Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 109

61

وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍۢ وَمَا تَتْلُوا۟ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍۢ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ۚ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍ

And, [O Muhammad], you are not [engaged] in any matter or recite any of the Qur'an and you [people] do not do any deed except that We are witness over you when you are involved in it. And not absent from your Lord is any [part] of an atom's weight within the earth or within the heaven or [anything] smaller than that or greater but that it is in a clear register.

﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾

مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [يونس: ٦٠] عَطْفَ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ؛ لِأنَّ فَصْلَ الغَرَضِ الأوَّلِ بِالتَّذْيِيلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ نُقِلَ إلى غَرَضٍ آخَرَ، وذَلِكَ الوَعْدُ بِالثَّوابِ لِلرَّسُولِ عَلى ما هو قائِمٌ بِهِ مِن تَبْلِيغِ أمْرِ اللَّهِ وتَدْبِيرِ شُئُونِ المُسْلِمِينَ وتَأْيِيدِ دِينِ الإسْلامِ، وبِالثَّوابِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى اتِّباعِهِمُ الرَّسُولَ فِيما دَعاهم إلَيْهِ. وجاءَ هَذا الوَعْدُ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِحُصُولِ رِضى اللَّهِ - تَعالى - عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ عَمَلَهم وعَمَلَ النَّبِيءِ ما كانَ إلّا في مَرْضاةِ اللَّهِ، فَهو كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨] . ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِالنَّبِيءِ ﷺ في جَلِيلِ أعْمالِهِ وتَسْلِيَةً عَلى ما يُلاقِيهِ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن تَكْذِيبٍ وأذًى؛ لِأنَّ اطِّلاعَ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ وعِلْمَهُ بِأنَّهُ في مَرْضاتِهِ كافٍ في التَّسْلِيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]، ولِذَلِكَ تَوَجَّهَ الخِطابُ ابْتِداءً إلى النَّبِيءِ ﷺ ثُمَّ تَوَجَّهَ إلَيْهِ وإلى مَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.

و”ما“ الأُولى و”ما“ الثّانِيَةُ نافِيَتانِ.

صفحة ٢١٢

والشَّأْنُ: العَمَلُ المُهِمُّ والحالُ المُهِمُّ. و”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي بِمَعْنى شِدَّةِ التَّلَبُّسِ. وضَمِيرُ ”مِنهُ“ إمّا عائِدٌ إلى شَأْنٍ، أيْ وما تَتْلُو مِنَ الشَّأْنِ قُرْآنًا فَتَكُونُ ”مِن“ مُبَيِّنَةً لِـ ”ما“ المَوْصُولَةِ أوْ تَكُونُ بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ، أيْ تَتْلُو مِن أجْلِ الشَّأْنِ قُرْآنًا. وعَطْفُ ﴿وما تَتْلُو﴾ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، فَإنَّ التِّلاوَةَ أهَمُّ شُئُونِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .

وإمّا عائِدٌ إلى قُرْآنٍ، أيْ وما تَتْلُو مِنَ القُرْآنِ قُرْآنًا، فَتَكُونُ ”مِنهُ“ لِلتَّبْعِيضِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مُؤَخَّرٍ لِتَحْصِيلِ التَّشْوِيقِ إلَيْهِ حَتّى يَتَمَكَّنَ في نَفْسِ السّامِعِ. وواوُ ”تَتْلُو“ لامُ الكَلِمَةِ، والفِعْلُ مُتَحَمِّلٌ لِضَمِيرٍ مُفْرَدٍ لِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ .

فَيَكُونُ الكَلامُ قَدِ ابْتُدِئَ بِشُئُونِ النَّبِيءِ ﷺ الَّتِي مِنها ما هو مِن خَواصِّهِ كَقِيامِ اللَّيْلِ، وثُنِّيَ بِما هو مِن شُئُونِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى النّاسِ وهو تِلاوَةُ القُرْآنِ عَلى النّاسِ، وثَلَّثَ بِما هو مِن شُئُونِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾ فَإنَّهُ وإنْ كانَ الخِطابُ فِيهِ شامِلًا لِلنَّبِيءِ ﷺ إلّا أنَّ تَقْدِيمَ ذِكْرِ شَأْنٍ في أوَّلِ الآيَةِ يُخَصِّصُ عُمُومَ الخِطابِ في قَوْلِهِ: تَعْمَلُونَ فَلا يَبْقى مُرادًا مِنهُ إلّا ما يَعْمَلُهُ بَقِيَّةُ المُسْلِمِينَ.

ووَقَعَ النَّفْيُ مَرَّتَيْنِ بِحَرْفِ ”ما“ ومَرَّةً أُخْرى بِحَرْفِ ”لا“ لِأنَّ حَرْفَ ”ما“ أصْلُهُ أنْ يُخْلِصَ المُضارِعَ لِلْحالِ، فَقَصَدَ أوَّلًا اسْتِحْضارَ الحالِ العَظِيمِ مِن شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ ومِن قِراءَتِهِ القُرْآنَ، ولَمّا نُفِيَ عَمَلُ الأُمَّةِ جِيءَ بِالحَرْفِ الَّذِي الأصْلُ فِيهِ تَخْلِيصُهُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ …

62

أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Unquestionably, [for] the allies of Allah there will be no fear concerning them, nor will they grieve

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

اسْتِئْنافٌ لِلتَّصْرِيحِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ المُعَرَّضِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٦١] الآيَةَ،

صفحة ٢١٦

وبِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِنَ الكُفّارِ مِن أذًى وتَهْدِيدٍ، إذْ أعْلَنَ اللَّهُ لِلنَّبِيءِ والمُؤْمِنِينَ بِالأمْنِ مِن مَخافَةِ أعْدائِهِمْ، ومِنَ الحُزْنِ مِن جَرّاءَ ذَلِكَ، ولَمَّحَ لَهم بِعاقِبَةِ النَّصْرِ، ووَعَدَهُمُ البُشْرى في الآخِرَةِ وعْدًا لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ ولا التَّخَلُّفَ تَطْمِينًا لِنُفُوسِهِمْ، كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِأداةِ التَّنْبِيهِ إيماءً إلى أهَمِّيَّةِ شَأْنِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِـ ”إنَّ“ بَعْدَ أداةِ التَّنْبِيهِ.

