Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 51–60 of 109

51

أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓ ۚ ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَ

Then is it that when it has [actually] occurred you will believe in it? Now? And you were [once] for it impatient

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾

هَذا جَوابٌ ثانٍ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] بِاعْتِبارِ ما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهم مِنَ الوَعْدِ بِأنَّهم يُؤْمِنُونَ إذا حَقَّ الوَعْدُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ، كَما حُكِيَ عَنْهم في الآيَةِ الأُخْرى ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، وهَذا الجَوابُ إبْداءٌ لِخَلَلِ كَلامِهِمْ واضْطِرابِ اسْتِهْزائِهِمْ، وقَعَ هَذا الأمْرُ بِأنْ يُجِيبَهم هَذا الجَوابَ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِأنْ يُجِيبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٤٩]، وهَذا الجَوابُ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ بَعْدَ أنْ يُجابَ المُخْطِئُ بِالإبْطالِ. وحاصِلُ هَذا الجَوابِ إنْ قُدِّرَ حُصُولُ ما سَألْتُمْ تَعْيِينَ وقْتِهِ ونُزُولَ كِسَفٍ مِنَ السَّماءِ بِكم أوْ نَحْوَهُ ماذا يَحْصُلُ مِن فائِدَةٍ لَكم في طَلَبِ تَعْجِيلِ حُصُولِهِ إذْ لا تَخْلُونَ عَنْ أنْ تَكُونُوا تَزْعُمُونَ أنَّكم تُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ فَذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّ العَذابَ يُعاجِلُكم بِالهَلاكِ فَلا يَحْصُلُ إيمانُكم. وهَذا كَما قالَ بَعْضُ الواعِظِينَ: نَحْنُ نُرِيدُ أنْ لا نَمُوتَ حَتّى نَتُوبَ ونَحْنُ لا نَتُوبُ حَتّى نَمُوتَ.

ووَقَعَ في خِلالِ هَذا الجَوابِ تَفَنُّنٌ في تَخْيِيلِ التَّهْوِيلِ لِهَذا العَذابِ المَوْعُودِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ تَخْيِيلًا يُناسِبُ تَحَقُّقَ وُقُوعِهِ فَإنَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ لا يَخْلُو

صفحة ١٩٢

حُلُولُ الحَوادِثِ عَنْ أحَدِهِما، عَلى أنَّهُ تَرْدِيدٌ لِمَعْنى العَذابِ العاجِلِ تَعْجِيلًا قَرِيبًا أوْ أقَلَّ قُرْبًا، أيْ أتاكم في لَيْلِ هَذا اليَوْمِ الَّذِي سَألْتُمُوهُ أوْ في صَبِيحَتِهِ، عَلى أنَّ في ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ تَخْيِيلًا ما لِصُورَةِ وُقُوعِ العَذابِ اسْتِحْضارًا لَهُ لَدَيْهِمْ عَلى وجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ تَذْكِيرُهُمُ انْتِهازًا لِفُرْصَةِ المَوْعِظَةِ، كالتَّذْكِيرِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]

والبَياتُ: اسْمُ مَصْدَرِ التَّبْيِيتِ لَيْلًا كالسَّلامِ لِلتَّسْلِيمِ. وذَلِكَ مُباغَتَةً. وانْتَصَبَ ”بَياتًا“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ وقْتَ بَياتٍ.

وجَوابُ شَرْطِ ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ الَّذِي هو سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ”أرَأيْتُمْ“ إذْ عَلَّقَهُ عَنِ العَمَلِ الِاسْتِفْهامُ بِماذا

وماذا كَلِمَتانِ هُما ما الِاسْتِفْهامِيَّةُ و”ذا“ . أصْلُهُ إشارَةٌ مُشارٌ بِهِ إلى مَأْخُوذٍ مِنَ الكَلامِ الواقِعِ بَعْدَهُ. واسْتُعْمِلَ ”ذا“ مَعَ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ في مَعْنى الَّذِي لِأنَّهم يُراعُونَ لَفْظَ الَّذِي مَحْذُوفًا. وقَدْ يَظْهَرُ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وهَذا الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وفي التَّعْجِيبِ مِن تَعَجُّلِهِمُ العَذابَ بِنِيَّةِ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِهِ.

و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ. والمَعْنى ما الَّذِي يَسْتَعْجِلُهُ المُجْرِمُونَ مِنَ العَذابِ، أيْ لا شَيْءَ مِنَ العَذابِ بِصالِحٍ لِاسْتِعْجالِهِمْ إيّاهُ …

52

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ

Then it will be said to those who had wronged, "Taste the punishment of eternity; are you being recompensed except for what you used to earn?"

﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾

مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٥٠] الآيَةَ. و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ، فَهَذا عَذابٌ أعْظَمُ مِنَ العَذابِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٥٠]

صفحة ١٩٥

فَإنَّ ذَلِكَ عَذابُ الدُّنْيا وأمّا عَذابُ الخُلْدِ فَهو عَذابُ الآخِرَةِ وهَذا أعْظَمُ مِن عَذابِ الدُّنْيا، فَذَلِكَ مَوْقِعُ عَطْفِ جُمْلَتِهِ بِحَرْفِ ”ثُمَّ“

وصِيغَةُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ مِثْلَ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]

والَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ القائِلُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ. وأظْهَرَ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَسْجِيلِ وصْفِ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ وهو ظُلْمُ النَّفْسِ بِالإشْراكِ. ومَعْنى ظَلَمُوا: أشْرَكُوا.

