Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 51–60 of 109

51

أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ

Then is it that when it has [actually] occurred you will believe in it? Now? And you were [once] for it impatient

﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ إنْكارٌ لِإيمانِهِمْ بِنُزُولِ العَذابِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حَقِيقَةً، داخِلٌ مَعَ ما قَبْلَهُ مِن إنْكارِ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ بَعْدَ إتْيانِهِ حُكْمًا تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، أيْ: أبَعْدَ ما وقَعَ العَذابُ وحَلَّ بِكم حَقِيقَةً آمَنتُمْ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ؛ إنْكارًا لِتَأْخِيرِهِ إلى هَذا الحَدِّ، وإيذانًا بِاسْتِتْباعِهِ لِلنَّدَمِ والحَسْرَةِ لِيُقْلِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العِنادِ، ويَتَوَجَّهُوا نَحْوَ التَّدارُكِ قَبْلَ فَوْتِ الوَقْتِ، فَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْقَصْرِ، وقِيلَ: (ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(أرَأيْتُمْ) وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَنْدَمُوا عَلى الِاسْتِعْجالِ، أوْ تَعْرِفُوا خَطَأهُ، والشَّرْطِيَّةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الِاسْتِخْبارِ.

وَقِيلَ: الجَوابُ قَوْلُهُ تَعالى: "أثُمَّ إذا ما وقَعَ" ... إلَخْ، والِاسْتِفْهامِيَّةُ الأُولى اعْتِراضٌ، والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ آمَنتُمْ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ حِينَ لا يَنْفَعُكُمُ الإيمانُ، ثُمَّ جِيءَ بِكَلِمَةِ التَّراخِي دَلالَةً عَلى الِاسْتِبْعادِ، ثُمَّ زِيدَ أداةُ الشَّرْطِ دَلالَةً عَلى اسْتِقْلالِهِ بِالِاسْتِبْعادِ، عَلى أنَّ الأوَّلَ كالتَّمْهِيدِ لَهُ، وجِيءَ بِـ(إذا) مُؤَكَّدًا بِـ(ما) تَرْشِيحًا لِمَعْنى الوُقُوعِ وزِيادَةً لِلتَّجْهِيلِ، وأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا إلّا بَعْدَ أنْ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الإيمانُ البَتَّةَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آلْآنَ﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المُلَقَّنِ، مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما سَبَقَ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ قِيلَ لَهم عِنْدَ إيمانِهِمْ بَعْدَ وُقُوعِ العَذابِ: آلْآنَ آمَنتُمْ بِهِ إنْكارًا لِلتَّأْخِيرِ وتَوْبِيخًا عَلَيْهِ بِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ سَبْقِ الإنْذارِ بِهِ، ولا لِلتَّأمُّلِ والتَّدَبُّرِ في شَأْنِهِ ولا لِشَيْءٍ آخَرَ - مِمّا عَسى يُعَدُّ عُذْرًا في التَّأْخِيرِ - بَلْ كانَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِعْجالِ بِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ، وقُرِئَ (آلّانَ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً جُمْلَةٌ وقَعَتْ حالًا مِن فاعِلِ (آمَنتُمْ) المُقَدَّرِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وزِيادَةِ التَّنْدِيمِ والتَّحْسِيرِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ دُونَ القَصْرِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

52

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ

Then it will be said to those who had wronged, "Taste the punishment of eternity; are you being recompensed except for what you used to earn?"

﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ ... إلَخْ، تَأْكِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ بِوَعِيدِ العَذابِ والعِقابِ، وهو عَطْفٌ عَلى ما قُدِّرَ قَبْلَ "آلْآنَ" ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: وضَعُوا الكُفْرَ والتَّكْذِيبَ مَوْضِعَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ والهَلاكِ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِإصابَةِ ما أصابَهم ﴿ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ المُؤْلِمَ عَلى الدَّوامِ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ اليَوْمَ ﴿إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الدُّنْيا مِن أصْنافِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما مَرَّ مِنَ الِاسْتِعْجالِ.

53

۞ وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

And they ask information of you, [O Muhammad], "Is it true?" Say, "Yes, by my Lord. Indeed, it is truth; and you will not cause failure [to Allah]."

﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ أيْ: يَسْتَخْبِرُونَكَ، فَيَقُولُونَ: عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ أوِ الإنْكارِ ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ أحَقٌّ خَبَرٌ قُدِّمَ عَلى المُبْتَدَإ الَّذِي هو الضَّمِيرُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أوْ مُبْتَدَأٌ، والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ النَّصْبِ بِـ(يَسْتَنْبِئُونَكَ) وقُرِئَ (أحَقَّ هُوَ) تَعْرِيضًا بِأنَّهُ باطِلٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أهُوَ الحَقُّ لا الباطِلُ، أوْ أهُوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ.

