Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 71–80 of 109

71

۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ

And recite to them the news of Noah, when he said to his people, "O my people, if my residence and my reminding of the signs of Allah has become burdensome upon you - then I have relied upon Allah. So resolve upon your plan and [call upon] your associates. Then let not your plan be obscure to you. Then carry it out upon me and do not give me respite.

قوله عزّ وجلّ:

﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكم مَقامِي وتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرَكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾

تَقَدَّمَ في "الأعْرافِ" الكَلامُ عَلى لَفْظَةِ نُوحٍ، والمَقامُ: وُقُوفُ الرَجُلِ لِكَلامٍ أو خُطْبَةٍ أو نَحْوِهِ، والمُقامُ أيْضًا بِضَمِّ المِيمِ: إقامَتُهُ ساكِنًا في مَوْضِعٍ أو بَلَدٍ، ولَمْ يُقْرَأْ هُنا بِضَمِّ المِيمِ، وتَذْكِيرُهُ: وعْظُهُ وزَجْرُهُ، والمَعْنى: يا قَوْمِ، إنْ كُنْتُمْ تَسْتَضْعِفُونَ حالِي ودُعائِي لَكم إلى اللهِ فَإنِّي لا أُبالِي عنكم لِتَوَكُّلِي عَلى اللهِ تَعالى، فافْعَلُوا ما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ.

وقَرَأ السَبْعَةُ، وجُمْهُورُ الناسِ: الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: "فَأجْمِعُوا" مِن أجْمَعَ الرَجُلُ عَلى شَيْءٍ إذا عَزَمَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ....................... ∗∗∗ هَلْ أغْدُوَنْ يَوْمًا وأمْرِي مُجْمَعُ؟

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ

وَمِنهُ الحَدِيثُ: « "ما لَمْ يُجْمِعْ مُكْثًا"،» ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎ ذَكَرَ الوُرُودَ بِها فَأجْمَعَ... ∗∗∗ شَوْقًا وأقْبَلَ حِينُهُ يَتَتَبَّعُ

وقَرَأ نافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ الأصْمَعِيُّ - وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ أبِي رَجاءٍ، وعاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، والزُهْرِيِّ، والأعْمَشِ: "فاجْمَعُوا" بِفَتْحِ المِيمِ مِن جَمَعَ إذا ضَمَّ شَيْئًا إلى شَيْءٍ. و"أمْرَكُمْ" يُرِيدُ بِهِ: قُدْرَتَكم وحَياتَكُمْ، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]، وكُلُّ هَؤُلاءِ نَصَبَ "الشُرَكاءَ"، ونَصْبُ قَوْلِهِ: "شُرَكاءَكُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: "أمْرَكُمْ"، وهَذا عَلى قِراءَةِ "فاجْمَعُوا" بِالوَصْلِ، وأمّا مَن قَرَأ: "فَأجْمِعُوا" بِقَطْعِ الألِفِ فَنَصْبُ "الشُرَكاءِ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَأنَّهُ قالَ: "وادْعُوا شُرَكاءَكُمْ"، فَهو مِن بابِ قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ شَرّابُ ألْبانٍ ∗∗∗ وتَمْرٍ وأقِطْ

ومِن قَوْلِ الآخَرِ:

؎ ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغى ∗∗∗ ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا

وَمِن قَوْلِ الآخَرِ:

؎ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى شَتَتْ هَمّالَةً عَيْناها

وفِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَأجْمِعُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يَنْتَصِبُ "الشُرَكاءُ" بِواوِ "مَعَ"، كَما قالُوا: "جاءَ البَرِيدُ والطَيالِسَةَ"، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى، وسَلامٌ، ويَعْقُوبُ، وأبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عنهُ: "وَشُرَكاؤُكُمْ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "فَأجْمِعُوا"، وعُطِفَ عَلى الضَمِيرِ قَبْلَ تَأْكِيدِهِ لِأنَّ الكافَ والمِيمَ في "أمْرَكُمْ" نابَ مَنابَ "أنْتُمْ" المُؤَكِّدِ لِلضَّمِيرِ، ولِطُولِ الكَلامِ أيْضًا، وهَذِهِ العِبارَةُ أحْسَنُ مِن أنْ يَطُولَ الكَلامُ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ، ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّرُ، تَقْدِيرُهُ: "وَشُرَكاؤُهم فَلْيَجْمَعُوا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَشُرَكائِكُمْ" بِالخَفْضِ عَلى العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْرَكُمْ﴾، والتَقْدِيرُ: "وَأمْرَ شُرَكائِكُمْ" فَهو كَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ∗∗∗ ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَيْلِ نارا؟

