Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 61–70 of 109

61

وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍ

And, [O Muhammad], you are not [engaged] in any matter or recite any of the Qur'an and you [people] do not do any deed except that We are witness over you when you are involved in it. And not absent from your Lord is any [part] of an atom's weight within the earth or within the heaven or [anything] smaller than that or greater but that it is in a clear register.

معطوفة على جملة { وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة } [ يونس : 60 ] عطفَ غرض على غرض ، لأن فصل الغرض الأول بالتذييل دليل على أن الكلام قد نقل إلى غرض آخر ، وذلك الوعدُ بالثواب للرسول على ما هو قائم به من تبليغ أمر الله وتدبير شؤون المسلمين وتأييد دين الإسلام ، وبالثواب للمسلمين على اتباعهم الرسول فيما دعاهم إليه . وجاء هذا الوعد بطريقة التعريض بحصول رضى الله تعالى عنهم في قوله : { إلا كنا عليكم شهوداً } لأنهم يعلمون أن عملهم وعمل النبي ما كان إلا في مرضاة الله ، فهو كقوله تعالى : { الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين }. ويتضمن ذلك تنويهاً بالنبي صلى الله عليه وسلم في جليل أعماله وتسلية على ما يُلاقيه من المشركين من تكذيب وأذى ، لأن اطلاع الله على ذلك وعلمه بأنه في مرضاته كاف في التسلية ، كقوله : { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } [ الطور : 48 ] ، ولذلك توجه الخطاب ابتداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم توجه إليه وإلى من معه من المسلمين .و { ما } الأولى و { ما } الثانية نافيتان .والشأن : العمل المهم والحال المهم . و ( في ) للظرفية المجازية التي بمعنى شدة التلبس .وضمير ( منه ) إما عائد إلى ( شأن ) ، أي وما تتلو من الشَّأن قرآناً فتكون ( مِن ) مبينة ل ( ما ) الموصولة أو تكون بمعنى لام التعليل ، أي تتلو من أجل الشأن قرآناً . وعَطْف { وما تتلو } من عطف الخاص على العام للاهتمام به ، فإن التلاوة أهم شؤون الرسول عليه الصلاة والسلام .وإما عائد إلى { قرآن } ، أي وما تتلو من القرآن قرآناً ، فتكون { منه } للتبعيض ، والضمير عائد إلى مؤخر لتحصيل التشويق إليه حتى يتمكن في نفس السامع . وواو ( تتلو ) لام الكلمة ، والفعل محتمل لضمير مفرد لخطاب النبي صلى الله عليه وسلمفيكون الكلام قد ابتدىء بشؤون النبي صلى الله عليه وسلم التي منها ما هو من خواصّه كقيام الليل ، وثُنِّي بما هو من شؤونه بالنسبة إلى الناس وهو تلاوة القرآن على الناس ، وثُلِّث بما هو من شؤون الأمة في قوله : { ولا تعمَلون من عمل } فإنه وإن كان الخطاب فيه شاملاً للنبيء صلى الله عليه وسلم إلا أن تقديم ذكر شأن في أول الآية يخصص عموم الخطاب في قوله : { تَعملون } فلا يبقى مراداً منه إلا ما يعمله بقية المسلمين .ووقع النفي مرتين بحرف ( ما ) ومرة أخرى بحرف ( لا ) لأن حرف ( ما ) أصله أن يخلص المضارع للحال ، فقصد أولاً استحضار الحال العظيم من شأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن قراءته القرآن ، ولما نفي عمل الأمة جيء بالحرف الذي الأصل فيه تخليصه المضارع للاستقبال للتثنية من أول الكلام على استمرار ذلك في الأزمنة كلها .ويعلم من قرينة العموم في الأفعال الثلاثة بواسطة النكرات الثلاث المتعلقة بتلك الأفعال والواقعة في سياق النفي أن ما يحصل في الحال وما يحصل في المستقبل من تلك الأفعال سواءٌ ، وهذا من بديع الإيجاز والإعجاز . وكذلك الجمع بين صيغ المضارع في الأفعال المعممة { تكونُ وتتلو وتعملون } وبين صيغة الماضي في الفعل الواقع في موضع الحال منها { إلاَّ كنا } للتنبيه على أن ما حصل ويحصل وسيحصل سواء في علم الله تعالى على طريقة الاحتباس كأنه قيل : وما كنتم وتكون وهكذا ، إلاَّ كنا ونكون عليكم شهودا .و { من عمل } مفعول { تعملون } فهو مصدر بمعنى المفعول وأدخلت عليه ( من ) للتنصيص على التعميم ليشمل العمل الجليل والحقير والخير والشر .والاستثناء في قوله : { إلاَّ كنا عليكم شهوداً } استثناء من عموم الأحوال التي اقتضاها عموم الشأن وعموم التلاوة وعموم العَمل ، أي إلا في حالة علمْنا بذلك ، فجملة { كنا عليكم } في موضع الحال . ووجود حرف الاستثناء أغنى عن اتصال جملة الحال بحرف ( قد ) لأن الربط ظاهر بالاستثناء .والشهود : جمع شاهد . وأخبر بصيغة الجمع عن الواحد وهو الله تعالى تبعاً لضمير الجمع المستعمل للتعظيم ، ومثله قوله …

