Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 41–50 of 109

41

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تَعْمَلُونَ

And if they deny you, [O Muhammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."

لما كان العلم بتكذيبهم حاصلاً مما تقدم من الآيات تعين أن التكذيب المفروض هنا بواسطة أداة الشرط هو التكذيب في المستقبل ، أي الاستمرار على التكذيب . وذلك أن كل ما تبين به صدق القرآن هو مثبِت لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أتى به ، أي إن أصروا على التكذيب بعدما قارعتْهم به من الحجة فاعلم أنهم لا تنجع فيهم الحجج وأعلن لهم بالبراءة منهم كما تَبرؤوا منك .ومعنى : { لي عملي ولكم عملكم } المتاركة . وهو مما أجري مُجرى المثل ، ولذلك بني على الاختصار ووفرة المعنى ، فأفيد فيه معنى الحصر بتقديم المعمول وبالتعبير بالإضافة ب { عَملي } و { عَمَلكم } ، ولم يعبر بنحو لي ما أعمل ولكم ما تعملون ، كما عُبر به بعد .والبريء : الخلي عن التلبس بشيءٍ وعن مخالطته . وهو فَعيل من بَرّأ المضاعف على غير قياس . وفعل بَرَّأ مشتق من برىء بكسر الراء من كذا ، إذا خلت عنه تبعته والمؤاخذة به .وهذا التركيب لا يراد به صريحُه وإنما يراد به الكناية عن المباعدة . وقد جاء هذا المكنى به مصرحاً به في قوله تعالى : { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } [ الشعراء : 216 ] ، ولذلك فجملة : { أنتم بريئون مما أعمل } إلى آخرها بيان لجملة : { لي عملي ولكم عملكم } ولذلك فصلت .وإنما عدل عن الإتيان بالعمل مصدراً كما أتي به في قوله : { لي عملي ولكم عملكم } إلى الإتيان به فعلاً صلة ل { ما } الموصولة للدلالة على البراءة من كل عمل يحدث في الحال والاستقبال ، وأما العمل الماضي فلكونه قد انقضى لا يتعلق الغرض بذكر البراءة منه . ولو عبر بالعمل لربما توهم أن المراد عمل خاص لأن المصدر المضاف لا يعم ، ولتجنب إعادة اللفظ بعينه في الكلام الواحد؛ لأن جملة البيان من تمام المبيَّن ، ولأن هذا اللفظ أنسب بسلاسة النظم ، لأن في ( ما ) في قوله : { مما أعمل } من المد ما يجعله أسعد بمد النَفَس في آخر الآية والتهيئة للوقف على قوله : { مما تعملون } ، ولما في { تعملون } من المد أيضاً ، ولأنه يراعي الفاصلة .وهذا من دقائق فصاحة القرآن الخارجة عن الفصاحة المتعارفة بين الفصحاء .

42

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يَعْقِلُونَ

And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear, although they will not use reason?