وفِي التَّعْبِيرِ بِـ ﴿أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ دُونَ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ الخِطابِ كَما هو مُقْتَضى وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: وما تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُخاطَبِينَ قَدْ حَقَّ لَهم أنَّهم مِن أوْلِياءِ اللَّهِ مَعَ إفادَةِ حُكْمٍ عامٍّ شَمِلَهم ويَشْمَلُ مَن يَأْتِي عَلى طَرِيقَتِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ خَبَرُ إنَّ

والخَوْفُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ لِلْمُتَوَقَّعِ، فَيَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى الشَّيْءِ المُتَوَقَّعِ حُصُولُهُ. فَيُقالُ: خافَ الشَّيْءَ، قالَ - تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥] . وإذا كانَ تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ لِغَيْرِ المُتَوَقِّعِ يُقالُ لِلْمُتَوَقَّعِ: خافَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]

وقَدِ اقْتَضى نَظْمُ الكَلامِ نَفْيَ جِنْسِ الخَوْفِ لِأنَّ ”لا“ إذا دَخَلَتْ عَلى النَّكِرَةِ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، وأنَّها إذا بُنِيَ الِاسْمُ بَعْدَها عَلى الفَتْحِ كانَ نَفْيُ الجِنْسِ نَصًّا وإذا لَمْ يُبْنَ الِاسْمُ عَلى الفَتْحِ كانَ نَفْيُ الجِنْسِ ظاهِرًا مَعَ احْتِمالِ أنْ يُرادَ نَفْيُ واحِدٍ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ إذا كانَ المَقامُ صالِحًا لِهَذا الِاحْتِمالِ، وذَلِكَ في الأجْناسِ الَّتِي لَها أفْرادٌ مِنَ الذَّواتِ مِثْلَ رَجُلٍ، فَأمّا أجْناسُ المَعانِي فَلا يَتَطَرَّقُ إلَيْها ذَلِكَ الِاحْتِمالُ فَيَسْتَوِي فِيها رَفْعُ اسْمِ ”لا“ وبِناؤُهُ عَلى الفَتْحِ، كَما في قَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ ”زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَةَ لا حَرٌّ ولا قَرٌّ ولا مَخافَةَ ولا سَآمَةَ“ فَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الأسْماءُ بِالرَّفْعِ وبِالبِناءِ عَلى الفَتْحِ.

صفحة ٢١٧

فَمَعْنى ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهم بِحَيْثُ لا يَخافُ عَلَيْهِمْ خائِفٌ، أيْ هم بِمَأْمَنٍ مِن أنْ يُصِيبَهم مَكْرُوهٌ يُخافُ مِن إصابَةِ مِثْلِهِ، فَهم وإنْ كانُوا قَدْ يَهْجِسُ في نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِنَ الأعْداءِ هَجْسًا مِن جِبِلَّةِ تَأثُّرِ النُّفُوسِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ بَوادِرِ المَخافَةِ، فَغَيْرُهم مِمَّنْ يَعْلَمُ حالَهم لا يَخافُ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى الأحْوالِ بِنَظَرِ اليَقِينِ سَلِيمًا مِنَ التَّأثُّرِ بِالمَظاهِرِ، فَحالُهم حالُ مَن لا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ، ولِذَلِكَ لا يَخافُ عَلَيْهِمْ أوْلِياؤُهم لِأنَّهم يَأْمَنُونَ عَلَيْهِمْ مِن عاقِبَةِ ما …

63

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَكَانُوا۟ يَتَّقُونَ

Those who believed and were fearing Allah

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

اسْتِئْنافٌ لِلتَّصْرِيحِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ المُعَرَّضِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٦١] الآيَةَ،

صفحة ٢١٦

وبِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِنَ الكُفّارِ مِن أذًى وتَهْدِيدٍ، إذْ أعْلَنَ اللَّهُ لِلنَّبِيءِ والمُؤْمِنِينَ بِالأمْنِ مِن مَخافَةِ أعْدائِهِمْ، ومِنَ الحُزْنِ مِن جَرّاءَ ذَلِكَ، ولَمَّحَ لَهم بِعاقِبَةِ النَّصْرِ، ووَعَدَهُمُ البُشْرى في الآخِرَةِ وعْدًا لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ ولا التَّخَلُّفَ تَطْمِينًا لِنُفُوسِهِمْ، كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِأداةِ التَّنْبِيهِ إيماءً إلى أهَمِّيَّةِ شَأْنِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِـ ”إنَّ“ بَعْدَ أداةِ التَّنْبِيهِ.

وفِي التَّعْبِيرِ بِـ ﴿أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ دُونَ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ الخِطابِ كَما هو مُقْتَضى وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: وما تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُخاطَبِينَ قَدْ حَقَّ لَهم أنَّهم مِن أوْلِياءِ اللَّهِ مَعَ إفادَةِ حُكْمٍ عامٍّ شَمِلَهم ويَشْمَلُ مَن يَأْتِي عَلى طَرِيقَتِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ خَبَرُ إنَّ

والخَوْفُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ لِلْمُتَوَقَّعِ، فَيَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى الشَّيْءِ المُتَوَقَّعِ حُصُولُهُ. فَيُقالُ: خافَ الشَّيْءَ، قالَ - تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥] . وإذا كانَ تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ لِغَيْرِ المُتَوَقِّعِ يُقالُ لِلْمُتَوَقَّعِ: خافَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]