والذَّوْقُ: مُسْتَعْمَلٌ في الإحْساسِ، وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ ﴿إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾

وجُمْلَةُ ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ تُثِيرُ سُؤالًا في نُفُوسِهِمْ عَنْ مِقْدارِ ذَلِكَ العَذابِ فَيَكُونُ الجَوابُ عَلى أنَّهُ عَلى قَدْرِ فَظاعَةِ ما كَسَبُوهُ مِنَ الأعْمالِ مَعَ إفادَةِ تَعْلِيلِ تَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ.

53

۞ وَيَسْتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِى وَرَبِّىٓ إِنَّهُۥ لَحَقٌّۭ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

And they ask information of you, [O Muhammad], "Is it true?" Say, "Yes, by my Lord. Indeed, it is truth; and you will not cause failure [to Allah]."

﴿ويَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّيَ إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾

هَذا حِكايَةُ فَنٍّ مِن أفانِينِ تَكْذِيبِهِمْ، فَمَرَّةً يَتَظاهَرُونَ بِاسْتِبْطاءِ الوَعْدِ اسْتِخْفافًا بِهِ، ومَرَّةً يُقْبِلُونَ عَلى الرَّسُولِ في صُورَةِ المُسْتَفْهِمِ الطّالِبِ فَيَسْألُونَهُ: أهَذا العَذابُ الخالِدُ، أيْ عَذابُ الآخِرَةِ، حَقٌّ.

فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [يونس: ٤٨]، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلَيْهِمْ فَهُمُ المُسْتَنْبِئُونَ لا غَيْرُهم، وضَمِيرُ هو عائِدٌ إلى ﴿عَذابَ الخُلْدِ﴾ [يونس: ٥٢]

صفحة ١٩٦

والحَقُّ: الثّابِتُ الواقِعُ، فَهو بِمَعْنى حاقٍّ، أيْ ثابِتٍ، أيْ أنَّ وُقُوعَهُ ثابِتٌ، فَأسْنَدَ الثُّبُوتَ لِذاتِ العَذابِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ إذْ لا تُوصَفُ الذّاتُ بِثُبُوتٍ.

وجُمْلَةُ ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ فِعْلَ يَسْتَنْبِئُونَكَ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولِ الثّانِي، والجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ يَسْتَنْبِئُونَكَ لِأنَّ مَضْمُونَها هو الِاسْتِثْناءُ.

والضَّمِيرُ يَجُوزُ كَوْنُهُ مُبْتَدَأً، و”أحَقٌّ“ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.

واسْتَعْمَلُوا الِاسْتِفْهامَ تَبالُهًا، ولِذَلِكَ اشْتَمَلَ الجَوابُ المَأْمُورُ بِهِ عَلى مُراعاةِ الحالَتَيْنِ فاعْتَبَرَ أوَّلًا ظاهِرَ حالِ سُؤالِهِمْ فَأُجِيبُوا عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ كَلامِهِمْ عَلى خِلافِ مُرادِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأوْلى بِهِمْ سُؤالُ الِاسْتِرْشادِ تَغْلِيطًا لَهم واغْتِنامًا لِفُرْصَةِ الإرْشادِ بِناءً عَلى ظاهِرِ حالِ سُؤالِهِمْ، ولِذَلِكَ أكَّدَ الجَوابَ بِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ إذْ جَمَعَ بَيْنَ حَرْفِ إي وهو حَرْفُ جَوابٍ يُحَقَّقُ بِهِ المَسْئُولُ عَنْهُ، وبَيْنَ الجُمْلَةِ الدّالَّةِ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ الجَوابِ، وبِالقَسَمِ، وإنَّ، ولامِ الِابْتِداءِ، وكُلُّها مُؤَكِّداتٌ.

والِاعْتِبارُ الثّانِي اعْتِبارُ قَصْدِهِمْ مِنِ اسْتِفْهامِهِمْ فَأُجِيبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ . فَجُمْلَةُ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ جَوابِ القَسَمِ فَمَضْمُونُها مِنَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ المُقْسَمُ عَلَيْهِ جَوابًا عَنِ اسْتِفْهامِهِمْ كانَ مَضْمُونُ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ جَوابًا عَنِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا بِاعْتِبارِ ما أضْمَرُوهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، أيْ هو واقِعٌ وأنْتُمْ مُصابُونَ بِهِ غَيْرَ مُفْلِتِينَ مِنهُ. ولَيْسَ فِعْلُ ”يَسْتَنْبِئُونَكَ“ مُسْتَعْمَلًا في التَّظاهُرِ بِمَعْنى الفِعْلِ كَما اسْتُعْمِلَ قَوْلُهُ: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ٦٤]، كَما تَقَدَّمَ في ”بَراءَةٌ“ لِأنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِنْباءِ واقِعَةٌ هُنا إذْ قَدْ صَرَّحُوا بِصُورَةِ الِاسْتِفْهامِ.

و”إي“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: حَرْفُ جَوابٍ لِتَحْقِيقِ ما تَضَمَّنَهُ سُؤالُ سائِلٍ، فَهو مُرادِفُ ”نَعَمْ“، ولَكِنْ مِن خَصائِصِ هَذا الحَرْفِ أنَّهُ لا يَقَعُ إلّا وبَعْدَهُ القَسَمُ.