قُلْ لَهم غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى اسْتِهْزائِهِمْ مُغْضِيًا عَمّا قَصَدُوا، وبانِيًا لِلْأمْرِ عَلى أساسِ الحِكْمَةِ ﴿إي ورَبِّي﴾ "إي" مِن حُرُوفِ الإيجابِ بِمَعْنى (نَعَمْ) في القَسَمِ خاصَّةً، كَما أنَّ "هَلْ" بِمَعْنى قَدْ في الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً، ولِذَلِكَ يُوصَلُ بِواوِهِ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ: العَذابُ المَوْعُودُ ﴿لَحَقٌّ﴾ لَثابِتٌ البَتَّةَ، أُكِّدَ الجَوابُ بِأتَمِّ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ حَسَبَ شِدَّةِ إنْكارِهِمْ وقُوَّتِهِ، وقَدْ زِيدَ تَقْرِيرًا وتَحْقِيقًا بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِفائِتِينَ العَذابَ بِالهَرَبِ، وهو لاحِقٌ بِكم لا مَحالَةَ، وهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ، أوْ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنِ الخَلاصِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّقْرِيرِ المَذْكُورِ.

54

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍۢ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And if each soul that wronged had everything on earth, it would offer it in ransom. And they will confide regret when they see the punishment; and they will be judged in justice, and they will not be wronged

﴿وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ بِالشَّرَكِ، أوِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أصْنافِ الظُّلْمِ - ولَوْ مَرَّةً حَسْبَما يُفِيدُهُ كَوْنُ الصِّفَةِ فِعْلًا - ﴿ما في الأرْضِ﴾ أيْ: ما في الدُّنْيا مِن خَزائِنِها وأمْوالِها ومَنافِعِها قاطِبَةً بِما كَثُرَتْ ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ: لَجَعَلَتْهُ فَدِيَةً لَها مِنَ العَذابِ، مِنِ افْتَداهُ بِمَعْنى فَداهُ ﴿وَأسَرُّوا﴾ أيِ: النُّفُوسُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الجَمْعِ مَعَ تَحَقُّقِ العُمُومِ في صُورَةِ الإفْرادِ - أيْضًا - لِإفادَةِ تَهْوِيلِ الخَطْبِ بِكَوْنِ الإسْرارِ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ والِاجْتِماعِ، وإنَّما لَمْ يُراعَ ذَلِكَ فِيما سَبَقَ لِتَحْقِيقِ ما يُتَوَخّى مِن فَرْضِ كَوْنِ جَمِيعِ ما في الأرْضِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ النُّفُوسِ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ المُذَكَّرِ لِحَمْلِ لَفْظِ النَّفْسِ عَلى الشَّخْصِ، أوْ لِتَغْلِيبِ ذُكُورِ مَدْلُولِهِ عَلى إناثِهِ ﴿النَّدامَةَ﴾ عَلى ما فَعَلُوا مِنَ الظُّلْمِ، أيْ: أخْفَوْها ولَمْ يُظْهِرُوها، لَكِنْ لا لِلِاصْطِبارِ والتَّجَلُّدِ هَيْهاتَ ولاتَ حِينَ اصْطِبارٍ، بَلْ لِأنَّهم بُهِتُوا ﴿لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ أيْ: عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ مِن فَظاعَةِ الحالِ وشِدَّةِ الأهْوالِ ما لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى أنْ يَنْطِقُوا بِشَيْءٍ، فَـ"لَمّا" بِمَعْنى: حِينَ، مَنصُوبٌ بِـ(أسَرُّوا)، أوْ حَرْفُ شَرْطٍ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: أسَرَّها رُؤَساؤُهم مِمَّنْ أضَلُّوهم حَياءً مِنهُمْ، وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ، ولَكِنَّ الأمْرَ أشَدُّ مِن أنْ يَعْتَرِيَهم هُناكَ شَيْءٌ غَيْرُ خَوْفِ العَذابِ، وقِيلَ: أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها؛ لِأنَّ إسْرارَها إخْلاصُها، أوْ لِأنَّ سِرَّ الشَّيْءِ خالِصَتُهُ حَيْثُ تُخْفي ويُضَنُّ بِها فَفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ، وقِيلَ: أظْهَرُوا النَّدامَةَ مِن قَوْلِهِمْ: أسَرَّ الشَّيْءَ وأشَرَّهُ إذا أظْهَرَهُ حِينَ عِيلَ صَبْرُهُ وفي تَجَلُّدِهِ.

﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: أُوقِعَ القَضاءُ بَيْنَ الظّالِمِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ مِن أصْنافِ أهْلِ الظُّلْمِ بِأنْ أُظْهِرَ الحَقُّ، سَواءٌ كانَ مِن حُقُوقِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أوْ مِن حُقُوقِ العِبادِ مِنَ الباطِلِ، وعُومِلَ أهْلُ كُلٍّ مِنهُما بِما يَلِيقُ بِهِ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ، وتَخْصِيصُ الظُّلْمِ بِالتَّعَدِّي وحَمْلُ القَضاءِ عَلى مُجَرَّدِ الحُكُومَةِ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ مِن غَيْرِ أنْ يُتَعَرَّضَ لِحالِ المُشْرِكِينَ - وهم أظْلَمُ الظّالِمِينَ - لا يُساعِدُهُ المَقامُ؛ فَإنَّ مُقْتَضاهُ إمّا كَوْنُ الظُّلْمِ عِبارَةً عَنِ الشِّرْكِ، أوْ عَمّا يَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿وَهُمْ﴾ أيِ: الظّالِمُونَ ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ فِيما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، بَلْ هو مِن مُقْتَضَياتِ ظُلْمِهِمْ ولَوازِمِهِ الضَّرُورِيَّةِ.

55

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

Unquestionably, to Allah belongs whatever is in the heavens and the earth. Unquestionably, the promise of Allah is truth, but most of them do not know

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: ما وُجِدَ فِيهِما داخِلًا في حَقِيقَتِهِما أوْ خارِجًا عَنْهُما مُتَمَكِّنًا فِيهِما، وكَلِمَةُ "ما" لِتَغْلِيبِ غَيْرِ العُقَلاءِ عَلى العُقَلاءِ، فَهو تَقْرِيرٌ لِكَمالِ قدرته سُبْحانَهُ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ، وبَيانٌ لِانْدِراجِ الكُلِّ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما يَشاءُ إيجادًا وإعْدامًا، وإثابَةً وعِقابًا ﴿ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ إظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِ الوَعْدِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وهو إمّا بِمَعْنى المَوْعُودِ، أيْ: جَمِيعِ ما وُعِدَ بِهِ كائِنًا ما كانَ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ العَذابُ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ - وما ذُكِرَ في أثْناءِ بَيانِ حالِهِ - انْدِراجًا أوَّلِيًّا، أوْ بِمَعْناهُ المَصْدَرِيِّ، أيْ: وعْدَهُ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: " أحَقّ " عَلى الأوَّلِ: ثابِتٌ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وعَلى الثّانِي: مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَتَيْنِ بِحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ لِلتَّسْجِيلِ عَلى مَضْمُونِهِما المُقَرِّرِ لِمَضْمُونِ ما سَلَفَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ، والتَّنْبِيهِ عَلى وُجُوبِ اسْتِحْضارِهِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ، واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ عَلَيْهِمْ، والفَهْمِ بِالأحْوالِ المَحْسُوسَةِ المُعْتادَةِ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ ما يَقُولُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ.

56

هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

He gives life and causes death, and to Him you will be returned

﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ في الدُّنْيا مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخِرَةِ بِالبَعْثِ والحَشْرِ.

57

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ

O mankind, there has to come to you instruction from your Lord and healing for what is in the breasts and guidance and mercy for the believers.

﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ التِفاتٌ ورُجُوعٌ إلى اسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الحَقِّ، واسْتِنْزالِهِمْ إلى قَبُولِهِ واتِّباعِهِ، غِبَّ تَحْذِيرِهِمْ مِن غَوائِلِ الضَّلالِ بِما تُلِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَوارِعِ النّاعِيَةِ عَلَيْهِمْ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَسُوقٌ لِمَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ﴾ هي والوَعْظُ والعِظَةُ التَّذْكِيرُ بِالعَواقِبِ، سَواءٌ كانَ بِالزَّجْرِ والتَّرْهِيبِ أوْ بِالِاسْتِمالَةِ والتَّرْغِيبِ، وكَلِمَةُ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(جاءَتْكُمْ) أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(مَوْعِظَةٌ) أيْ: مَوْعِظَةٌ كائِنَةٌ مِن مَواعِظِ رَبِّكُمْ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مِن حُسْنِ المَوْقِعِ ما لا يَخْفى.