وقَدِ اقْتَضى نَظْمُ الكَلامِ نَفْيَ جِنْسِ الخَوْفِ لِأنَّ ”لا“ إذا دَخَلَتْ عَلى النَّكِرَةِ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، وأنَّها إذا بُنِيَ الِاسْمُ بَعْدَها عَلى الفَتْحِ كانَ نَفْيُ الجِنْسِ نَصًّا وإذا لَمْ يُبْنَ الِاسْمُ عَلى الفَتْحِ كانَ نَفْيُ الجِنْسِ ظاهِرًا مَعَ احْتِمالِ أنْ يُرادَ نَفْيُ واحِدٍ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ إذا كانَ المَقامُ صالِحًا لِهَذا الِاحْتِمالِ، وذَلِكَ في الأجْناسِ الَّتِي لَها أفْرادٌ مِنَ الذَّواتِ مِثْلَ رَجُلٍ، فَأمّا أجْناسُ المَعانِي فَلا يَتَطَرَّقُ إلَيْها ذَلِكَ الِاحْتِمالُ فَيَسْتَوِي فِيها رَفْعُ اسْمِ ”لا“ وبِناؤُهُ عَلى الفَتْحِ، كَما في قَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ ”زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَةَ لا حَرٌّ ولا قَرٌّ ولا مَخافَةَ ولا سَآمَةَ“ فَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الأسْماءُ بِالرَّفْعِ وبِالبِناءِ عَلى الفَتْحِ.

صفحة ٢١٧

فَمَعْنى ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهم بِحَيْثُ لا يَخافُ عَلَيْهِمْ خائِفٌ، أيْ هم بِمَأْمَنٍ مِن أنْ يُصِيبَهم مَكْرُوهٌ يُخافُ مِن إصابَةِ مِثْلِهِ، فَهم وإنْ كانُوا قَدْ يَهْجِسُ في نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِنَ الأعْداءِ هَجْسًا مِن جِبِلَّةِ تَأثُّرِ النُّفُوسِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ بَوادِرِ المَخافَةِ، فَغَيْرُهم مِمَّنْ يَعْلَمُ حالَهم لا يَخافُ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى الأحْوالِ بِنَظَرِ اليَقِينِ سَلِيمًا مِنَ التَّأثُّرِ بِالمَظاهِرِ، فَحالُهم حالُ مَن لا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ، ولِذَلِكَ لا يَخافُ عَلَيْهِمْ أوْلِياؤُهم لِأنَّهم يَأْمَنُونَ عَلَيْهِمْ مِن عاقِبَةِ ما …

64

لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

For them are good tidings in the worldly life and in the Hereafter. No change is there in the words of Allah. That is what is the great attainment.

﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

اسْتِئْنافٌ لِلتَّصْرِيحِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ المُعَرَّضِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ٦١] الآيَةَ،

صفحة ٢١٦

وبِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِنَ الكُفّارِ مِن أذًى وتَهْدِيدٍ، إذْ أعْلَنَ اللَّهُ لِلنَّبِيءِ والمُؤْمِنِينَ بِالأمْنِ مِن مَخافَةِ أعْدائِهِمْ، ومِنَ الحُزْنِ مِن جَرّاءَ ذَلِكَ، ولَمَّحَ لَهم بِعاقِبَةِ النَّصْرِ، ووَعَدَهُمُ البُشْرى في الآخِرَةِ وعْدًا لا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ ولا التَّخَلُّفَ تَطْمِينًا لِنُفُوسِهِمْ، كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِأداةِ التَّنْبِيهِ إيماءً إلى أهَمِّيَّةِ شَأْنِهِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولِذَلِكَ أُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِـ ”إنَّ“ بَعْدَ أداةِ التَّنْبِيهِ.

وفِي التَّعْبِيرِ بِـ ﴿أوْلِياءَ اللَّهِ﴾ دُونَ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ الخِطابِ كَما هو مُقْتَضى وُقُوعِهِ عَقِبَ قَوْلِهِ: وما تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُخاطَبِينَ قَدْ حَقَّ لَهم أنَّهم مِن أوْلِياءِ اللَّهِ مَعَ إفادَةِ حُكْمٍ عامٍّ شَمِلَهم ويَشْمَلُ مَن يَأْتِي عَلى طَرِيقَتِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ خَبَرُ إنَّ

والخَوْفُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ لِلْمُتَوَقَّعِ، فَيَتَعَدّى بِنَفْسِهِ إلى الشَّيْءِ المُتَوَقَّعِ حُصُولُهُ. فَيُقالُ: خافَ الشَّيْءَ، قالَ - تَعالى: ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥] . وإذا كانَ تَوَقُّعُ حُصُولِ المَكْرُوهِ لِغَيْرِ المُتَوَقِّعِ يُقالُ لِلْمُتَوَقَّعِ: خافَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنِّيَ أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]

وقَدِ اقْتَضى نَظْمُ الكَلامِ نَفْيَ جِنْسِ الخَوْفِ لِأنَّ ”لا“ إذا دَخَلَتْ عَلى النَّكِرَةِ دَلَّتْ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، وأنَّها إذا بُنِيَ الِاسْمُ بَعْدَها عَلى الفَتْحِ كانَ نَفْيُ الجِنْسِ نَصًّا وإذا لَمْ يُبْنَ الِاسْمُ عَلى الفَتْحِ كانَ نَفْيُ الجِنْسِ ظاهِرًا مَعَ احْتِمالِ أنْ يُرادَ نَفْيُ واحِدٍ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ إذا كانَ المَقامُ صالِحًا لِهَذا الِاحْتِمالِ، وذَلِكَ في الأجْناسِ الَّتِي لَها أفْرادٌ مِنَ الذَّواتِ مِثْلَ رَجُلٍ، فَأمّا أجْناسُ المَعانِي فَلا يَتَطَرَّقُ إلَيْها ذَلِكَ الِاحْتِمالُ فَيَسْتَوِي فِيها رَفْعُ اسْمِ ”لا“ وبِناؤُهُ عَلى الفَتْحِ، كَما في قَوْلِ إحْدى نِساءِ حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ ”زَوْجِي كَلَيْلِ تِهامَةَ لا حَرٌّ ولا قَرٌّ ولا مَخافَةَ ولا سَآمَةَ“ فَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الأسْماءُ بِالرَّفْعِ وبِالبِناءِ عَلى الفَتْحِ.

