Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 41–50 of 109

41

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ

And if they deny you, [O Muhammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."

﴿وإنْ كَذَّبُوكَ﴾ أيْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ وأُوِّلَ بِذَلِكَ لِأنَّ أصْلَ التَّكْذِيبِ حاصِلٌ فَلا يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِقْبالُ المُفادُ بِالشَّرْطِ وأيْضًا جَوابُهُ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ المُرادُ مِنهُ التَّبَرُّؤُ والتَّخْلِيَةُ إنَّما يُناسِبُ الإصْرارَ عَلى التَّكْذِيبِ واليَأْسَ مِنَ الإجابَةِ والمَعْنى لِي جَزاءُ عَمَلِي ولَكم جَزاءُ عَمَلِكم كَيْفَما كانا وتَوْحِيدُ العَمَلِ المُضافِ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ النَّوْعِيِّ ولِمُراعاةِ كَمالِ المُقابَلَةِ كَما قِيلَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ 41﴾ تَأْكِيدٌ لِما أفادَهُ لامُ الِاخْتِصاصِ مِن عَدَمِ تَعَدِّي جَزاءِ العَمَلِ إلى غَيْرِ عامِلِهِ أيْ لا تُؤاخَذُونَ بِعَمَلِي ولا أُؤاخَذُ بِعَمَلِكم وعَلى هَذا فالآيَةُ مَحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ بِآيَةِ السَّيْفِ لِما أنَّ مَدْلُولَها اخْتِصاصُ كُلٍّ بِأفْعالِهِ وثَمَراتِها مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وآيَةُ السَّيْفِ لَمْ تَرْفَعْ ذَلِكَ وعَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ وابْنِ زَيْدٍ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِها وكَأنَّ ذَلِكَ لَمّا فَهِمُوا مِنها الإعْراضَ وتَرْكَ التَّعَرُّضِ بِشَيْءٍ ولَعَلَّ وجْهَ تَقْدِيمِ حُكْمِ المُتَكَلِّمِ أوَّلًا وتَأْخِيرِهِ ثانِيًا والعَكْسُ في حُكْمِ المُخاطَبِينَ ظاهِرٌ مِمّا ذَكَرْناهُ في مَعْنى الآيَةِ فافْهَمْ

* * *

هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ وهو احْتِجابُهم عَنْ قَبُولِ صِفاتِ الحَقِّ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِتَوَفُّرِ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والمُراداتِ الجُسْمانِيَّةِ يَقْوى مَيْلُ النَّفْسِ إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ فَتَحْتَجِبُ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ كَما أنَّهُ بِأنْواعِ البَلاءِ تَنْكَسِرُ سَوْرَةُ النَّفْسِ ويَتَلَطَّفُ القَلْبُ ويَحْصُلُ المَيْلُ إلى الجِهَةِ العُلْوِيَّةِ والتَّهَيُّؤُ لِقَبُولِ ذَلِكَ ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ بِإخْفاءِ القَهْرِ الحَقِيقِيِّ في هَذا اللُّطْفِ الصُّورِيِّ ﴿إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ في ألْواحِ المَلَكُوتِ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ يُسَيِّرُ نُفُوسَكم في بَرِّ المُجاهَداتِ وقُلُوبَكم في بَحْرِ المُشاهَداتِ وقِيلَ: يُسَيِّرُ عُقُولُكم في بَرِّ الأفْعالِ وأرْواحِكم في بَحْرِ الصِّفاتِ والذّاتِ

صفحة 123

﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ أيْ فُلْكِ العِنايَةِ الأزَلِيَّةِ ﴿وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهي رِيحُ صَبا وِصالِهِ سُبْحانَهُ ﴿وفَرِحُوا بِها﴾ لِإيذانِها بِذَلِكَ وتَعَطُّرِها بِشَذا دِيارِ الأُنْسِ ومَرابِعِ القُدْسِ:

ألا يا نَسِيمَ الرِّيحِ ما لَكَ كُلَّما تَقَرَّبْتَ مِنّا زادَ نَشْرُكَ طِيبًا

أظُنُّ سُلَيْمى خَبُرَتْ بِسِقامِنا ∗∗∗ فَأعْطَتْكَ رَيّاها فَجِئْتَ طَبِيبًا

﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ وذَلِكَ عاصِفُ القَهْرِ وأمْواجُ صِفاتِ الجَلالِ وهَذِهِ سُنَّةٌ جارِيَةٌ في العاشِقِينَ لا يَسْتَمِرُّ لَهم حالٌ ولا يَدُومُ لَهم وِصالٌ ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ:

فَبِتْنا عَلى رَغْمِ الحَسُودِ وبَيْنَنا ∗∗∗ شَرابٌ كَرِيحِ المِسْكِ شِيبَ بِهِ الخَمْرُ

فَوَسَّدْتُها كَفِّي وبِتُّ ضَجِيعَها ∗∗∗ وقُلْتُ لِلَيْلِي طُلْ فَقَدْ رَقَدَ البَدْرُ

فَلَمّا أضاءَ الصُّبْحُ فَرَّقَ بَيْنَنا ∗∗∗ وأيُّ نَعِيمٍ لا يُكَدِّرُهُ الدَّهْرُ

﴿وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أيْ أنَّهم مِنَ الهالِكِينَ في تِلْكَ الأمْواجِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بِالتَّبَرِّي مِن غَيْرِ …

42

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ

And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear, although they will not use reason?

﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِهِمْ مَطْبُوعًا عَلى قُلُوبِهِمْ بِحَيْثُ لا سَبِيلَ إلى إيمانِهِمْ (ومَن) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وهو إمّا مَوْصُولٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ إما صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ وجُمِعَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلَيْهِ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْنى كَما أُفْرِدَ فِيما بَعْدُ رِعايَةً لِجانِبِ اللَّفْظِ ولَعَلَّ ذَلِكَ لِلْإيماءِ إلى كَثْرَةِ المُسْتَمِعِينَ بِناءً عَلى عَدَمِ تَوَقُّفِ الِاسْتِماعِ عَلى ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّظَرُ مِنَ الشُّرُوطِ العادِيَّةِ أوِ العَقْلِيَّةِ والمَعْنى ومِنَ المُكَذِّبِينَ الَّذِينَ أوْ أُناسٌ يُصْغُونَ إلى القُرْآنِ أوْ إلى كَلامِكَ إذا عُلِمَتِ الشَّرائِعُ وتَصِلُ الألْفاظُ لِآذانِهِمْ ولَكِنْ لا يَنْتَفِعُونَ بِها ولا يَقْبَلُونَها كالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ أيْ تَقْدِرُ عَلى إسْماعِهِمْ ﴿ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ 42﴾ أيْ ولَوِ انْضَمَّ إلى صَمَمِهِمْ عَدَمُ عَقْلِهِمْ لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما تَفَرَّسَ إذا وصَلَ إلى صِماخِهِ دَوِيٌّ وأما إذا اجْتَمَعَ فِقْدانُ السَّمْعِ والعَقْلِ فَقَدْ تَمَّ الأمْرُ وإنَّما جُعِلُوا كالصُّمِّ الَّذِينَ لا عَقْلَ لَهم مَعَ كَوْنِهِمْ عُقَلاءَ لِأنَّ عُقُولَهم قَدْ أُصِيبَتْ بِآفَةِ مُعارَضَةِ الوَهْمِ لَها وداءِ مُتابَعَةِ الإلْفِ والتَّقْلِيدِ، ومِن هُنا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ فَهْمُ مَعانِي القُرْآنِ والأحْكامِ الدَّقِيقَةِ وإدْراكُ الحِكَمِ الرَّشِيقَةِ الأنِيقَةِ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِسَرْدِ الألْفاظِ عَلَيْهِمْ غَيْرَ ما تَنْتَفِعُ بِهِ البَهائِمُ مِن كَلامِ النّاعِقِ وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في ﴿أفَأنْتَ﴾ لِلتَّقْوِيَةِ عِنْدَ السَّكّاكِيِّ وجَعَلَهُ العَلّامَةُ لِلتَّخْصِيصِ فَفي تَقْدِيمِ الفاعِلِ المَعْنَوِيِّ وإيلائِهِ هَمْزَةَ الإنْكارِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَصَوَّرَ في نَفْسِهِ مِن حِرْصِهِ عَلى إيمانِ القَوْمِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى الإسْماعِ أوْ نَزَلَ مَنزِلَةَ مَن تَصَوَّرَ أنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ وأنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ نَفى ذَلِكَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ عَلى الِاخْتِصاصِ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ لا تَقْدِرُ عَلى إسْماعِ أُولَئِكَ بَلْ نَحْنُ القادِرُونَ عَلَيْهِ كَذا قِيلَ وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ ولِذا اخْتِيرَ هُنا مَذْهَبُ السَّكّاكِيِّ وجُعِلَ إنْكارُ الإسْماعِ مُتَفَرِّعًا عَلى المُقَدَّمَةِ الِاسْتِدْراكِيَّةِ المَطْوِيَّةِ المَفْهُومَةِ مِنَ المَقامِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ وفِيهِ اعْتِبارُ كَوْنِ الهَمْزَةِ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ وهو مَذْهَبٌ لِبَعْضِهِمْ

وقِيلَ: إنَّها في مَوْضِعِها وأُدْخِلَتِ الفاءُ لِإنْكارِ تَرَتُّبِ الأسْماعِ عَلى الِاسْتِماعِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى فِعْلِهِ المَذْكُورِ الواقِعِ صِلَةً أوْ صِفَةً لِلُزُومِ اخْتِلالِ المَعْنى عَلى ذَلِكَ بَلْ بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى فِعْلٍ مِثْلِهِ مَفْهُومٍ مِن فَحْوى النَّظْمِ غَيْرِ واقِعٍ مَوْقِعَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ فَأنْتَ تَسْمَعُهم وقَدْ يُرادُ إنْكارُ مَكانِ وُقُوعِ الإسْماعِ عَقِيبَ ذَلِكَ وتَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وضْعُ الصُّمِّ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ ووَصْفُهم بِعَدَمِ العَقْلِ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ مُقابِلَةٍ لَها والكُلُّ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ الفِعْلِ السّابِقِ أيْ أفَأنْتَ تُسْمِعُ …

43

وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ

And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?

﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ ويُعايِنُ دَلائِلَ نُبُوَّتِكَ الواضِحَةَ ولَكِنْ لا يَهْتَدِي

صفحة 126

بِها كالأعْمى ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ﴾ تَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ ﴿ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ 43﴾ أيْ ولَوِ انْضَمَّ إلى عَدَمِ البَصَرِ عَدَمُ البَصِيرَةِ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإبْصارِ هو الِاعْتِبارُ والِاسْتِبْصارُ والعُمْدَةُ في ذَلِكَ هي البَصِيرَةُ ولِذَلِكَ يَحْدُسُ الأعْمى المُسْتَبْصِرَ ويَتَفَطَّنُ لِما لا يُدْرِكُ البَصِيرُ الأحْمَقُ فَلا يُقالُ: كَيْفَ أُثْبِتَ لَهَمُ النَّظَرُ والإبْصارُ أوَّلًا ونُفِيَ عَنْهم ثانِيًا

44

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Indeed, Allah does not wrong the people at all, but it is the people who are wronging themselves.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ﴾ أيْ لا يَنْقُصُهم ﴿شَيْئًا﴾ مِمّا نِيطَتْ بِهِ مَصالِحُهم وكَمالاتُهم مِن مَبادِئِ الإدْراكاتِ وأسْبابِ العُلُومِ والإرْشادِ إلى الحَقِّ بِإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ونَصْبِ الأدِلَّةِ بَلْ يُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ وكَرَمًا ﴿ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ 44﴾ أيْ يَنْقُصُونَ ما يَنْقُصُونَ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ فِيما خُلِقَتْ لَهُ وإعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ وتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ وتَرْكِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ فَشَيْئًا مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَظْلِمَ بِناءً عَلى أنَّهُ مُضَمَّنٌ مَعْنى يَنْقُصُ كَما قِيلَ أوْ أنَّهُ بِمَعْناهُ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِالتَّضْمِينِ كَما نَقُولُ وإنَّ النَّقْصَ يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ كَما يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ ولَمْ يُذْكُرْ ثانِيَ مَفْعُولَيِ الثّانِي لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى قَصْرِ المَظْلُومِيَّةِ عَلَيْهِمْ عَلى رَأْيِ مَن لا يَرى التَّقْدِيمَ مُوجِبًا لِلْقَصْرِكابْنِ الأثِيرِ ومَن تَبِعَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقَصْرِ المَظْلُومِيَّةِ عَلى رَأْيِ مَن يَرى التَّقْدِيمَ مُوجِبًا لِذَلِكَ كالجُمْهُورِ ومَن تَبِعَهم ولَعَلَّ إيثارَ قَصْرِها عَلى قَصْرِ الظّالِمِيَّةِ عَلَيْهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في بُطْلانِ أفْعالِهِمْ وسَخافَةِ عُقُولِهِمْ عَلى أنَّ قَصْرَ الأُولى عَلَيْهِمْ مُسْتَلْزِمٌ كَما قِيلَ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الحالِ مِن قَصْرِ الثّانِيَةِ عَلَيْهِمْ فاكْتُفِيَ بِالقَصْرِ الأوَّلِ عَنِ الثّانِي مَعَ رِعايَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الفائِدَةِ

وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ تَأْكِيدًا لِلنّاسِ والمَفْعُولُ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ ضَمِيرِ الفَصْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ في قَصْرِ الظّالِمِيَّةِ عَلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ بِالنَّقْصِ مَعَ كَوْنِهِ تَفْوِيتًا بِالكُلِّيَّةِ لِمُراعاةِ جانِبِ قَرِينِهِ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ نَفْيًا وإثْباتًا أما الثّانِي فَظاهِرٌ وأما الأوَّلُ فَلِأنَّ حَرْفَ النَّفْيِ إذا دَخَلَ عَلى المُضارِعِ يُفِيدُ بِحَسَبِ المَقامِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارَ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ

وقِيلَ: المَعْنى إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ بِتَعْذِيبِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ظُلْما مُسْتَمِرًّا فَإنَّ مُباشَرَتَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ لِلسَّيِّئاتِ المُوجِبَةِ لِلتَّعْذِيبِ عَيْنُ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فالظُّلْمُ عَلى مَعْناهُ المَشْهُورِ و﴿شَيْئًا﴾ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ والمُضارِعُ المَنفِيُّ لِلِاسْتِقْبالِ والمُثْبَتُ لِلِاسْتِمْرارِ ومَساقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى الأوَّلِ لِإلْزامِ الحُجَّةِ وعَلى الثّانِي لِلْوَعِيدِ وعَلى الوَجْهَيْنِ هي تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ وجَعَلَها عَلى الأوَّلِ تَذْيِيلًا لِجَمِيعِ التَّكالِيفِ والأقاصِيصِ المَذْكُورَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ وإنْ كانَ مُتَّجِهًا خِلافَ الظّاهِرِ لا سِيَّما وما بَعْدَ لَيْسَ ابْتِداءٌ مَشْرُوعٌ في قِصَّةِ آخَرِينَ

وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا بِسَلْبِ حَواسِّهِمْ وعُقُولِهِمْ إنْ سَلَبَها لِأنَّهُ تَصَرُّفٌ في خالِصِ مِلْكِهِ ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ بِإفْسادِ …

45

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allah and were not guided

﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ بِالياءِ وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ عَلى عاصِمٍ وقَرَأ الباقُونَ بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ و(يَوْمَ) عِنْدَ الأكْثَرِينَ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيِ اذْكُرْ لَهم أوْ أنْذِرْهم يَوْمَ نَجْمَعُهم لِمَوْقِفِ الحِسابِ ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ أيْ كَأنَّهم أُناسٌ لَمْ يَلْبَسُوا إلّا ﴿ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾ أيْ شَيْئًا قَلِيلًا مِنهُ فَإنَّها مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ وتَخْصِيصُها بِالنَّهارِ لِأنَّ ساعاتِهِ أعْرَفُ حالًا مِن ساعاتِ اللَّيْلِ والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ (نَحْشُرُهُمْ) أيْ نَحْشُرُهم مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في الدُّنْيا أوْ في البَرْزَخِ إلّا ذَلِكَ القَدْرَ اليَسِيرَ ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّشْبِيهِ ظاهِرَهُ عَلى ما قِيلَ وقَدْ صَرَّحَ في شَرْحِ المِفْتاحِ أنَّ التَّشْبِيهَ كَثِيرًا ما يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ مَعانٍ أُخَرُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فالمُرادُ إما التَّأسُّفُ عَلى عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِأعْمارِهِمْ أوْ تَمَنِّي أنْ يَطُولَ مُكْثُهم قَبْلَ ذَلِكَ حَتّى لا يُشاهِدُوا ما شاهَدُوهُ مِنَ الأهْوالِ فَمَآلُ الجُمْلَةِ في الآخِرَةِ نَحْشُرُهم مُتَأسِّفِينَ أوْ مُتَمَنِّينَ طُولَ مُكْثِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (نَحْشُرُهُمْ) مُشَبَّهِينَ في أحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ لِلنّاسِ بِمَن لَمْ يَلْبَثْ في الدُّنْيا ولَمْ يَتَقَلَّبْ في نَعِيمِها إلّا يَسِيرًا فَإنَّ مَن أقامَ بِها دَهْرًا وتَمَتَّعَ بِمَتاعِها لا يَخْلُو عَنْ بَعْضِ آثارِ نِعْمَةٍ وأحْكامِ بَهْجَةٍ مُنافِيَةٍ لِما بِهِمْ مِن رَثاثَةٍ الهَيْئَةِ وسُوءِ الحالِ وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم والظّاهِرُ أنَّهُ تَكَلُّفٌ لِإبْقاءِ التَّشْبِيهِ عَلى ظاهِرِهِ والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى وأيًّا ما كانَ فَفائِدَةُ التَّشْبِيهِ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ والعَجَبُ مِمَّنْ لَمْ يَرَها فَقالَ الظّاهِرُ أنَّ (كَأنَّ) لِلظَّنِّ وادَّعى البَعْضُ أنَّ فائِدَةَ التَّقْيِيدِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ اللُّبْثُ في البَرْزَخِ بَيانُ كَمالِ يُسْرِ الحَشْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ تَعالى ولَوْ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ وإظْهارِ بُطْلانِ اسْتِبْعادِهِمْ وإنْكارِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ أوْ بَيانِ تَمامِ المُوافَقَةِ بَيْنَ النَّشْأتَيْنِ في الأشْكالِ والصُّوَرِ فَإنَّ قِلَّةَ اللُّبْثِ في البَرْزَخِ مِن مُوجِباتِ عَدَمِ التَّبَدُّلِ والتَّغَيُّرِ ولَعَلَّ مَآلَ الحالِ عَلى هَذا ويَوْمَ نَحْشُرُهم عَلى صُوَرِهِمْ وأشْكالِهِمْ غَيْرَ مُتَغَيِّرِينَ وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِيَوْمٍ والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ أوْ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والعائِدُ كَذَلِكَ أيْ

