أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ
Then is it that when it has [actually] occurred you will believe in it? Now? And you were [once] for it impatient
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾
هَذا جَوابٌ ثانٍ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهم مِنَ الوَعْدِ بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ إذا حَقَّ الوَعْدُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ، كَما حُكِيَ عَنْهم في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وهَذا الجَوابُ إبْداءٌ لِخَلَلِ كَلامِهِمْ واضْطِرابِ اسْتِهْزائِهِمْ، وقَعَ هَذا الأمْرُ بِأنْ يُجِيبَهم هَذا الجَوابَ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِأنْ يُجِيبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩]، وهَذا الجَوابُ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ بَعْدَ أنْ يُجابَ المُخْطِئُ بِالإبْطالِ. وحاصِلُ هَذا الجَوابِ إنْ قُدِّرَ حُصُولُ ما سَألْتُمْ تَعْيِينَ وقْتِهِ ونُزُولَ كِسَفٍ مِنَ السَّماءِ بِكم أوْ نَحْوَهُ ماذا يَحْصُلُ مِن فائِدَةٍ لَكم في طَلَبِ تَعْجِيلِ حُصُولِهِ إذْ لا تَخْلُونَ عَنْ أنْ تَكُونُوا تَزْعُمُونَ أنَّكم تُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ فَذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ العَذابَ يُعاجِلُكم بِالهَلاكِ فَلا يَحْصُلُ إيمانُكم. وهَذا كَما قالَ بَعْضُ الواعِظِينَ: نَحْنُ نُرِيدُ أنْ لا نَمُوتَ حَتّى نَتُوبَ ونَحْنُ لا نَتُوبُ حَتّى نَمُوتَ.
ووَقَعَ في خِلالِ هَذا الجَوابِ تَفَنُّنٌ في تَخْيِيلِ التَّهْوِيلِ لِهَذا العَذابِ المَوْعُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ تَخْيِيلًا يُناسِبُ تَحَقُّقَ وُقُوعِهِ فَإنَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لا يَخْلُو
صفحة ١٩٢
حُلُولُ الحَوادِثِ عَنْ أحَدِهِما، عَلى أنَّهُ تَرْدِيدٌ لِمَعْنى العَذابِ العاجِلِ تَعْجِيلًا قَرِيبًا أوْ أقَلَّ قُرْبًا، أيْ أتاكم في لَيْلِ هَذا اليَوْمِ الَّذِي سَألْتُمُوهُ أوْ في صَبِيحَتِهِ، عَلى أنَّ في ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ تَخْيِيلًا ما لِصُورَةِ وُقُوعِ العَذابِ اسْتِحْضارًا لَهُ لَدَيْهِمْ عَلى وجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ تَذْكِيرُهُمُ انْتِهازًا لِفُرْصَةِ المَوْعِظَةِ، كالتَّذْكِيرِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]
والبَياتُ: اسْمُ مَصْدَرِ التَّبْيِيتِ لَيْلًا كالسَّلامِ لِلتَّسْلِيمِ. وذَلِكَ مُباغَتَةً. وانْتَصَبَ ”بَياتًا“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ وقْتَ بَياتٍ.
وجَوابُ شَرْطِ ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ الَّذِي هو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ”أرَأيْتُمْ“ إذْ عَلَّقَهُ عَنِ العَمَلِ الِاسْتِفْهامُ بِماذا
وماذا كَلِمَتانِ هُما ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ و”ذا“ . أصْلُهُ إشارَةٌ مُشارٌ بِهِ إلى مَأْخُوذٍ مِنَ الكَلامِ الواقِعِ بَعْدَهُ. واسْتُعْمِلَ ”ذا“ مَعَ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ في مَعْنى الَّذِي لِأنَّهم يُراعُونَ لَفْظَ الَّذِي مَحْذُوفًا. وقَدْ يَظْهَرُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وهَذا الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وفي التَّعْجِيبِ مِن تَعَجُّلِهِمُ العَذابَ بِنِيَّةِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِهِ.
و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ. والمَعْنى ما الَّذِي يَسْتَعْجِلُهُ المُجْرِمُونَ مِنَ العَذابِ، أيْ لا شَيْءَ مِنَ العَذابِ بِصالِحٍ لِاسْتِعْجالِهِمْ إيّاهُ …