أيْ: وكُلَّ نارٍ، والمُرادُ بِالشُرَكاءِ في هَذِهِ الآيَةِ الأنْدادُ مِن دُونِ اللهِ، فَأضافَهم إلَيْهِمْ إذْ …

72

فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ

And if you turn away [from my advice] then no payment have I asked of you. My reward is only from Allah, and I have been commanded to be of the Muslims."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِن المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾

المَعْنى: فَإنْ لَمْ تُقْبِلُوا عَلى دَعْوَتِي وكَفَرْتُمْ بِها وتَوَلَّيْتُمْ عنها، والتَوَلِّي أصْلُهُ بِالبَدَنِ، ويُسْتَعْمَلُ في الإعْراضِ عَنِ المَعانِي، يَقُولُ: فَأنا لَمْ أسْألُكم أجْرًا عَلى ذَلِكَ ولا مالًا فَيَقَعُ مِنكم قَطْعٌ لِي وتَقْصِيرٌ بِإرادَتِي وإنَّما أجْرِي عَلى الَّذِي بَعَثَنِي. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "أجْرِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ: "أجْرِيَ" بِفَتْحِ الياءِ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، والقِراءَةُ بِالإسْكانِ في كُلِّ القُرْآنِ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ اللهَ أمَرَهُ بِالإسْلامِ والدِينِ الحَنِيفِ الَّذِي هو تَوْحِيدُ اللهِ والعَمَلُ بِطاعَتِهِ والإعْدادُ لِلِقائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عن حالِ قَوْمِ نُوحٍ المُكَذِّبِينَ لَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الإخْبارِ تَوَعُّدٌ لِلْكُفّارِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وضَرْبُ المِثالِ لَهُمْ، أيْ: أنْتُمْ بِحالِ هَؤُلاءِ مِنَ التَكْذِيبِ فَسَتَكُونُونَ بِحالِهِمْ مِنَ النِقْمَةِ والتَعْذِيبِ، و"الفُلْكِ": السَفِينَةُ، والمُفَسِّرُونَ وأهَّلُ الآثارِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ كانَتْ واحِدَةً، والفُلْكُ لَفْظُ الواحِدِ مِنهُ ولَفْظُ الجَمْعِ مُسْتَوٍ، ولَيْسَ بِهِ، وقَدْ مَضى شَرْحُ هَذا في "الأعْرافِ"، و"خَلائِفَ" حَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "فانْظُرْ" مُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ يُشارِكُهُ في مَعْناها جَمِيعُ الخَلْقِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أغْرَقَ جَمِيعَ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ الَّتِي جاءَ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وهي مُقْتَضِيَةٌ أيْضًا أنَّهُ أنْذَرَهم فَكانُوا مُنْذَرِينَ، فَلَوْ كانُوا جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ كَما قالَ بَعْضُ الناسِ لاسْتَوى نُوحٌ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ في البَعْثِ إلى أهْلِ الأرْضِ، ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي"» الحَدِيثُ. ويَتَرَجَّحُ بِهَذا النَظَرِ أنَّ بَعْثَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ والغَرَقَ إنَّما كانَ في أهْلِ صُقْعٍ لا في أهْلِ جَمِيعِ الأرْضِ.

73

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَعَلْنَٰهُمْ خَلَٰٓئِفَ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُنذَرِينَ

And they denied him, so We saved him and those with him in the ship and made them successors, and We drowned those who denied Our signs. Then see how was the end of those who were warned.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِن المُسْلِمِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ﴾