62

أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Unquestionably, [for] the allies of Allah there will be no fear concerning them, nor will they grieve

استئناف للتصريح بوعد المؤمنين المعرَّض به في قوله : { إلاَّ كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك } [ يونس : 61 ] الآية ، وبتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما يلاقيه من الكفار من أذى وتهديد ، إذ أعلن الله للنبيء والمؤمنين بالأمن من مخافة أعدائهم ، ومن الحزن من جراء ذلك ، ولمح لهم بعاقبة النصر ، ووعدهم البشرى في الآخرة وعداً لا يقبل التغيير ولا التخلف تطميناً لنفوسهم ، كما أشعر به قوله عقبه { لا تَبديل لكلمات الله }.وافتتاح الكلام بأداة التنبيه إيماء إلى أهمية شأنه ، كما تقدم في قوله : { ألا إنهم هم المفسدون } في سورة [ البقرة : 12 ] ، ولذلك أكدت الجملة بإنَّ } بعد أداة التنبيه .وفي التعبير ب { أولياء الله } دون أن يؤتى بضمير الخطاب كما هو مقتضى وقوعه عقب قوله : { وما تعملون من عمل } [ يونس : 61 ] يؤذن بأن المخاطبين قد حق لهم أنهم من أولياء الله مع إفادة حكم عام شملهم ويشمل من يأتي على طريقتهم .وجملة : { لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } خبر { إن }.والخوف : توقع حصول المكروه للمتوقِّع ، فيتعدى بنفسه إلى الشيء المتوقَّع حصوله . فيقال : خاف الشيْء ، قال تعالى : { فلا تخافوهم وخَافون } [ آل عمران : 175 ]. وإذا كان توقع حصول المكروه لغير المتوقع يقال للمتوقَّع : خاف عليه ، كقوله تعالى : { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } [ الشعراء : 135 ].وقد اقتضى نظم الكلام نفي جنس الخوف لأن ( لا ) إذا دخلت على النكرة دلت على نفي الجنس ، وأنها إذا بني الاسم بعدها على الفتح كان نفي الجنس نصاً وإذا لم يُبنَ الاسم على الفتح كان نفي الجنس ظاهراً مع احتمال أن يراد نفي واحد من ذلك الجنس إذا كان المقام صالحاً لهذا الاحتمال ، وذلك في الأجناس التي لها أفراد من الذوات مثل رجل ، فأما أجناس المعاني فلا يتطرق إليها ذلك الاحتمال فيستوي فيها رفع اسم ( لا ) وبناؤه على الفتح ، كما في قول إحدى نساء حديثثِ أم زرع «زوجي كلَيْللِ تهامة لا حَرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة» فقد رويت هذه الأسماء بالرفع وبالبناء على الفتح .فمعنى { لا خوف عليهم } أنهم بحيث لا يخاف عليهم خائف ، أي هم بمأمننٍ من أن يُصيبهم مكروه يُخاف من إصابة مِثلِه ، فهم وإن كانوا قد يهجس في نفوسهم الخوف من الأعداء هجساً من جبلة تأثر النفوس عند مشاهدة بوادر المخافة ، فغيرهم ممن يَعلم حالهم لا يَخَاف عليهم لأنه ينظر إلى الأحوال بنظر اليقين سَليماً من التأثر بالمظاهر ، فحالهم حال من لا ينبغي أن يخاف ، ولذلك لا يَخاف عليهم أولياؤهم لأنهم يأمنون عليهم من عاقبة ما يتوجَّسون منه خيفة ، فالخوف الذي هو مصدر في الآية يقدر مضافاً إلى فاعله وهو غيرهم لا محالة ، أي لا خوف يخافه خائف عليهم ، وهم أنفسهم إذا اعتراهم الخوف لا يلبث أن ينقشع عنهم وتحل السكينة محله ، كما قال تعالى :{ وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } [ التوبة : 25 ، 26 ] ، وقال لموسى : { لا تَخاف دَرَكا ولا تخشى } [ طه : 77 ] ، وقال : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون }. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر يدعو الله بالنصر ويكثر من الدعاء ويقول : « اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض » ثم خرج وهو يقول : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } [ القمر : 45 ].ولهذا المعنى الذي أشارت إليه الآية تغير الأسلوب في قوله : { ولا هم يحزنون } فأسند فيه الحزن المنفي إلى ضمير { أولياء الله } مع الابتداء به ، وإيراد الفعل بَعده مسنداً مفيداً تقوي الحكم ، لأن الحزن هو انكسار النفس من أثر حصول المكروه عندها فهو لا توجد حقيقته إلا بعد حصوله ، والخوف يكون قبل حصوله ، ثم هم وإن كانوا يحزنون لما يصيبهم من أمور في الدنيا كقول النبي صلى الله عليه وسلم « وإنّا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون » فذلك حزن وجداني لا …