والمُعْجِزُونَ: الغالِبُونَ، أيْ وما أنْتُمْ بِغالِبِينَ الَّذِي طَلَبَكم، أيْ بِمُفْلِتِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

54

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍۢ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And if each soul that wronged had everything on earth, it would offer it in ransom. And they will confide regret when they see the punishment; and they will be judged in justice, and they will not be wronged

صفحة ١٩٧

﴿ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ﴾

الأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن بَقِيَّةِ القَوْلِ، فَهي عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إي ورَبِّيَ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] إعْلامًا لَهم بِهَوْلِ ذَلِكَ العَذابِ عَساهم أنْ يَحْذَرُوهُ، ولِذَلِكَ حُذِفَ المُتَعَلِّقُ الثّانِي لِفِعْلِ افْتَدَتْ لِأنَّهُ يَقْتَضِي مُفْدِيًا بِهِ ومُفْدِيًا مِنهُ، أيْ لافْتَدَتْ بِهِ مِنَ العَذابِ.

والمَعْنى أنَّ هَذا العَذابَ لا تَتَحَمَّلُهُ أيَّةُ نَفْسٍ عَلى تَفاوُتِ الأنْفُسِ في احْتِمالِ الآلامِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ كُلِّ نَفْسٍ دُونَ أنْ يُقالَ ولَوْ أنَّ لَكم ما في الأرْضِ لافْتَدَيْتُمْ بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ شَرْطِ ”لَوْ“

وما في الأرْضِ اسْمُ ”أنَّ“ . ولِكُلِّ نَفْسٍ خَبَرُ ”أنَّ“ وقُدِّمَ عَلى الِاسْمِ لِلِاهْتِمامِ بِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ بِحَيْثُ يَنُصُّ عَلى أنَّهُ لا تَسْلَمُ نَفْسٌ مِن ذَلِكَ. وجُمْلَةُ ظَلَمَتْ صِفَةٌ (لِنَفْسٍ) . وجُمْلَةُ ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ جَوابُ ”لَوْ“

فَعُمُومُ كُلِّ نَفْسٍ يَشْمَلُ نُفُوسَ المُخاطَبِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ.

ومَعْنى ظَلَمَتْ أشْرَكَتْ، وهو ظُلْمُ النَّفْسِ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]

وما في الأرْضِ يَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ في ظاهِرِ الأرْضِ وباطِنِها لِأنَّ الظَّرْفِيَّةَ ظَرْفِيَّةُ جَمْعٍ واحْتِواءٍ.

وافْتَدى مُرادِفُ فَدى. وفِيهِ زِيادَةُ تاءِ الِافْتِعالِ لِتَدُلَّ عَلى زِيادَةِ المَعْنى، أيْ لَتَكَلَّفَتْ فِداءَها بِهِ.

* * *

﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَطْفَ كَلامٍ عَلى كَلامٍ. وضَمِيرُ أسَرُّوا عائِدٌ إلى كُلِّ نَفْسٍ

صفحة ١٩٨

بِاعْتِبارِ المَعْنى مَعَ تَغْلِيبِ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، وعَبَّرَ عَنِ الإسْرارِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ حَتّى كَأنَّهُ قَدْ مَضى، والمَعْنى: وسَيُسِرُّونَ النَّدامَةَ قَطْعًا. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾

والنَّدامَةُ: النَّدَمُ، وهو أسَفٌ يَحْصُلُ في النَّفْسِ عَلى تَفْوِيتِ شَيْءٍ مُمْكِنٍ عَمَلُهُ في الماضِي، والنَّدَمُ مِن هَواجِسِ النَّفْسِ، فَهو أمْرٌ غَيْرُ ظاهِرٍ ولَكِنَّهُ كَثِيرٌ، أيْ يَصْدُرُ عَنْ صاحِبِهِ قَوْلٌ أوْ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإذا تَجَلَّدَ صاحِبُ النَّدَمِ فَلَمْ يُظْهِرْ قَوْلًا ولا فِعْلًا فَقَدْ أسَرَّ النَّدامَةَ، أيْ قَصَرَها عَلى سِرِّهِ فَلَمْ يُظْهِرْها بِإظْهارِ بَعْضِ آثارِها، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ؛ فَإنَّما أسَرُّوا النَّدامَةَ لِأنَّهم دُهِشُوا لِرُؤْيَةِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فَلَمْ يُطِيقُوا صُراخًا ولا عَوِيلًا.

وجُمْلَةُ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وأسَرُّوا مُسْتَأْنَفَةً.

ومَعْنى قُضِيَ بَيْنَهم قُضِيَ فِيهِمْ، أيْ قُضِيَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما يَسْتَحِقُّهُ بِالعَدْلِ، فالقَضاءُ بِالعَدْلِ وقَعَ فِيهِمْ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ قُضِيَ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ وآخَرَ لِأنَّ القَضاءَ هُنا لَيْسَ قَضاءَ نِزاعٍ ولَكِنَّهُ قَضاءُ زَجْرٍ وتَأْنِيبٍ، إذْ لَيْسَ الكَلامُ هُنا إلّا عَلى المُشْرِكِينَ وهم صِنْفٌ واحِدٌ، بِخِلافِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ [يونس: ٤٧] فَإنَّ ذَلِكَ قَضاءٌ بَيْنَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ وبَيْنَ الرُّسُلِ كَما قالَ - تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا …

55

أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ أَلَآ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

