى أرْجُلِهِمْ والجَماعَةُ قُعُودٌ لِيَظْهَرَ حالُهم ويُسْمَعَ مَقالُهم.

﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، أيْ: دُمْتُ عَلى تَخْصِيصِ التَّوَكُّلِ بِهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ إحْداثُ مَرْتَبَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِن مَراتِبِ التَّوَكُّلِ ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالإجْماعِ عَلى التَّوَكُّلِ لا لِتَرْتِيبِ نَفْسِ الإجْماعِ عَلَيْهِ، أوْ هو الجَوابُ وما سَبَقَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، والإجْماعُ العَزْمُ، قِيلَ: هو مُتَعَدٍ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: فِيهِ حَذْفٌ وإيصالٌ، قالَ السَّدُوسِيُّ: أجْمَعْتُ الأمْرَ أفْصَحُ مِن أجْمَعْتُ عَلَيْهِ، وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: أجْمَعَ أمْرَهُ جَعَلَهُ مَجْمُوعًا بَعْدَما كانَ مُتَفَرِّقًا، وتَفَرُّقُهُ أنَّهُ يَقُولُ مَرَّةً: أفْعَلُ كَذا، وأُخْرى: أفْعَلُ كَذا، وإذا عَزَمَ عَلى أمْرٍ واحِدٍ فَقَدْ جَمَعَهُ، أيْ: جَعَلَهُ جَمِيعًا.

﴿وَشُرَكاءَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الواوَ بِمَعْنى مَعَ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ؛ تَنْزِيلًا لِلْفَصْلِ مَنزِلَةَ التَّأْكِيدِ، وإسْنادُ الإجْماعِ إلى الشُّرَكاءِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى (أمْرَكُمْ) بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: أمْرَ شُرَكائِكُمْ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وادْعُوا شُرَكاءَكُمْ، وقَدْ قُرِئَ: (كَذَلِكَ) وقُرِئَ (فاجْمَعُوا) مِنَ الجَمْعِ، أيْ: فاعْزِمُوا عَلى أمْرِكُمُ الَّذِي تُرِيدُونَ بِي مِنَ السَّعْيِ في إهْلاكِي، واحْتَشِدُوا فِيهِ عَلى أيِّ وجْهٍ يُمْكِنُكم ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكُمْ﴾ ذَلِكَ ﴿عَلَيْكم غُمَّةً﴾ أيْ: مَسْتُورًا مِن (غَمَّهُ) إذا سَتَرَهُ، بَلْ …

72

فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ

And if you turn away [from my advice] then no payment have I asked of you. My reward is only from Allah, and I have been commanded to be of the Muslims."

﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ التَّوَلِّي عَلى ما سَبَقَ، فالمُرادُ بِهِ إمّا الِاسْتِمْرارُ عَلَيْهِ، وإمّا إحْداثُ التَّوَلِّي المَخْصُوصِ، أيْ: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنْ نَصِيحَتِي وتَذْكِيرِي إثْرَ ما شاهَدْتُمْ مِنِّي مِن مَخايِلِ صِحَّةِ ما أقُولُ ودَلائِلِها الَّتِي مِن جُمْلَتِها دَعْوَتِي إيّاكم جَمِيعًا إلى تَحْقِيقِ ما تُرِيدُونَ بِي مِنَ السُّوءِ غَيْرَ مُبالٍ بِكم وبِما يَأْتِي مِنكُمْ، وإحْجامُكم مِنَ الإجابَةِ عِلْمًا مِنكم بِأنِّي عَلى الحَقِّ المُبِينِ مُؤَيَّدٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ ﴿فَما سَألْتُكُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ وعْظِي وتَذْكِيرِي ﴿مِن أجْرٍ﴾ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ حَتّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى تَوَلِّيكُمْ، إمّا لِاتِّهامِكم إيّايَ بِالطَّمَعِ والسُّؤالِ، وإمّا لِثِقَلِ دَفْعِ المَسْؤُولِ عَلَيْكُمْ، أوْ حَتّى يَضُرَّنِي تَوَلِّيكُمُ المُؤَدِّي إلى الحِرْمانِ.