لما سبق تقسيم المشركين بالنسبة إلى اعتقادهم في الأصنام إلى من يتبع الظن ومن يوقن بأن الأصنام لا شيء ، وتقسيمهم بالنسبة لتصديق القرآن إلى قسمين : من يؤمن بصدقه ومن لا يؤمن بصدقه؛ كمُل في هذه الآية تقسيمهم بالنسبة للتلقي من النبي صلى الله عليه وسلم إلى قسمين : قِسم يحضرون مجلسه ويستمعون إلى كلامه ، وقسم لا يحضرون مجلسه وإنما يتوسمونه وينظرون سمته . وفي كلا الحالين مسلك عظيم إلى الهدى لو كانوا مهتدين؛ فإن سماع كلام النبي وإرشادِه ينير عقول القابلين للهداية ، فلا جرم أن كان استمرار المشركين على كفرهم مع سماعهم كلام النبي أو رؤية هديه مؤذناً ببلوغهم الغاية في الضلالة مَيئوساً من نفوذ الحق إليهم ، وليس ذلك لقصور كلامه عن قوة الإبلاغ إلى الاهتداء ، كما أن التوسم في سمته الشريف ودلائل نبوءته الواضحة في جميع أحواله كاف في إقبال النفس عليه بشراشرها ، فما عُدم انتفاع الكفار الذين يعاينون ذاته الشريفة بمعاينتها إلا لشدة بغضهم إياه وحسدهم ، وقد أفاد سياق الكلام أنهم يستمعون إليه وينظرون إليه ولا ينتفعون بذلك من جهة أن المستمعين إليه والناظرين إليه هنا استمروا على الكفر كما دل عليه قوله : { وَمِنْهُمْ } في الموضعين ، فطويت جملة : ولا ينتفعون أو نحوها لِلإيجاز بدلالة التقسيم . وجيء بالفعل المضارع دون اسم الفاعل للدلالة على تكرر الاستماع والنظر . والحرمان من الاهتداء مع ذلك التكرر أعجب .فجملة : { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ } تفريع على جملة : { مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } مع ما طوي فيها . وفي هذا التفريع بيان لسبب عدم انتفاعهم بسماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له وتعليم للمسلمين ، فقُربت إليهم هذه الحالة الغريبة بأن أولئك المستمعين بمنزلة صُم لا يعقلون في أنهم حُرموا التأثر بما يسمعون من الكلام فساووا الصم الذين لا يعقلون في ذلك ، وهذه استعارة مصرحة إذ جعلهم نفس الصم .وبُني على ذلك استفهام عن التمكن من إسماع هؤلاء الصم وهدي هؤلاء العمي مع أنهم قد ضموا إلى صَممهم عدم العقل وضموا إلى عَماهم عدم التبصر . وهذان الاستفهامان مستعملان في التعجيب من حالهم إذ يستمعون إلى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعقلونها ، وإذ ينظرون أعماله وسِيرته ولا يهتدون بها ، فليس في هذين الاستفهامين معنى الإنكار على محاولة النبي إبلاغهم وهديهم لأن المقام ينبُو عن ذلك .وهذه المعاني المجازية تختلف باختلاف المقام والقرائن ، فلذلك لم يكن الاستفهامان إنكاراً ، ولذلك لا يتوهم إشكال بأن موقع ( لو ) الوصلية هنا بعدما هو بمعنى النفي بحيث تنتقض المبالغة التي اجتلبت لها ( لو ) الوصلية ، بل المعنى بالعكس .وفي هذين الاستفهامين ترشيح لاستعارة الصم والعمي لهؤلاء الكافرين ، أي أن الله لما خلق نفوسهم مفطورة على المكابرة والعناد وبغضاء من أنعم الله عليه وحسده كانت هاته الخصال حوائل بينهم وبين التأثر بالمسموعات والمبصرات فجيء بصيغة الاستفهام التعجيبي المشتملة على تقَوّي الخبر بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بقوله : { أفأنت تسمع } وقوله : { أفأنت تهدي } دون أن يقال : { أتسمع الصم } و { أتهدي العمي } ، فكان هذا التعجيب مؤكداً مقوى .و ( لو ) في قوله : { ولو كانوا لا يعقلون } وقوله : { ولو كانوا لا يبصرون } ، وصلية دالة على المبالغة في الأحوال ، وهي التي يكون الذي بعدها أقصى ما يعلق به الغرض . ولذلك يقدرون لتفسير معناها جملة قبل جملة ( لو ) مضمونها ضِد الجملة التي دخلت عليها ( لو ) ، فيقال هنا : أفأنت تسمع الصم لَوْ كانوا يعقلون بل ولو كانوا لا يعقلون .ولما كان الغرض هنا التعجيب من حالهم إذ لم يصلوا إلى الهدى كان عدم فهمهم وعدم تبصرهم كناية عن كونهم لا يعقلون وكونهم لا بصائر لهم . فمعنى : { لا يعقلون } ليس لهم إدراك العقول ، أي ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم فإن …

43

وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا۟ لَا يُبْصِرُونَ

And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?

