Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 1–10 of 109

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْحَكِيمِ

Alif, Lam, Ra. These are the verses of the wise Book

سُورَةُ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – مَكِّيَّةٌ، وهي مِائَةٌ وتِسْعُ آياتٍ

﴿الر﴾ بِتَفْخِيمِ الرّاءِ المَفْتُوحَةِ، وقُرِئَ بِالإمالَةِ إجْراءً لِلْأصْلِيَّةِ مُجْرى المُنْقَلِبَةِ عَنِ الياءِ، وقُرِئَ بَيْنَ بَيْنَ، وهو إمّا مَسْرُودٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ بِطَرِيقِ التَّحَدِّي عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وإمّا اسْمٌ لِلسُّورَةِ كَما عَلَيْهِ إطْباقُ الأكْثَرِ، فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ السُّورَةُ مُسَمّاةٌ بِـ"الر" وهو أظْهَرُ مِنَ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ لِعَدَمِ سَبْقِ العِلْمِ بِالتَّسْمِيَةِ بَعْدُ، فَحَقُّها الإخْبارُ بِها لا جَعْلُها عُنْوانَ المَوْضُوعِ لِتَوَقُّفِهِ عَلى عِلْمِ المُخاطَبِ بِالِانْتِسابِ كَما مَرَّ، والإشارَةُ إلَيْها قَبْلَ جَرَيانِ ذِكْرِها لِما أنَّها بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى جَناحِ الذِّكْرِ وبِصَدَدِهِ صارَتْ في حُكْمِ الحاضِرِ، كَما يُقالُ: هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ، أوِ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ لائِقٍ بِالمَقامِ نَحْوُ: اذْكُرْ، أوِ اقْرَأْ، وكَلِمَةُ تِلْكَ إشارَةٌ إلَيْها، إمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الر" مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، فَقَدْ نُزِّلَ حُضُورُ مادَّتِها الَّتِي هي الحُرُوفُ المَذْكُورَةُ مَنزِلَةَ ذِكْرِها فَأُشِيرَ إلَيْها،كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ الكَلِماتُ المُؤَلَّفَةُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ... إلَخْ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَقَدْ نَوَّهْتُ بِالإشارَةِ إلَيْها بَعْدَ تَنْوِيهِها بِتَعْيِينِ اسْمِها، أوِ الأمْرِ بِذِكْرِها، أوْ بِقِراءَتِها، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِها في الفَخامَةِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ .

وَعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الر" مُبْتَدَأً فَهو مُبْتَدَأٌ ثانٍ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: هي آياتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهُ مُتَرْجَمَةٌ باسِمٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَقْصُودُ بِبَيانِ بَعْضِيَّتِها مِنهُ وصْفُها بِما اشْتُهِرَ اتِّصافُهُ بِهِ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ والصِّفاتِ الكامِلَةِ.

والمُرادُ بِـ"الكِتابِ" إمّا جَمِيعُ القرآن العَظِيمِ - وإنْ لَمْ يَنْزِلِ الكُلُّ حِينَئِذٍ - إمّا بِاعْتِبارِ تَعَيُّنِهِ وتَحَقُّقِهِ في عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وعَلا، أوْ في اللَّوْحِ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا كَما هو المَشْهُورُ، فَإنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ كانَتْ مُسَمّاةً بِهَذا الِاسْمِ وبِأُمِّ القرآن في عَهْدِ النُّبُوَّةِ، ولَمّا يَحْصُلِ المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ إذْ ذاكَ، فَلا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ كُلٍّ مِنَ الكِتابِ والقرآن بِأحَدِ الِاعْتِباراتِ المَذْكُورَةِ.

وَإمّا جَمِيعُ القرآن النّازِلِ وقْتَئِذٍ المُتَفاهَمِ بَيْنَ النّاسِ إذْ ذاكَ، فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى المَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ يُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِ ما نَزَلَ في كُلِّ عَصْرٍ، ألا يُرى إلى ما رُوِيَ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِن قَتْلى أُحُدٍ في ثَوْبٍ واحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "أيُّهم أكْثَرُ أخْذًا لِلْقُرْآنِ؟"» فَإذا أُشِيرَ لَهُ إلى أحَدِهِما قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، فَإنَّ ما يَفْهَمُهُ النّاسُ مِنَ القرآن في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويُحافِظُونَ عَلى التَّفاوُتِ في أخْذِهِ إنَّما هو المَجْمُوعُ النّازِلُ حِينَئِذٍ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةٍ لِتَحَقُّقِ المَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوْ في …

2

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌۭ مُّبِينٌ

Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."

﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ تَعَجُّبِهِمْ ولِتَعَجُّبِ السّامِعِينَ مِنهُ لِكَوْنِهِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، والمُرادُ بِالنّاسِ كَفّارُ مَكَّةَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهم بِاسْمِ الجِنْسِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكُفْرِهِمْ - مَعَ أنَّهُ المَدارُ لِتَعَجُّبِهِمْ، كَما تُعُرِّضَ لَهُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ ... إلَخْ - لِتَحْقِيقِ ما فِيهِ الشَّرِكَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَعْيِينِ مَدارِ التَّعَجُّبِ في زَعْمِهِمْ، ثُمَّ تَبْيِينِ خَطَئِهِمْ وإظْهارِ بُطْلانِ زَعْمِهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (عَجَبًا) وقِيلَ: بِعَجَبًا عَلى التَّوَسُّعِ المَشْهُورِ في الظُّرُوفِ، وقِيلَ: المَصْدَرُ إذا كانَ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أوِ اسْمِ المَفْعُولِ جازَ تَقْدِيمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(كانَ) وهو مَبْنِيٌّ عَلى دَلالَةِ كانَ النّاقِصَةِ عَلى الحَدَثِ.

﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ اسْمُ كانَ قُدِّمَ عَلَيْهِ خَبَرُها اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ لِكَوْنِهِ مَدارَ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وتَشْوِيقًا إلى المُؤَخَّرِ؛ ولِأنَّ في الِاسْمِ ضَرْبَ تَفْصِيلٍ فَفي مُراعاةِ الأصْلِ نَوْعُ إخْلالٍ بِتَجاوُبِ أطْرافِ الكَلامِ، وقُرِئَ بِرَفْعِ (عَجَبٌ) عَلى أنَّهُ الِاسْمُ وهو نَكِرَةٌ والخَبَرُ (أنْ أوْحَيْنا) وهو مَعْرِفَةٌ؛ لِأنَّ "أنْ" مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ المُضافِ إلى المَعْرِفَةِ البَتَّةَ والمُخْتارُ حِينَئِذٍ أنْ تُجْعَلَ كانَ تامَّةً و"أنْ أوْحَيْنا" مُتَعَلِّقًا بِـ(عَجَبٌ) عَلى حَذْفِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ، أيْ: أحَدَثَ لِلنّاسِ عَجَبٌ لِـ"أنْ أوْحَيْنا"، أوْ مِن "أنْ أوْحَيْنا"، أوْ بَدَلًا مِن (عَجَبٌ) لَكِنْ لا عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ إلى حُدُوثِهِ، بَلْ إلى كَوْنِهِ عَجَبًا، فَإنَّ كَوْنَ الإبْدالِ في حُكْمِ تَنْحِيَةِ المُبْدَلِ مِنهُ لَيْسَ مَعْناهُ إهْدارَهُ بِالمَرَّةِ، وإنَّما قِيلَ: لِلنّاسِ لا عِنْدَ النّاسِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ أُعْجُوبَةً لَهم وفِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ ما لا يَخْفى.

﴿إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: إلى بَشَرٍ مِن جِنْسِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: (أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا) أوْ مِن أفْنائِهِمْ مِن حَيْثُ المالُ لا مِن عُظَمائِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: ﴿ (لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)﴾ وكِلا الوَجْهَيْنِ مِن ظُهُورِ البُطْلانِ بِحَيْثُ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ بَعْثَ المَلَكِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ كَوْنِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ مَلائِكَةً، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾، وأمّا عامَّةُ البَشَرِ فَهم بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ المُفاوَضَةِ المَلَكِيَّةِ، كَيْفَ لا وهي مَنُوطَةٌ بِالتَّناسُبِ والتَّجانُسِ؟ فَبَعْثُ المَلَكِ إلَيْهِمْ مُزاحِمٌ لِلْحِمْكَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ، وإنَّما الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ أنْ يُبْعَثَ المَلَكُ مِن بَيْنِهِمْ إلى الخَواصِّ المُخْتَصِّينَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدِينَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَعَلِّقِينَ بِكِلا العالَمَيْنِ الرُّوحانِيِّ والجُسْمانِيِّ، لِيَتَلَقَّوْا مِن جانِبٍ ويُلْقُوا إلى جانِبٍ.

وَأمّا الثّانِي: فَلِما أنَّ مَناطَ الِاصْطِفاءِ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ هو التَّقَدُّمُ في الِاتِّصافِ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ، والصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، والسَّبْقِ في إحْرازِ الفَضائِلِ العَلِيَّةِ …

3

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne, arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allah, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?