فالأوَّلُ لِإظْهارِ بُطْلانِ التَّوَلِّي بِبَيانِ عَدَمِ ما يُصَحِّحُهُ، والثّانِي لِإظْهارِ عَدَمِ مُبالاتِهِ ﷺ بِوُجُودِهِ وعَدَمِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالفاءُ الجَزائِيَّةُ لِسَبَبِيَّةِ الشَّرْطِ لِإعْلامِ مَضْمُونِ الجَزاءِ لا لِنَفْسِهِ، والمَعْنى: إنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنْ لَيْسَ فِيَّ مُصَحِّحٌ لَهُ ولا تَأثُّرٌ مِنهُ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ يَنْتَظِمُ المَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا خَلا أنَّهُ عَلى الأوَّلِ تَأْكِيدٌ، وعَلى الثّانِي تَعْلِيلٌ لِاسْتِغْنائِهِ ﷺ عَنْهُمْ، أيْ: ما ثَوابِي عَلى العِظَةِ والتَّذْكِيرِ إلّا عَلَيْهِ تَعالى يُثِيبُنِي بِهِ آمَنتُمْ أوْ تَوَلَّيْتُمْ ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ لا أُخالِفُ أمْرَهُ، ولا أرْجُو غَيْرَهُ، أوِ المُسْتَسْلِمِينَ لِكُلِّ ما يُصِيبُ مِنَ البَلاءِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.

73

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَٰهُمْ خَلَٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ

And they denied him, so We saved him and those with him in the ship and made them successors, and We drowned those who denied Our signs. Then see how was the end of those who were warned.

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فَأصَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بَعْدَما ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ وبَيَّنَ لَهُمُ المَحَجَّةَ، وحَقَّقَ أنَّ تَوَلِّيَهم لَيْسَ لَهُ سَبَبٌ غَيْرُ التَّمَرُّدِ والعِنادِ فَلا جَرَمَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ ﴿فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ مِنَ المُسْلِمِينَ وكانُوا ثَمانِينَ ﴿وَجَعَلْناهم خَلائِفَ﴾ مِنَ الهالِكِينَ ﴿وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: بِالطُّوفانِ، وتَأْخِيرُ ذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ الإنْجاءِ والِاسْتِخْلافِ - حَسْبَما وقَعَ في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ - لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ، ولِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ لِلسّامِعِينَ، ولِلْإيذانِ بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الربوبية عَلى الغَضَبِ الَّذِي هو مِن مُسْتَتْبَعاتِ جَرائِمِ المُجْرِمِينَ.

﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾ تَهْوِيلٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ، وتَحْذِيرٌ لِمَن كَذَّبَ الرَّسُولَ ﷺ وتَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ.

74

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ

Then We sent after him messengers to their peoples, and they came to them with clear proofs. But they were not to believe in that which they had denied before. Thus We seal over the hearts of the transgressors

﴿ثُمَّ بَعَثْنا﴾ أيْ: أرْسَلْنا ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رُسُلا﴾ التَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ ذاتًا ووَصْفًا، أيْ: رُسُلًا كِرامًا ذَوِي عَدَدٍ كَثِيرٍ ﴿إلى قَوْمِهِمْ﴾ أيْ: إلى أقْوامِهِمْ، لَكِنْ لا بِأنْ أرْسَلَنا كُلَّ رَسُولٍ مِنهم إلى أقْوامِ الكُلِّ، أوْ إلى قَوْمٍ ما أيَّ قَوْمٍ كانُوا، بَلْ كُلَّ رَسُولٍ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً، مِثْلُ هُودٍ إلى عادٍ، وصالِحٍ إلى ثَمُودَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّنْ قُصَّ مِنهم ومَن لَمْ يُقَصَّ.