لما سبق تقسيم المشركين بالنسبة إلى اعتقادهم في الأصنام إلى من يتبع الظن ومن يوقن بأن الأصنام لا شيء ، وتقسيمهم بالنسبة لتصديق القرآن إلى قسمين : من يؤمن بصدقه ومن لا يؤمن بصدقه؛ كمُل في هذه الآية تقسيمهم بالنسبة للتلقي من النبي صلى الله عليه وسلم إلى قسمين : قِسم يحضرون مجلسه ويستمعون إلى كلامه ، وقسم لا يحضرون مجلسه وإنما يتوسمونه وينظرون سمته . وفي كلا الحالين مسلك عظيم إلى الهدى لو كانوا مهتدين؛ فإن سماع كلام النبي وإرشادِه ينير عقول القابلين للهداية ، فلا جرم أن كان استمرار المشركين على كفرهم مع سماعهم كلام النبي أو رؤية هديه مؤذناً ببلوغهم الغاية في الضلالة مَيئوساً من نفوذ الحق إليهم ، وليس ذلك لقصور كلامه عن قوة الإبلاغ إلى الاهتداء ، كما أن التوسم في سمته الشريف ودلائل نبوءته الواضحة في جميع أحواله كاف في إقبال النفس عليه بشراشرها ، فما عُدم انتفاع الكفار الذين يعاينون ذاته الشريفة بمعاينتها إلا لشدة بغضهم إياه وحسدهم ، وقد أفاد سياق الكلام أنهم يستمعون إليه وينظرون إليه ولا ينتفعون بذلك من جهة أن المستمعين إليه والناظرين إليه هنا استمروا على الكفر كما دل عليه قوله : { وَمِنْهُمْ } في الموضعين ، فطويت جملة : ولا ينتفعون أو نحوها لِلإيجاز بدلالة التقسيم . وجيء بالفعل المضارع دون اسم الفاعل للدلالة على تكرر الاستماع والنظر . والحرمان من الاهتداء مع ذلك التكرر أعجب .فجملة : { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ } تفريع على جملة : { مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } مع ما طوي فيها . وفي هذا التفريع بيان لسبب عدم انتفاعهم بسماع كلام النبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له وتعليم للمسلمين ، فقُربت إليهم هذه الحالة الغريبة بأن أولئك المستمعين بمنزلة صُم لا يعقلون في أنهم حُرموا التأثر بما يسمعون من الكلام فساووا الصم الذين لا يعقلون في ذلك ، وهذه استعارة مصرحة إذ جعلهم نفس الصم .وبُني على ذلك استفهام عن التمكن من إسماع هؤلاء الصم وهدي هؤلاء العمي مع أنهم قد ضموا إلى صَممهم عدم العقل وضموا إلى عَماهم عدم التبصر . وهذان الاستفهامان مستعملان في التعجيب من حالهم إذ يستمعون إلى دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعقلونها ، وإذ ينظرون أعماله وسِيرته ولا يهتدون بها ، فليس في هذين الاستفهامين معنى الإنكار على محاولة النبي إبلاغهم وهديهم لأن المقام ينبُو عن ذلك .وهذه المعاني المجازية تختلف باختلاف المقام والقرائن ، فلذلك لم يكن الاستفهامان إنكاراً ، ولذلك لا يتوهم إشكال بأن موقع ( لو ) الوصلية هنا بعدما هو بمعنى النفي بحيث تنتقض المبالغة التي اجتلبت لها ( لو ) الوصلية ، بل المعنى بالعكس .وفي هذين الاستفهامين ترشيح لاستعارة الصم والعمي لهؤلاء الكافرين ، أي أن الله لما خلق نفوسهم مفطورة على المكابرة والعناد وبغضاء من أنعم الله عليه وحسده كانت هاته الخصال حوائل بينهم وبين التأثر بالمسموعات والمبصرات فجيء بصيغة الاستفهام التعجيبي المشتملة على تقَوّي الخبر بتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بقوله : { أفأنت تسمع } وقوله : { أفأنت تهدي } دون أن يقال : { أتسمع الصم } و { أتهدي العمي } ، فكان هذا التعجيب مؤكداً مقوى .و ( لو ) في قوله : { ولو كانوا لا يعقلون } وقوله : { ولو كانوا لا يبصرون } ، وصلية دالة على المبالغة في الأحوال ، وهي التي يكون الذي بعدها أقصى ما يعلق به الغرض . ولذلك يقدرون لتفسير معناها جملة قبل جملة ( لو ) مضمونها ضِد الجملة التي دخلت عليها ( لو ) ، فيقال هنا : أفأنت تسمع الصم لَوْ كانوا يعقلون بل ولو كانوا لا يعقلون .ولما كان الغرض هنا التعجيب من حالهم إذ لم يصلوا إلى الهدى كان عدم فهمهم وعدم تبصرهم كناية عن كونهم لا يعقلون وكونهم لا بصائر لهم . فمعنى : { لا يعقلون } ليس لهم إدراك العقول ، أي ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم فإن …

44

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًۭٔا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

Indeed, Allah does not wrong the people at all, but it is the people who are wronging themselves.

يل ، وشمل عموم الناس المشركين الذين يستمعون ولا يهتدون وينظرون ولا يعتبرون . والمقصود من هذا التذييل التعريض بالوعيد بأنْ سينالهم ما نال جميع الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب رسل الله . وعموم { الناس } الأوللِ على بابه وعموم { الناس } الثاني مراد به خصوص الناس الذين ظلَموا أنفسهم بقرينة الخبر . وإنما حسن الإتيان في جانب هؤلاء بصيغة العموم تنزيلاً للكثرة منزلة الإحاطة لأن ذلك غالب حال الناس في ذلك الوقت .وهذا الاستدراك أشعر بكلام مطوي بعد نفي الظلم عن الله ، وهو أن الله لا يظلم الناس بعقابه من لم يستوجب العقاب ولكن الناس يظلمون فيستحقون العقاب ، فصار المعنى أن الله لا يظلم الناس بالعقاب ولكنهم يظلمون أنفسهم بالاعتداء على ما أراد منهم فيعاقبهم عدلاً لأنهم ظلَموا فاستوجبوا العقاب .وتقديم المفعول على عامله لإفادة تغليطهم بأنهم ما جنوا بكفرهم إلا على أنفسهم وما ظلموا الله ولا رسله فما أضروا بعملهم إلا أنفسهم .وقرأ الجمهور بتشديد نون { لكنّ } ونصب { الناس }. وقرأ حمزة والكسائي وخلف بتخفيف النون ورفع { الناس }.