المَعْنى: فَإنْ لَمْ تُقْبِلُوا عَلى دَعْوَتِي وكَفَرْتُمْ بِها وتَوَلَّيْتُمْ عنها، والتَوَلِّي أصْلُهُ بِالبَدَنِ، ويُسْتَعْمَلُ في الإعْراضِ عَنِ المَعانِي، يَقُولُ: فَأنا لَمْ أسْألُكم أجْرًا عَلى ذَلِكَ ولا مالًا فَيَقَعُ مِنكم قَطْعٌ لِي وتَقْصِيرٌ بِإرادَتِي وإنَّما أجْرِي عَلى الَّذِي بَعَثَنِي. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "أجْرِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ: "أجْرِيَ" بِفَتْحِ الياءِ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو. وقالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، والقِراءَةُ بِالإسْكانِ في كُلِّ القُرْآنِ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ اللهَ أمَرَهُ بِالإسْلامِ والدِينِ الحَنِيفِ الَّذِي هو تَوْحِيدُ اللهِ والعَمَلُ بِطاعَتِهِ والإعْدادُ لِلِقائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عن حالِ قَوْمِ نُوحٍ المُكَذِّبِينَ لَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الإخْبارِ تَوَعُّدٌ لِلْكُفّارِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وضَرْبُ المِثالِ لَهُمْ، أيْ: أنْتُمْ بِحالِ هَؤُلاءِ مِنَ التَكْذِيبِ فَسَتَكُونُونَ بِحالِهِمْ مِنَ النِقْمَةِ والتَعْذِيبِ، و"الفُلْكِ": السَفِينَةُ، والمُفَسِّرُونَ وأهَّلُ الآثارِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ كانَتْ واحِدَةً، والفُلْكُ لَفْظُ الواحِدِ مِنهُ ولَفْظُ الجَمْعِ مُسْتَوٍ، ولَيْسَ بِهِ، وقَدْ مَضى شَرْحُ هَذا في "الأعْرافِ"، و"خَلائِفَ" حَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "فانْظُرْ" مُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ يُشارِكُهُ في مَعْناها جَمِيعُ الخَلْقِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أغْرَقَ جَمِيعَ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ الَّتِي جاءَ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وهي مُقْتَضِيَةٌ أيْضًا أنَّهُ أنْذَرَهم فَكانُوا مُنْذَرِينَ، فَلَوْ كانُوا جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ كَما قالَ بَعْضُ الناسِ لاسْتَوى نُوحٌ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ في البَعْثِ إلى أهْلِ الأرْضِ، ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي"» الحَدِيثُ. ويَتَرَجَّحُ بِهَذا النَظَرِ أنَّ بَعْثَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ والغَرَقَ إنَّما كانَ في أهْلِ صُقْعٍ لا في أهْلِ جَمِيعِ الأرْضِ.

74

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ بِهِۦ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ

Then We sent after him messengers to their peoples, and they came to them with clear proofs. But they were not to believe in that which they had denied before. Thus We seal over the hearts of the transgressors

قوله عزّ وجلّ:

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾

الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "مِن بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والضَمِيرُ في "قَوْمِهِمْ" عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، ومَعْنى هَذِهِ الآياتِ كُلِّها ضَرْبُ المَثَلِ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: كَما حَلَّ بِهَؤُلاءِ يَحِلُّ بِكُمْ، والبَيِّناتُ: المُعْجِزاتُ والبَراهِينُ الواضِحَةُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "كانُوا" وفي "لِيُؤْمِنُوا" عائِدٌ عَلى قَوْمِ الرُسُلِ، والضَمِيرُ في "كانُوا" عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَعُودُ الثَلاثَةُ عَلى قَوْمِ الرُسُلِ عَلى مَعْنى أنَّهم بادَرُوا رُسُلَهم بِالتَكْذِيبِ كُلَّما جاءَ رَسُولٌ، ثُمَّ لَجُّوا في الكُفْرِ وتَمادَوْا فَلَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ بِهِ تَكْذِيبُهُمْ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: "مِن قَبْلُ" مَعْناهُ: مِن قَبْلِ العَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ عِنْدِي مَعْنًى آخَرَ وهو أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، والمَعْنى: فَكَذَّبُوا رُسُلَهم فَكانَ عِقابُهم مِنَ اللهِ أنَّ لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِتَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلُ، أيْ مِن سَبَبِهِ ومِن جَزائِهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ﴾. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عُقُوبَةُ التَكْذِيبِ الطَبْعُ عَلى القُلُوبِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَطْبَعُ" بِالنُونِ، وقَرَأ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ: "يَطْبَعُ" بِالياءِ، وقَوْلُهُ: "كَذَلِكَ" أيْ: هَذا فِعْلُنا بِهَؤُلاءِ، ثُمَّ ابْتَدَأ: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ﴾ أيْ كَفِعْلِنا هَذا. و﴿المُعْتَدِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ تَجاوَزُوا طَوْرَهُمْ، واجْتَرَحُوا ما لا يَجُوزُ لَهم وهي هاهُنا في الكُفْرِ.

والضَمِيرُ في "بَعْدِهِمْ" عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، والضَمِيرُ في "وَمَلَئِهِ" عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ، والمَلَأُ: الجَماعَةُ مِن قَبِيلَةٍ وأهْلِ مَدِينَةٍ، ثُمَّ يُقالُ لِلْأشْرافِ والأعْيانِ مِنَ القَبِيلَةِ أوِ البَلَدِ مَلَأٌ، أيْ: هم يَقُومُونَ مَقامَ المَلَإ، وعَلى هَذا الحَدِّ هي في قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في قُرَيْشِ بَدْرٍ: "أُولَئِكَ المَلَأُ"، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠]. وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهي عامَّةٌ لِأنَّ بَعْثَةَ مُوسى وهارُونَ كانَتْ إلى فِرْعَوْنَ وجَمِيعِ قَوْمِهِ مِن شَرِيفٍ ومَشْرُوفٍ، وقَدْ مَضى في ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]، ذِكْرُهُما وما بُعِثا إلَيْهِمْ فِيهِ، والآياتُ: البَراهِينُ والمُعْجِزاتُ وما في مَعْناها، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: تَعَظَّمُوا وكَفَرُوا بِها، ومُجْرِمِينَ مَعْناهُ: يَرْتَكِبُونَ ما لَمْ يُبِحِ اللهُ ويَجْسُرُونَ مِن ذَلِكَ عَلى الخَطَرِ الصَعْبِ.