صفحة 128

حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا قَبْلَهُ ورُدَّ بِأنَّ مِثْلَ هَذا الرّابِطِ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ والأوَّلَ بِأنَّ المُرادَ بِالظَّرْفِ المُضافِ وهو المَوْصُوفُ يَوْمُ القِيامَةِ وهو يَوْمٌ مُعَيَّنٌ وتَقْدِيرُ الكَلامِ يَوْمَ حَشْرِهِ أوْ يَوْمَ حَشْرِنا فَيَكُونُ المَوْصُوفُ مَعْرِفَةً والجُمَلُ نَكِراتٍ ولا تُنْعَتُ المَعْرِفَةُ بِالنَّكِرَةِ وأُجِيبُ بِأنَّ المَنعَ مِن جَوازِ حَذْفِ مِثْلَ ذَلِكَ الرّابِطِ في حَيِّزِ المَنعِ وبِأنَّ الجُمَلَ الَّتِي تُضافُ إلَيْها أسْماءُ الزَّمانِ قَدْ يُقَدَّرُ حَلُّها إلى مَعْرِفَةٍ فَيَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْها مَعْرِفَةً وقَدْ يُقَدَّرُ حَلُّها إلى نَكِرَةٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ نَكِرَةً ولَعَلَّ أبا عَلِيٍّ يَتَكَلَّفُ لِاعْتِبارِ حَلِّها إلى نَكِرَةٍ ويَكُونُ المَوْصُوفُ هُنا نَكِرَةً عِنْدَهُ فَيَرْتَفِعُ مَحْذُورُ …

46

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ

And whether We show you some of what We promise them, [O Muhammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allah is a witness concerning what they are doing

﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾

صفحة 129

أصْلُهُ إنْ نُرِيَنَّكَ و(ما) مَزِيدٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ ومِن ثَمَّتْ أكَّدَ الفِعْلَ بِالنُّونِ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ أيْ إمّا نُرِيَنَّكَ بِعَيْنِكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ بِأنْ نُعَذِّبَهم في حَياتِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ والمَعْنى إنَّ عَذابَهم في الآخِرَةِ مُقَرَّرٌ عُذِّبُوا في الدُّنْيا أوْ لا وقِيلَ: هو جَوابُ (نَتَوَفَّيَنَّكَ) كَأنَّهُ قِيلَ: إما نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم فَنُرِيكَهُ في الآخِرَةِ وجَوابُ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ أيْ إمّا نُرِيَنَّكَ فَذاكَ المُرادُ أوِ المُتَمَنّى أوْ نَحْوُ ذَلِكَ وقالَ الطِّيبِيُّ: أيْ فَذاكَ حَقٌّ وصَوابٌ أوْ واقِعٌ أوْ ثابِتٌ واخْتارَ الأوَّلَ أبُو حَيّانَ والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّ الرُّجُوعَ لا يَتَرَتَّبُ عَلى تِلْكَ الإراءَةِ فَيُحْتاجُ إلى التِزامِ كَوْنِ الشَّرْطِيَّةِ اتِّفاقِيَّةَ ناشِئٍ مِنَ الغَفْلَةِ عَنِ المَعْنى المُرادِ والمُرادُ مِن ﴿نَعِدُهُمْ﴾ وعَدْناهم إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ أيْ نَعِدُهم وعْدًا مُتَجَدِّدًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن إنْذارٍ غَبَّ إنْذارٍ

وفِي تَخْصِيصِ البَعْضِ بِالذِّكْرِ قِيلَ رَمْزٌ إلى أنَّ العِدَةَ بِإراءَةِ بَعْضِ المَوْعُودِ وقَدْ أراهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ 46﴾ مِنَ الأفْعالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي حُكِيَتْ عَنْهم والمُرادُ مِنَ الشَّهادَةِ لازِمُها مَجازًا وهو المُعاقَبَةُ والجَزاءُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ اللَّهُ تَعالى مُعاقِبٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنها إقامَتُها وأداؤُها بِإنْطاقِ الجَوارِحِ وإلّا فَشَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى كَوْنِهِ رَقِيبًا وحافِظًا أمْرٌ دائِمٌ في الدّارَيْنِ و(ثُمَّ) لا تُناسِبُ ذاكَ والظّاهِرُ أنَّها عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى ظاهِرِها وفي الكَشْفِ وغَيْرِهِ هي عَلى الأوَّلِ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ وعَلى الثّانِي عَلى الظّاهِرِ وظاهِرَ كَلامِ البَعْضِ اسْتِحْسانُ حَمْلِها عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ مُطْلَقًا ولا أرى لِارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ بَعْدَ ذَلِكَ الِارْتِكابِ داعِيًا وأنَّ العَطْفَ بِها عَلى الجَزاءِ لا عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِيَّةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ عَلى ذاكَ يَمْنَعُ مِن إرادَةِ التَّعْذِيبِ مِنهُ أوْ إراءَتِهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى المَعْطُوفُ بِثُمَّ بَعْدَهُ ومُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ ولَعَلَّ ما اعْتَبَرُوهُ هُناكَ لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلرُّجُوعِ بَلْ هو بَيانٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَأْكِيدِ التَّهْدِيدِ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (ثَمَّ) بِالفَتْحِ أيْ هُنالِكَ