45

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةًۭ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allah and were not guided

على : { ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم } [ يونس : 28 ] عطف القصة على القصة عَوْداً إلى غرض من الكلام بعد تفصيله وتفريعه وذم المسوق إليهم وتقريعهم فإنه لما جاء فيما مضى ذكر يوم الحشر إذ هو حين افتضاح ضلال المشركين ببراءة شركائهم منهم أتبع ذلك بالتقريع على عبادتهم الأصنام مع وضوح براهين الوحدانية لله تعالى . وإذ كان القرآن قد أبلغهم ما كان يعصمهم من ذلك الموقف الذليل لو اهتدوا به أتبع ذلك بالتنويه بالقرآن وإثبات أنه خارج عن طوق البشر وتسفيه الذين كذبوه وتفننوا في الإعراض عنه واستُوفي الغرض حقَّه عاد الكلام إلى ذكر يوم الحشر مرة أخرى إذ هو حين خيبة أولئك الذين كذبوا بالبعث وهم الذين أشركوا وظهر افتضاح شركهم في يوم الحشر فكان مثلَ رد العجز على الصدر .وانتصب { يوم } على الظرفية لفعل { خسر }. والتقدير : وقد خسر الذين كذبوا بلقاء الله يوم نحشرهم ، فارتباط الكلام هكذا : وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون وقد خسر الذين كذبوا بلقاء الله يوم نحشرهم . وتقديم الظرف على عامله للاهتمام لأن المقصود الأهم تذكيرهم بذلك اليوم وإثبات وقوعه مع تحذيرهم ووعيدهم بما يحصل لهم فيه .ولذلك عدل عن الإضمار إلى الموصولية في قوله : { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } دون قد خسروا ، للإيماء إلى أن سبب خسرانهم هو تكذيبهم بلقاء الله وذلك التكذيب من آثار الشرك فارتبط بالجملة الأولى ، وهي جملة : { ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا مكانكم إلى قوله : وضل عنهم ما كانوا يفترون } [ يونس : 28 30 ].وقرأ الجمهور { نحشرهم } بنون العظمة ، وقرأه حفص عن عاصم بياء الغيبة ، فالضمير يعود إلى اسم الجلالة في قوله قبله : { إن الله لا يظلم الناس شيئاً } [ يونس : 44 ] وجملة : { كأنْ لم يلبثوا إلا ساعة من النهار } إما معترضة بين جملة : { نحشرهم } وجملة { يتعارفون بينهم } ، وإما حال من الضمير المنصوب في { نحشرهم }.و { كأن } مخففةُ ( كأنَّ ) المشددةِ النون التي هي إحدَى أخوات ( إنَّ ) ، وهي حرف تشبيه ، وإذا خففت يكون اسمها محذوفاً غالباً ، والتقدير هنا : كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من النهار . وقد دل على الاسم المحذوف ما تقدم من ضمائرهم .والمعنى تشبيه المحشورين بعد أزمان مضت عليهم في القبور بأنفسهم لو لم يلبثوا في القبور إلا ساعةً من النهار .و { من النهار } ( من ) فيه تبعيضية صفة ل { ساعة } وهو وصف غير مراد منه التقييد إذ لا فرق في الزمن القليل بين كونه من النهار أو من الليل وإنما هذا وصف خرج مخرج الغالب لأن النهار هو الزمن الذي تستحضره الأذهان في المتعارف ، مثل ذكر لفظ الرجل في الإخبار عن أحوال الإنسان كقوله تعالى :{ وعلى الأعراف رجال } [ الأعراف : 46 ]. ومن هذا ما وقع في الحديث « وإنما أحِلَّت لي ساعة من نهار » ، والمقصود ساعة من الزمان وهي الساعة التي يقع فيها قتال أهل مكة من غير التفات إلى تقييد بكونه في النهار وإن كان صادف أنه في النهار .والساعة : المقدار من الزمان ، والأكثر أن تطلق على الزمن القصير إلا بقرينة ، وتقدم عند قوله تعالى : { لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون } في سورة [ الأعراف : 34 ].ووجه الشبه بين حال زمن لبثهم في القبور وبين لبثثِ ساعة من النهار وجوهٌ : هي التحقق والحصول ، بحيث لم يمنعهم طول الزمن من الحشر ، وأنهم حشروا بصفاتهم التي عاشوا عليها في الدنيا فكأنهم لم يفنوا . وهذا اعتبار بعظيم قدرة الله على إرجاعهم .والمقصود من التشبيه التعريض بإبطال دعوى المشركين إحالتهم البعث بشبهة أن طول اللبث وتغير الأجساد ينافي إحياءها { يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أإذا كنا عظاماً نخرة } [ النازعات : 10 ، 11 ].وجملة : { يتعارفون بينهم } حال من الضمير المنصوب في { نحشرهم }.والتعارف : تفاعل من عَرف ، أي يعرف كل واحد منهم يومئذٍ من كان يعرفه في الدنيا ويعرفه الآخَر …