﴿وَشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: كِتابٌ جامِعٌ لِهَذِهِ الفَوائِدِ والمَنافِعِ، فَإنَّهُ كاشِفٌ عَنْ أحْوالِ الأعْمالِ حَسَناتِها وسَيِّئاتِها، مُرَغِّبٌ في الأُولى ورادِعٌ عَنِ الأُخْرى، ومُبَيِّنٌ لِلْمَعارِفِ الحَقَّةِ الَّتِي هي شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ مَنِ الأدْواءِ القَلْبِيَّةِ، كالجَهْلِ، والشَّكِّ، والشِّرْكِ، والنِّفاقِ، وغَيْرِها مِنَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، وهادٍ إلى طَرِيقِ الحَقِّ واليَقِينِ بِالإرْشادِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، وفي مَجِيئِهِ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، حَيْثُ نَجَوْا بِهِ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والضَّلالِ إلى نُورِ الإيمانِ، وتَخَلَّصُوا مِن دَرَكاتِ النِّيرانِ، وارْتَقَوْا إلى دَرَجاتِ الجِنانِ، والتَّنْكِيرُ في الكُلِّ لِلتَّفْخِيمِ.

58

قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

Say, "In the bounty of Allah and in His mercy - in that let them rejoice; it is better than what they accumulate."

"قُلْ" تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَأْمُرَ النّاسَ بِأنْ يَغْتَنِمُوا ما في القرآن العَظِيمِ مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ المُرادُ بِهِما: إمّا ما في مَجِيءِ القرآن مِنَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، وإمّا الجِنْسُ، وهُما داخِلانِ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وأصْلُ الكَلامِ: لِيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ، وتَكْرِيرُ الباءِ في رَحْمَتِهِ لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِها في اسْتِيجابِ الفَرَحِ، ثُمَّ قُدِّمَ الجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ الفاءُ لِإفادَةِ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ، فَصارَ: بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا، ثُمَّ قِيلَ: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ لِلتَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، ثُمَّ حُذِفَ الفِعْلُ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ، والفاءُ الأُولى جَزائِيَّةٌ، والثّانِيَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى السَّبَبِيَّةِ، والأصْلُ: إنْ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَبِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا لا بِشَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ أُدْخِلَ الفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى السَّبَبِيَّةِ، ثُمَّ حُذِفَ الشَّرْطُ، ومَعْنى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ دَرَجَةِ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ: فَلْيَعْتَنُوا فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءُ بِجاءَتْكُمْ، أيْ: جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ - أيْ: فَبِمَجِيئِها - فَلْيَفْرَحُوا، وقُرِئَ (فَلْتَفْرَحُوا)، وقَرَأ أُبَيٌّ: (فافْرَحُوا) وعَنِ ابْنِ كَعْبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ فَقالَ: بِكِتابِ اللَّهِ والإسْلامِ،» وقِيلَ: فَضْلُهُ الإسْلامُ ورَحْمَتُهُ ما وعَدَ عَلَيْهِ هو أيْ: ما ذُكِرَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا، وقُرِئَ (تَجْمَعُونَ) أيْ: فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحِ المُؤْمِنُونَ هو خَيْرٌ مِمّا تَجْمَعُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ.

59

قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًۭا وَحَلَٰلًۭا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ

Say, "Have you seen what Allah has sent down to you of provision of which you have made [some] lawful and [some] unlawful?" Say, "Has Allah permitted you [to do so], or do you invent [something] about Allah?"

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ ما مَنصُوبَةُ المَحَلِّ بِما بَعْدَها، أوْ بِما قَبْلَها، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرِّزْقِ ما حَلَّ لَهُمْ، وجَعْلُهُ مُنَزَّلًا لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ في السَّماءِ، مُحَصَّلٌ هو أوْ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودًا أوْ بَقاءً بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَطَرِ والكَواكِبِ في الإنْضاجِ والتَّلْوِينِ ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ﴾ أيْ: جَعَلْتُمْ بَعْضَهُ ﴿حَرامًا﴾ أيْ: حَكَمْتُمْ بِأنَّهُ حَرامٌ ﴿وَحَلالا﴾ أيْ: وجَعَلْتُمْ بَعْضَهُ حَلالًا، أيْ: حَكَمْتُمْ بِحِلِّهِ مَعَ كَوْنِ كُلِّهِ حَلالًا وذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ ... الآيَةَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ ونَحْوُ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ الحَرامِ لِظُهُورِ أثَرِ الجَعْلِ فِيهِ ودَوَرانِ التَّوْبِيخِ عَلَيْهِ.