﴿إنَّ رَبَّكُمُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِإظْهارِ بُطْلانِ تَعَجُّبِهِمُ المَذْكُورِ وما بَنَوْا عَلَيْهِ مِنَ المَقالَةِ الباطِلَةِ غِبَّ الإشارَةِ إلَيْهِ بِالإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، وحُقِّقَ فِيهِ حَقِّيَّةُ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ وصِحَّةُ ما أنْكَرُوهُ بِالتَّنْبِيهِ الإجْمالِيِّ عَلى بَعْضِ ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن شُئُونِ الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ وأحْوالِ التَّكْوِينِ والتَّدْبِيرِ، ويُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَتِها بِأدْنى تَذْكِيرٍ لِاعْتِرافِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: إنَّ رَبَّكم ومالِكَ أمْرِكُمُ الَّذِي تَتَعَجَّبُونَ مِن أنْ يُرْسِلَ إلَيْكم رَجُلًا مِنكم بِالإنْذارِ والتَّبْشِيرِ وتُعِدُّونَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الكِتابِ الحَكِيمِ سِحْرًا هو ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وما فِيهِما مِن أُصُولِ الكائِناتِ ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في سِتَّةِ أوْقاتٍ، أوْ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ مَعْهُودَةٍ، فَإنَّ نَفْسَ اليَوْمِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانِ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأرْضِ مِمّا لا يَتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ حِينَ لا أرْضَ ولا سَماءَ، وفي خَلْقِها مُدَرَّجًا - مَعَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إبْداعِها دُفْعَةً - دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِيارِ واعْتِبارٌ لِلنُّظّارِ، وحَثٌّ لَهم عَلى التَّأنِّي في الأحْوالِ والأطْوارِ، وأمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ فَأمْرٌ قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ ما يَسْتَدْعِيهِ عَلّامُ الغُيُوبِ، جَلَّتْ قدرته، ودَقَّتْ حِكْمَتُهُ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ في السَّماواتِ لِما هو المَشْهُورُ مِنَ الإيذانِ بِأنَّها أجْرامٌ مُخْتَلِفَةُ الطِّباعِ مُتَبايِنَةُ الآثارِ والأحْكامِ.

﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ هو الجِسْمُ المُحِيطُ بِسائِرِ الأجْسامِ، سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفاعِهِ، أوْ لِلتَّشْبِيهِ بِسَرِيرِ المَلِكِ، فَإنَّ الأوامِرَ والتَّدابِيرَ مِنهُ تَنْزِلُ، وقِيلَ: هو المُلْكُ، ومَعْنى اسْتِوائِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ اسْتِيلاؤُهُ عَلَيْهِ، أوِ اسْتِواءُ أمْرِهِ، وعَنْ أصْحابِنا أنَّ الِاسْتِواءَ عَلى العَرْشِ صِفَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ بِلا كَيْفٍ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَناهُ مُنَزَّهًا عَنِ التَّمَكُّنِ والِاسْتِقْرارِ؟ وهَذا بَيانٌ لِجَلالَةِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ بَعْدَ بَيانِ عَظَمَةِ شَأْنِهِ وسَعَةِ قدرته بِما مَرَّ مِن خَلْقِ هاتِيكَ الأجْرامِ العِظامِ.

﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ التَّدْبِيرُ النَّظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها لِتَقَعَ عَلى الوَجْهِ المَحْمُودِ، والمُرادُ هَهُنا: التَّقْدِيرُ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ الأكْمَلِ، والمُرادُ بِالأمْرِ أمْرُ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ والعَرْشِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجُزَيْئاتِ الحادِثَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلى أطْوارٍ شَتّى، وأنْحاءٍ لا تَكادُ تُحْصى مِنَ المُناسَباتِ والمُبايَناتِ في الذَّواتِ والصِّفاتِ والأزْمِنَةِ والأوْقاتِ، أيْ: يُقَدِّرُ ما ذُكِرَ مِن أمْرِ الكائِناتِ - الَّذِي ما تَعَجَّبُوا مِنهُ مِن أمْرِ البَعْثِ والوَحْيِ فَرْدٌ مِن جُمْلَتِهِ وشُعْبَةٌ مِن دَوْحَتِهِ - ويُهَيِّئُ أسْبابَ كُلٍّ مِنها حُدُوثًا وبَقاءً في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ، ويُرَتِّبُ مَصالِحَها عَلى الوَجْهِ الفائِقِ والنَّمَطِ اللّائِقِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ …

4

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ إِنَّهُۥ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلْقِسْطِ ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ شَرَابٌۭ مِّنْ حَمِيمٍۢ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ

To Him is your return all together. [It is] the promise of Allah [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.