صفحة ٢١٧

فَمَعْنى ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أنَّهم بِحَيْثُ لا يَخافُ عَلَيْهِمْ خائِفٌ، أيْ هم بِمَأْمَنٍ مِن أنْ يُصِيبَهم مَكْرُوهٌ يُخافُ مِن إصابَةِ مِثْلِهِ، فَهم وإنْ كانُوا قَدْ يَهْجِسُ في نُفُوسِهِمُ الخَوْفَ مِنَ الأعْداءِ هَجْسًا مِن جِبِلَّةِ تَأثُّرِ النُّفُوسِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ بَوادِرِ المَخافَةِ، فَغَيْرُهم مِمَّنْ يَعْلَمُ حالَهم لا يَخافُ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى الأحْوالِ بِنَظَرِ اليَقِينِ سَلِيمًا مِنَ التَّأثُّرِ بِالمَظاهِرِ، فَحالُهم حالُ مَن لا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ، ولِذَلِكَ لا يَخافُ عَلَيْهِمْ أوْلِياؤُهم لِأنَّهم يَأْمَنُونَ عَلَيْهِمْ مِن عاقِبَةِ ما …

65

وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And let not their speech grieve you. Indeed, honor [due to power] belongs to Allah entirely. He is the Hearing, the Knowing.

﴿ولا يُحْزِنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] عَطْفَ الجُزْئِيِّ عَلى الكُلِّيِّ لِأنَّ الحُزْنَ المَذْكُورَ هُنا نَوْعٌ مِن أنْواعِ الحُزْنِ المَنفِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، ولِأنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن أوْلِياءِ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ

صفحة ٢٢١

ولا هم يَحْزَنُونَ. فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُعْطَفَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ لِأنَّ دَفْعَ هَذا الحُزْنِ يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ النَّفْيِ ولَكِنْ عُدِلَ إلى العَطْفِ بِالواوِ لِيُعْطِيَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ اسْتِقْلالًا بِالقَصْدِ إلَيْهِ فَيَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ مَعَ عَدَمِ فَواتِ مَعْنى التَّفْرِيعِ لِظُهُورِهِ مِنَ السِّياقِ. والحُزْنُ المَنهِيُّ عَنْ تَطَرُّقِهِ هو الحُزْنُ النّاشِئُ عَنْ أذى المُشْرِكِينَ مُحَمَّدًا ﷺ بِأقْوالِهِمُ البَذِيئَةِ وتَهْدِيداتِهِمْ. ووَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى دَحْضِهِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَلْقى مِنَ المُشْرِكِينَ مَحْزَنًا إلّا أذى القَوْلِ البَذَئِيِّ.

وصِيغَةُ (لا يُحْزِنْكَ قَوْلُهم) خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وظاهِرُ صِيغَتِهِ أنَّهُ نَهْيٌ عَنْ أنْ يُحْزِنَ النَّبِيءَ ﷺ كَلامُ المُشْرِكِينَ، مَعَ أنَّ شَأْنَ النَّهْيِ أنْ يَتَوَجَّهَ الخِطابُ بِهِ إلى مَن فَعَلَ الفِعْلَ المَنهِيَّ عَنْهُ، ولَكِنَّ المَقْصُودَ مِن مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ نَهْيُ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنْ أنْ يَتَأثَّرَ بِما شَأْنُهُ أنْ يُحْزِنَ النّاسَ مِن أقْوالِهِمْ، فَلَمّا وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَنْ عَمَلٍ هو مِن عَمَلِ غَيْرِهِ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الكِنايَةُ عَنْ نَهْيِهِ هو عَنْ حُصُولِ ذَلِكَ الحُزْنِ في نَفْسِهِ بِأنْ يَصْرِفَ عَنْ نَفْسِهِ أسْبابَهُ ومَلْزُوماتِهِ، فَيَئُولُ إلى مَعْنى لا تَتْرُكْ أقْوالَهم تُحْزِنْكَ، وهَذا كَما يَقُولُونَ: لا أرَيَنَّكَ تَفْعَلْ كَذا، ولا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلْ كَذا، فالمُتَكَلِّمُ يَنْهى المُخاطَبَ عَنْ أنْ يَراهُ المُتَكَلِّمُ فاعِلًا كَذا. والمُرادُ نَهْيُهُ عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ حَتّى لا يَراهُ المُتَكَلِّمُ فَهو مِن إطْلاقِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ. والمَعْنى: لا تَفْعَلَنَّ كَذا فَأراكَ تَفْعَلُهُ. ومَعْنى (لا يُحْزِنْكَ قَوْلُهم) لا تَحْزَنْ لِقَوْلِهِمْ فَيُحْزِنَكَ.

ومَعْلُومٌ أنَّ أقْوالَ المُشْرِكِينَ الَّتِي تُحْزِنُ النَّبِيءَ هي أقْوالُ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، فَلِذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ القَوْلِ لِأنَّ المَصْدَرَ هُنا نُزِّلَ مَنزِلَةَ مَصْدَرِ الفِعْلِ اللّازِمِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ تَعْلِيلٌ لِدَفْعِ الحُزْنِ عَنْهُ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْ جُمْلَةِ النَّهْيِ كَأنَّ النَّبِيءَ يَقُولُ: كَيْفَ لا أحْزَنُ والمُشْرِكُونَ يَتَطاوَلُونَ عَلَيْنا ويَتَوَعَّدُونَنا وهم أهْلُ عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ، فَأُجِيبَ بِأنَّ عِزَّتَهم كالعَدَمِ لِأنَّها مَحْدُودَةٌ وزائِلَةٌ والعِزَّةُ الحَقُّ لِلَّهِ الَّذِي أرْسَلَكَ.

وهِيَ أيْضًا في مَحَلِّ اسْتِئْنافٍ بَيانِيٍّ. وكُلُّ جُمْلَةٍ كانَ مَضْمُونُها عِلَّةً لِلَّتِي قَبْلَها تَكُونُ أيْضًا اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، فالِاسْتِئْنافُ البَيانِيُّ أعَمُّ مِنَ التَّعْلِيلِ.