﴿قُلْ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِالِاسْتِخْبارِ، أيْ: أخْبِرُونِي ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ﴾ في ذَلِكَ الجَعْلِ فَأنْتُمْ فِيهِ مُمْتَثِلُونَ بِأمْرِهِ تَعالى ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ "أمْ" مُتَّصِلَةٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ والتَّبْكِيتِ لِتَحَقُّقِ العِلْمِ بِالشِّقِّ الأخِيرِ قَطْعًا، كَأنَّهُ قِيلَ: أمْ لَمْ يَأْذَنْ لَكم بَلْ تَفْتَرُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَأُظْهِرَ الِاسْمُ الجَلِيلُ، وقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ دِلالَةً عَلى كَمالِ قُبْحِ افْتِرائِهِمْ، وتَأْكِيدًا لِلتَّبْكِيتِ إثْرَ تَأْكِيدٍ مَعَ مَراعاةِ الفَواصِلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، و"أمْ" مُنْقَطِعَةً، ومَعْنى بَلْ فِيها الإضْرابُ والِانْتِقالُ مِنَ التَّوْبِيخِ والزَّجْرِ بِإنْكارِ الإذْنِ إلى ما تُفِيدُهُ هَمْزَتُها مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانِهِ وتَقْرِيرِهِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْقَصْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ أعَلى اللَّهِ تَعالى خاصَّةً تَفْتَرُونَ؟!

60

وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ

And what will be the supposition of those who invent falsehood about Allah on the Day of Resurrection? Indeed, Allah is full of bounty to the people, but most of them are not grateful."

﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى لِبَيانِ هَوْلِ ما سَيَلْقَوْنَهُ، غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِقَطْعِ احْتِمالِ الشِّقِّ الأوَّلِ مِنَ التَّرْدِيدِ، والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالِافْتِراءِ، وزِيادَةُ الكَذِبِ - مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا - لِإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ ما افْتَعَلُوا وكَوْنِهِ كَذِبًا في اعْتِقادِهِمْ أيْضًا، وكَلِمَةُ "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ وقَعَتْ مُبْتَدَأً، وظَنَّ خَبَرُها، ومَفْعُولاهُ مَحْذُوفانِ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ظَرْفٌ لِنَفْسِ الظَّنِّ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ يَوْمِ عَرْضِ الأفْعالِ والأقْوالِ والمُجازاةِ عَلَيْها مِثْقالًا بِمِثْقالٍ، والمُرادُ: تَهْوِيلُهُ وتَفْظِيعُهُ بِهَوْلِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِمّا يُصْنَعُ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ ظَنُّهُمُ اليَوْمَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي سَتَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ تَنْزِيلًا لَهُ - ولِما فِيهِ مِنَ الأحْوالِ لِكَمالِ وُضُوحِ أمْرِهِ في التَّقَرُّرِ والتَّحَقُّقِ - مَنزِلَةَ المُسَلَّمِ عِنْدَهُمْ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم لِما سَيَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيَحْسَبُونَ أنَّهم لا يُسْألُونَ عَنِ افْتِرائِهِمْ، أوْ لا يُجازَوْنَ عَلَيْهِ، أوْ يُجازَوْنَ جَزاءً يَسِيرًا ولِأجْلِ ذَلِكَ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ؟ كَلّا إنَّهم لَفي أشَدِّ العَذابِ؛ لِأنَّ مَعْصِيَتَهم أشَدُّ المَعاصِي، ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وقُرِئَ عَلى لَفْظِ الماضِي، أيْ: ظَنُّوا يَوْمَ القِيامَةِ، وإيرادُ صِيغَةِ الماضِي؛ لِأنَّهُ كائِنٌ، فَكَأنَّهُ قَدْ كانَ.

﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ، لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ ﴿عَلى النّاسِ﴾ أيْ: جَمِيعًا، حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ المُمَيِّزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَسَنِ والقَبِيحِ، ورَحِمَهم بِإنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وبَيَّنَ لَهُمُ الأسْرارَ الَّتِي لا تَسْتَقِلُّ العُقُولُ في إدْراكِها، وأرْشَدَهم إلى ما يُهِمُّهم مِن أمْرِ المَعاشِ والمَعادِ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَلِيلَةَ فَلا يَصْرِفُونَ قُواهم ومَشاعِرَهم إلى ما خُلِقَتْ لَهُ، ولا يَتَّبِعُونَ دَلِيلَ العَقْلِ فِيما يَسْتَبِدُّ بِهِ، ولا دَلِيلَ الشَّرْعِ فِيما لا يُدْرَكُ إلّا بِهِ، وقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ ما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَلا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ فَيَقَعُونَ فِيما يَقَعُونَ، فَهو تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.