63

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ

Those who believed and were fearing Allah

وقد بين أولياء الله في هذه الآية بأنهم الذين آمنوا واتقوا ، فاسم الموصول وصلته خبر وما بينهما اعتراض ، أو يجعل جملة : { لا خوف عليهم } خبر { إنّ } ويجعل اسم الموصول خبرَ مبتدأ محذوف حذفاً جارياً على الاستعمال ، كما سماه السكاكي في حذف المسند إليه .وأياً ما كان فهذا الخبر يفيد أن يعرف السامع كنه معنى أولياء الله اعتناء بهم على نحو ما قيل في قول أوس بن حجر :الألْمعِي الذي يظن بك الظَّنَّ ... كأنْ قد رأى وقد سَمعاودل قوله : { وكانوا يتقون } على أن التقوى ملازمة لهم أخذاً من صيغة { كانوا } وأنها متجددة منهم أخذاً من صيغة المضارع في قوله : { يتقون }. وقد كنت أقول في المذاكرات منذ سنين خَلَتْ في أيام الطلب أن هذه الآية هي أقوى ما يُعتمد عليه في تفسير حقيقة الولي شرعاً وأن على حقيقتها يحمل معنى قوله في الحديث القدسي الذي رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله تعالى : من عادَى لي ولياً فقد آذنته بحرب " .

64

لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

For them are good tidings in the worldly life and in the Hereafter. No change is there in the words of Allah. That is what is the great attainment.

وإشارة الآية إلى تولي الله إياهم بالكرامة بقوله : { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة }. وتعريف { البشرى } تعريف الجنس فهو صادق ببشارات كثيرة .و { في الحياة الدنيا وفي الآخرة } حال من { البشرى }. والمعنى : أنهم يبشرون بخيرات قبل حصولها : في الدنيا بما يتكرر من البشارات الواردة في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وفي الآخرة بما يتلقونه من الملائكة وما يسمعونه من أمر الله بهم إلى النعيم المقيم ، كقوله : { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات } [ البقرة : 25 ].وروى الترمذي عن أبي الدرداء أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : { لهم البشرى في الحياة الدنيا } فقال : " ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت فهي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أوْ ترى له " قال الترمذي : وليس فيه عطاء بن يسار أي ليس في الحديث أن أبا صالح يرويه عن عطاء بن يسار كما هو المعروف في رواية أبي صالح إلى أبي الدرداء ، وعليه فالحديث منقطع غير متصل السند . وقد رواه الترمذي بسندين آخرين فيهما عطاء بن يسار عن رجل من أهل مِصر عن أبي الدرداء وذلك سند فيه مجهول ، فحالة إسناد هذا الخبر مضطربة لظهور أن عطاء لم يسمعه من أبي الدرداء .ومحمل هذا الخبر أن الرؤيا الصالحة من جملة البشرى في الحياة الدنيا لأنها تؤذن صاحبها بخير مستقبل يحصل في الدنيا أحرى الآخرة ، أو كأن السائل سأل عن بشرى الحياة فأما بشرى الآخرة فكانت معروفة بقوله : { يبشرهم ربهم برحمة منه } [ التوبة : 21 ] الآية ونحوها من الآيات .وفي «الموطأ» عن هشام بن عروة عن أبيه كان يقول في هذه الآية { لهم البُشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } قال : هي الرؤيا الصالحة يَراها الرجل أوْ تُرى له . ومن البشرى الوعد بأن لهم عاقبة النصر على الأعداء ، وتمكينُهم من السلطان في الدنيا ، وأن لهم النعيم الخالد في الآخرة .ومقابلة الحَزَن بالبشرى من محسنات الطباق .وجملة : { لا تبديل لكلمات الله } مبينة لمعنى تأكيد الوعد الذي تضمنه قوله : { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } ، تذكيراً لهم بأن ما وعدهم الله به من البشائر مثل النصر وحسن العاقبة أمر ثابت لا يتخلف لأنه من كلمات الله ، وقد نفي التبديل بصيغة التبرئة الدالة على انتفاء جنس التبديل .والتبديل : التغيير والإبطال ، لأن إبطال الشيء يستلزم إيجاد نقيضه .و { كلمات الله } الأقوال التي أوحى بها إلى الرسول في الوعد المشار إليه ، ويؤخذ من عموم { كلمات الله } وعموم نفي التبديل أن كل ما هو تبديل منفي من أصله .رُوي أن الحجاج خطب فذكر عبد الله بن الزبير فقال : إنه قد بَدَّل كتاب الله . وكان ابن عمر حاضراً فقال له ابن عمر : لا تطيق ذلك أنت ولا ابنُ الزبير : { لا تبديل لكلمات الله }.وجملة { ذلك هو الفَوْز العظيم } مؤكدة لجملة { لهم البشرى } ومقررة لمضمونها فلذلك فُصلت .والإشارة بذلك إلى المذكور من مضمون الجمل الثلاث المتقدمة ، واختيار اسم الإشارة لأنه أجمع لما ذُكر ، وفيه كمال تمييز له لزيادة تقرير معناه . وذكرُ ضمير الفصل بعد اسم الإشارة لزيادة التأكيد ولإفادة القصر ، أي هو الفوز العظيم لا غيرُه مما يتقلب فيه المشركون في الحياة الدنيا من رزق ومنَعَة وقوة ، لأن ذلك لا يعد فوزاً إذا عاقبته المذلة والإهانة في الدنيا وبعدَه العذاب الخالد في الآخرة ، كما أشار إليه قوله تعالى : { لا يغرَّنَّك تقلُّب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } [ آل عمران : 196 ، 197 ].