صفحة ٢٢٢

وافْتُتِحَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِها، ولِأنَّهُ يُفِيدُ مُفادَ لامِ التَّعْلِيلِ وفاءِ التَّفْرِيعِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ الَّذِي لا يُقْصَدُ فِيهِ دَفْعُ إنْكارٍ مِنَ المُخاطَبِ. …

66

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

Unquestionably, to Allah belongs whoever is in the heavens and whoever is on the earth. And those who invoke other than Allah do not [actually] follow [His] "partners." They follow not except assumption, and they are not but falsifying

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾

المَقْصُودُ بِتَوْجِيهِ هَذا الكَلامِ هُمُ المُشْرِكُونَ لِتَأْيِيسِهِمْ مِن كُلِّ احْتِمالٍ لِانْتِصارِهِمْ عَلى النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُسْلِمِينَ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنهم حِينَ يَفْهَمُ ما في الآياتِ الخَمْسِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١] إلى هُنا مِنَ التَّصْرِيحِ بِهَوانِ شَأْنِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ، ومِنَ التَّعْرِيضِ بِاقْتِرابِ حُلُولِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ يُخامِرُهم بَعْضُ الشَّكِّ في صِدْقِ الرَّسُولِ وأنَّ ما تَوَعَّدَهم بِهِ حَقٌّ، ثُمَّ يُغالِطُونَ أنْفُسَهم ويُسَلُّونَ قُلُوبَهم بِأنَّهُ إنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ سَيَجِدُونَ مِن آلِهَتِهِمْ وساطَةً في دَفْعِ الضُّرِّ عَنْهم ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ: لِمِثْلِ هَذا عَبَدْناهم، ولِلشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ أعَدَدْناهم، فَسِيقَ هَذا الكَلامُ لِقَطْعِ رَجائِهِمْ مِنهم بِالِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهم دُونَ ما يُظَنُّ بِهِمْ.

فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا ومُناسَبَةُ وُقُوعِها عَقِبَ جُمْلَةِ ولا ”﴿يُحْزِنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يونس: ٦٥]“ أنَّ أقْوالَهم دُحِضَتْ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وأمّا وُقُوعُها عَقِبَ جُمْلَةِ ”﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥]“ فَلِأنَّها حُجَّةٌ عَلى أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ لِأنَّ الَّذِي لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ تَكُونُ لَهُ العِزَّةُ الحَقُّ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ مَقْصُودٌ مِنهُ إظْهارُ أهَمِّيَّةِ العِلْمِ بِمَضْمُونِها وتَحْقِيقِهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، وزِيدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا بِتَقْدِيمِ الخَبَرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾ وبِاجْتِلابِ لامِ المِلْكِ.

صفحة ٢٢٥

و”مَنِ“ المَوْصُولَةُ شَأْنُها أنْ تُطْلَقَ عَلى العُقَلاءِ وجِيءَ بِها هُنا مَعَ أنَّ المَقْصِدَ الأوَّلَ إثْباتُ أنَّ آلِهَتَهم مِلْكٌ لِلَّهِ تَعالى، وهي جَماداتٌ غَيْرُ عاقِلَةٍ، تَغْلِيبًا ولِاعْتِقادِهِمْ تِلْكَ الآلِهَةَ عُقَلاءَ وهَذا مِن مُجاراةِ الخَصْمِ في المُناظَرَةِ لِإلْزامِهِ بِنُهُوضِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ حَتّى عَلى لازِمِ اعْتِقادِهِ. والحُكْمُ بِكَوْنِ المَوْجُوداتِ العاقِلَةِ في السَّماواتِ والأرْضِ مِلْكًا لِلَّهِ - تَعالى - يُفِيدُ بِالأحْرى أنَّ تِلْكَ الحِجارَةَ مِلْكُ اللَّهِ لِأنَّ مَن يَمْلِكُ الأقْوى أقْدَرُ عَلى أنْ يَمْلِكَ الأضْعَفَ فَإنَّ مِنَ العَرَبِ مَن عَبَدَ المَلائِكَةَ، ومِنهم مَن عَبَدُوا المَسِيحَ، وهم نَصارى العَرَبِ.

وذِكْرُ السَّماواتِ والأرْضِ لِاسْتِيعابِ أمْكِنَةِ المَوْجُوداتِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألا إنَّ لِلَّهِ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ.

وجُمْلَةُ ”﴿وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ﴾“ إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾“ . وهي كالنَّتِيجَةِ لِلْجُمْلَةِ الأُولى إذِ المَعْنى أنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ مِلْكٌ لِلَّهِ، واتِّباعُ المُشْرِكِينَ أصْنامَهُمُ اتِّباعٌ خاطِئٌ باطِلٌ.

و”ما“ نافِيَةٌ لا مَحالَةَ، بِقَرِينَةِ تَأْكِيدِها بِـ ”إنِ“ النّافِيَةِ، وإيرادِ الِاسْتِثْناءِ بَعْدَهُما.

و”شُرَكاءَ“ مَفْعُولُ يَدْعُونَ الَّذِي هو صِلَةُ الَّذِينَ

وجُمْلَةُ ”﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾“ تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِجُمْلَةِ ”ما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ“ وأُعِيدَ مَضْمُونُها قَضاءً لَحِقِّ الفَصاحَةِ حَيْثُ حَصَلَ مِنَ البُعْدِ بَيْنَ المُسْتَثْنى …

67

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُوا۟ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ

It is He who made for you the night to rest therein and the day, giving sight. Indeed in that are signs for a people who listen.

﴿هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ﴾ [يونس: ٦٦] وجُمْلَةِ ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٦٨] ولَدًا جاءَتْ مَجِيءَ الِاسْتِدْلالِ عَلى فَسادِ ظَنِّهِمْ وخَرْصِهِمْ بِشَواهِدِ خَلْقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ المُشاهَدِ في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ العُمْرِ مَرَّتَيْنِ وهم في غَفْلَةٍ عَنْ دَلالَتِهِ، وهو خَلْقُ نِظامِ النَّهارِ واللَّيْلِ.

وكَيْفَ كانَ النَّهارُ وقْتًا يَنْتَشِرُ فِيهِ النُّورُ فَيُناسِبُ المُشاهَدَةَ لِاحْتِياجِ النّاسِ في حَرَكاتِ أعْمالِهِمْ إلى إحْساسِ البَصَرِ الَّذِي بِهِ تَتَبَيَّنُ ذَواتُ الأشْياءِ وأحْوالُها لِتَناوُلِ الصّالِحِ مِنها في العَمَلِ ونَبْذِ غَيْرِ الصّالِحِ لِلْعَمَلِ.