Unquestionably, to Allah belongs whatever is in the heavens and the earth. Unquestionably, the promise of Allah is truth, but most of them do not know

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

تَذْيِيلُ تَنْهِيَةٍ لِلْكَلامِ المُتَعَلِّقِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ والقُرْآنِ وما جاءَ بِهِ مِنَ الوَعِيدِ وتَرَقُّبِ يَوْمِ البَعْثِ ويَوْمِ نُزُولِ العَذابِ بِالمُشْرِكِينَ. وقَدِ اشْتَمَلَ هَذا التَّذْيِيلُ عَلى مُجْمَلِ تَفْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ، وعَلى تَعْلِيلِهِ بِأنَّ مَن هَذِهِ شُئُونُهُ لا يَعْجِزُ عَنْ تَحْقِيقِ ما أخْبَرَ بِوُقُوعِهِ.

صفحة ١٩٩

فَكانَ افْتِتاحُهُ بِأنَّ اللَّهَ هو المُتَوَحِّدُ بِمُلْكِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو يَتَصَرَّفُ في النّاسِ وأحْوالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَصَرُّفًا لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ فَتَصَرُّفُهُ في أُمُورِ السَّماءِ شامِلٌ لِلْمُغَيَّباتِ كُلِّها، ومِنها إظْهارُ الجَزاءِ بِدارِ الثَّوابِ ودارِ العَذابِ؛ وتَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الأرْضِ شامِلٌ لِتَصَرُّفِهِ في النّاسِ. ثُمَّ أعْقَبَ بِتَحْقِيقِ وعْدِهِ، وأعْقَبَ بِتَجْهِيلِ مُنْكِرِيهِ، وأعْقَبَ بِالتَّصْرِيحِ بِالمُهِمِّ مِن ذَلِكَ وهو الإحْياءُ والإماتَةُ والبَعْثُ.

وافْتُتِحَ هَذا التَّذْيِيلُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، وأُعِيدَ فِيهِ حَرْفُ التَّنْبِيهِ لِلِاسْتِيعاءِ لِسَماعِهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ كَلامٌ جامِعٌ هو حَوْصَلَةُ الغَرَضِ الَّذِي سَمِعُوا تَفْصِيلَهُ آنِفًا.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ ”إنَّ“ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّهم لَمّا جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ فَقَدْ جَعَلُوها غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِلَّهِ. ولا يَدْفَعُ عَنْهم ذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] لِأنَّ ذَلِكَ اضْطِرابٌ وخَبْطٌ.

وقُدِّمَ خَبَرُ ”إنَّ“ عَلى اسْمِها لِلِاهْتِمامِ بِاسْمِهِ - تَعالى - ولِإفادَةِ القَصْرِ لِرَدِّ اعْتِقادِهِمُ الشَّرِكَةَ كَما عَلِمْتَ.

وأُكِدَّ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ بَعْدَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولِرَدِّ إنْكارِ مُنْكِرِي بَعْضِهِ والَّذِينَ هم بِمَنزِلَةِ المُنْكِرِينَ بَعْضَهُ الآخَرَ.

واللّامُ في ”لِلَّهِ“ لِلْمِلْكِ، و”ما“ اسْمُ مَوْصُولٍ مُفِيدٌ لِعُمُومِ كُلِّ ما ثَبَتَتْ لَهُ صِلَةُ المَوْصُولِ مِنَ المَوْجُوداتِ الظّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ.

ووَعْدُ اللَّهِ: هو وعْدُهُ بِعَذابِ المُشْرِكِينَ، وهو وعِيدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعْدُهُ مُرادًا بِهِ البَعْثُ، قالَ - تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فَسَمّى إعادَةَ الخَلْقِ وعْدًا.

وأظْهَرَ اسْمَ الجَلالَةِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتُجْرى مُجْرى المَثَلِ والكَلامِ الجامِعِ.

صفحة ٢٠٠

ووَقَعَ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُ أُرِيدَ بِهِما الرَّدُّ عَلى مُعْتَقِدِي خِلافَهُما فَصارَتا في قُوَّةِ نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ مَضْمُونِهِما، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا شَكَّ يَحِقُّ في ذَلِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ فَلِذَلِكَ يَشُكُّونَ.

وتَقْيِيدُ نَفْيِ العِلْمِ بِالأكْثَرِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يَجْحَدُهُ مُكابَرَةً، كَما قالَ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠]، فَضَمِيرُ أكْثَرُهم لِلْمُتَحَدَّثِ عَنْهم فِيما تَقَدَّمَ.

56

هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

He gives life and causes death, and to Him you will be returned

﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

تَذْيِيلُ تَنْهِيَةٍ لِلْكَلامِ المُتَعَلِّقِ بِصِدْقِ الرَّسُولِ والقُرْآنِ وما جاءَ بِهِ مِنَ الوَعِيدِ وتَرَقُّبِ يَوْمِ البَعْثِ ويَوْمِ نُزُولِ العَذابِ بِالمُشْرِكِينَ. وقَدِ اشْتَمَلَ هَذا التَّذْيِيلُ عَلى مُجْمَلِ تَفْصِيلِ ذَلِكَ الغَرَضِ، وعَلى تَعْلِيلِهِ بِأنَّ مَن هَذِهِ شُئُونُهُ لا يَعْجِزُ عَنْ تَحْقِيقِ ما أخْبَرَ بِوُقُوعِهِ.