46

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ

And whether We show you some of what We promise them, [O Muhammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allah is a witness concerning what they are doing

كانَ ذكر تكذيبهم الذي جاء في صدر السورة بقوله : { قال الكافرون إنّ هذا لسحر مبين } [ يونس : 2 ] ، ثم الوعيد عليه بعذاب يحل بهم ، والإشارةُ إلى أنهم كذبوا بالوعيد في قوله : { ولو يعجل الله للناس الشر إلى قوله : { لننظر كيف تعملون } [ يونس : 11 14 ] منذراً بترقب عذاب يحل بهم في الدنيا كما حل بالقرون الذين من قبلهم ، وكان معلوماً من خلق النبي صلى الله عليه وسلم رأفتُه بالناس ورغبتُه أن يتم هذا الدين وأن يهتدي جميع المدعوين إليه ، فربما كان النبي يحذر أن ينزل بهم عذاب الاستئصال فيفوت اهتداؤهم . وكان قوله : { ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون } [ يونس : 11 ] تصريحاً بإمكان استبقائهم وإيماءً إلى إمهالهم . جاء هذا الكلام بياناً لذلك وإنذاراً بأنهم إن أمهلوا فأبقي عليهم في الدنيا فإنهم غير مفلتين من المصير إلى عقاب الآخرة حين يرجعون إلى تصرف الله دون حائل .وجاء الكلام على طريقة إبْهام الحاصل من الحالين لإيقاع الناس بين الخوف والرجاء وإن كان المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلموالمرادُ ب { بعض الذي نعدهم } هو عذاب الدنيا فإنهم أوعدوا بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، قال تعالى : { وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك }. فالمعنى إن وقع عذاب الدنيا بهم فرأيتَه أنت أو لم يقع فتوفاك الله فمصيرهم إلينا على كل حال .فمضمون { أو نتوفينك } قسيم لمضمون { نرينك بعضَ الذي نعدهم }.والجملتان معاً جملتا شرط ، وجواب الشرط قوله : { فإلينا مرجعهم }.ولما جعل جواب الشرطين إرجاعَهم إلى الله المكنَّى به عن العقاب الآجِل ، تعين أن التقسيم الواقع في الشرط ترديد بين حالتين لهما مناسبة بحالة تحقق الإرجاع إلى عذاب الله على كلا التقديرين ، وهما حالة التعجيل لهم بالعذاب في الدنيا وحالة تأخير العذاب إلى الآخرة . وأما إراءة الرسول تعذيبهم وتوفيه بدون إرائته فلا مناسبة لهما بالإرجاع إلى الله على كلتيهما إلا باعتبار مقارنة إحداهما لحالة التعجيل ومناسبة الأخرى لحالة التأخير .وإنما كُني عن التعجيل بأن يريد اللّهُ الرسولَ للإيماء إلى أن حالة تعجيل العذاب لا يريد الله منها إلا الانتصاف لرسوله بأن يريه عذاب معانديه ، ولذلك بُني على ضد ذلك ضدّ التعجيل فكُني بتوفيه عن عدم تعجيل العذاب بل عن تأخيره إذْ كانت حكمة التعجيل هي الانتصافَ للرسول صلى الله عليه وسلمولما جعل مضمون جملة : { نتوفينك } قسيماً لمضمون جملة : { نرينك } تعين أن إراءته ما أوعدوا به من عذاب الدنيا إنما هو جزاء عن تكذيبهم إياه وأذَاهُم له انتصاراً له حتى يكون أمره جارياً على سنة الله في المرسلين ، كما قال نوح :{ رب انصرني بما كذبون } [ المؤمنون : 26 ] وقد أشار إلى هذا قوله تعالى عقبه : { ولكل أمة رسول } [ يونس : 47 ] الآية وقوله : { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } [ يونس : 48 ]. وقد أراه الله تعالى بعض الذي توعدهم بما لقوا من القحط سبع سنين بدعوته عليهم ، وبما أصابهم يوم بدر من الإهانة ، وقتل صناديدهم ، كما أشار إليه قوله تعالى : { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلّم مجنون إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } [ الدخان : 10 16 ].والدخان هو ما كانوا يرونه في سنين القحط من شبه الدخان في الأرض . والبطشة الكبرى : بطشة يوم بدر .وتأمَّلْ قوله : { ثم تولوا عنه } وقوله : { إنا منتقمون }.ثم كف الله عنهم عذاب الدنيا إرضاء له أيضاً إذ كان يود استبقاء بقيتهم ويقول : لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده .فأما الكفر بالله فجزاؤه عذاب الآخرة .فطوي في الكلام جمل دلت عليها الجمل المذكورة إيجازاً محكماً وصارت قوة الكلام هكذا : …

47

وَلِكُلِّ أُمَّةٍۢ رَّسُولٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

And for every nation is a messenger. So when their messenger comes, it will be judged between them in justice, and they will not be wronged