وكَيْفَ كانَ اللَّيْلُ وقْتًا تَغْشاهُ الظُّلْمَةُ فَكانَ مُناسِبًا لِلسُّكُونِ لِاحْتِياجِ النّاسِ فِيهِ إلى الرّاحَةِ مِن تَعَبِ الأعْمالِ الَّتِي كَدَحُوا لَها في النَّهارِ. فَكانَتِ الظُّلْمَةُ باعِثَةً النّاسَ عَلى الرّاحَةِ ومُحَدِّدَةً لَهم إبّانَها بِحَيْثُ يَسْتَوِي في ذَلِكَ الفَطِنُ والغافِلُ.

صفحة ٢٢٧

ولَمّا قابَلَ السُّكُونَ في جانِبِ اللَّيْلِ بِالإبْصارِ في جانِبِ النَّهارِ، واللَّيْلُ والنَّهارُ ضِدّانِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ عِلَّةَ السُّكُونِ عَدَمُ الإبْصارِ وأنَّ الإبْصارَ يَقْتَضِي الحَرَكَةَ فَكانَ في الكَلامِ احْتِباكٌ.

ووَصْفُ النَّهارِ بِمُبْصِرٍ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الإبْصارِ فِيهِ حَتّى جَعَلَ النَّهارَ هو المُبْصِرَ. والمُرادُ: مُبْصِرًا فِيهِ النّاسُ.

ومِن لَطائِفِ المُناسَبَةِ أنَّ النُّورَ الَّذِي هو كَيْفِيَّةُ زَمَنِ النَّهارِ شَيْءٌ وُجُودِيٌّ فَكانَ زَمانُهُ حَقِيقًا بِأنْ يُوصَفَ بِأوْصافِ العُقَلاءِ، بِخِلافِ اللَّيْلِ فَإنَّ ظُلْمَتَهُ عَدَمِيَّةٌ فاقْتَصَرَ في العِبْرَةِ بِهِ عَلى ذِكْرِ الفائِدَةِ الحاصِلَةِ فِيهِ وهي أنْ يَسْكُنُوا فِيهِ.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ القَصْرِ وهو تَعْرِيفُ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ. وهو هُنا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ ولَيْسَ إضافِيًّا كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الكاتِبِينَ إذْ جَعَلَهُ قَصْرَ تَعْيِينٍ، وهم مُعْتَرِفُونَ بِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَ هَذا الِاسْتِدْلالِ، فالمَقْصُودُ الِاسْتِدْلالُ عَلى انْفِرادِهِ - تَعالى - بِخَصائِصِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مِنها الخَلْقُ والتَّقْدِيرُ، وأنَّ آلِهَتَهُمُ انْتَفَتْ عَنْها خَصائِصُ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ حَصَلَ مَعَ الِاسْتِدْلالِ امْتِنانٌ عَلى النّاسِ بِجَعْلِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى هَذا النِّظامِ. وهَذا الِامْتِنانُ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾، ومِن تَعْلِيلِ خَلْقِ اللَّيْلِ بِعِلَّةِ سُكُونِ النّاسِ فِيهِ، وخَلْقِ النَّهارِ بِعِلَّةِ إبْصارِ النّاسِ، وكُلُّ النّاسِ يَعْلَمُونَ ما في سُكُونِ اللَّيْلِ مِن نِعْمَةٍ وما في إبْصارِهِمْ بِالنَّهارِ مِن نِعْمَةٍ كَذَلِكَ، فَإنَّ في العَمَلِ بِالنَّهارِ نِعَمًا جَمَّةً مِن تَحْصِيلِ رَغَباتٍ، ومُشاهَدَةِ مَحْبُوباتٍ، وتَحْصِيلِ أمْوالٍ وأقْواتٍ، وأنَّ في السُّكُونِ بِاللَّيْلِ نِعَمًا جَمَّةً مِنِ اسْتِجْمامِ القُوى المَنهُوكَةِ والإخْلادِ إلى مُحادَثَةِ الأهْلِ والأوْلادِ، عَلى أنَّ في اخْتِلافِ الأحْوالِ، ما يَدْفَعُ عَنِ المَرْءِ المَلالَ.

وفِي إدْماجِ الِاسْتِدْلالِ بِالِامْتِنانِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ جَمَعُوا وصْمَتَيْنِ هُما: وصْمَةُ مُخالَفَةِ الحَقِّ، ووَصْمَةُ كُفْرانِ النِّعْمَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ …

68

قَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًۭا ۗ سُبْحَٰنَهُۥ ۖ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ۖ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَٰنٍۭ بِهَٰذَآ ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

They have said, "Allah has taken a son." Exalted is He; He is the [one] Free of need. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. You have no authority for this [claim]. Do you say about Allah that which you do not know?

صفحة ٢٢٩

﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

بَيانٌ لِجُمْلَةِ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلى آخِرِها، وفي هَذا البَيانِ إدْماجٌ بِحِكايَةِ فَنٍّ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ مُغايِرٌ لِادِّعاءِ شُرَكاءَ لِلَّهِ؛ لِأنَّ هَذا كُفْرٌ خَفِّيٌّ مِن دِينِهِمْ، ولِأنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى إبْطالِهِ مُغايِرٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إبْطالِ الشُّرَكاءِ.

