Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 41–50 of 109

41

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ

And if they deny you, [O Muhammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."

﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ أيْ: إنْ تَمُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ وأصَرُّوا عَلَيْهِ حَسْبَما أُخْبِرَ عَنْهم بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ بِالتَّحَدِّي ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ أيْ: تَبَرَّأْ مِنهُمْ؛ فَقَدْ أعْذَرْتَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ﴾ والمَعْنى: لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم حَقًّا كانَ أوْ باطِلًا، وتَوْحِيدُ العَمَلِ المُضافِ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ النَّوْعِيِّ ولِمُراعاةِ كَمالِ المُقابَلَةِ ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِما أفادَتْهُ لامُ الِاخْتِصاصِ مِن عَدَمِ تَعَدِّي جَزاءِ العَمَلِ إلى غَيْرِ عامِلِهِ، أيْ: لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكُمْ، ولِما فِيهِ مِن إيهامِ المُتارَكَةِ وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ، قِيلَ: إنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

42

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ

And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear, although they will not use reason?

﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ مَطْبُوعًا عَلى قُلُوبِهِمْ بِحَيْثُ لا سَبِيلَ إلى إيمانِهِمْ، وإنَّما جُمِعَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلى كَلِمَةِ (مَن) رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى، كَما أُفْرِدَ فِيما سَيَأْتِي مُحافَظَةً عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإيماءِ إلى كَثْرَةِ المُسْتَمِعِينَ بِناءً عَلى عَدَمِ تَوَقُّفِ الِاسْتِماعِ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ المُقابَلَةِ وانْتِفاءِ الحِجابِ والظُّلْمَةِ، أيْ: ومِنهم ناسٌ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ عِنْدَ قِراءَتِكَ القرآن وتَعْلِيمِكَ الشَّرائِعَ.

﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ إنْكارِيَّةٌ، والفاءُ عاطِفَةٌ، ولَيْسَ الجَمْعُ بَيْنَهُما لِتَرْتِيبِ إنْكارِ الإسْماعِ عَلى الِاسْتِماعِ - كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ عَلى أنْ يُجْعَلَ تَقْدِيمُ الهَمْزَةِ عَلى الفاءِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ - بَلْ لِإنْكارِ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ حَسْبَما هو المُعْتادُ، لَكِنْ لا بِطْرِيقِ العَطْفِ عَلى الفِعْلِ المَذْكُورِ لِأدائِهِ إلى اخْتِلالِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إمّا صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ - وأيًّا ما كانَ فالعَطْفُ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي دُخُولَ المَعْطُوفِ في حَيِّزِهِ وتَوَجُّهَ الإنْكارِ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، ولا رَيْبَ في فَسادِهِ - بَلْ بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ مَفْهُومٍ مِن فَحْوى النَّظْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تُسْمِعُهم لا إنْكارًا لِاسْتِماعِهِمْ فَإنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ، بَلْ إنْكارًا لِوُقُوعِ الِاسْتِماعِ عَقِيبَ ذَلِكَ وتَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ حَسَبَ العادَةِ الكُلِّيَّةِ، بَلْ نَفْيًا لِإمْكانِهِ أيْضًا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وضْعُ الصُّمِّ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ ووَصْفِهِمْ بِعَدَمِ العَقْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ولَوِ انْضَمَّ إلى صَمَمِهِمْ عَدَمُ عُقُولِهِمْ؛ لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما تَفَرَّسَ إذا وصَلَ إلى صِماخِهِ صَوْتٌ، وأمّا إذا اجْتَمَعَ فِقْدانُ السَّمْعِ والعَقْلِ جَمِيعًا فَقَدْ تَمَّ الأمْرُ

43

وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ

And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?

﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ ويُعايِنُ دَلائِلَ نُبُوَّتِكَ الواضِحَةَ ﴿أفَأنْتَ﴾ أيْ: أعَقِيبَ ذَلِكَ أنْتَ تَهْدِيهِمْ، وإنَّما قِيلَ: ﴿تَهْدِي العُمْيَ﴾ تَرْبِيَةً لِإنْكارِ هِدايَتِهِمْ وإبْرازًا لِوُقُوعِها في مَعْرِضِ الِاسْتِحالَةِ وقَدْ أُكِّدَ ذَلِكَ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: ولَوِ انْضَمَّ إلى عَدَمِ البَصَرِ عَدَمُ البَصِيرَةِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإبْصارِ الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ، والعُمْدَةُ في ذَلِكَ هي البَصِيرَةُ ولِذَلِكَ يَحْدُسُ الأعْمى المُسْتَبْصِرُ ويَتَفَطَّنُ لِما لا يُدْرِكُهُ البَصِيرُ الأحْمَقُ، فَحَيْثُ اجْتَمَعَ فِيهِمُ الحُمْقُ والعَمى فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِمْ بابُ الهُدى، وجَوابُ (لَوْ) في الجُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: "تُسْمِعُ الصُّمّ "، و" تَهْدِي العُمْيَ "عَلَيْهِ وكُلٌّ مِنهُما مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ مُقابِلَةٍ لَها في الفَحْوى، كِلْتاهُما في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ الفِعْلِ السّابِقِ، أيْ: أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، أفَأنْتِ تَهْدِي العُمْيَ لَوْ كانُوا يُبْصِرُونَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ، أيْ: عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، وقَدْ حُذِفَتِ الأُولى في البابِ حَذْفًا مُطَّرِدًا لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً، فَإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَ تَحَقُّقِ المانِعِ أوِ المانِعِ القَوِيِّ فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْ عِنْدَ تَحَقُّقِ المانِعِ الضَّعِيفِ أوْلى، وعَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ يَدُورُ ما في "لَوْ" و"إنِ" الوَصْلِيَّتَيْنِ مِنَ التَّأْكِيدِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ونَظائِرِهِ مِرارًا.

44

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Indeed, Allah does not wrong the people at all, but it is the people who are wronging themselves.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ما حُكِيَ عَنْهم مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى طَرِيقِ الحَقِّ وتَعَطُّلِ مَشاعِرِهِمْ مِنَ الإدْراكِ لَيْسَ لِأمْرٍ مُسْتَنَدٍ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن خَلْقِهِمْ مُؤَفِّي المَشاعِرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ إنَّما هو مِن قِبَلِهِمْ، أيْ: لا يَنْقُصُهم ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا نِيطَ بِهِ مَصالِحُهُمُ الدِّينِيَّةُ والدُّنْيَوِيَّةُ وكَمالاتُهُمُ الأوْلَوِيَّةُ والأُخْرَوِيَّةُ مِن مَبادِئِ إدْراكاتِهِمْ وأسْبابِ عُلُومِهِمْ مِنَ المَشاعِرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والإرْشادِ إلى الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، بَلْ يُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ أصْلًا.