عطف على جملة : { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } [ يونس : 46 ] ، وهي بمنزلة السبب لمضمون الجملة التي قبلها . وهذه بينت أن مجيء الرسول للأمة هي منتهى الإمهال ، وأن الأمة إن كذبت رسولها استحقت العقاب على ذلك . فهذا إعلام بأن تكذيبهم الرسول هو الذي يجر عليهم الوعيد بالعقاب ، فهي ناظرة إلى قوله تعالى : { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا } [ القصص : 59 ] وقوله : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } [ الإسراء : 15 ].وجملة : { لكل أمة رسول } ليست هي المقصود من الإخبار بل هي تمهيد للتفريع المفرع عليها بقوله : { فإذا جاء رسولهم } الخ ، فلذلك لا يؤخذ من الجملة الأولى تعين أن يرسل رسول لكل أمة لأن تعيين الأمة بالزمن أو بالنسب أو بالموطن لا ينضبط ، وقد تخلو قبيلة أو شعب أو عصر أو بلاد عن مجيء رسول فيها ولو كان خلوها زمناً طويلاً . وقد قال الله تعالى : { لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك } [ القصص : 46 ]. فالمعنى : ولكل أمة من الأمم ذواتتِ الشرائع رسول معروف جاءها مثل عاد وثمود ومدين واليهودِ والكلدان . والمقصود من هذا الكلام ما تفرع عليه من قوله : { فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط }.والفاء للتفريع و ( إذا ) للظرفية مجردة عن الاستقبال ، والمعنى : أن في زمن مجيء الرسول يكون القضاء بينهم بالقسط . وتقديم الظرف على عامله وهو ( قضي ) للتشويف إلى تلقي الخبر .وكلمة ( بين ) تدل على توسط في شيئين أو أشياء ، فتعين أن الضمير الذي أضيفت إليه هنا عائد إلى مجموع الأمة ورسولها ، أي قُضي بين الأمةِ ورسولها بالعَدل ، أي قضَى اللّهُ بينهم بحسب عملهم مع رسولهم .والمعنى : أن الله يمهل الأمة على ما هي فيه من الضلال فإذا أرسل إليها رسولاً فإرسالُه أمارة على أن الله تعالى أراد إقلاعهم عن الضلال فانتهى أمد الإمهال بإبلاغ الرسول إليهم مرادَ الله منهم فإن أطاعوه رضي الله عنهم وربحوا ، وإن عصوه وشاقوه قضى الله بين الجميع بجزاء كل قضاء حق لا ظلم فيه وهو قضاء في الدنيا .وقد أشعر قوله : { قضي بينهم } بحدوث مشاقة بين الكافرين وبين المؤمنين وفيهم الرسول صلى الله عليه وسلموهذا تحذير من مشاقة النبي صلى الله عليه وسلم وإنذار لأهل مكة بما نالهم . وقد كان من بركة النبي صلى الله عليه وسلم ورغبته أن أبقى الله على العرب فلم يستأصلهم ، ولكنه أراهم بطشته وأهلك قادتهم يوم بدر ، ثم ساقهم بالتدريج إلى حظيرة الإسلام حتى عمهم وأصبحوا دعاته للأمم وحملة شريعته للعالم .ولما أشعر قوله : { قضي بينهم } بأن القضاء قضاء زجر لهم على مخالفة رسولهم وأنه عقاب شديد يكاد من يراه أو يسمعه أن يجول بخاطره أنه مبالغ فيه أتي بجملة { وهم لا يظلمون } ، وهي حال مؤكدة لعاملها الذي هو { قُضي بينهم بالقسط } للإشعار بأن الذنب الذي قضي عليهم بسببه ذنب عظيم .

48

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"

عطف على جملة { وإما نرينك بعض الذي نعدهم } [ يونس : 46 ] ، والمناسبة أنه لما بيَّنت الآية السالفة أن تعجيل الوعيد في الدنيا لهم وتأخيره سواء عند الله تعالى ، إذ الوعيد الأتم هو وعيد الآخرة ، أتبعت بهذه الآية حكاية لتهكمهم على تأخير الوعيد .وحُكي قولهم بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة ، كقوله تعالى : { ويصنع الفلك } [ هود : 38 ] للدلالة على تكرر صدوره منهم ، وأطلق الوعد على الموعود به ، فالسؤال عنه باسم الزمان مُؤول بتقدير يدل عليه المقام ، أي متى ظهوره .والسؤال مستعمل في الاستبطاء ، وهو كناية عن عدم اكتراثهم به وأنهم لا يأبهون به لينتقل من ذلك إلى أنهم مكذبون بحصوله بطريق الإيماء بقرينة قولهم : { إن كنتم صادقين } أي إن كنتم صادقين في أنه واقع فعينوا لنا وقته ، وهم يريدون أننا لا نصدقك حتى نرى ما وعدتنا كناية عن اعتقادهم عدم حلوله وأنهم لا يصدقون به . والوعد المذكور هنا ما هددوا به من عذاب الدنيا .والخطاب بقولهم : { إن كنتم } للرسول ، فضمير التعظيم للتهكم كما في قوله : { وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر إنَّك لمجنون } [ الحجر : 6 ] وقولِه : { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام } [ الفرقان : 7 ] وقولِ أبي بكر بن الأسود الكناني { : يخَبّرنا الرسولُ بأنْ سنحْيَاوكيفَ حياة أصداء وهامِ } وهذا المحمل هو المناسب لجوابهم بقوله : { قل لا أملك }. ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء وللمسلمين ، جمعوهم في الخطاب لأن النبي أخبر به والمسلمين آمنوا به فخاطبوهم بذلك جميعاً لتكذيب النبي وإدخال الشك في نفوس المؤمنين به . وإنما خص الرسول عليه الصلاة والسلام بالأمر بجوابهم لأنه الذي أخبرهم بالوعيد وأما المؤمنون فتابعون له في ذلك .