﴿فَجاءُوهُمْ﴾ أيْ: جاءَ كُلُّ رَسُولٍ قَوْمَهُ المَخْصُوصِينَ بِهِ ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: المُعْجِزاتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ ما قالُوا، والباءُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ جاءُوا، أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، لَكِنْ لا بِأنْ يَأْتِيَ كُلُّ رَسُولٍ بِبَيِّنَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ بِبَيِّناتٍ كَثِيرَةٍ خاصَّةٍ بِهِ مُعَيَّنَةٍ لَهُ حَسَبَ اقْتِضاءِ الحِكْمَةِ، فَإنَّ مُراعاةَ انْقِسامِ الآحادِ إلى الآحادِ إنَّما هي فِيما بَيْنَ ضَمِيرَيِ جاءُوهم كَما أُشِيرَ إلَيْهِ ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ في الزَّمانِ الماضِي، لا لِعَدَمِ اسْتِمْرارِ إيمانِهِمْ، كَما مَرَّ مِثْلُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ: فَما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِقَوْمٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أنْ يُؤْمِنُوا، بَلْ كانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا مِنهم لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ والعِنادِ.

ثُمَّ إنْ كانَ المَحْكِيُّ آخِرَ حالِ كُلِّ قَوْمٍ حَسْبَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حِكايَةُ قَوْمِ نُوحٍ، فالمُرادُ بِعَدَمِ إيمانِهِمُ المَذْكُورِ هَهُنا: إصْرارُهم عَلى ذَلِكَ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي وبِما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ –: ﴿ (بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ)﴾ تَكْذِيبُهم مِن حِينِ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلى زَمانِ الإصْرارِ والعِنادِ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ كالأوَّلِ - حَيْثُ جُعِلَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ - إيذانًا بِأنَّهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى ذَلِكَ عَدَمُ إيمانِهِمْ بَعْدَ تَواتُرِ البَيِّناتِ الظّاهِرَةِ، وتَظاهُرِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الَّتِي كانَتْ تَضْطَرُّهم إلى القَبُولِ لَوْ كانُوا مِن أصْحابِ العُقُولِ، والمَوْصُولُ "الَّذِي" تَعَلَّقَ بِهِ الإيمانُ والتَّكْذِيبُ سَلْبًا وإيجابًا عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ الشَّرائِعِ الَّتِي جاءَ بِها كُلُّ رَسُولٍ أُصُولِها وفُرُوعِها، وإنْ كانَ المَحْكِيُّ جَمِيعَ أحْوالِ كُلِّ قَوْمٍ مِنهم.

فالمُرادُ بِما ذُكِرَ أوَّلًا كُفْرُهُمُ المُسْتَمِرُّ مِن حِينٍ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلى آخِرِهِ، وبِما أُشِيرَ إلَيْهِ آخِرًا تَكْذِيبُهم قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، فَلا بُدَّ مَن كَوْنِ المَوْصُولِ المَذْكُورِ عِبارَةً عَنْ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي أجْمَعَتْ عَلَيْها الرُّسُلُ قاطِبَةً، ودَعَوْا أُمَمَهم إلَيْها آثِرَ ذِي أثِيرٍ لِاسْتِحالَةِ تَبَدُّلِها وتَغَيُّرِها، مِثْلُ مِلَّةِ التَّوْحِيدِ ولَوازِمِها، ومَعْنى تَكْذِيبُهم بِها قَبْلَ مَجِيءِ رُسُلِهِمْ أنَّهم ما كانُوا في زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ بِحَيْثُ لَمْ يَسْمَعُوا بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ قَطُّ، بَلْ كانَ كُلُّ قَوْمٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ يَتَسامَعُونَ بِها مِن بَقايا مَن قَبْلَهم كَثَمُودَ مِن بَقايا عادٍ، وعادٍ مِن بَقايا قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَيُكَذِّبُونَها، ثُمَّ كانَتْ حالَتُهم بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ كَحالَتِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ …

75

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ

Then We sent after them Moses and Aaron to Pharaoh and his establishment with Our signs, but they behaved arrogantly and were a criminal people