﴿وَلَكِنَّ النّاسَ﴾ - وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، ورَفْعِ النّاسِ - وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ تَعْيِينٍ وتَقْرِيرٍ، أيْ: لَكِنَّهم بِعَدَمِ اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ فِيما خُلِقَتْ لَهُ، وإعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ الحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ أيْ: يَنْقُصُونَ ما يَنْقُصُونَ مِمّا يُخِلُّونَ بِهِ مِن مَبادِئِ كَمالِهِمْ وذَرائِعِ اهْتِدائِهِمْ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ لِما أنَّ مَرْمى الغَرَضِ إنَّما هو قَصْرُ الظُّلْمِ عَلى أنْفُسِهِمْ لا بَيانُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الظُّلْمُ، والتَّعْبِيرُ عَنْ فِعْلِهِمْ بِالنَّقْصِ - مَعَ كَوْنِهِ تَفْوِيتًا بِالكُلِّيَّةِ وإبْطالًا بِالمَرَّةِ - لِمُراعاةِ جانِبِ قَرِينَتِهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: "أنْفُسَهُمْ" إمّا تَأْكِيدٌ لِلنّاسِ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ في قَصْرِ الظّالِمِيَّةِ عَلَيْهِمْ، وإمّا مَفْعُولٌ لِـ(يَظْلِمُونَ) حَسْبَما وقَعَ في سائِرِ المَواقِعِ، وتَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِهِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى قَصْرِ المَظْلُومِيَّةِ عَلَيْهِمْ عَلى رَأْيِ مَن لا يَرى التَّقْدِيمَ مُوجِبًا لِلْقَصْرِ، فَيَكُونُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ" مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِلظُّلْمِ لا عَلى الفاعِلِ ولا عَلى المَفْعُولِ، وأمّا عَلى رَأْيِ مَن يَراهُ مُوجِبًا لَهُ، فَلَعَلَّ إيثارَ قَصْرِها دُونَ قَصْرِ الظّالِمِيَّةِ عَلَيْهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ بُطْلانِ أفْعالِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ؛ لِما أنَّ أقْبَحَ الأمْرَيْنِ عِنْدَ اتِّحادِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، وأشَدَّهُما إنْكارًا عِنْدَ العَقْلِ ونَفْرَةً لَدى الطَّبْعِ، وأوْجَبَهُما حَذَرًا مِنهُ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ هو المَظْلُومِيَّةُ لا الظّالِمِيَّةُ، عَلى أنَّ قَصْرَ الأُولى عَلَيْهِمْ مُسْتَلْزِمٌ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحالِ مِن قَصْرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِمْ؛ ضَرُورَةَ أنَّهُ إذا لَمْ يَظْلِمْ أحَدٌ مِنَ النّاسِ إلّا نَفْسَهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَظْلِمَهُ إلّا نَفْسُهُ، إذْ لَوْ ظَلَمَهُ غَيْرُهُ يَلْزَمُ كَوْنُ ذَلِكَ الغَيْرِ ظالِمًا لِغَيْرِ نَفْسِهِ، والمَفْرُوضُ أنْ لا يَظْلِمَ أحَدٌ إلّا نَفْسَهُ فاكْتُفِيَ بِالقَصْرِ الأوَّلِ عَنِ الثّانِي مَعَ رِعايَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الفائِدَةِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ نَفْيًا وإثْباتًا، فَإنَّ حَرْفَ النَّفْيِ إذا دَخَلَ عَلى المُضارِعِ يُفِيدُ - بِحَسَبِ المَقامِ - اسْتِمْرارَ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ، ألا يَرى أنَّ قَوْلَكَ: (ما زَيْدًا ضَرَبْتُ) يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ النَّفْيِ لا عَلى نَفْيِ الِاخْتِصاصِ، ومَساقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِإلْزامِ الحُجَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْوَعِيدِ، فالمُضارِعُ المَنفِيُّ لِلِاسْتِقْبالِ …

45

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allah and were not guided

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ، وقُرِئَ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ، أيِ: اذْكُرْ لَهم أوْ أنْذِرْهم يَوْمَ يَحْشُرُهم ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ: كَأنَّهم لَمْ يَلْبَثُوا ﴿إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ، فَإنَّها مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ، وتَخْصِيصُها بِالنَّهارِ؛ لِأنَّ ساعاتِهِ أعْرَفُ حالًا مِن ساعاتِ اللَّيْلِ، والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، أيْ: يَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ في أحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ لِلنّاسِ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في الدُّنْيا ولَمْ يَتَقَلَّبْ في نَعِيمِها إلّا ذَلِكَ القَدْرَ اليَسِيرَ، فَإنَّ مَن أقامَ بِها دَهَرًا وتَمَتَّعَ بِمَتاعِها لا يَخْلُو عَنْ بَعْضِ آثارِ نِعْمَةٍ وأحْكامِ بَهْجَةٍ مُنافِيَةٍ لِما بِهِمْ مِن رَثاثَةِ الهَيْئَةِ، وسُوءِ الحالِ، أوْ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في البَرْزَخِ إلّا ذَلِكَ المِقْدارَ، فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بَيانُ كَمالِ يُسْرِ الحَشْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى قدرته تعالى، ولَوْ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ، وإظْهارُ بُطْلانِ اسْتِبْعادِهِمْ وإنْكارِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ (أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ)﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ بَيانُ تَمامِ المُوافَقَةِ بَيْنَ النَّشْأتَيْنِ في الأشْكالِ والصُّوَرِ، فَإنَّ قِلَّةَ اللُّبْثِ في البَرْزَخِ مِن مُوجِباتِ عَدَمِ التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ عَزَّ وعَلا: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ بَيانًا وتَقْرِيرًا لَهُ؛ لِأنَّ التَّعارُفَ مَعَ طُولِ العَهْدِ يَنْقَلِبُ تَناكُرًا، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ اسْتِئْنافًا، أيْ: يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، كَأنَّهم لَمْ يَتَفارَقُوا إلّا قَلِيلًا، وذَلِكَ أوَّلَ ما خَرَجُوا مِنَ القُبُورِ إذْ هم حِينَئِذٍ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ المُتَعارَفَةِ فِيما بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ التَّعارُفُ بِشِدَّةِ الأهْوالِ المُذْهِلَةِ واعْتِراءِ الأحْوالِ المُعْضِلَةِ المُغَيِّرَةِ لِلصُّوَرِ والأشْكالِ المُبَدِّلَةِ لَها مَن حالٍ إلى حالٍ.

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى خُسْرانِهِمْ وتَعَجُّبٌ مِنهُ، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ (يَتَعارَفُونَ) عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ - مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ إضْمارٍ - لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِما أصابَهم.

والمُرادُ ﴿بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ إنْ كانَ مُطْلَقَ الحِسابِ والجَزاءِ، أوْ حُسْنَ اللِّقاءِ، فالمُرادُ بِالخُسْرانِ الوَضِيعَةُ، والمَعْنى: وضَعُوا في تِجاراتِهِمْ ومُعامَلاتِهِمْ واشْتِرائِهِمُ الكُفْرَ بِالإيمانِ والضَّلالَةَ بِالهُدى، ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ما كانُوا عارِفِينَ بِأحْوالِ التِّجارَةِ مُهْتَدِينَ لِطُرُقِها، وإنْ كانَ سُوءَ اللِّقاءِ فالخَسارُ الهَلاكُ والضَّلالُ، أيْ: قَدْ ضَلُّوا وهَلَكُوا بِتَكْذِيبِهِمْ، وما كانُوا مُهْتَدِينَ إلى طَرِيقِ النَّجاةِ.

46

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ

And whether We show you some of what We promise them, [O Muhammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allah is a witness concerning what they are doing

﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ أصْلُهُ إنْ نُرِكَ و"ما" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ، ومِن ثَمَّةَ أُكِّدَ الفِعْلُ بِالنُّونِ، أيْ: بِنُصْرَتِكَ بِأنْ نُظْهِرَ لَكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: وعَدْناهم مِنَ العَذابِ، ونُعَجِّلَهُ في حَياتِكَ فَتَراهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، أيْ: نَعِدُهم وعْدًا مُتَجَدِّدًا، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن إنْذارٍ غِبَّ إنْذارٍ، وفي تَخْصِيصِ البَعْضِ بِالذِّكْرِ رَمَزًا إلى العِدَةِ بِإراءَةِ بَعْضِ المَوْعُودِ، وقَدْ أراهُ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ: كَيْفَما دارَتِ الحالُ أرَيْناكَ بَعْضَ ما وعَدْناهم أوَّلًا، فَإلَيْنا مَرْجِعُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَنُنْجِزُ ما وعَدْناهُمُ البَتَّةَ.

وَقِيلَ: المَذْكُورُ جَوابٌ لِلشَّرْطِ الثّانِي، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُرِيكَهُ في الآخِرَةِ، وجَوابُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، أيْ: فَذاكَ.

﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ مِنَ الأفْعالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهُمْ، والمُرادُ بِالشَّهادَةِ إمّا مُقْتَضاها ونَتِيجَتُها وهي مُعاقَبَتُهُ تَعالى إيّاهُمْ، وإمّا إقامَتُها وأداؤُها بِإنْطاقِ الجَوارِحِ، وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَأْكِيدِ التَّهْدِيدِ، وقُرِئَ (ثَمَّةَ) أيْ: هُناكَ.

47

وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And for every nation is a messenger. So when their messenger comes, it will be judged between them in justice, and they will not be wronged

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ ﴿رَسُولٌ﴾ يُبْعَثُ إلَيْهِمْ بِشَرِيعَةٍ خاصَّةٍ مُناسِبَةٍ لِأحْوالِهِمْ لِيَدْعُوَهم إلى الحَقِّ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ فَبَلَّغَهم ما أُرْسِلَ بِهِ فَكَذَّبُوهُ وخالَفُوهُ ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ كُلِّ أُمَّةٍ ورَسُولِها ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ، وحُكِمَ بِنَجاةِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ وهَلاكِ المُكْذِبِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ في ذَلِكَ القَضاءِ المُسْتَوْجِبِ لِتَعْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّهُ مِن نَتائِجِ أعْمالِهِمْ.

أوْ: ولِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ رَسُولٌ تُنْسَبُ إلَيْهِ وتُدْعى بِهِ، فَإذا جاءَ رَسُولُهُمُ المَوْقِفَ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإيمانِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ .

48

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"

﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ اسْتِعْجالًا لِما وُعِدُوا مِنَ العَذابِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ والإنْكارِ حَسْبَما يُرْشِدُ إلَيْهِ الجَوابُ لا طَلَبًا لِتَعْيِينِ وقْتِ مَجِيئِهِ عَلى وجْهِ الإلْزامِ، كَما في سُورَةِ المُلْكِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُ يَأْتِينا، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمُ الآياتِ المُتَضَمِّنَةَ لِلْوَعْدِ المَذْكُورِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى ما تَقَدَّمَ، حَسْبَما حُذِفَ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فَإنَّ الِاسْتِعْجالَ في قُوَّةِ الأمْرِ بِالإتْيانِ عَجَلَةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَأْتِنا عَجَلَةً إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، ولِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَوْنِ إتْيانِهِ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ قِيلَ:

49

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

Say, "I possess not for myself any harm or benefit except what Allah should will. For every nation is a [specified] term. When their time has come, then they will not remain behind an hour, nor will they precede [it]."

﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ: لا أقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وتَقْدِيمُ الضُّرِّ لِما أنَّ مَساقَ النَّظْمِ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْهُ، وأمّا ذِكْرُ النَّفْعِ فَلِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ تَكْمِلَةً لِلْعَجْزِ، وما وقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ مِن تَقْدِيمِ النَّفْعِ لِلْإشْعارِ بِأهَمِّيَّتِهِ، والمَقامُ مَقامُهُ، والمَعْنى: إنِّي لا أمْلِكُ شَيْئًا مِن شُئُونِي رَدًّا وإيرادًا مَعَ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ حُصُولًا، فَكَيْفَ أمْلِكُ شُئُونَكم حَتّى أتَسَبَّبَ في إتْيانِ عَذابِكُمُ المَوْعُودِ؟!

﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ كائِنًا، وحَمْلُهُ عَلى الِاتِّصالِ عَلى مَعْنى إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ أمْلِكَهُ يَأْباهُ مَقامُ التَّبَرُّؤِ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَخْلٌ في إتْيانِ الوَعْدِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي بَيانَ كَوْنِ المُتَنازَعِ فِيهِ مِمّا لا يَشاءُ اللَّهُ أنْ يَمْلِكَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَعْلُ ما عِبارَةً عَنْ بَعْضِ الأحْوالِ المَعْهُودَةِ المَنُوطَةِ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ المُفَوَّضَةِ إلى العِبادِ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي شَيْئًا مِنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ أمْلِكَهُ مِنهُما مِنَ الضُّرِّ والنَّفْعِ المُتَرَتِّبَيْنِ عَلى أفْعالِي الِاخْتِيارِيَّةِ كالضُّرِّ والنَّفْعِ المُتَرَتِّبَيْنِ عَلى الأكْلِ والشُّرْبِ عَدَمًا ووُجُودًا تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ بَيانٌ لِما أُبْهِمَ في الِاسْتِثْناءِ، وتَقْيِيدٌ لِما في القَضاءِ السّابِقِ مِنَ الإطْلاقِ المُشْعِرِ بِكَوْنِ المَقْضِيِّ بِهِ أمْرًا مُنْجَزًا، غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ مَجِيءِ الرَّسُولِ وتَكْذِيبِ الأُمَّةِ، أيْ: لِكُلِّ أُمَّةٍ أُمَّةٍ مِمَّنْ قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِمْ أجَلٌ مُعَيَّنٌ خاصٌّ بِهِمْ، لا يَتَعَدّى إلى أُمَّةٍ أُخْرى، مَضْرُوبٌ لِعَذابِهِمْ يَحِلُّ بِهِمْ عِنْدَ حُلُولِهِ.

﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ إنْ جُعِلَ الأجْلُ عِبارَةً عَنْ حَدٍّ مُعَيَّنٍ مِنَ الزَّمانِ فَمَعْنى مَجِيئِهِ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ ما امْتَدَّ إلَيْهِ مِنَ الزَّمانِ فَمَجِيئُهُ عِبارَةٌ عَنِ انْقِضائِهِ؛ إذْ هُناكَ يَتَحَقَّقُ مَجِيئُهُ بِتَمامِهِ، والضَّمِيرُ إنْ جُعِلَ لِلْأُمَمِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ أُمَّةٍ فَإظْهارُ الأجَلِ مُضافًا إلَيْهِ لِإفادَةِ المَعْنى المَقْصُودِ الَّذِي هو بُلُوغُ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلَها الخاصَّ بِها، ومَجِيئُهُ إيّاها بِعَيْنِها مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِواسِطَةِ اكْتِسابِ الأجَلِ بِالإضافَةِ عُمُومًا يُفِيدُهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءَهم آجالُهم بِأنْ يَجِيءَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أجَلُها الخاصُّ بِها، وإنْ جُعِلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ خاصَّةً - كَما هو الظّاهِرُ - فالإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإضافَةُ إلى الضَّمِيرِ لِإفادَةِ كَمالِ التَّعْيِينِ، أيْ: إذا جاءَها أجَلُها الخاصُّ بِها.

﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ ﴿ساعَةً﴾ أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ فَإنَّها مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ مِنهُ، أيْ: لا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ أصْلًا، وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أيْ: لا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهِ، وهو عَطْفٌ عَلى يَسْتَأْخِرُونَ، لَكِنْ لا لِبَيانِ انْتِفاءِ التَّقَدُّمِ - مَعَ إمْكانِهِ في نَفْسِهِ كالتَّأخُّرِ - بَلْ لِلْمُبالَغَةِ في انْتِفاءِ التَّأخُّرِ بِنَظْمِهِ في سِلْكِ المُسْتَحِيلِ …

50

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوْ نَهَارًۭا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ

Say, "Have you considered: if His punishment should come to you by night or by day - for which [aspect] of it would the criminals be impatient?"

﴿قُلْ﴾ لَهم غِبَّ ما بَيَّنْتَ كَيْفِيَّةَ جَرَيانِ سُنَّةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فِيما بَيْنَ الأُمَمِ عَلى الإطْلاقِ، ونَبَّهْتَهم عَلى أنَّ عَذابَهم أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَحْتُومٌ ولا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى مَجِيءِ أجَلِهِ المَعْلُومِ إيذانًا بِكَمالِ دُنُوِّهِ وتَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ إتْيانِهِ حَقِيقَةً: ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴿بَياتًا﴾ أيْ: وقْتَ بَياتٍ واشْتِغالٍ بِالنَّوْمِ ﴿أوْ نَهارًا﴾ أيْ: عِنْدَ اشْتِغالِكم بِمَشاغِلِكُمْ، حَسْبَما عُيِّنَ لَكم مِنَ الأجَلِ بِمُقْتَضى المَشِيئَةِ التّابِعَةِ لِلْحِكْمَةِ، كَما عُيِّنَ لِسائِرِ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ بِحَذْفِ الفاءِ، كَما في قَوْلِكَ: إنْ أتَيْتُكَ ماذا تُطْعِمُنِي، والمُجْرِمُونَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ بِبَيانِ مُبايَنَةِ حالِهِمْ لِلِاسْتِعْجالِ، فَإنَّ حَقَّ المُجْرِمِ أنْ يَهْلَكَ فَزَعًا مِن إتْيانِ العَذابِ فَضْلًا عَنِ اسْتِعْجالِهِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أرَأيْتُمْ) والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ تَعالى أيَّ شَيْءٍ تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ، والشَّيْءُ لا يُمْكِنُ اسْتِعْجالُهُ بَعْدَ إتْيانِهِ، والمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في إنْكارِ اسْتِعْجالِهِ بِإخْراجِهِ مِن حَيِّزِ الإمْكانِ، وتَنْزِيلُهُ في الِاسْتِحالَةِ مَنزِلَةَ اسْتِعْجالِهِ بَعْدَ إتْيانِهِ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ تَقَرُّرِ إتْيانِهِ ودُنُوِّهِ مَنزِلَةَ إتْيانِهِ حَقِيقَةً، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وهَذا الإنْكارُ بِمَنزِلَةِ النَّهْيِ في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿ (أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)﴾ خَلا أنَّ التَّنْزِيلَ هُناكَ صَرِيحٌ وهُنا ضِمْنِيٌّ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ لِغَرِيمِهِ الَّذِي يَتَقَضّاهُ حَقَّهُ: أرَأيْتَ إنْ أعْطَيْتُكَ حَقَّكَ فَماذا تَطْلُبُ مِنِّي؟ يُرِيدُ المُبالَغَةَ في إنْكارِ التَّقاضِي بِنَظْمِهِ في سِلْكِ التَّقاضِي بَعْدَ الإعْطاءِ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ تَقَرُّرِهِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.