صفحة ١٩٩

فَكانَ افْتِتاحُهُ بِأنَّ اللَّهَ هو المُتَوَحِّدُ بِمُلْكِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ فَهو يَتَصَرَّفُ في النّاسِ وأحْوالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ تَصَرُّفًا لا يُشارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ؛ فَتَصَرُّفُهُ في أُمُورِ السَّماءِ شامِلٌ لِلْمُغَيَّباتِ كُلِّها، ومِنها إظْهارُ الجَزاءِ بِدارِ الثَّوابِ ودارِ العَذابِ؛ وتَصَرُّفُهُ في أُمُورِ الأرْضِ شامِلٌ لِتَصَرُّفِهِ في النّاسِ. ثُمَّ أعْقَبَ بِتَحْقِيقِ وعْدِهِ، وأعْقَبَ بِتَجْهِيلِ مُنْكِرِيهِ، وأعْقَبَ بِالتَّصْرِيحِ بِالمُهِمِّ مِن ذَلِكَ وهو الإحْياءُ والإماتَةُ والبَعْثُ.

وافْتُتِحَ هَذا التَّذْيِيلُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ، وأُعِيدَ فِيهِ حَرْفُ التَّنْبِيهِ لِلِاسْتِيعاءِ لِسَماعِهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ كَلامٌ جامِعٌ هو حَوْصَلَةُ الغَرَضِ الَّذِي سَمِعُوا تَفْصِيلَهُ آنِفًا.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ ”إنَّ“ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ لِأنَّهم لَمّا جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ فَقَدْ جَعَلُوها غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِلَّهِ. ولا يَدْفَعُ عَنْهم ذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] لِأنَّ ذَلِكَ اضْطِرابٌ وخَبْطٌ.

وقُدِّمَ خَبَرُ ”إنَّ“ عَلى اسْمِها لِلِاهْتِمامِ بِاسْمِهِ - تَعالى - ولِإفادَةِ القَصْرِ لِرَدِّ اعْتِقادِهِمُ الشَّرِكَةَ كَما عَلِمْتَ.

وأُكِدَّ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ بَعْدَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولِرَدِّ إنْكارِ مُنْكِرِي بَعْضِهِ والَّذِينَ هم بِمَنزِلَةِ المُنْكِرِينَ بَعْضَهُ الآخَرَ.

واللّامُ في ”لِلَّهِ“ لِلْمِلْكِ، و”ما“ اسْمُ مَوْصُولٍ مُفِيدٌ لِعُمُومِ كُلِّ ما ثَبَتَتْ لَهُ صِلَةُ المَوْصُولِ مِنَ المَوْجُوداتِ الظّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ.

ووَعْدُ اللَّهِ: هو وعْدُهُ بِعَذابِ المُشْرِكِينَ، وهو وعِيدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وعْدُهُ مُرادًا بِهِ البَعْثُ، قالَ - تَعالى: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فَسَمّى إعادَةَ الخَلْقِ وعْدًا.

وأظْهَرَ اسْمَ الجَلالَةِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ دُونَ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتُجْرى مُجْرى المَثَلِ والكَلامِ الجامِعِ.

صفحة ٢٠٠

ووَقَعَ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُ أُرِيدَ بِهِما الرَّدُّ عَلى مُعْتَقِدِي خِلافَهُما فَصارَتا في قُوَّةِ نَفْيِ الشَّكِّ عَنْ مَضْمُونِهِما، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا شَكَّ يَحِقُّ في ذَلِكَ، ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ فَلِذَلِكَ يَشُكُّونَ.

وتَقْيِيدُ نَفْيِ العِلْمِ بِالأكْثَرِ إشارَةٌ إلى أنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يَجْحَدُهُ مُكابَرَةً، كَما قالَ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠]، فَضَمِيرُ أكْثَرُهم لِلْمُتَحَدَّثِ عَنْهم فِيما تَقَدَّمَ.

57

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُم مَّوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌۭ لِّمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلْمُؤْمِنِينَ

O mankind, there has to come to you instruction from your Lord and healing for what is in the breasts and guidance and mercy for the believers.

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ أوِ اعْتِراضٌ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِابْتِداءِ غَرَضٌ جَدِيدٌ وهو خِطابُ جَمِيعِ النّاسِ بِالتَّعْرِيفِ بِشَأْنِ القُرْآنِ وهَدْيِهِ، بَعْدَ أنْ كانَ الكَلامُ في جِدالِ المُشْرِكِينَ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِإعْجازِ القُرْآنِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنَّ الآتِيَ بِهِ صادِقٌ فِيما جاءَ بِهِ مِن تَهْدِيدِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِ الأُمَمِ رُسُلَها، وما ذُيِّلَ بِهِ ذَلِكَ مِنَ الوَعِيدِ وتَحْقِيقِ ما تُوُعِّدُوا بِهِ، فالكَلامُ الآنَ مُنْعَطِفٌ إلى الغَرَضِ المُفْتَتَحِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٣] . فَعادَ الكَلامُ إلى خِطابِ جَمِيعِ النّاسِ لِما في القُرْآنِ مِنَ المَنافِعِ الصّالِحَةِ لَهم، والإشارَةِ إلى اخْتِلافِهِمْ في مِقْدارِ الِانْتِفاعِ بِهِ، ولِذَلِكَ كانَ الخِطابُ هُنا عامًّا لِجَمِيعِ النّاسِ ولَمْ يَأْتِ فِيهِ ما يَقْتَضِي تَوْجِيهَهُ لِخُصُوصِ المُشْرِكِينَ مِن ضَمائِرَ تَعُودُ إلَيْهِمْ أوْ أوْصافٍ لَهم أوْ صِلاتِ مَوْصُولٍ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلَيْسَ في الخِطابِ بِـ يا أيُّها النّاسُ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ مَوْعِظَةٌ لِجَمِيعِ النّاسِ وإنَّما انْتَفَعَ بِمَوْعِظَتِهِ المُؤْمِنُونَ فاهْتَدَوْا وكانَ لَهم رَحْمَةً.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ بِناءً عَلى الأكْثَرِ في خِطابِ القُرْآنِ بِـ يا أيُّها النّاسُ فَيَكُونَ ذِكْرُ الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إدْماجًا وتَسْجِيلًا عَلى المُشْرِكِينَ