65

وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And let not their speech grieve you. Indeed, honor [due to power] belongs to Allah entirely. He is the Hearing, the Knowing.

الجملة معطوفة على جملة { ألا إن أولياء الله لا خَوف عليهم ولا هم يحزنون } [ يونس : 62 ] عطف الجزئي على الكلي لأن الحزن المذكور هنا نوع من أنواع الحزن المنفي في قوله : { ولا هُم يحزنون } [ يونس : 62 ] ، ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بفاء التفريع لأن دفع هذا الحزن يتفرع على ذلك النفي ولكن عُدل إلى العطف بالواو ليعطي مضمون الجملة المعطوفة استقلالاً بالقصد إليه فيكون ابتداء كلام مع عدم فوات معنى التفريع لظهوره من السياق . والحزن المنهي عن تطرقه هو الحزن الناشىء عن أذى المشركين محمداً صلى الله عليه وسلم بأقوالهم البذيئة وتهديداتهم . ووجه الاقتصار على دحضه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلقى من المشركين محزناً إلا أذى القول البذئي .وصيغة { لا يحزنك قولهم } خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وظاهر صيغته أنه نهي عن أن يحزن النبي صلى الله عليه وسلم كلام المشركين ، مع أن شأن النهي أن يتوجه الخطاب به إلى من فعل الفعل المنهي عنه ، ولكن المقصود من مثل هذا التركيب نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يتأثر بما شأنه أن يُحزن الناس من أقوالهم ، فلما وجه الخطاب إليه بالنهي عن عمل هو من عمل غيره تعين أن المراد بذلك الكناية عن نهيه هو عن حصول ذلك الحزن في نفسه بأن يصرف عن نفسه أسبابه وملزوماته فيؤول إلى معنى لا تترك أقوالهم تُحزنك ، وهذا كما يقولون : لا أريَنَّك تفعل كذا ، ولا أعرفنَّك تفعل كذا ، فالمتكلم ينهى المخاطب عن أن يراه المتكلم فاعلاً كذا . والمراد نهيه عن فعل ذلك حتى لا يراه المتكلم فهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم . والمعنى : لا تفعلن كذا فأراك تفعله . ومعنى { لا يحزنك قولهم } لا تحزن لقولهم فيحزنك .ومعلوم أن أقوال المشركين التي تحزن النبي هي أقوال التكذيب والاستهزاء ، فلذلك حذف مفعول القول لأن المصدر هنا نزل منزلة مصدر الفعل اللازم .وجملة : { إن العزة لله جميعاً } تعليل لدفع الحزن عنه ، ولذلك فصلت عن جملة النهي كأنَّ النبي يقول : كيف لا أحزن والمشركون يتطاولون علينا ويتوعدوننا وهم أهل عزة ومنعَة ، فأجيب بأن عزتهم كالعدم لأنها محدودة وزائلة والعزة الحق لله الذي أرسلك . وهي أيضاً في محل استئناف بياني . وكل جملة كان مضمونها علة للتي قبلها تكون أيضاً استئنافاً بيانياً ، فالاستئناف البياني أعم من التعليل . وافتتحت بحرف التأكيد للاهتمام بها ، ولأنَّه يفيد مفاد لام التعليل وفاء التفريع في مثل هذا المقام الذي لا يقصد فيه دفع إنكار من المخاطب .ويحسن الوقف على كلمة { قولهم } لكي لا يتوهم بعض من يسمع جملة { إنّ العزة لله جميعاً } فيحسبه مقولاً لقولهم فيتطلب لماذا يكونُ هذا القول سبباً لحزن الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم من قولهم : { إنّ العزّة لله } وإن كان في المقام ما يهدي السَّامع سريعاً إلى المقصود .ونظير هذا الإيهام ما حكي أنّ ابن قتيْبة ( وهو عبد الله بن مسلم بن قُتيبة ) ذكر قراءة أبي حيْوة { أنّ العزّة لله } بفتح همزة ( أن ) وأعرب بدلاً من ( قولُهم ) فحكم أنّ هذه القراءة كُفر . حكى ذلك عنه ابن عطيَّة . وأشار إلى ذلك في «الكشاف» فقال : «ومن جعله بدلاً من ( قولُهم ) ثم أنكره فالمنكر هو تخريجه» .ولعل ابن قتيبة أراد أن كسر الهمزة وإن كان محتملاً لأن تكون الجملة بعدها معمولة ل { قولهم } لأن شأن ( إن ) بعد فعل القول أن لا تكون بفتح الهمزة لكن ذلك احتمال غير متعيَّن لأنَّه يحتمل أيضاً أن تكون الجملة استئنافاً ، والسياق يعيّن الاحتمال الصحيح .فأمَّا إذا فتحت الهمزة كما قرأ أبو حَيْوَة فقد تعيَّنت أن تكون معمولة لما ذكر قبلها وهو لفظ { قولُهم } ولا محمل لها عنده إلا أنها أي المصدر المنسبك . منها بدل من كلمة { قولهم } ، فيصير المعنى : أنّ الله نهى نبيئه …