75

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ

Then We sent after them Moses and Aaron to Pharaoh and his establishment with Our signs, but they behaved arrogantly and were a criminal people

قوله عزّ وجلّ:

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِ رُسُلا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ المُعْتَدِينَ﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى وهارُونَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِآياتِنا فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾

الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "مِن بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والضَمِيرُ في "قَوْمِهِمْ" عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، ومَعْنى هَذِهِ الآياتِ كُلِّها ضَرْبُ المَثَلِ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: كَما حَلَّ بِهَؤُلاءِ يَحِلُّ بِكُمْ، والبَيِّناتُ: المُعْجِزاتُ والبَراهِينُ الواضِحَةُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "كانُوا" وفي "لِيُؤْمِنُوا" عائِدٌ عَلى قَوْمِ الرُسُلِ، والضَمِيرُ في "كانُوا" عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأوِّلِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَعُودُ الثَلاثَةُ عَلى قَوْمِ الرُسُلِ عَلى مَعْنى أنَّهم بادَرُوا رُسُلَهم بِالتَكْذِيبِ كُلَّما جاءَ رَسُولٌ، ثُمَّ لَجُّوا في الكُفْرِ وتَمادَوْا فَلَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِما سَبَقَ بِهِ تَكْذِيبُهُمْ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: "مِن قَبْلُ" مَعْناهُ: مِن قَبْلِ العَذابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ عِنْدِي مَعْنًى آخَرَ وهو أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، والمَعْنى: فَكَذَّبُوا رُسُلَهم فَكانَ عِقابُهم مِنَ اللهِ أنَّ لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا بِتَكْذِيبِهِمْ مِن قَبْلُ، أيْ مِن سَبَبِهِ ومِن جَزائِهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ﴾. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عُقُوبَةُ التَكْذِيبِ الطَبْعُ عَلى القُلُوبِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَطْبَعُ" بِالنُونِ، وقَرَأ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ: "يَطْبَعُ" بِالياءِ، وقَوْلُهُ: "كَذَلِكَ" أيْ: هَذا فِعْلُنا بِهَؤُلاءِ، ثُمَّ ابْتَدَأ: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ﴾ أيْ كَفِعْلِنا هَذا. و﴿المُعْتَدِينَ﴾ هُمُ الَّذِينَ تَجاوَزُوا طَوْرَهُمْ، واجْتَرَحُوا ما لا يَجُوزُ لَهم وهي هاهُنا في الكُفْرِ.

والضَمِيرُ في "بَعْدِهِمْ" عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، والضَمِيرُ في "وَمَلَئِهِ" عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ، والمَلَأُ: الجَماعَةُ مِن قَبِيلَةٍ وأهْلِ مَدِينَةٍ، ثُمَّ يُقالُ لِلْأشْرافِ والأعْيانِ مِنَ القَبِيلَةِ أوِ البَلَدِ مَلَأٌ، أيْ: هم يَقُومُونَ مَقامَ المَلَإ، وعَلى هَذا الحَدِّ هي في قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في قُرَيْشِ بَدْرٍ: "أُولَئِكَ المَلَأُ"، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص: ٢٠]. وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَهي عامَّةٌ لِأنَّ بَعْثَةَ مُوسى وهارُونَ كانَتْ إلى فِرْعَوْنَ وجَمِيعِ قَوْمِهِ مِن شَرِيفٍ ومَشْرُوفٍ، وقَدْ مَضى في ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]، ذِكْرُهُما وما بُعِثا إلَيْهِمْ فِيهِ، والآياتُ: البَراهِينُ والمُعْجِزاتُ وما في مَعْناها، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ: تَعَظَّمُوا وكَفَرُوا بِها، ومُجْرِمِينَ مَعْناهُ: يَرْتَكِبُونَ ما لَمْ يُبِحِ اللهُ ويَجْسُرُونَ مِن ذَلِكَ عَلى الخَطَرِ الصَعْبِ.