صفحة ٢٠١

بِأنَّهم حَرَمُوا أنْفُسَهُمُ الِانْتِفاعَ بِمَوْعِظَةِ القُرْآنِ وشِفائِهِ لِما في الصُّدُورِ، فانْتَفَعَ المُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ.

وافْتِتاحُ الكَلامِ بِقَدْ لِتَأْكِيدِهِ؛ لِأنَّ في المُخاطَبِينَ كَثِيرًا مِمَّنْ يُنْكِرُ هَذِهِ الأوْصافَ لِلْقُرْآنِ.

والمَجِيءُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الإعْلامِ بِالشَّيْءِ، كَما اسْتُعْمِلَ لِلْبُلُوغِ أيْضًا، إلّا أنَّ البُلُوغَ أشْهَرُ في هَذا وأكْثَرُ، يُقالُ: بَلَغَنِي خَبَرُ كَذا، ويُقالُ أيْضًا: جاءَنِي خَبَرُ كَذا أوْ أتانِي خَبَرُ كَذا. وإطْلاقُ المَجِيءِ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ أعَزُّ.

والمُرادُ بِما جاءَهم وبَلَغَهم هو ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ وقُرِئَ عَلَيْهِمْ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِأرْبَعِ صِفاتٍ هي أُصُولُ كَمالِهِ وخَصائِصِهِ وهي: أنَّهُ مَوْعِظَةٌ، وأنَّهُ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ، وأنَّهُ هُدًى، وأنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.

والمَوْعِظَةُ: الوَعْظُ، وهو كَلامٌ فِيهِ نُصْحٌ وتَحْذِيرٌ مِمّا يَضُرُّ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في سُورَةِ الأعْرافِ. ووَصَفَها بـِ مِن رَبِّكم لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها بالِغَةٌ غايَةَ كَمالِ أمْثالِها.

والشِّفاءُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ . وحَقِيقَتُهُ: زَوالُ المَرَضِ والألَمِ، ومَجازُهُ: زَوالُ النَّقائِصِ والضَّلالاتِ وما فِيهِ حَرَجٌ عَلى النَّفْسِ، وهَذا هو المُرادُ هُنا.

والمُرادُ بِالصُّدُورِ النُّفُوسُ كَما هو شائِعٌ في الِاسْتِعْمالِ.

والهُدى: تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في طالِعِ …

58

قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا۟ هُوَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

Say, "In the bounty of Allah and in His mercy - in that let them rejoice; it is better than what they accumulate."

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾

يَتَفَرَّعُ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ تَنْبِيهُهم إلى أنَّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ

صفحة ٢٠٤

عَلَيْهِمْ ورَحْمَةٌ بِهِمْ يَحِقُّ لَهم أنْ يَفْرَحُوا بِهِما، وأنْ يُقَدِّرُوا قَدْرَ نِعْمَتِهِما، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّها نِعْمَةٌ تَفُوقُ نِعْمَةَ المالِ الَّتِي حُرِمَ مِنها أكْثَرُ المُؤْمِنِينَ ومُنِحَها أكْثَرُ المُشْرِكِينَ، فَكانَتِ الجُمْلَةُ حَقِيقَةً بِأنْ تُفْتَتَحَ بِفاءِ التَّفْرِيعِ.

وجِيءَ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ والجُمْلَةِ المُفَرَّعِ عَلَيْها تَنْوِيهًا بِالجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ، بِحَيْثُ يُؤْمَرُ الرَّسُولُ أمْرًا خاصًّا بِأنْ يَقُولَها وإنْ كانَ جَمِيعُ ما يُنَزَّلُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ مَأْمُورًا بِأنْ يَقُولَهُ.

وتَقْدِيرُ نَظْمِ الكَلامِ: قُلْ لَهم فَلْيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ بِذَلِكَ لِيَفْرَحُوا.