49

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

Say, "I possess not for myself any harm or benefit except what Allah should will. For every nation is a [specified] term. When their time has come, then they will not remain behind an hour, nor will they precede [it]."

ومعنى : { لا أملك لنفسي ضَراً ولا نفعاً } : لا أستطيع ، كما تقدم في قوله تعالى : { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضَراً ولا نفعاً } في سورة [ العقود : 76 ].وقدم الضر على النفع لأنه أنسب بالغرض لأنهم أظهروا استبطاء ما فيه مضرتهم وهو الوعيد ولأن استطاعة الضر أهون من استطاعة النفع فيكون ذكر النفع بعده ارتقاء . والمقصود من جمع الأمرين الإحاطةُ بجنسي الأحوال . وتقدم في سورة الأعراف وجه تقديم النفع على الضر في نظير هذه الآية .وقوله : إلا ما شاء الله } استثناء منقطع بمعنى لكن ، أي لكن نفعي وضري هو ما يشاءه الله لي . وهذا الجواب يقتضي إبطال كلامهم بالأسلوب المصطلح على تلقيبه في فن البديع بالمذهب الكلامي ، أي بطريق برهاني ، لأنه إذا كان لا يستطيع لنفسه ضراً ولا نفعاً فعدم استطاعته ما فيه ضَر غيره بهذا الوعد أولى من حيث إن أقرب الأشياء إلى مقدرة المرء هو ما له اختصاص بذاته ، لأن الله أودع في الإنسان قدرة استعمال قواه وأعضائه ، فلو كان الله مقدراً إياه على إيجاد شيء من المنافع والمضار في أحوال الكون لكان أقرب الأشياء إلى إقداره ما له تعلق بأحوال ذاته ، لأن بعض أسبابها في مقدرته ، فلا جرم كان الإنسان مسيّراً في شؤونه بقدرة الله لأن معظم أسباب المنافع والمضار من الحوادث منوط بعضه ببعض ، فموافقاته ومخالفاته خارجة عن مقدور الإنسان ، فلذلك قد يقع ما يضره وهو عاجز عن دفعه .فكان معنى الجواب : أن الوعد من الله لا مِني وأنا لا أقدر على إنزاله بكم لأن له أجلاً عند الله .وجملة : { لكل أمة أجل } من المقول المأمور به ، وموقعها من جملة : { لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً } موقع العلة لأن جملة { لا أملك لنفسي } اقتضت انتفاء القدرة على حلول الوعد .وجملة : { لكل أمة أجل } تتضمن أن سبب عدم المقدرة على ذلك هو أن الله قدر آجال أحوال الأمم . ومن ذلك أجل حلول العقاب بهم بحكمة اقتضت تلك الآجال فلا يحل العقاب بهم إلا عند مجيء في ذلك الأجل ، فلا يقدر أحد على تغيير ما حدده الله .وصورة الاستدلال بالطريق البرهاني أن قضية { لكل أمة أجل } قضية كلية تشمل كل أمة . ولما كان المخاطبون من جملة الأمم كانوا مشمولين لحكم هذه القضية فكأنه قيل لهم : أنتم أمة من الأمم ولكل أمة أجل فأنتم لكم أجل فترقبوا حلوله .وجملة : { إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } صفة ل ( أجل ) ، أي أجل محدود لا يقبل التغير . وقد تقدم الكلام على نظيرها في سورة الأعراف .و { إذا } في هذه الآية مشربة معنى الشرط ، فلذلك اقترنت جُملة عاملها بالفاء الرابطة للجواب معاملة للفعل العامل في ( إذا ) معاملة جواب الشرط .

50

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوْ نَهَارًۭا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ

Say, "Have you considered: if His punishment should come to you by night or by day - for which [aspect] of it would the criminals be impatient?"