66

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

Unquestionably, to Allah belongs whoever is in the heavens and whoever is on the earth. And those who invoke other than Allah do not [actually] follow [His] "partners." They follow not except assumption, and they are not but falsifying

د بتوجيه هذا الكلام هم المشركون لتأييسهم من كل احتمال لانتصارهم على النَّبيء عليه الصلاة والسلام والمسلمين ، فإن كثيراً منهم حين يفهم ما في الآيات الخمس السَّابقة من قوله : { وما تكون في شأن } [ يونس : 61 ] إلى هنا من التصريح بهوان ، شأنهم عند الله وعند رسوله ومن التعريض باقتراب حلول الغلبة عليهم يخامرهم بعض الشك في صدق الرسول وأنّ ما توعَّدهم به حق ، ثمّ يغالطون أنفسهم ويسلون قلوبهم بأنَّه إن تحقَّق ذلك سيجدون من آلهتهم وساطة في دفع الضر عنهم ويقولون في أنفسهم : لمثل هذا عبدناهم ، وللشَّفاعة عند الله أعددناهم ، فسيق هذا الكلام لقطع رجائهم منهم بالاستدلال على أنَّهم دون ما يظن بهم .فالجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً ومناسبة وقوعها عقب جملة { ولا يحزنك قولهم } [ يونس : 65 ] أن أقوالهم دحضت بمضمون هذه الجملة . وأما وقوعها عقب جملة { إن العزة لله جميعاً } [ يونس : 65 ] فلأنها حجَّة على أنّ العزّة لله لأنّ الذي له من في السماوات ومن في الأرض تكون له العزّة الحق .وافتتاح الجملة بحرف التنبيه مقصود منه إظهار أهميَّة العلم بمضمونها وتحقيقه ولذلك عقب بحرف التأكيد ، وزيد ذلك تأكيداً بتقديم الخبر في قوله : { لله من في السماوات ومن في الأرض } وباجتلاب لام الملك .و { مَنْ } الموصولة شأنها أن تطلق على العقلاء وجيء بها هنا مع أن المقصد الأوّل إثبات أنّ آلهتهم ملك لله تعالى ، وهي جمادات غير عاقلة ، تغليباً ولاعتقادهم تلك الآلهة عقلاء وهذا من مجاراة الخصم في المناظرة لإلزامه بنهوض الحجَّة عليه حتَّى على لازم اعتقاده . والحكم بكون الموجودات العاقلة في السماوات والأرض ملكاً لله تعالى يفيد بالأحرى أن تلك الحجارة ملك الله لأن من يملك الأقوى أقدر على أن يملك الأضعف فإن من العرب من عَبَد الملائكة ، ومنهم من عبدوا المسيح ، وهم نصارى العرب .وذكر السماوات والأرض لاستيعاب أمكنة الموجودات فكأنه قيل : ألا إنّ لله جميع الموجودات .وجملة : { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء } الخ معطوفة على جملة : { لله من في السماوات ومن في الأرض }. وهي كالنتيجة للجملة الأولى إذ المعنى أن جميع الموجودات ملك لله ، واتّباع المشركين أصنامهم اتباع خاطىء باطل .و ( ما ) نافية لا محالة ، بقرينة تأكيدها ب ( إنْ ) النَّافية ، وإيراد الاستثناء بعدهما . و { شركاء } مفعول { يدْعون } الذي هو صلة { الذين }.وجملة : { إن يتبعون } تَوكيدٌ لَفظي لجملة { ما يتبع الذين يدعون } وأعيد مضمونها قضاء لحق الفصاحة حيث حصل من البعد بين المستثنى والمستثنى منه بسبب الصلة الطويلة ما يشبه التعقيد اللفظي وذلك لا يليق بأفصح كلام مع إفادة تلك الإعادة مفاد التأكيد لأن المقام يقتضي الإمعان في إثبات الغرض .و { الظن } مفعول لِكلا فعلي { يتَّبعُ ، ويتْبعون } فإنهما كفعل واحد . وليس هذا من التنازع لأن فعل التوكيد اللفظي لا يطلب عملاً لأن المقصود منه تكرير اللفظ دون العمل فالتقدير : وما يتبع المشركون إلا الظنّ وإن هم إلا يخرصون .والظنُّ : هنا اسم منزل منزلة اللازم لم يقصد تعليقه بمظنون معين ، أي شأنهم اتباع الظنون . والمراد بالظن هنا العلم المخطىء .وقد بينت الجملة التي بعدها أنّ ظنهم لا دليل عليه بقوله : { وإن هم إلا يخرصون }.والخرْص : القول بالحزر والتخمين . وتقدّم نظير هذه الآية في سورة الأنعام ( 116 ) وهو قوله : { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلاّ الظنّ وإن هم إلا يخرصون . }

67

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ

It is He who made for you the night to rest therein and the day, giving sight. Indeed in that are signs for a people who listen.