فالفاءُ في قَوْلِهِ: فَلْيَفْرَحُوا فاءُ التَّفْرِيعِ، وبِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ مَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ”فَلْيَفْرَحُوا“ قُدِّمَ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِلْمُسْلِمِينَ ولِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ دُونَ ما سِواهُ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ تَعْرِيضِيٌّ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ ابْتَهَجُوا بِعَرَضِ المالِ فَقالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ لِلْمَذْكُورِ، وهو مَجْمُوعُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، واخْتِيرَ لِلتَّعْبِيرِ عَنْهُ اسْمُ الإشارَةِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّنْوِيهِ والتَّعْظِيمِ مَعَ زِيادَةِ التَّمْيِيزِ والِاخْتِصارِ. ولَمّا قَصَدَ تَوْكِيدَ الجُمْلَةِ كُلَّها بِما فِيها مِن صِيغَةِ القَصْرِ قَرَنَ اسْمَ الإشارَةِ بِالفاءِ تَأْكِيدًا لِفاءِ التَّفْرِيعِ الَّتِي في فَلْيَفْرَحُوا لِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلى مُتَعَلَّقِهِ قُرِنَ بِالفاءِ لِإظْهارِ التَّفْرِيعِ في ابْتِداءِ الجُمْلَةِ، وقَدْ حُذِفَ فِعْلُ ”لِيَفْرَحُوا“ فَصارَ مُفِيدًا مُفادَ جُمْلَتَيْنِ مُتَماثِلَتَيْنِ مَعَ إيجازٍ بَدِيعٍ. وتَقْدِيرُ مَعْنى الكَلامِ: قُلْ فَلْيَفْرَحُوا بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ لا سِواهُما فَلْيَفْرَحُوا بِذَلِكَ لا سِواهُ.

والفَرَحُ: شِدَّةُ السُّرُورِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الكَلامَ اسْتِئْنافًا ناشِئًا مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ النِّعْمَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالقُرْآنِ. ولَمّا قُدِّمَ المَجْرُورُ وهو ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ حَصَلَ بِتَقْدِيمِهِ مَعْنى الشَّرْطِ فَقُرِنَتِ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ بِالفاءِ الَّتِي تَرْبُطُ الجَوابَ لِقَصْدِ إفادَةِ مَعْنى الشَّرْطِ. وهَذا كَثِيرٌ في الِاسْتِعْمالِ كَقَوْلِهِ

صفحة ٢٠٥

- تَعالى: ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «فَفِيهِما فَجاهِدْ» . وقَوْلِهِ: «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ (تَكُونُوا) وجَزْمِ (يُولَّ) . فالفاءُ في قَوْلِهِ: فَبِذَلِكَ رابِطَةٌ لِلْجَوابِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فَلْيَفْرَحُوا مُؤَكِّدَةٌ لِلرَّبْطِ.

ولَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ في أنَّ القُرْآنَ مُرادٌ مِن فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ. وقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «فَضْلُ اللَّهِ القُرْآنُ ورَحْمَتُهُ أنْ جَعَلَكم مِن أهْلِهِ» (يَعْنِي أنْ هَداكم إلى اتِّباعِهِ) . ومِثْلُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ والبَراءِ مَوْقُوفًا، وهو الَّذِي …

59

قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًۭا وَحَلَٰلًۭا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ

Say, "Have you seen what Allah has sent down to you of provision of which you have made [some] lawful and [some] unlawful?" Say, "Has Allah permitted you [to do so], or do you invent [something] about Allah?"

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لِلْمُشْرِكِينَ. وافْتِتاحُهُ بِقُلْ لِقَصْدِ تَوَجُّهِ الأسْماعِ إلَيْهِ. ومُناسَبَةُ وُقُوعِهِ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ أنَّ الكَلامَ المُتَقَدِّمَ حَكى تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ وادِّعاءَهم أنَّهُ مُفْتَرًى وأنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ، ثُمَّ إبْطالَ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُفْتَرًى عَلى اللَّهِ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ عَلى تَفْصِيلِ الشَّرِيعَةِ وتَصْدِيقِ الكُتُبِ السّالِفَةِ، ولِأنَّهُ أعْجَزَ مُكَذِّبِيهِ عَنْ مُعارَضَتِهِ. فَلَمّا اسْتَوْفى ذَلِكَ بِأوْضَحِ حُجَّةٍ، وبانَتْ لِقاصِدِ الِاهْتِداءِ المَحَجَّةُ، لا جَرَمَ دالَتِ النَّوْبَةُ إلى إظْهارِ خَطَلِ عُقُولِهِمْ واخْتِلالِ تَكْذِيبِهِمْ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ كانَ تَكْذِيبًا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ فَقَدِ ارْتَبَكُوا في دِينِهِمْ بِما يَلْزَمُهم مِنهُ مُماثِلَةُ الحالَةِ الَّتِي أنْكَرُوها، فَإنَّهم قَدْ وضَعُوا دِينًا فَجَعَلُوا بَعْضَ أرْزاقِهِمْ حَلالًا لَهم وبَعْضَها حَرامًا

صفحة ٢٠٨

عَلَيْهِمْ فَإنْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا بِزَعْمِهِمْ فَمَنِ الَّذِي أبْلَغَهم تِلْكَ الشَّرائِعَ عَنِ اللَّهِ ولِماذا تَقَبَّلُوها عَمَّنْ شَرَعَها لَهم ولَمْ يُكَذِّبُوهُ وهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَلْتَزِمُوا ذَلِكَ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ فَقَدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ فَلَزِمَهم ما ألْصَقُوهُ بِالنَّبِيءِ ﷺ فَعَلِقَ بِهِمْ وبَرَّأ اللَّهُ مِنهُ رَسُولَهُ، فَهَذا الِاسْتِدْلالُ مِنَ الطَّرِيقِ المُسَمّى بِالقَلْبِ في عِلْمِ الجَدَلِ.