﴿ثُمَّ بَعَثْنا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ﴾ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُوسى وهارُون خُصَّتْ بِعْثَتُهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ – بِالذِّكْرِ، ولَمْ يُكْتَفَ بِانْدِراجِ خَبَرِهِما فِيما أُشِيرَ إلَيْهِ إشارَةً إجْمالِيَّةً مِن أخْبارِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعَ أقْوامِهِمْ، وأُوثِرَ في ذَلِكَ ضَرْبُ تَفْصِيلٍ إيذانًا بِخَطَرِ شَأْنِ القِصَّةِ وعِظَمِ وقْعِها، كَما في نَبَأِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ: أشْرافِ قَوْمِهِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأصالَتِهِمْ في إقامَةِ المَصالِحِ والمُهِمّاتِ، ومُراجَعَةِ الكُلِّ إلَيْهِمْ في النَّوازِلِ والمُلِمّاتِ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: مُلْتَبِسَيْنِ بِها، وهي الآياتُ المُفَصَّلاتُ في الأعْرافِ ﴿ (فاسْتَكْبَرُوا)﴾ الِاسْتِكْبارُ ادِّعاءُ الكِبْرِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، والفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَأتَياهم فَبَلَّغاهُمُ الرِّسالَةَ فاسْتَكْبَرُوا عَنِ اتِّباعِهِما، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّعِينِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ... إلَخْ، ﴿وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: كانُوا مُعْتادِينَ لِارْتِكابِ الذُّنُوبِ العِظامِ، فَإنَّ الإجْرامَ مُؤْذِنٌ بِعِظَمِ الذَّنْبِ ومِنهُ الجِرْمُ، أيِ: الجُثَّةُ، فَلِذَلِكَ اجْتَرَءُوا عَلى ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِهانَةِ بِرِسالَةِ اللَّهِ تَعالى، وحَمْلُ الِاسْتِكْبارِ عَلى الِامْتِناعِ عَنْ قَبُولِ الآياتِ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا:

76

فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

So when there came to them the truth from Us, they said, "Indeed, this is obvious magic."

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِاسْتِكْبارِهِمْ ما وقَعَ مِنهم قَبْلَ مَجِيءِ الحَقِّ الَّذِي سَمَّوْهُ سِحْرًا، أعْنِي العَصا واليَدَ البَيْضاءَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وذَلِكَ أوَّلُ ما أظْهَرَهُ ﷺ مِنَ الآياتِ العِظامِ، والفاءُ فِيهِ أيْضًا فَصِيحَةٌ، مُعْرِبَةٌ عَمّا صُرِّحَ بِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ مُوسى: قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا وعَرَفُوهُ قالُوا مِن فَرْطِ عُتُوِّهِمْ وَعِنادِهِمْ: إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ، أيْ: ظاهِرٌ كَوْنُهُ سِحْرًا، أوْ فائِقٌ في بابِهِ، واضِحٌ فِيما بَيْنَ أضِرابِهِ، وقُرِئَ لَساحِرٌ.

77

قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ

Moses said, "Do you say [thus] about the truth when it has come to you? Is this magic? But magicians will not succeed."

﴿قالَ مُوسى ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ تَنْساقُ إلَيْهِ الأذْهانُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم مُوسى حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: قالَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّوْبِيخِيِّ: ﴿أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ﴾ الَّذِي هو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنَ السحر الَّذِي هو الباطِلُ البَحْتُ ﴿لَمّا جاءَكُمْ﴾ أيْ: حِينَ مَجِيئِهِ إيّاكم ووُقُوفِكم عَلَيْهِ، أوْ مِن أوَّلِ الأمْرِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَدَبُّرٍ، وكِلا الحالَيْنِ مِمّا يُنافِي القَوْلَ المَذْكُورَ، والمَقُولُ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدِلالَةٍ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وإيذانًا بِأنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُتَفَوَّهَ بِهِ، ولَوْ عَلى نَهْجِ الحِكايَةِ، أيْ: أتَقُولُونَ لَهُ ما تَقُولُونَ مِن أنَّهُ سِحْرٌ يَعْنِي بِهِ أنَّهُ مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَهُ قائِلٌ ويَتَكَلَّمَ بِهِ مُتَكَلِّمٌ، أوِ القَوْلُ بِمَعْنى العَيْبِ والطَّعْنِ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَخافُ القالَةَ، وبَيْنَ النّاسِ تَقاوُلٌ، إذا قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ما يَسُوؤُهُ، ونَظِيرُهُ الذِّكْرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ ... إلَخْ، فَيُسْتَغْنى عَنِ المَفْعُولِ، أيْ: أتَعِيبُونَهُ وتَطْعَنُونَ فِيهِ.