جملة معترضة بين جملة : { إن يتبعون إلا الظنّ } [ يونس : 66 ] وجملة : { قالوا اتخذ الله ولداً } [ يونس : 68 ] جاءت مجيء الاستدلال على فساد ظنهم وخَرْصهم بشواهد خلق الليل والنهار المشاهَدِ في كل يوم من العمر مرّتين وهم في غفلة عن دلالته ، وهو خلق نظام النهار والليل .وكيف كان النهار وقتاً ينتشر فيه النور فيناسب المشاهدة لاحتياج الناس في حركات أعمالهم إلى إحساس البصر الذي به تتبين ذوات الأشياء وأحوالها لتناول ، الصالح منها في العمل ونبذ غير الصالح للعمل .وكيف كان الليل وقتاً تغشاه الظلمة فكان مناسباً للسكون لاحتياج الناس فيه إلى الراحة من تعب الأعمال التي كدحوا لها في النهار . فاكانت الظلمة باعثة الناس على الراحة ومحددة لهم إبانها بحيث يستوي في ذلك الفَطِن والغافل .ولما قابل السكون في جانب الليل بالإبصار في جانب النهار ، والليل والنهار ضدّان دلّ ذلك على أنّ علة السكون عدم الإبصار ، وأنّ الإبصار يقتضي الحركة فكان في الكلام احتباك .ووصف النهار بمبصر مجاز عقلي للمبالغة في حصول الإبصار فيه حتَّى جعل النَّهار هو المبصر . والمراد : مبصِراً فيه الناسُ .ومن لطائف المناسبة أنّ النّور الذي هو كيفية زمن النَّهار ، شيء وجودي ، فكان زمانه حقيقاً بأن يوصف بأوصاف العقلاء ، بخلاف الليل فإن ظلمته عدمية فاقتصر في العبرة به على ذكر الفائدة الحاصلة فيه وهي أن يسكنوا فيه .وفي قوله : { هو الذي جعل لكم الليل } طريق من طرق القصر وهو تعريف المسند والمسند إليه . وهو هنا قصر حقيقي وليس إضافياً كما توهَّمه بعض الكاتبين إذ جعله قصر تعيين ، وهم معترفون به لا يستطيعون دفع هذا الاستدلال ، فالمقصود الاستدلال على انفراده تعالى بخصائص الإلهية التي منها الخلق والتقدير ، وأن آلهتهم انتفت عنها خصائص الإلهية ، وقد حصل مع الاستدلال امتنان على الناس بجعل الليل والنهار على هذا النظام . وهذا الامتنان مستفاد من قوله : { جعل لكم } ومن تعليل خلق الليل بعلة سكون الناس فيه ، وخلق النهار بعلة إبصار الناس ، وكل الناس يعلمون ما في سكون الليل من نعمة وما في إبصارهم بالنهار من نعمة كذلك ، فإن في العمل بالنهار نعماً جمّة من تحصيل رغبات ، ومشاهدة محبوبات ، وتحصيل أموال وأقوات ، وأن في السكون باللّيل نعماً جمّة من استجمام القوى المنهوكة والإخلاد إلى محادثة الأهل والأولاد ، على أن في اختلاف الأحوال ، ما يدفع عن المرء الملال .وفي إدماج الاستدلال بالامتنان تعريض بأن الذين جعلوا لله شركاء جمعوا وصمتين هما : وصمة مخالفة الحق ، ووصمة كفران النعمة .وجملة : { إن في ذلك لآيات } مستأنفة . والآيات : الدلائل الدالة على وحدانية الله تعالى بالإلهية ، فإن النظام الذي نشأ عنه الليل والنهار مشتمل على دقائق كثيرة من العلم والحكمة والقدرة وإتقان الصنع .فمن تلك الآيات : خلق الشمس ، وخلق الأرض ، وخلق النور في الشمس ، وخلق الظلمة في الأرض ، ووصول شعاع الشمس إلى الأرض ، ودوران الأرض كل يوم بحيث يكون نصف كرتها مواجهاً للشعاع ونصفها الآخر محجوباً عن الشعاع ، وخلق الإنسان؛ وجَعْللِ نظام مزاجه العصبي متأثراً بالشعاع نشاطاً ، وبالظلمة فُتُوراً ، وخلق حاسة البصر ، وجعلها مقترنة بتأثر الضوء؛ وجعل نظام العمل مرتبطاً بحاسة البصر؛ وخلق نظام المزاج الإنساني مشتملاً على قوى قابلة للقوة والضعف ثم مدفوعاً إلى استعمال قواه بقصد وبغير قصد بسبب نشاطه العصبي ، ثم فاقداً بالعمل نصيباً من قواه محتاجاً إلى الاعتياض بقوى تخلفها بالسكون والفتور الذي يلجئه إلى تطلب الراحة . وأيَّة آيات أعظم من هذه ، وأية منة على الإنسان أعظم من إيداع الله فيه دواعي تسوقه إلى صلاحه وصلاح نوعه بداع من نفسه .ووصف { قوم } بأنهم { يسمعون } إشارة إلى أن تلك الآيات والدلائل تنهض دلالتها للعقول بالتأمل فيها ، وأن توجه التفكير إلى دلائلها غير محتاج إلا إلى التنبيه عليها …