فَضَمِيرُ ”قالُوا“ عائِدٌ إلى الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ أيْ قالَ المُشْرِكُونَ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا. ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الضَّمِيرِ غَيْرَهم مِنَ النَّصارى لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والقُرْآنُ المَكِّيُّ لَمْ يَتَصَدَّ لِإبْطالِ زَيْغِ عَقائِدِ أهْلِ الكِتابِ، ذَلِكَ أنَّ كَثِيرًا مِنهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ لِلَّهِ بَناتٍ هُمُ المَلائِكَةُ، وهم بَناتُهُ مِن سَرَواتِ نِساءِ الجِنِّ، ولِذَلِكَ عَبَدَتْ فِرَقٌ مِنَ العَرَبِ الجِنَّ قالَ - تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١]

والِاتِّخاذُ: جَعْلُ شَيْءٍ لِفائِدَةِ الجاعِلِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأخْذِ لِأنَّ المُتَّخِذَ يَأْخُذُ الشَّيْءَ الَّذِي يَصْطَفِيهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤]، في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، في الأعْرافِ، فالِاتِّخاذُ يَصْدُقُ عَلى أخْذِ شَيْءٍ مَوْجُودٍ لِلِاسْتِئْثارِ بِهِ، ويَصْدُقُ عَلى تَكْوِينِ شَيْءٍ لِلِانْتِفاعِ بِهِ. وهو هَنا صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ لِأنَّ مِنهم مَن يَعْتَقِدُ تَوَلُّدَ الوَلَدِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهم مَن يَعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ تَبَنّى بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ.

والوَلَدُ: اسْمٌ مَصُوغٌ عَلى وزْنِ فَعَلَ مِثْلَ عَمَدَ وعَرَبَ. وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الوِلادَةِ، أيِ النِّتاجِ. يُقالُ: ولَدَتِ المَرْأةُ والنّاقَةُ، ولَعَلَّ أصْلَ الوَلَدِ مَصْدَرٌ

صفحة ٢٣٠

مُماتٌ عَلى وزْنِ فَعَلٍ مِثْلَ الفَرَحِ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كَما يُوصَفُ بِالمَصْدَرِ. يُقالُ: هَؤُلاءِ ولَدُ فُلانٍ. وفي الحَدِيثِ «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ» والمُرادُ هُنا الجَمْعُ لِأنَّهم قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ اسْتَوْلَدَها مِن سَرَواتِ الجِنِّ قالَ - تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧]

وجُمْلَةُ سُبْحانِهِ إنْشاءُ تَنْزِيهٍ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فالجُمْلَةُ جَوابٌ لِذَلِكَ المَقالِ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. وهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِـ ”سَبَّحَ“ إذا نَزَّهَ، نائِبٌ عَنِ الفِعْلِ، أيْ نُسَبِّحُهُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البقرة: ٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ تَنْزِيهًا لِلَّهِ عَنْ هَذا لِأنَّ ما قالُوهُ يَسْتَلْزِمُ تَنْقِيصَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ بُيِّنَتْ جُمْلَةُ التَّنْزِيهِ بِجُمْلَةِ ”﴿هُوَ الغَنِيُّ﴾“ بَيانًا لِوَجْهِ التَّنْزِيهِ، أيْ هو الغَنِيُّ عَنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ تَقْتَضِي الغِنى المُطْلَقَ عَنْ كُلِّ احْتِياجٍ إلى مُكَمِّلِ نَقْصٍ في الذّاتِ أوِ الأفْعالِ، واتِّخاذُ الوَلَدِ إمّا أنْ يَنْشَأ عَنِ انْدِفاعٍ طَبِيعِيٍّ لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ عَنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّوْلِيدِ …

69

قُلْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ

Say, "Indeed, those who invent falsehood about Allah will not succeed."

﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ افْتُتِحَ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَقُولَ لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ إلى وعْيِ ما يَرِدُ بَعْدَ الأمْرِ بِالقَوْلِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُهِمٌّ بِحَيْثُ يُطْلَبُ تَبْلِيغُهُ، وذَلِكَ أنَّ المَقُولَ قَضِيَّةٌ عامَّةٌ يَحْصُلُ مِنها وعِيدٌ لِلَّذِينَ قالُوا:﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [يونس: ٦٨]، عَلى مَقالَتِهِمْ تِلْكَ، وعَلى أمْثالِها كَقَوْلِهِمْ ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] وقَوْلِهِمْ: ما كانَ لِآلِهَتِهِمْ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ يَصِلُ إلى آلِهَتِهِمْ، وقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]

صفحة ٢٣٣

وأمْثالِ ذَلِكَ. فَذَلِكَ كُلُّهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَهُ عَلى أنَّهُ دِينٌ، وماهِيَّةُ الدِّينِ أنَّهُ وضْعٌ إلَهِيٌّ فَهو مَنسُوبٌ إلَيْهِ، ويَحْصُلُ مِن تِلْكَ القَضِيَّةِ وعِيدٌ لِأمْثالِ المُشْرِكِينَ مِن كُلِّ مَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، فالمَقُولُ لَهُمُ ابْتِداءً هُمُ المُشْرِكُونَ.

والفَلاحُ: حُصُولُ ما قَصَدَهُ العامِلُ مِن عَمَلِهِ بِدُونِ انْتِقاضٍ ولا عاقِبَةِ سُوءٍ. وتَقَدَّمَ في طالِعِ سُورَةِ البَقَرَةِ. فَنَفْيُ الفَلاحِ هُنا نَفْيٌ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِمْ مِنَ الكَذِبِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وجُمْلَةُ ”مَتاعٌ في الدُّنْيا“ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ القَضاءَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الفَلاحِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أنْ يَسْألَ سائِلٌ كَيْفَ نَراهم في عِزَّةٍ وقُدْرَةٍ عَلى أذى المُسْلِمِينَ وصَدِّ النّاسِ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ فَيُجابُ السّائِلُ بِأنَّ ذَلِكَ تَمْتِيعٌ في الدُّنْيا لا يُعْبَأُ بِهِ، وإنَّما عَدَمُ الفَلاحِ مَظْهَرُهُ الآخِرَةُ، فَـ ”مَتاعٌ“ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يُعْلَمُ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، أيْ أمْرُهم مَتاعٌ.

والمَتاعُ: المَنفَعَةُ القَلِيلَةُ في الدُّنْيا إذْ يُقِيمُونَ بِكَذِبِهِمْ سِيادَتَهم وعِزَّتَهم بَيْنَ قَوْمِهِمْ ثُمَّ يَزُولُ ذَلِكَ.

ومادَّةُ ”مَتاعٌ“ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهُ غَيْرُ دائِمٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في أوائِلِ سُورَةِ الأعْرافِ.