هذا جواب ثان عن قولهم : { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } [ يونس : 48 ] باعتبار ما يتضمنه قولهم من الوعد بأنهم يؤمنون إذا حق الوعد الذي توعدهم به ، كما حكي عنهم في الآية الأخرى { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً إلى قوله : { أو تسقط السماء كما زعمتَ علينا كِسفاً } [ الإسراء : 90 92 ] ، وهذا الجواب إبداء لخلل كلامهم واضطراب استهزائهم ، وقع هذا الأمر بأن يجيبهم هذا الجواب بعد أن أمر بأن يجيبهم بقوله : { قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله } [ يونس : 49 ] ، وهذا الجواب واقع موقع التسليم الجدلي بعد أن يجاب المخطىء بالإبطال . وحاصل هذا الجواب إن قدر حصول ما سألتم تعيين وقته ونزول كسف من السماء بكم أو نحوه ماذا يحصل من فائدة لكم في طلب تعجيل حصوله إذ لا تخلون عن أن تكونوا تزعمون أنكم تؤمنون حينئذٍ فذلك باطل لأن العذاب يعاجلكم بالهلاك فلا يحصل إيمانكم . وهذا كما قال بعض الواعظين : نحن نريد أن لا نموت؛ حتى نتوب؛ ونحن لا نتوب حتى نموت .ووقع في خلال هذا الجواب تفنن في تخييل التهويل لهذالعذاب الموعود بقوله : { إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً } تخييلاً يناسب تحقق وقوعه فإن هاذين الوقتين لا يخلو حلول الحوادث عن أحدهما ، على أنه ترديد لمعنى العذاب العاجل تعجيلاً قريباً أو أقلَّ قرباً ، أي أتاكم في ليل هذا اليوم الذي سألتموه أو في صبيحته ، على أن في ذكر هذين الوقتين تخييلاً مَا لصورة وقوع العذاب استحضاراً له لديهم على وجه يحصل به تذكيرهم انتهازاً لِفرصة الموعظة ، كالتذكير به في قوله : { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون } [ الأنعام : 47 ].والبيات : اسم مصدر التبييت ، ليلاً كالسلام للتَّسليم ، وذلك مباغتة . وانتصب { بياتاً } على الظرفية بتقدير مضاف ، أي وقت بيات .وجواب شرط { إن أتاكم عذابه } محذوف دل عليه قوله : { ماذا يستعجل منه المجرمون } الذي هو ساد مسد مفعولي ( أرأيتم ) إذ علقه عن العمل الاستفهام ب ( ماذا ).و { ماذا } كلمتان هما ( ما ) الاستفهامية و ( ذا ). أصله إشارة مشار به إلى مأخوذ من الكلام الواقع بعده . واستعمل ( ذا ) مع ( ما ) الاستفهامية في معنى الذي لأنهم يراعون لفظ الذي محذوفاً . وقد يظهر كقوله تعالى : { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [ البقرة : 255 ]. وهذا الاستفهام مستعمل في الإنكار عليهم ، وفي التعجيب من تعجلهم العذاب بنية أنهم يؤمنون به عند نزوله .و ( مِن ) للتبعيض . والمعنى ما الذي يستعجله المجرمون من العذاب ، أي لا شيء من العذاب بصالححٍ لاستعجالهم إياه لأن كل شيء منه مهلك حائل بينهم وبين التمكن من الإيمان وقت حلوله .وفائدة الإشارة إليه ، تهويله أو تعظيمه أو التعجيب منه كقوله تعالى :{ ماذا أراد الله بهذا مثلاً } [ البقرة : 26 ] ، فالمعنى ما هذا العذاب العظيم في حال كونه يستعجله المجرمون ، فجملة { يستعجل منه } في موضع الحال من اسم الإشارة ، أي أن مثله لا يُستعجل بل شأنه أن يُستأخَر .و ( من ) بيانية ، والمعنى معها على معنى ما يسمى في فن البديع بالتجرد .واعلم أن النحاة يذكرون استعمال ( ماذا ) بمعنى ( ما الذي ) وإنما يعنون بذلك بعض مواضع استعماله وليس استعمالاً مطرداً . وقد حقق ابن مالك في «الخلاصة» إذ زاد قيداً في هذا الاستعمال فقالومثل ما ، ذا بعد ما استفهام ... أو مَن إذا لم تلغ في الكلاميريد إذا لم يكن مزيداً . وإنما عبر بالإلغاء فراراً من إيراد أن الأسماء لا تزاد . والحق أن المراد بالزيادة أن اسم الإشارة غير مفيد معناه الموضوع له ولا هو بمفيد تأسيس معنى في الكلام ولكنه للتقوية والتأكيد الحاصل من الإشارة إلى ما يتضمنه الكلام ، وقد أشار إلى استعمالاته صاحب «مغنى اللبيب» في فصل عقده ل ( ماذ ) وأكثر من المعاني ولم يحرر انتساب بعضها من بعض . وانظر ما تقدم عند قوله تعالى : { فماذا …

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.