68

قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ۖ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ بِهَٰذَآ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

They have said, "Allah has taken a son." Exalted is He; He is the [one] Free of need. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. You have no authority for this [claim]. Do you say about Allah that which you do not know?

بيان لجملة { ألا إن لله مَن في السماوات ومَن في الأرض } [ يونس : 66 ] إلى آخرها ، وفي هذا البيان إدماج بحكاية فن من فنون كفرهم مغاير لادعاء شركاء لله ، لأن هذا كفر خفي من دينهم ، ولأن الاستدلال على إبطاله مغاير للاستدلال على إبطال الشركاء .فضمير { قالوا } عائد إلى { الذين يدعون من دون الله شركاء } [ يونس : 66 ] أي قال المشركون { اتخذ الله ولداً }. وليس المراد من الضمير غيرَهم من النصارى لأن السورة مكية والقرآن المكي لم يتصد لإبطال زيغ عقائد أهل الكتاب ، ذلك أن كثيراً منهم كانوا يزعمون أن لله بنات هم الملائكة ، وهم بناته من سَروات نساء الجن ، ولذلك عَبَدت فرق من العرب الجن قال تعالى : { ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت وَليُّنا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون } [ سبأ : 40 ، 41 ].والاتخاذ : جعل شيء لفائدة الجاعل ، وهو مشتق من الأخذ لأن المتخذ يأخذ الشيء الذي يصطفيه . وقد تقدم في قوله تعالى : { أتتخذ أصناماً آلهة } في سورة [ الأنعام : 74 ] ، وقوله : { وإن يَروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً } في [ الأعراف : 146 ] ، فالاتخاذ يصدق على أخذ شيء موجود للاستئثار به ، ويصدق على تكوين شيء للانتفاع به . وهو هنا صالح للمعنيين لأن منهم مَن يعتقد تولد الولد عن الله تعالى ، ومنهم مَن يعتقد أن الله تبنَّى بعض مخلوقاته .والولد : اسم مصوغ على وزن فَعَل مثل عَمَد وعرب . وهو مأخوذ من الولادة ، أي النتاج . يقال : ولدت المرأة والناقة ، ولعل أصل الولد مصدر ممات على وزن فعل مثل الفَرح . ومن أجل ذلك أطلق على الواحد والجمع كما يوصف بالمصدر . يقال : هؤلاء ولد فلان . وفي الحديث أنا سيد ولَدِ آدمِ والمراد هنا الجمع لأنهم قالوا : الملائكة بنات الله استولدها من سروات الجن قال تعالى : { ويجعلون لله البنات سبحانه } [ النحل : 57 ].وجملة : { سبحانه } إنشاء تنزيه للرد عليهم ، فالجملة جواب لذلك المقال ولذلك فصلت عن التي قبلها . وهو اسم مصدر ل ( سَبَّح ) إذا نزّه ، نائب عن الفعل ، أي نسبحه . وتقدم عند قوله تعالى : { قالوا سبحانك لا علم لنا } في سورة [ البقرة : 32 ] ، أي تنزيهاً لله عن هذا لأن ما قالوه يستلزم تنقيص الله تعالى ، ولذلك بُينت جملةُ التنزيه بجملة : هو الغني } بياناً لوجه التنزيه ، أي هو الغني عن اتخاذ الولد ، لأن الإلهية تقتضي الغنى المطلق عن كل احتياج إلى مُكمِل نقص في الذات أو الأفعال ، واتخاذ الولد إما أن ينشأ عن اندفاع طبيعي لقضاء الشهوة عن غير قصدِ التوليد وكونُها نقصاً غير خفي ، وإما أن ينشأ عن القصد والتفكير في إيجاد الولد ، وذلك لا يكون إلا لسد ثلمة نَقص من حاجة إلى معنى في الحياة أو خَلَف بعد الممات .وكل ذلك مناف للإلهية التي تقتضي الاتصاف بغاية الكمال في الذات والصفات والأفعال .والغَنِيُّ : الموصوف بالغِنى ، فعيل للمبالغة في فعل ( غَنِيَ ) عن كذا إذا كان غير محتاج ، وغنى الله هو الغنى المطلق ، وفسر في أصول الدين الغنى المُطلق بأنه عدم الافتقار إلى المُخَصِّص وإلى المحل ، فالمخصص هو الذي يُعين للممكن إحدى صفتي الوجود أو العدم عوضاً عن الأخرى ، فبذلك ثبت للإله الوجودُ الواجب ، أي الذي لا يتصور انتفاؤه ولذلك انتفى عنه التركيب من أجزاء وأبعاض ومن أجل ذلك امتنع أن ينفصل عنه شيء منه ، والولد ينشأ من جزء منفصل عن الوالد ، فلا جرم أنْ كان الغَنِيُّ منزّهاً عن الولد من جهة الانفصال ، ثم هو أيضاً لا يجوز أن يتخذ بعض المخلوقات ولداً له بالتبني لأجل كونه غنياً عن الحاجات التي تبعث على اتخاذ الولد من طلب معونة أو إيناس أو خلَف ، قال تعالى : { وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل عباد مكرمون } [ الأنبياء : 26 ] وقال : { بديع السماوات والأرض أنَّى يكون له ولد } [ الأنعام : 101 ].وجملة : { له ما في السماوات وما في …