ثُمَّ إنَّ اخْتِيارَ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن تَشْرِيعِهِمْ في خُصُوصِ أرْزاقِهِمْ يَزِيدُ هَذا الِاسْتِدْلالَ مُناسَبَةً بِآخِرِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ لِيَظْهَرَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ التَّخَلُّصِ إلَيْهِ وذَلِكَ أنَّ آخِرَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ جُمْلَةُ ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، أيْ مِن أمْوالِهِمْ. وتِلْكَ الأمْوالُ هي الَّتِي رَزَقَهُمُ اللَّهُ إيّاها فَجَعَلُوا مِنها حَلالًا ومِنها حَرامًا وكَفَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إذْ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِن طَيِّباتِ ما أعْطاهم رَبُّهم، وحَسْبُهم بِذَلِكَ شَناعَةً بِهِمْ مُلْصَقَةً، وأبْوابًا مِنَ الخَيْرِ في وُجُوهِهِمْ مُغْلَقَةً.

والِاسْتِفْهامُ في أرَأيْتُمْ و﴿آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ تَقْرِيرِيٌّ بِاعْتِبارِ إلْزامِهِمْ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ أذِنَ لَهم، أوْ أنْ يَكُونُوا مُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ، وقَدْ شِيبَ التَّقْرِيرُ في ذَلِكَ بِالإنْكارِ عَلى الوَجْهَيْنِ.

والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، و﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ﴾ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِرَأيْتُمْ، وجُمْلَةُ ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ﴾ إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ، أيِ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ لَكم فَجَعَلْتُمْ مِنهُ. والِاسْتِفْهامُ في ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِرَأيْتُمْ، ورابِطُ الجُمْلَةِ بِالمَفْعُولِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أذِنَكم بِذَلِكَ ؟، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا﴾

و”قُلِ“ الثّانِي تَأْكِيدٌ لِـ ”قُلِ“ الأوَّلِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ الأُولى وجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ الثّانِيَةِ لِزِيادَةِ إشْرافِ الأسْماعِ عَلَيْهِ. وهي مُعادَلَةٌ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّها بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المَعْمُولَتَيْنِ لِفِعْلِ ”أرَأيْتُمْ“ . وفِعْلُ …

60

وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ

And what will be the supposition of those who invent falsehood about Allah on the Day of Resurrection? Indeed, Allah is full of bounty to the people, but most of them are not grateful."

﴿وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ [يونس: ٥٩]، فَهو كَلامٌ غَيْرُ داخِلٍ في القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، ولَكِنَّهُ ابْتِداءُ خِطابٍ لِجَمِيعِ النّاسِ. و”ما“ لِلِاسْتِفْهامِ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ. والمَقْصُودُ بِهِ التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ لِيَسْتَفِيقُوا مِن غَفْلَتِهِمْ ويُحاسِبُوا أنْفُسَهم.

ولِذَلِكَ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ ”هم“ مُضافًا إلَيْهِ الظَّنُّ إمّا ضَمِيرِ خِطابٍ أوْ غَيْبَةٍ. فَيُقالُ: وما ظَنُّكم أوْ وما ظَنُّهم، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ إلى الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ بِالصِّلَةِ المُخْتَصَّةِ بِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ التَّرْدِيدَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أذِنَ لَهم فِيما حَرَّمُوهُ وبَيْنَ أنْ يَكُونُوا مُفْتَرِينَ عَلَيْهِ قَدِ انْحَصَرَ في القِسْمِ الثّانِي، وهو كَوْنُهم مُفْتَرِينَ إذْ لا مَساغَ لَهم في ادِّعاءِ أنَّهُ أذِنَ لَهم، فَإذا تَعَيَّنَ أنَّهم مُفْتَرُونَ فَقَدْ صارَ الِافْتِراءُ حالَهُمُ المُخْتَصَّ بِهِمْ. وفي المَوْصُولِ إيذانٌ بِعِلَّةِ التَّعْجِيبِ مِن ظَنِّهِمْ بِأنْفُسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

وحُذِفَ مَفْعُولا الظَّنِّ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ ما يَصْلُحُ لَهُ، أيْ ما ظَنُّهم بِحالِهِمْ وبِجَزائِهِمْ وبِأنْفُسِهِمْ. وانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ، واللّامُ فِيهِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قِيلَ كَذِبًا، ولَكِنَّهُ عُرِّفَ لِتَفْظِيعِ أمْرِهِ، أيْ هو الكَذِبُ المَعْرُوفُ عِنْدَ النّاسِ المُسْتَقْبَحِ في العُقُولِ.

ويَوْمَ القِيامَةِ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وعامِلُهُ الظَّنُّ، أيْ ما هو ظَنُّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ أيْ إذا رَأوُا الغَضَبَ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ ماذا يَكُونُ ظَنُّهم أنَّهم لاقُونِ، وهَذا تَهْوِيلٌ.

صفحة ٢١١

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ المُفْتَتَحِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧] . وفِيهِ قَطْعٌ لِعُذْرِ المُشْرِكِينَ، وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالتَّمَرُّدِ بِأنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالرِّزْقِ والمَوْعِظَةِ والإرْشادِ فَقابَلُوا ذَلِكَ بِالكُفْرِ دُونَ الشُّكْرِ وجَعَلُوا رِزْقَهم أنَّهم يُكَذِّبُونَ في حِينِ قابَلَهُ المُؤْمِنُونَ بِالفَرَحِ والشُّكْرِ فانْتَفَعُوا بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.