وَعَلى الوَجْهَيْنِ فَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ إنْكارٌ مُسْتَأْنَفٌ مِن جِهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِكَوْنِهِ سِحْرًا، وتَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِمْ، وتَوْبِيخٌ لَهم عَلى ذَلِكَ إثْرَ تَوْبِيخٍ، وتَجْهِيلٌ بَعْدَ تَجْهِيلٍ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي فَوَجْهُ إيثارِ إنْكارِ كَوْنِهِ سِحْرًا عَلى إنْكارِ كَوْنِهِ مَعِيبًا بِأنْ يُقالَ مَثَلًا: أفِيهِ عَيْبٌ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الإنْكارِ السّابِقِ التَّصْرِيحَ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ في خُصُوصِيَّةٍ ما عابُوهُ بِهِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ بِالإنْكارِ السّابِقِ عَلى أنْ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ عَيْبٍ ما، وما في هَذا مِن مَعْنى القُرْبِ لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المُشارِ إلَيْهِ واسْتِحْضارِ ما فِيهِ مِنَ الصِّفاتِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ آيَةً باهِرَةً مِن آياتِ اللَّهِ المُنادِيَةِ عَلى امْتِناعِ كَوْنِهِ سِحْرًا، أيْ: أسِحْرٌ هَذا الَّذِي أمْرُهُ واضِحٌ مَكْشُوفٌ، وشَأْنُهُ مُشاهَدٌ مَعْرُوفٌ، بِحَيْثُ لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ عَيْنٌ مُبْصِرَةٌ، وتَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مَصَبُّ الإنْكارِ.

وَلَمّا اسْتَلْزَمَ كَوْنُهُ سِحْرًا كَوْنَ مَن أتى بِهِ ساحِرًا أُكِّدَ الإنْكارُ السّابِقُ، وما فِيهِ مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّجْهِيلِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ وهو جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والرّابِطُ هو الواوُ بِلا ضَمِيرٍ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ جاءَ الشِّتاءُ ولَسْتُ أمْلِكُ عُدَّةً

وَقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ ولَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، أيْ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ إنَّهُ سِحْرٌ، والحالُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ فاعِلُهُ، أيْ: لا يَظْفَرُ بِمَطْلُوبٍ ولا يَنْجُو مِن مَكْرُوهٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِن مِثْلِي مِنَ المُؤَيَّدِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، الفائِزِينَ بِكُلِّ مَطْلَبٍ، النّاجِينَ مِن كُلِّ مَحْذُورٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها، أُكِّدَ بِها الإنْكارُ السّابِقُ بِبَيانِ اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ سِحْرًا بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ، قَبْلَ بَيانِ اسْتِحالَتِهِ بِالنَّظَرِ إلى صُدُورِهِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا، وأمّا تَجْوِيزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مَقُولَ القَوْلِ عَلى أنَّ المَعْنى: أجِئْتُما بِالسحر تَطْلُبانِ بِهِ الفَلاحَ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ فَمِمّا لا …

78

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ

They said, "Have you come to us to turn us away from that upon which we found our fathers and so that you two may have grandeur in the land? And we are not believers in you."

﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾ ... إلَخْ، مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ ﷺ ألْقَمَهُمُ الحَجَرَ، فانْقَطَعُوا عَنِ الإتْيانِ بِكَلامٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِكَلامِهِ ﷺ فَضْلًا عَنِ الجَوابِ الصَّحِيحِ، واضْطَرُّوا إلى التَّشَبُّتِ بِذَيْلِ التَّقْلِيدِ الَّذِي هو دَأْبُ كُلِّ عاجِزٍ مَحْجُوجٍ، ودَيْدَنُ كُلِّ مُعانِدٍ لَجُوجٍ، عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا قَبْلَهُ مِن كَلامِهِ ﷺ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مُوسى﴾ ... إلَخْ، حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَما قالَ لَهم ما قالَ؟ فَقِيلَ: قالُوا عاجِزِينَ عَنِ المُحاجَّةِ: أجِئْتِنا ﴿لِتَلْفِتَنا﴾ أيْ: لِتَصْرِفَنا، فَإنَّ الفَتْلَ واللَّفْتَ أخَوانِ ﴿عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ: مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتَسَنّى بِكَوْنِ ما ذُكِرَ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الوَجْهِ الَّذِي شُرِحَ، إذْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَحْكِيًّا مِن قِبَلِهِمْ يَكُونُ جَوابُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خالِيًا عَنِ التَّبْكِيتِ المُلْجِئِ لَهم إلى العُدُولِ عَنْ سُنَنِ المُحاجَّةِ، ولا رَيْبَ في أنَّهُ لا عَلاقَةَ بَيْنَ قَوْلِهِمْ "أجِئْتَنا" إلَخْ، وبَيْنَ إنْكارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما حُكِيَ عَنْهم مُصَحِّحَةٌ لِكَوْنِهِ جَوابًا عَنْهُ ﴿وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ﴾ أيِ: المَلِكُ، أوِ التَّكَبُّرُ عَلى النّاسِ بِاسْتِتْباعِهِمْ، وقُرِئَ (وَيَكُونَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ، وكَلِمَةُ "فِي" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(تَكُونَ) أوْ بِـ(الكِبْرِياءُ) أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في (لَكُما ) لِوُقُوعِهِ خَبَرًا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ (الكِبْرِياءُ) أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَكُما) لِتَحَمُّلِهِ إيّاهُ ﴿وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِمُصَدِّقِينَ فِيما جِئْتُما بِهِ، وتَثْنِيَةُ الضَّمِيرِ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ بَعْدَ إفْرادِهِ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ المَقامَيْنِ بِاعْتِبارِ شُمُولِ الكِبْرِياءِ لَهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ - واسْتِلْزامِ التَّصْدِيقِ لِأحَدِهِما التَّصْدِيقَ لِلْآخَرِ، وأمّا اللَّفْتُ والمَجِيءُ لَهُ فَحَيْثُ كانا مِن خَصائِصِ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ أُسْنِدَ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خاصَّةً.

79

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍۢ

And Pharaoh said, "Bring to me every learned magician."

﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾ تَوْحِيدُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ الأمْرَ مِن وظائِفِ فِرْعَوْنَ، أيْ: قالَ لِمَلْئِهِ يَأْمُرُهم بِتَرْتِيبِ مَبادِئِ إلْزامِهِما - عَلَيْهِما السَّلامُ - بِالفِعْلِ بَعْدَ اليَأْسِ مِن إلْزامِها بِالقَوْلِ ﴿ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ بِفُنُونِ السحر حاذِقٍ ماهِرٍ فِيهِ، وقُرِئَ (سَحّارٍ).

80

فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ

So when the magicians came, Moses said to them, "Throw down whatever you will throw."

﴿فَلَمّا جاءَ السحرةُ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ، قَدْ حُذِفَ إيذانًا بِسُرْعَةِ امْتِثالِهِمْ لِأمْرِ فِرْعَوْنَ، كَما هو شَأْنُ الفاءِ الفَصِيحَةِ في كُلِّ مَقامٍ أيْ: فَأتَوْا بِهِ فَلَمّا جاءُوا ﴿قالَ لَهم مُوسى ﴾ لَكِنْ لا في ابْتِداءِ مَجِيئِهِمْ، بَلْ بَعْدَ ما قالُوا لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما حُكِيَ عَنْهم في السُّورِ الأُخَرِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ (إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ)﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أيْ: مُلْقُونَ لَهُ كائِنًا ما كانَ مِن أصْنافِ السحر.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.