وتَنْكِيرُهُ مُؤْذِنٌ بِتَقْلِيلِهِ، وتَقْيِيدُهُ بِأنَّهُ في الدُّنْيا مُؤَكِّدٌ لِلزَّوالِ ولِلتَّقْلِيلِ، و”ثُمَّ“ مِن قَوْلِهِ: ”﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ مَضْمُونَهُ هو مَحَقَّةُ أنَّهم لا يُفْلِحُونَ فَهو أهَمُّ مَرْتَبَةً مِن مَضْمُونِ لا يُفْلِحُونَ.

والمَرْجِعُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الرُّجُوعِ. ومَعْنى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ الرُّجُوعُ إلى وقْتِ نَفاذِ حُكْمِهِ المُباشِرِ فِيهِمْ.

وتَقْدِيمُ ”إلَيْنا“ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو المَرْجِعُ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّذْكِيرِ بِهِ واسْتِحْضارِهِ كَقَوْلِهِ: ”﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]“ إلى قَوْلِهِ: ”﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ [النور: ٣٩]“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَرْجِعُ كِنايَةً عَنِ المَوْتِ.

صفحة ٢٣٤

وجُمْلَةُ ”﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ﴾“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم“

وحَرْفُ ثُمَّ هَذا مُؤَكِّدٌ لِنَظِيرِهِ الَّذِي في الجُمْلَةِ المُبَيَّنَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَرْجِعِ الحُصُولُ في نَفاذِ حُكْمِ …

70

مَتَٰعٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلْعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

[For them is brief] enjoyment in this world; then to Us is their return; then We will make them taste the severe punishment because they used to disbelieve

﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ افْتُتِحَ بِأمْرِ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَقُولَ لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ إلى وعْيِ ما يَرِدُ بَعْدَ الأمْرِ بِالقَوْلِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُهِمٌّ بِحَيْثُ يُطْلَبُ تَبْلِيغُهُ، وذَلِكَ أنَّ المَقُولَ قَضِيَّةٌ عامَّةٌ يَحْصُلُ مِنها وعِيدٌ لِلَّذِينَ قالُوا:﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [يونس: ٦٨]، عَلى مَقالَتِهِمْ تِلْكَ، وعَلى أمْثالِها كَقَوْلِهِمْ ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩] وقَوْلِهِمْ: ما كانَ لِآلِهَتِهِمْ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ لا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ يَصِلُ إلى آلِهَتِهِمْ، وقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]

صفحة ٢٣٣

وأمْثالِ ذَلِكَ. فَذَلِكَ كُلُّهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَهُ عَلى أنَّهُ دِينٌ، وماهِيَّةُ الدِّينِ أنَّهُ وضْعٌ إلَهِيٌّ فَهو مَنسُوبٌ إلَيْهِ، ويَحْصُلُ مِن تِلْكَ القَضِيَّةِ وعِيدٌ لِأمْثالِ المُشْرِكِينَ مِن كُلِّ مَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، فالمَقُولُ لَهُمُ ابْتِداءً هُمُ المُشْرِكُونَ.

والفَلاحُ: حُصُولُ ما قَصَدَهُ العامِلُ مِن عَمَلِهِ بِدُونِ انْتِقاضٍ ولا عاقِبَةِ سُوءٍ. وتَقَدَّمَ في طالِعِ سُورَةِ البَقَرَةِ. فَنَفْيُ الفَلاحِ هُنا نَفْيٌ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِمْ مِنَ الكَذِبِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وجُمْلَةُ ”مَتاعٌ في الدُّنْيا“ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ القَضاءَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الفَلاحِ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أنْ يَسْألَ سائِلٌ كَيْفَ نَراهم في عِزَّةٍ وقُدْرَةٍ عَلى أذى المُسْلِمِينَ وصَدِّ النّاسِ عَنِ اتِّباعِ الرَّسُولِ ﷺ فَيُجابُ السّائِلُ بِأنَّ ذَلِكَ تَمْتِيعٌ في الدُّنْيا لا يُعْبَأُ بِهِ، وإنَّما عَدَمُ الفَلاحِ مَظْهَرُهُ الآخِرَةُ، فَـ ”مَتاعٌ“ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يُعْلَمُ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، أيْ أمْرُهم مَتاعٌ.

والمَتاعُ: المَنفَعَةُ القَلِيلَةُ في الدُّنْيا إذْ يُقِيمُونَ بِكَذِبِهِمْ سِيادَتَهم وعِزَّتَهم بَيْنَ قَوْمِهِمْ ثُمَّ يَزُولُ ذَلِكَ.

ومادَّةُ ”مَتاعٌ“ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهُ غَيْرُ دائِمٍ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في أوائِلِ سُورَةِ الأعْرافِ.

وتَنْكِيرُهُ مُؤْذِنٌ بِتَقْلِيلِهِ، وتَقْيِيدُهُ بِأنَّهُ في الدُّنْيا مُؤَكِّدٌ لِلزَّوالِ ولِلتَّقْلِيلِ، و”ثُمَّ“ مِن قَوْلِهِ: ”﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ مَضْمُونَهُ هو مَحَقَّةُ أنَّهم لا يُفْلِحُونَ فَهو أهَمُّ مَرْتَبَةً مِن مَضْمُونِ لا يُفْلِحُونَ.

والمَرْجِعُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الرُّجُوعِ. ومَعْنى الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ الرُّجُوعُ إلى وقْتِ نَفاذِ حُكْمِهِ المُباشِرِ فِيهِمْ.

وتَقْدِيمُ ”إلَيْنا“ عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو المَرْجِعُ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّذْكِيرِ بِهِ واسْتِحْضارِهِ كَقَوْلِهِ: ”﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]“ إلى قَوْلِهِ: ”﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ [النور: ٣٩]“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَرْجِعُ كِنايَةً عَنِ المَوْتِ.

صفحة ٢٣٤

وجُمْلَةُ ”﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العَذابَ الشَّدِيدَ﴾“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُهم“

وحَرْفُ ثُمَّ هَذا مُؤَكِّدٌ لِنَظِيرِهِ الَّذِي في الجُمْلَةِ المُبَيَّنَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَرْجِعِ الحُصُولُ في نَفاذِ حُكْمِ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.