76

فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوٓا۟ إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

So when there came to them the truth from Us, they said, "Indeed, this is obvious magic."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ الساحِرُونَ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾

يُرِيدُ بِـ"الحَقُّ" آيَتَيِ العَصا واليَدِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم عِنْدَهُما: "هَذا سِحْرٌ"، ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا عِنْدَهُما، ولا تَعاطَوْا إلّا مُقاوَمَةَ العَصا فَهي مُعْجِزَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الَّتِي وقَعَ فِيها عَجْزُ المُعارِضِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَسِحْرٌ مُبِينٌ"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: "لَساحِرٌ مُبِينٌ".

ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو حِكايَةٌ مِن مُوسى عنهم عَلى مَعْنى أنَّ قَوْلَهم كانَ: "أسِحْرٌ هَذا؟"، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: "أسِحْرٌ هَذا؟" فَقالَ بَعْضُهُمْ: قالَها مِنهم كُلُّ مُسْتَفْهِمٍ جاهِلٍ بِالأمْرِ فَهو يَسْألُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا التَأْوِيلُ يُضَعِّفُهُ ما ذَكَرَ اللهُ قَبْلُ عنهم مِن أنَّهم صَمَّمُوا عَلى أنَّهُ سِحْرٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى التَعْظِيمِ لِلسِّحْرِ الَّذِي رَأوهُ بِزَعْمِهِمْ، كَما تَقُولُ لِفَرَسٍ تَراهُ يُجِيدُ الجَرْيَ: "أفَرَسٌ هَذا؟" عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِنهُ والِاسْتِغْرابِ وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ فَرَسٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ غَيْرُ هاتَيْنِ: لَيْسَ ذَلِكَ حِكايَةً مِن مُوسى عنهُمْ، بَلِ القَوْلُ الَّذِي حَكاهُ عنهم مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم سِحْرٌ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

أو نَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ يُوقِفُهم بِقَوْلِهِ: "أسِحْرٌ هَذا؟" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنِ اللهِ تَعالى أنَّ الساحِرِينَ لا يُفْلِحُونَ ولا يَظْفَرُونَ بِبُغْيَةٍ، ومِثْلُ هَذا التَقْدِيرِ المَحْذُوفِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:

؎ فَلَمّا لَبِسْنَ اللَيْلَ أو حِينَ نَصَّبَتْ ∗∗∗ لَهُ مِن خَذا آذانِها وهو جانِحُ

يُرِيدُ: أو حِينَ قارَبْنَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، المَعْنى: بَعَثْناهم لِيَسْؤُوا، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ شائِعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾ الآيَةُ، المَعْنى: قالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى: أجِئْتَنا لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا وتَرُدَّنا عن دِينِ آبائِنا؟ يُقالُ: "لَفَتَ الرَجُلُ عَنِ الآخَرِ" إذا لَواهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ:التَفَتَ، فَإنَّهُ افْتَعَلَ مِن لَفَتْ عُنُقَهُ، ومِنهُ قَوْلً رُؤْبَةَ:

؎ لَفْتًا وتَهْزِيعًا سَواءَ اللَفْتِ ∗∗∗ ∗∗∗.......................

وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى أبِي عَمْرٍو -فَإنَّهُ اخْتُلِفَ عنهُ-: "وَتَكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وإسْماعِيلُ -: "وَيَكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. و"الكِبْرِياءُ": مَصْدَرٌ مَبالَغٌ مِنَ الكِبْرِ، والمُرادُ بِهِ -فِي هَذا المَوْضِعِ- المُلْكُ، وكَذَلِكَ قالَ فِيهِ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، لِأنَّهُ أعْظَمُ تَكَبُّرِ الدُنْيا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ سُؤْدُدًا غَيْرَ فاحِشٍ لا يُدا ∗∗∗ ∗∗∗ نِيهِ تَجْبارُهُ …

77

قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ

Moses said, "Do you say [thus] about the truth when it has come to you? Is this magic? But magicians will not succeed."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ الساحِرُونَ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾

يُرِيدُ بِـ"الحَقُّ" آيَتَيِ العَصا واليَدِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم عِنْدَهُما: "هَذا سِحْرٌ"، ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا عِنْدَهُما، ولا تَعاطَوْا إلّا مُقاوَمَةَ العَصا فَهي مُعْجِزَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الَّتِي وقَعَ فِيها عَجْزُ المُعارِضِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَسِحْرٌ مُبِينٌ"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: "لَساحِرٌ مُبِينٌ".

ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو حِكايَةٌ مِن مُوسى عنهم عَلى مَعْنى أنَّ قَوْلَهم كانَ: "أسِحْرٌ هَذا؟"، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: "أسِحْرٌ هَذا؟" فَقالَ بَعْضُهُمْ: قالَها مِنهم كُلُّ مُسْتَفْهِمٍ جاهِلٍ بِالأمْرِ فَهو يَسْألُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا التَأْوِيلُ يُضَعِّفُهُ ما ذَكَرَ اللهُ قَبْلُ عنهم مِن أنَّهم صَمَّمُوا عَلى أنَّهُ سِحْرٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى التَعْظِيمِ لِلسِّحْرِ الَّذِي رَأوهُ بِزَعْمِهِمْ، كَما تَقُولُ لِفَرَسٍ تَراهُ يُجِيدُ الجَرْيَ: "أفَرَسٌ هَذا؟" عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِنهُ والِاسْتِغْرابِ وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ فَرَسٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ غَيْرُ هاتَيْنِ: لَيْسَ ذَلِكَ حِكايَةً مِن مُوسى عنهُمْ، بَلِ القَوْلُ الَّذِي حَكاهُ عنهم مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم سِحْرٌ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

أو نَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ يُوقِفُهم بِقَوْلِهِ: "أسِحْرٌ هَذا؟" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنِ اللهِ تَعالى أنَّ الساحِرِينَ لا يُفْلِحُونَ ولا يَظْفَرُونَ بِبُغْيَةٍ، ومِثْلُ هَذا التَقْدِيرِ المَحْذُوفِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:

؎ فَلَمّا لَبِسْنَ اللَيْلَ أو حِينَ نَصَّبَتْ ∗∗∗ لَهُ مِن خَذا آذانِها وهو جانِحُ

يُرِيدُ: أو حِينَ قارَبْنَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، المَعْنى: بَعَثْناهم لِيَسْؤُوا، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ شائِعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾ الآيَةُ، المَعْنى: قالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى: أجِئْتَنا لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا وتَرُدَّنا عن دِينِ آبائِنا؟ يُقالُ: "لَفَتَ الرَجُلُ عَنِ الآخَرِ" إذا لَواهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ:التَفَتَ، فَإنَّهُ افْتَعَلَ مِن لَفَتْ عُنُقَهُ، ومِنهُ قَوْلً رُؤْبَةَ:

؎ لَفْتًا وتَهْزِيعًا سَواءَ اللَفْتِ ∗∗∗ ∗∗∗.......................

وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى أبِي عَمْرٍو -فَإنَّهُ اخْتُلِفَ عنهُ-: "وَتَكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وإسْماعِيلُ -: "وَيَكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. و"الكِبْرِياءُ": مَصْدَرٌ مَبالَغٌ مِنَ الكِبْرِ، والمُرادُ بِهِ -فِي هَذا المَوْضِعِ- المُلْكُ، وكَذَلِكَ قالَ فِيهِ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، لِأنَّهُ أعْظَمُ تَكَبُّرِ الدُنْيا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ سُؤْدُدًا غَيْرَ فاحِشٍ لا يُدا ∗∗∗ ∗∗∗ نِيهِ تَجْبارُهُ …

78

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ

They said, "Have you come to us to turn us away from that upon which we found our fathers and so that you two may have grandeur in the land? And we are not believers in you."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ الساحِرُونَ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ وما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾

يُرِيدُ بِـ"الحَقُّ" آيَتَيِ العَصا واليَدِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم عِنْدَهُما: "هَذا سِحْرٌ"، ولَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ إلّا عِنْدَهُما، ولا تَعاطَوْا إلّا مُقاوَمَةَ العَصا فَهي مُعْجِزَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الَّتِي وقَعَ فِيها عَجْزُ المُعارِضِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لَسِحْرٌ مُبِينٌ"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: "لَساحِرٌ مُبِينٌ".

ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿أسِحْرٌ هَذا﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو حِكايَةٌ مِن مُوسى عنهم عَلى مَعْنى أنَّ قَوْلَهم كانَ: "أسِحْرٌ هَذا؟"، ثُمَّ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: "أسِحْرٌ هَذا؟" فَقالَ بَعْضُهُمْ: قالَها مِنهم كُلُّ مُسْتَفْهِمٍ جاهِلٍ بِالأمْرِ فَهو يَسْألُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا التَأْوِيلُ يُضَعِّفُهُ ما ذَكَرَ اللهُ قَبْلُ عنهم مِن أنَّهم صَمَّمُوا عَلى أنَّهُ سِحْرٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾. وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى التَعْظِيمِ لِلسِّحْرِ الَّذِي رَأوهُ بِزَعْمِهِمْ، كَما تَقُولُ لِفَرَسٍ تَراهُ يُجِيدُ الجَرْيَ: "أفَرَسٌ هَذا؟" عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِنهُ والِاسْتِغْرابِ وأنْتَ قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ فَرَسٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ غَيْرُ هاتَيْنِ: لَيْسَ ذَلِكَ حِكايَةً مِن مُوسى عنهُمْ، بَلِ القَوْلُ الَّذِي حَكاهُ عنهم مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم سِحْرٌ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

أو نَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، ثُمَّ ابْتَدَأ يُوقِفُهم بِقَوْلِهِ: "أسِحْرٌ هَذا؟" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، ثُمَّ أخْبَرَهم عَنِ اللهِ تَعالى أنَّ الساحِرِينَ لا يُفْلِحُونَ ولا يَظْفَرُونَ بِبُغْيَةٍ، ومِثْلُ هَذا التَقْدِيرِ المَحْذُوفِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:

؎ فَلَمّا لَبِسْنَ اللَيْلَ أو حِينَ نَصَّبَتْ ∗∗∗ لَهُ مِن خَذا آذانِها وهو جانِحُ

يُرِيدُ: أو حِينَ قارَبْنَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [الإسراء: ٧]، المَعْنى: بَعَثْناهم لِيَسْؤُوا، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ شائِعٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أجِئْتَنا﴾ الآيَةُ، المَعْنى: قالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسى: أجِئْتَنا لِتَصْرِفَنا وتَلْوِيَنا وتَرُدَّنا عن دِينِ آبائِنا؟ يُقالُ: "لَفَتَ الرَجُلُ عَنِ الآخَرِ" إذا لَواهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ:التَفَتَ، فَإنَّهُ افْتَعَلَ مِن لَفَتْ عُنُقَهُ، ومِنهُ قَوْلً رُؤْبَةَ:

؎ لَفْتًا وتَهْزِيعًا سَواءَ اللَفْتِ ∗∗∗ ∗∗∗.......................

وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى أبِي عَمْرٍو -فَإنَّهُ اخْتُلِفَ عنهُ-: "وَتَكُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ -فِيما زَعَمَ خارِجَةُ وإسْماعِيلُ -: "وَيَكُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وعن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. و"الكِبْرِياءُ": مَصْدَرٌ مَبالَغٌ مِنَ الكِبْرِ، والمُرادُ بِهِ -فِي هَذا المَوْضِعِ- المُلْكُ، وكَذَلِكَ قالَ فِيهِ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ، لِأنَّهُ أعْظَمُ تَكَبُّرِ الدُنْيا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ سُؤْدُدًا غَيْرَ فاحِشٍ لا يُدا ∗∗∗ ∗∗∗ نِيهِ تَجْبارُهُ …

79

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍۢ

And Pharaoh said, "Bring to me every learned magician."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِحْرُ إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾

يُخْبِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِخَدَمَتِهِ ومُتَصَرِّفِيهِ: ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ، هَذِهِ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى المُبالَغَةِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لَسْنا نَقْرَأُ "سَحّارٍ" إلّا في سُورَةِ الشُعَراءِ، فَرُوِيَ أنَّهم أتَوْهُ بِسَحَرَةِ الفَرَما وغَيْرِها مِن بِلادِ مِصْرَ حَسَبَما قَدْ ذُكِرَ قَبْلُ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا ورَدَ السَحَرَةُ بِاسْتِعْدادِهِمْ لِلْمُعارَضَةِ خَيَّرُوا مُوسى كَما ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهم عن أمْرِ اللهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ الآيَةُ، المَعْنى: فَلَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وخَيَّلُوا بِها وظَنُّوا أنَّهم قَدْ ظَهَرُوا قالَ لَهم مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى أبِي عَمْرٍو. ﴿بِهِ السِحْرُ﴾ وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وأصْحابُهُ، وابْنُ القَعْقاعِ: "بِهِ آلسِّحْرُ" بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ مَمْدُودَةً قَبْلَ "السِحْرُ". فَأمّا مَن قَرَأ "السِحْرُ" بِغَيْرِ ألِفِ اسْتِفْهامٍ قَبْلَهُ فَـ "ما" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهي بِمَعْنى الَّذِي وصِلَتُها قَوْلُهُ: ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾، والعائِدُ الضَمِيرُ في "بِهِ"، وخَبَرُها "السِحْرُ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ والتَأْوِيلَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ"، وكَذَلِكَ قَرَأها الأعْمَشُ، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ" والتَعْرِيفُ هُنا في "السِحْرِ" أرْتَبُ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مُنَكَّرًا في قَوْلِهِمْ: "إنَّ هَذا لَسِحْرٌ" فَجاءَ هُنا بِلامِ العَهْدِ، كَما يُقالُ في أوَّلِ الرِسالَةِ: "سَلامٌ عَلَيْكَ"، وفي آخِرِها: "والسَلامُ عَلَيْكَ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"جِئْتُمْ بِهِ" الخَبَرُ، و"السِحْرُ" خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ السِحْرُ إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ"، ووَجْهُ اسْتِفْهامِهِ هَذا هو التَقْرِيرُ والتَوْبِيخُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: "أيَّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ"، و"السِحْرُ" مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ هو السِحْرُ إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ". وأمّا مَن قَرَأ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ والمَدِّ قَبْلَ "السِحْرُ" فَـ"ما" اسْتِفْهامٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"جِئْتُمْ بِهِ" الخَبَرُ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، وقَوْلُهُ: "السِحْرُ" اسْتِفْهامٌ أيْضًا كَذَلِكَ، وهو بَدَلٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمُضْمَرِ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾، وتَقْدِيرُهُ: "أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ السِحْرُ"، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ إيجابٌ عن عِدَةٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن إخْبارِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَوْنُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أقْرَبُ، وهو الَّذِي ذَكَرَ الطَبَرِيُّ، وأمّا …

