۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةًۭ ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ
And recite to them the news of Noah, when he said to his people, "O my people, if my residence and my reminding of the signs of Allah has become burdensome upon you - then I have relied upon Allah. So resolve upon your plan and [call upon] your associates. Then let not your plan be obscure to you. Then carry it out upon me and do not give me respite.
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ لِتَحْقِيقِ ما سَبَقَ مِن عَدَمِ إفْلاحِ المُفْتَرِينَ وكَوْنِ ما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ عَلى جَناحِ الفَواتِ وأنَّهم مُشْرِفُونَ عَلى الشَّقاءِ المُؤَبَّدِ والعَذابِ الشَّدِيدِ ﴿نَبَأ نُوحٍ﴾ أيْ خَبَرَهُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ مَعَ قَوْمِهِ الَّذِينَ هم أضْرابُ قَوْمِكَ في الكُفْرِ والعِنادِ
صفحة 157
لِيَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ مِمّا فِيهِ مُزْدَجَرٌ فَلَعَلَّهم يَنْزَجِرُونَ عَمّا هم عَلَيْهِ أوْ تَنْكَسِرُ شِدَّةُ شَكِيمَتِهِمْ ولَعَلَّ بَعْضَ مَن يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنكَ مِمَّنْ أنْكَرَ صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ أنْ يَعْتَرِفَ بِصِحَّتِها فَيُؤْمِنُ بِكَ بِأنْ يَكُونَ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ ما يُوافِقُ ما تَضَمَّنَهُ المَتْلُوُّ مِن غَيْرِ مُخالَفَةٍ لَهُ أصْلًا فَيَسْتَحْضِرُ أنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ ذَلِكَ مِن أحَدٍ ولَمْ تَسْتَفِدْهُ مِن كِتابٍ فَلا طَرِيقَ لِعِلْمِكَ بِهِ إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ وهو مَدارُ النُّبُوَّةِ.
وفِي ذَلِكَ مِن تَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن كَوْنِ الكُلِّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ واخْتِصاصِ العِزَّةِ بِهِ تَعالى وانْتِفاءِ الخَوْفِ عَلى أوْلِيائِهِ وحُزْنِهِمْ وتَشْجِيعِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحَمْلِهِ عَلى عَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ وبِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ ما لا يَخْفى، والِاقْتِصارُ عَلى بَعْضِ ذَلِكَ قُصُورٌ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ اللّامُ لِلتَّبْلِيغِ أوِ التَّعْلِيلِ و(إذْ) بَدَلٌ مِن (نَبَأ) بَدَلَ اشْتِمالٍ أوْ مَعْمُولَةٌ لَهُ لا لِاتْلُ لِفَسادِ المَعْنى. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (نَبَأ) وأيًّاما كانَ فالمُرادُ بَعْضُ نَبَئِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا كُلُّ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ وكانُوا عَلى ما قالَ الأجْهُورِيُّ مِن بَنِي قابِيلٍ ﴿يا قَوْمِ إنْ كانَ كَبُرَ﴾ أيْ عَظُمَ وشَقَّ ﴿عَلَيْكم مَقامِي﴾ أيْ نَفْسِي عَلى أنَّهُ في الأصْلِ اسْمُ مَكانٍ وأُرِيدَ مِنهُ النَّفْسُ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ الإيمائِيَّةِ كَما يُقالُ: المَجْلِسُ السّامِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِمَعْنى الإقامَةِ يُقالُ: قُمْتُ بِالمَكانِ وأقَمْتُ بِمَعْنًى أيْ إقامَتِي بَيْنَ ظَهْرانَيْكم مُدَّةً مَدِيدَةً، وكَوْنُها ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ القَوْلُ في آخِرِ عُمُرِهِ ومُنْتَهى أمْرِهِ ويَحْتاجُ ذَلِكَ إلى نَقْلٍ أوِ المُرادُ قِيامُهُ بِدَعْوَتِهِمْ وقَرِيبٌ مِنهُ قِيامُهُ لِتَذْكِيرِهِمْ ووَعْظِهِمْ لِأنَّ الواعِظَ كانَ يَقُومُ بَيْنَ مَن يَعِظُهم لِأنَّهُ أظْهَرُ وأعْوَنُ عَلى الِاسْتِماعِ كَما يُحْكى عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَعِظُ الحَوارِيِّينَ قائِمًا وهم قُعُودٌ وكَثِيرًا ما كانَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُومُ عَلى المِنبَرِ فَيَعِظُ الجَماعَةَ وهم قُعُودٌ فَيُجْعَلُ القِيامُ كِنايَةً أوْ مَجازًا عَنْ ذَلِكَ أوْ هو عِبارَةٌ عَنْ ثَباتِ ذَلِكَ وتَقَرُّرِهِ ﴿وتَذْكِيرِي﴾ إيّاكم ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ المُبْطِلَةِ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ وهو عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ مُبالاتِهِ والتِفاتِهِ إلى اسْتِثْقالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ قائِمَةً مَقامَهُ وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ وهَذا عَطْفٌ عَلَيْهِ أيْ فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ وقِيلَ: المُرادُ الِاسْتِمْرارُ عَلى تَخْصِيصِ التَّوَكُّلِ بِهِ تَعالى ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ …