وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍ
And, [O Muhammad], you are not [engaged] in any matter or recite any of the Qur'an and you [people] do not do any deed except that We are witness over you when you are involved in it. And not absent from your Lord is any [part] of an atom's weight within the earth or within the heaven or [anything] smaller than that or greater but that it is in a clear register.
أشارَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ إلى طَرِيقٍ أُخْرى غَيْرِ ما تَقَدَّمَ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ ما حاصِلُهُ أنَّكم تَحْكُمُونَ بِتَحْلِيلِ البَعْضِ وتَحْرِيمِ البَعْضِ، فَإنْ كانَ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي والهَوى فَهو مَهْجُورٌ بِاتِّفاقِ العُقَلاءِ، مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ، وإنْ كانَ لِاعْتِقادِكم أنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ فِيكم وفِيما رَزَقَكم فَلا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ إلّا بِطَرِيقٍ مُوَصِّلَةٍ إلى اللَّهِ، ولا طَرِيقَ يَتَبَيَّنُ بِها الحَلالُ مِنَ الحَرامِ إلّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ إلى عِبادِهِ، ومَعْنى أرَأيْتُمْ: أخْبِرُونِي وما في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ ) المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى أخْبِرُونِي.
وقِيلَ: إنَّ ( ما ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُها ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ و" قُلْ " في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، ومَجْمُوعُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِـ ( أرَأيْتُمْ )، والمَعْنى: أخْبِرُونِي الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا، آللَّهُ أذِنَ لَكم في تَحْلِيلِهِ وتَحْرِيمِهِ ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَ " مِن " في " مِنهُ حَرامًا " لِلتَّبْعِيضِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَرامًا، وجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَلالًا، وذَلِكَ كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الأنْعامِ حَسْبَما سَبَقَ حِكايَةُ ذَلِكَ عَنْهم في الكِتابِ العَزِيزِ، ومَعْنى إنْزالِ الرِّزْقِ: كَوْنُ المَطَرِ يَنْزِلُ مِن جِهَةِ العُلُوِّ، وكَذَلِكَ يُقْضى الأمْرُ في أرْزاقِ العِبادِ في السَّماءِ عَلى ما قَدْ ثَبَتَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِن ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ فِيهِ.
ورُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّ " ما " في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ " أنْزَلَ "، وأنْزَلَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما قالَ: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥] وعَلى هَذا القَوْلِ والقَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ مُسْتَأْنَفًا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ في ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ لِلْإنْكارِ، و" أمْ " مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى: بَلْ أتَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ وتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ الِافْتِراءِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ ما يَصُكُّ مَسامِعَ المُتَصَدِّرِينَ لِلْإفْتاءِ لِعِبادِ اللَّهِ في شَرِيعَتِهِ، بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ والجَوازِ وعَدَمِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يُفْهَمُونَها ولا يَدْرُونَ ما هي، ومَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ الحِكايَةُ لِقَوْلِ قائِلٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ قَلَّدُوهُ في دِينِهِمْ، وجَعَلُوهُ شارِعًا مُسْتَقِلًّا، ما عَمِلَ بِهِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ فَهو المَعْمُولُ بِهِ عِنْدَهم، وما لَمْ يَبْلُغْهُ أوْ بَلَغَهُ ولَمْ يَفْهَمْهُ حَقَّ فَهْمِهِ، أوْ فَهِمَهُ وأخْطَأ الصَّوابَ في اجْتِهادِهِ وتَرْجِيحِهِ، فَهو في حُكْمِ المَنسُوخِ عِنْدَهُمُ المَرْفُوعِ حُكْمُهُ عَنِ العِبادِ، مَعَ كَوْنِ مَن قَلَّدُوهُ مُتَعَبَّدًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ كَما هم مُتَعَبَّدُونَ بِها ومَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأحْكامِها كَما هو مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِها، وقَدِ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ وأدّى ما عَلَيْهِ، وفازَ بِأجْرَيْنِ مَعَ الإصابَةِ وأجْرٍ مَعَ الخَطَأِ، إنَّما الشَّأْنُ في جَعْلِهِمْ لِرَأْيِهِ الَّذِي أخْطَأ فِيهِ …