69

قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ

Say, "Indeed, those who invent falsehood about Allah will not succeed."

استئناف افتتح بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لتنبيه السامعين إلى وعي ما يرد بعد الأمر بالقول بأنه أمر مهم بحيث يطلب تبليغه ، وذلك أن المَقُول قضية عامة يحصل منها وعيد للذين قالوا : اتخذ الله ولداً ، على مقالتهم تلك ، وعلى أمثالها كقولهم : { ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرَّم على أزواجنا } [ الأنعام : 139 ] وقولهم : ما كان لآلهتهم من الحَرث والأنعام لا يصل إلى الله وما كان لله من ذلك يصل إلى آلهتهم ، وقولهم : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً } [ الإسراء : 90 ] وأمثال ذلك . فذلك كله افتراء على الله ، لأنهم يقولونه على أنه دين ، وماهية الدين أنه وضع إلهي فهو منسوب إليه ، ويحصل من تلك القضية وعيد لأمثال المشركين من كل من يفتري على الله ما لم يقله ، فالمقول لهم ابتداءاً هم المشركون .والفلاح : حصول ما قصده العامل من عمله بدون انتقاض ولا عاقبة سوء . وتقدم في طالع سورة البقرة ( 5 ). فنفي الفلاح هنا نفي لحصول مقصودهم من الكذب وتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم

70

مَتَٰعٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

[For them is brief] enjoyment in this world; then to Us is their return; then We will make them taste the severe punishment because they used to disbelieve

وجملة : { متاعٌ في الدنيا } استئناف بياني ، لأن القضاء عليه بعدم الفلاح يتوجه عليه أن يسأل سائل كيف نراهم في عزة وقدرة على أذى المسلمين وصد الناس عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيجاب السائل بأن ذلك تمتيع في الدنيا لا يَعبأ به ، وإنما عدم الفلاح مظهره الآخرة ، ف { متاع } خبر مبتدأ محذوف يعلم من الجملة السابقة ، أي أمرهم متاع .والمتاع : المنفعة القليلة في الدنيا إذ يقيمون بكذبهم سيادتهم وعزتهم بين قومهم ثم يزول ذلك .ومادة ( متاع ) مؤذنة بأنه غير دائم كما تقدم في قوله تعالى : { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } في أوائل سورة الأعراف ( 24 . (وتنكيره مؤذن بتقليله ، وتقييده بأنه في الدنيا مؤكد للزوال وللتقليل ، و ( ثم ) من قوله : ثم إلينا مرجعهم } للتراخي الرتبي لأن مضمونه هو محقة أنهم لا يفلحون فهو أهم مرتبة من مضمون لا يفلحون .والمرجع : مصدر ميمي بمعنى الرجوع . ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى وقت نفاذ حكمه المباشر فيهم .وتقديم { إلينا } على متعلَّقه وهو المرجع للاهتمام بالتذكير به واستحضاره كقوله : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة إلى قوله ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه } [ النور : 39 ] ويجوز أن يكون المرجع كناية عن الموت .وجملة : { ثم نذيقهم العذاب الشديد } بيان لجملة : { ثم إلينا مرجعهم }. وحرف ( ثم ) هذا مؤكد لنظيره الذي في الجملة المبينة على أن المراد بالمرجع الحصول في نفاذ حكم الله .والجمل الأربع هي من المقول المأمور به النبي صلى الله عليه وسلم تبليغاً عن الله تعالى .وإذاقة العذاب إيصاله إلى الإحساس ، أطلق عليه الإذاقة لتشبيهه بإحساس الذوق في التمكن من أقوى أعضاء الجسم حاسية لمس وهو اللسان .والباء في { بما كانوا يكفرون } للتعليل .وقوله : { كانوا يكفرون } يؤذن بتكرر ذلك منهم وتجدده بأنواع الكفر .

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.