80

فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلْقُوا۟ مَآ أَنتُم مُّلْقُونَ

So when the magicians came, Moses said to them, "Throw down whatever you will throw."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَحَرَةُ قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمّا ألْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِحْرُ إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾

يُخْبِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِخَدَمَتِهِ ومُتَصَرِّفِيهِ: ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ، هَذِهِ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى المُبالَغَةِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لَسْنا نَقْرَأُ "سَحّارٍ" إلّا في سُورَةِ الشُعَراءِ، فَرُوِيَ أنَّهم أتَوْهُ بِسَحَرَةِ الفَرَما وغَيْرِها مِن بِلادِ مِصْرَ حَسَبَما قَدْ ذُكِرَ قَبْلُ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمّا ورَدَ السَحَرَةُ بِاسْتِعْدادِهِمْ لِلْمُعارَضَةِ خَيَّرُوا مُوسى كَما ذُكِرَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ لَهم عن أمْرِ اللهِ: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ الآيَةُ، المَعْنى: فَلَمّا ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وخَيَّلُوا بِها وظَنُّوا أنَّهم قَدْ ظَهَرُوا قالَ لَهم مُوسى هَذِهِ المَقالَةَ، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى أبِي عَمْرٍو. ﴿بِهِ السِحْرُ﴾ وهي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وأصْحابُهُ، وابْنُ القَعْقاعِ: "بِهِ آلسِّحْرُ" بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ مَمْدُودَةً قَبْلَ "السِحْرُ". فَأمّا مَن قَرَأ "السِحْرُ" بِغَيْرِ ألِفِ اسْتِفْهامٍ قَبْلَهُ فَـ "ما" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وهي بِمَعْنى الَّذِي وصِلَتُها قَوْلُهُ: ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾، والعائِدُ الضَمِيرُ في "بِهِ"، وخَبَرُها "السِحْرُ"، ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ والتَأْوِيلَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ما جِئْتُمْ بِهِ سِحْرٌ"، وكَذَلِكَ قَرَأها الأعْمَشُ، وهي قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما أتَيْتُمْ بِهِ سِحْرٌ" والتَعْرِيفُ هُنا في "السِحْرِ" أرْتَبُ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ مُنَكَّرًا في قَوْلِهِمْ: "إنَّ هَذا لَسِحْرٌ" فَجاءَ هُنا بِلامِ العَهْدِ، كَما يُقالُ في أوَّلِ الرِسالَةِ: "سَلامٌ عَلَيْكَ"، وفي آخِرِها: "والسَلامُ عَلَيْكَ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"جِئْتُمْ بِهِ" الخَبَرُ، و"السِحْرُ" خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: "هُوَ السِحْرُ إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ"، ووَجْهُ اسْتِفْهامِهِ هَذا هو التَقْرِيرُ والتَوْبِيخُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى مَعْنى: "أيَّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ"، و"السِحْرُ" مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: "أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ هو السِحْرُ إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ". وأمّا مَن قَرَأ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ والمَدِّ قَبْلَ "السِحْرُ" فَـ"ما" اسْتِفْهامٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"جِئْتُمْ بِهِ" الخَبَرُ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، وقَوْلُهُ: "السِحْرُ" اسْتِفْهامٌ أيْضًا كَذَلِكَ، وهو بَدَلٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمُضْمَرِ تَفْسِيرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿جِئْتُمْ بِهِ﴾، وتَقْدِيرُهُ: "أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ السِحْرُ"، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ إيجابٌ عن عِدَةٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الحَقَّ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن إخْبارِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَوْنُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أقْرَبُ، وهو الَّذِي ذَكَرَ الطَبَرِيُّ، وأمّا …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.