47

وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And for every nation is a messenger. So when their messenger comes, it will be judged between them in justice, and they will not be wronged

﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿رَسُولٌ﴾ تُنْسَبُ إلَيْهِ وتُدْعى بِهِ ﴿فَإذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ المَوْقِفَ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإيمانِ ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ يَشْهَدَ ﴿بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ وحَكَمَ بِنَجاةِ المُؤْمِنِ وعِقابِ الكافِرِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ 47﴾ أصْلًا والجُمْلَةُ قِيلَ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مُؤَكِّدَةٌ لَهُ

وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُسْتَمِرًّا عَدَمُ ظُلْمِهِمْ ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أوْ لِكُلِّ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ رَسُولٌ يُبْعَثُ إلَيْهِمْ بِشَرِيعَةٍ اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ لِيَدْعُوَهم إلى الحَقِّ فَإذا جاءَ رَسُولُهم فَبَلَّغَهم ودَعاهم فَكَذَّبُوهُ وخالَفُوهُ قُضِيَ بَيْنَهم أيْ بَيْنَ كُلِّ أُمَّةٍ ورَسُولِها بِالعَدْلِ وحُكِمَ بِنَجاةِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ وهَلاكِ المُكَذِّبِينَ والأوَّلُ مِمّا رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ والِاسْتِقْبالُ عَلَيْهِ عَلى ظاهِرِهِ ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ مِثْلَ ما احْتِيجَ في التَّفْسِيرِ الثّانِي وقَدْ رُجِّحَ بِقَوْلِهِ تَعالى

48

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"

﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ 48﴾ بِناءً عَلى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ بِالوَعْدِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ المَوْعُودُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما بَعْدُ واسْتَشْكَلَ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْمِلْ أُمَّةً مِنَ

صفحة 130

الأُمَمِ قَطُّ بَلْ بَعَثَ إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهم رَسُولًا بِأنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ لَيْسَ فِيهِمْ رَسُولٌ كَما يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ وأُجِيبُ بِأنَّ عُمُومَ الآيَةِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ حاضِرًا مَعَ كُلِّ أُمَّةٍ مِنهم لِأنَّ تَقَدُّمَهُ عَلى بَعْضٍ مِنهم لا يَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا إلى ذَلِكَ البَعْضِ كَما لا يَمْنَعُ تَقَدُّمُ رَسُولِنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن كَوْنِهِ مَبْعُوثًا إلَيْنا إلى آخِرِ الأبَدِ غايَةُ ما في البابِ أنَّ ما وقَعَ مِن تَخْلِيطِ القَوْمِ في زَمَنِ الفَتْرَةِ يَكُونُ مُؤَدِّيًا إلى ضَعْفِ أثَرِ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ انْتَهى وهو كَما تَرى. وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُرادَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ كُلُّ جَماعَةٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى تَكْلِيفَها حَسْبَما سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ أوْ أرادَ سُبْحانَهُ تَنْفِيذَ كَلِمَتِهِ فِيها أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ المُخَصَّصاتِ الَّتِي لا يَلْغُو مَعَها الحُكْمُ لا كُلُّ جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ مُطْلَقًا فَلا إشْكالَ أصْلًا فَتَدَبَّرْ. ثُمَّ إنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ المُكَذِّبِينَ اسْتِعْجالٌ لِما وُعِدُوا بِهِ وغَرَضُهم مِنهُ عَلى ما قِيلَ اسْتِبْعادُ المَوْعُودِ وأنَّهُ مِمّا لا يَكُونُ وقَدْ يُرادُ بِالِاسْتِفْهامِ الِاسْتِبْعادُ ابْتِداءً إذِ المَقامُ يَقْتَضِيهِ ولا مانِعَ عَنْهُ والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ ابْتِداءً بِأيْنَ وأنّى ونَحْوِهِما دُونَ مَتى غَيَّرَ مُسْلِمٌ كَيْفَ وهو مَعْنى مَجازِيٌّ والمَجازُ لا حَجْرَ فِيهِ والخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمُ الآياتِ المُتَضَمِّنَةَ لِذَلِكَ وجَوابُ أنَّ مَحْذُوفٌ اعْتِمادًا عَلى ما تَقَدَّمَهُ أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّهُ يَأْتِينا فَلْيَأْتِنا عَجَلَةً

49

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

Say, "I possess not for myself any harm or benefit except what Allah should will. For every nation is a [specified] term. When their time has come, then they will not remain behind an hour, nor will they precede [it]."

ولِكَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الواسِطَةَ في إتْيانِ ذَلِكَ ومِنهُ نَشَأ الوَعْدُ دُونَ المُؤْمِنِينَ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ أيْ لا أقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وتَقْدِيمُ الضَّرِّ لِما أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِإظْهارِ العَجْزِ عَنْهُ وأمّا ذِكْرُ النَّفْعِ فَلِلتَّعْمِيمِ إظْهارًا لِكَمالِ العَجْزِ وقِيلَ: إنَّهُ اسْتِطْرادِيٌّ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالضَّرِّ والأوَّلُ أوْلى وما وقَعَ في سُورَةِ الأعْرافِ مِن تَقْدِيمِ النَّفْعِ فَلِلْإشْعارِ بِأهَمِّيَّتِهِ والمَقامُ مَقامُهُ والمَعْنى لا أمْلِكُ شَيْئًا مِن شُؤُونِي رَدًّا وإيرادًا مَعَ أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ حُصُولًا فَكَيْفَ أمْلِكُ شُؤُونِكم حَتّى أتَسَبَّبَ في إتْيانِ عَذابِكُمُ المَوْعُودِ حَسْبَما تُرِيدُونَ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ جَمْعٍ أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى كائِنٌ وقِيلَ: مُتَّصِلٌ عَلى مَعْنى إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ أمْلِكَهُ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَقامُ التَّبْرِئِ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دَخْلٌ في إتْيانِ الوَعْدِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي بَيانَ كَوْنِ المُتَنازَعِ فِيهِ مِمّا لا يَشاءُ أنْ يَمْلِكَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: والمُعْتَزِلَةُ قالُوا بِاتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ واسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى أنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِأفْعالِهِ مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي وأنْتَ تُعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ بِمَراحِلَ عَنْ إثْباتِ مُدَّعاهم نَعَمِ اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُ مَن يَرى رَأْيَ السَّلَفِ مِن أنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لا أنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ أصْلًا كَما يَقُولُهُ الجَبْرِيَّةُ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً لَكِنَّها غَيْرُ مُؤْثِرَةٍ كَما هو المَشْهُورُ عَنِ الأشاعِرَةِ ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةٌ مُؤَثِّرَةً إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وإنْ لَمْ يَشَأْ كَما هو رَأْيُ المُعْتَزِلَةِ وقالَ: المَعْنى لا أقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنَ الضَّرِّ والنَّفْعِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ أقْدِرَ عَلَيْهِ مِنهُما فَإنِّي أقْدِرُ عَلَيْهِ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ وقالَ بَعْضُهُمْ: إذا كانَ المِلْكُ بِمَعْنى الِاسْتِطاعَةِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا وإذا أُبْقِيَ عَلى ظاهِرِهِ تَعَيَّنَ الِانْقِطاعُ ولا يَخْفى أنَّ الأصْلَ الِاتِّصالُ ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ حَيْثُ أمْكَنَ مِن دُونِ تَعَسُّفٍ وأيًّا ما كانَ فَظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ المَفْعُولِ إلّا أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ لَيْسَ المَعْنى عَلى إخْراجِ المُسْتَثْنى مِن حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ ولِذا جُعِلَ الحُكْمُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أنَّهُ كائِنٌ دُونَ أمْلِكُهُ مَثَلًا فَلا تَدافُعَ في كَلامِ مَن حَكَمَ بِالِانْقِطاعِ وقالَ

صفحة 131

فِي بَيانِ المَعْنى أيْ ولَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ كائِنٌ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى النَّفْعِ والضَّرِّ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في كَوْنِ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ المُقْتَضِي لِلِاتِّصالِ لِأنَّ المَدارَ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ في الأمْرَيْنِ عَلى الإخْراجِ مِنَ الحُكْمِ وعَدَمِهِ

ومِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ زَعْمُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن فاعِلِ ﴿لا أمْلِكُ﴾ وجَعْلُ المَعْنى لا أمْلِكُ أنا ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المالِكُ لِكُلِّ ما يَشاءُ يَفْعَلُهُ بِمَشِيئَتِهِ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِ رُسُلِهِمْ ﴿أجَلٌ﴾ …

50

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوْ نَهَارًۭا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ

Say, "Have you considered: if His punishment should come to you by night or by day - for which [aspect] of it would the criminals be impatient?"

﴿قُلْ﴾ لَهم بَعْدَما بَيَّنْتُ لَهم كَيْفِيَّةَ حالِكَ وجَرَيانَ سُنَّةِ اللَّهِ تَعالى فِيما بَيْنَ الأُمَمِ عَلى الإطْلاقِ ونَبَّهْتُهم عَلى أنَّ عَذابَهم أمْرٌ مُقَرَّرٌ مَحْتُومٌ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى مَجِيءِ أجَلِهِ المَعْلُومِ إيذانًا بِكَمالِ دُنُوِّهِ وتَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ إتْيانِهِ حَقِيقَةً ﴿أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ولَعَلَّ اسْتِعْمالَ ﴿إنْ﴾ مِن بابِ المُجاراةِ ﴿بَياتًا﴾ أيْ وقْتَ بَياتٍ أوْ ﴿نَهارًا﴾ أيْ عِنْدَ اشْتِغالِكم بِمَشاغِلِكم وإنَّما لَمْ يَقُلْ لَيْلًا ونَهارًا لِيَظْهَرَ التَّقابُلُ لِأنَّ المُرادَ الإشْعارُ بِالنَّوْمِ والغَفْلَةِ والبَياتُ مُتَكَفِّلٌ بِذَلِكَ لِأنَّهُ الوَقْتُ الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ العَدُوُّ ويُوقَعُ فِيهِ ويَغْتَنِمُ فُرْصَةَ

صفحة 133

غَفْلَتِهِ ولَيْسَ في مَفْهُومِ اللَّيْلِ هَذا المَعْنى ولَمْ يَشْتَهِرْ شُهْرَةَ النَّهارِ بِالِاشْتِغالِ بِالمَصالِحِ والمَعاشِ حَتّى يَحْسُنَ الِاكْتِفاءُ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ كَما في النَّهارِ وقَدْ يُقالُ: النَّهارُ كُلُّهُ مَحَلُّ الغَفْلَةِ لِأنَّهُ إمّا زَمانُ اشْتِغالٍ بِمَعاشٍ أوْ زَمانُ قَيْلُولَةٍ بِخِلافِ اللَّيْلِ فَإنَّ مَحَلَّ الغَفْلَةِ فِيهِ ما قارَبَ وسَطَهُ وهو وقْتُ البَياتِ فَلِذا خُصَّ بِالذِّكْرِ والبَياتُ جاءَ بِمَعْنى البَيْتُوتَةِ وبِمَعْنى التَّبْيِيتِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ والمَعْنى المُرادُ هُنا مَبْنِيٌّ عَلى هَذا ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ 50﴾ أيْ أيَّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُونَ مِنَ العَذابِ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ يُوجِبُ الِاسْتِعْجالَ لَمّا أنَّ كُلَّهُ مَكْرُوهٌ مُرُّ المَذاقِ مُوجِبٌ لِلنِّفارِ فَمِن لِلتَّبْعِيضِ والضَّمِيرُ لِلْعَذابِ والتَّنْكِيرُ في شَيْءٍ لِلْفَرْدِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى التَّعَجُّبِ وهو مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ كَأنَّهُ قِيلَ: أيْ هَوْلٌ شَدِيدٌ يَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ فَمِن بَيانِيَّةٌ وتَجْرِيدِيَّةٌ بِناءً عَلى عَدِّ الزَّمَخْشَرِيِّ لَها مِنها وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى وعَلَيْهِ فالمَعْنى عَلى الثّانِي ولَكِنْ تَزُولُ فائِدَةُ الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ وما فِيهِ مِنَ التَّفْخِيمِ

وما قِيلَ: إنَّهُ أبْلَغُ عَلى مَعْنى هَلْ تَعْرِفُونَ ما العَذابُ المُعَذِّبُ بِهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ (1) فَهو مُشْتَرَكٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَذابُهُ﴾ و﴿ماذا﴾ بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ مَنصُوبُ المَحَلِّ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا وهو أوْلى مِن جَعْلِهِ مُبْتَدَأً ومَن فَعَلَ قَدَّرَ العائِدَ ومَن قالَ: إنَّ ضَمِيرَ ﴿مِنهُ﴾ هو الرّابِطُ مَعَ تَفْسِيرِهِ بِالعَذابِ جَنَحَ إلى أنَّ المُسْتَعْجَلَ مِنَ العَذابِ فَهو شامِلٌ لِلْمُبْتَدَأِ فَيَقُومُ مَقامَ رابِطِهِ لِأنَّ عُمُومَ الخَبَرِ في الِاسْمِ الظّاهِرِ يَكُونُ رابِطًا عَلى المَشْهُورِ فَفي الضَّمِيرِ أوْلى وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى المُبْتَدَأِ وهو الرّابِطُ وجَعَلَ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِكَ: زَيْدٌ أخَذْتُ مِنهُ دِرْهَمًا ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى والمُرادُ مِنَ المُجْرِمُونَ المُخاطَبُونَ وعُدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لِجُرْمِهِمْ يَنْبَغِي أنْ يَفْزَعُوا مِن إتْيانِ العَذابِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَعْجِلُوهُ وقِيلَ: النُّكْتَةُ في ذَلِكَ إظْهارُهُ تَحْقِيرَهم وذَمَّهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ الفَظِيعَةِ والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأرَأيْتُمْ عَلى أنَّها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وعُلِّقَ عَنْها الفِعْلُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو في الأصْلِ اسْتِفْهامٌ عَنِ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.