﴿إلَيْهِ﴾ لا إلى أحَدٍ سِواهُ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ فَإنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِكَوْنِهِ فاعِلًا في المَعْنى، أيْ: إلَيْهِ رُجُوعُكم مُجْتَمِعِينَ، والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ العِبادَةِ.

﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالبَعْثِ، أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: وعَدَ اللَّهُ، وأيًّا ما كانَ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَرْجِعِ هو الرُّجُوعُ بِالبَعْثِ؛ لِأنَّ ما بِالمَوْتِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الوَعْدِ، كَما أنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاجْتِماعِ، وقُرِئَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ.

﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ آخَرُ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأوَّلُ ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ وقُرِئَ (يُبْدِئُ) ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهو اسْتِئْنافٌ عُلِّلَ بِهِ وُجُوبُ المَرْجِعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّ غايَةَ البَدْءِ والإعادَةِ هو جَزاءُ المُكَلَّفِينَ بِأعْمالِهِمْ حَسَنَةً أوْ سَيِّئَةً، وقُرِئَ بِالفَتْحِ، أيْ: لِأنَّهُ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما نَصَبَ (وَعْدَ اللَّهِ) أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعَدًا: بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ، ومَرْفُوعًا بِما نَصَبَ "حَقًّا"، أيْ: حَقَّ حَقًّا بَدْءُ الخَلْقِ... إلَخْ.

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ يَجْزِي، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالعَدْلِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَجْزِيَ )أيْ: لِيَجْزِيَهم بِقِسْطِهِ ويُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ، وإنَّما أُجْمِلَ ذَلِكَ إيذانًا بِأنَّهُ لا يَفِي بِهِ الحَصْرُ، أوْ بِقِسْطِهِمْ وعَدْلِهِمْ عِنْدَ إيمانِهِمْ ومُباشَرَتِهِمْ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: ويَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ يَجْعَلُ الجُمْلَةَ الظَّرْفِيَّةَ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى مُواظَبَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعِقابِ، وأنَّ التَّعْذِيبَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِلْخَلْقِ بَدْءًا وإعادَةً، وإنَّما يَحِيقُ ذَلِكَ بِالكَفَرَةِ عَلى مُوجَبِ سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن ذَلِكَ فَهو الإثابَةُ.

5

هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءًۭ وَٱلْقَمَرَ نُورًۭا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

It is He who made the sun a shining light and the moon a derived light and determined for it phases - that you may know the number of years and account [of time]. Allah has not created this except in truth. He details the signs for a people who know

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ تَنْبِيهٌ عَلى الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِهِ تَعالى ووَحْدَتِهِ وعِلْمِهِ وقدرته وحِكْمَتِهِ بِآثارِ صُنْعِهِ في النَّيِّرَيْنِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِما مَرَّ مِن إبْداعِ السَّماواتِ والأرْضِ والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وبَيانٌ لِبَعْضِ أفْرادِ التَّدْبِيرِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ إشارَةً إجْمالِيَّةً، وإرْشادٌ إلى أنَّهُ حَيْثُ دُبِّرَتْ أُمُورُهُمُ المُتَعَلِّقَةُ بِمَعاشِهِمْ هَذا التَّدْبِيرَ البَدِيعَ فَلِأنْ يُدَبِّرَ مَصالِحَهُمُ المُتَعَلِّقَةَ بِالمَعادِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ وإنْزالِ الكِتابِ وتَبْيِينِ طَرائِقِ الهُدى وتَعْيِينِ مَهاوِي الرَّدى أوْلى وأحْرى، والجَعْلُ إنْ جُعِلَ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإبْداعِ فَـ(ضِياءً) حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، أيْ: خَلَقَها حالَ كَوْنِها ذاتَ ضِياءٍ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ ضِياءً مَحْضًا لِلْمُبالَغَةِ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَهو مَفْعُولُهُ الثّانِي، أيْ: جَعَلَها ضِياءً عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، لَكِنْ لا بَعْدَ أنْ كانَتْ خالِيَةً عَنْ تِلْكَ الحالَةِ، بَلْ أبْدَعَها كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِمْ: ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّعْ أسْفَلَها، والضِّياءُ مَصْدَرٌ كَقِيامٍ، أوْ جَمْعُ ضَوْءٍ كَسِياطٍ وسَوْطٍ، وياؤُهُ مُنْقَلِبَةٌ مِنَ الواوِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقُرِئَ" (ضِئاءً) بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ.

﴿والقَمَرَ نُورًا﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في الشَّمْسِ، والضِّياءُ أقْوى مِنَ النُّورِ، وقِيلَ: ما بِالذّاتِ ضَوْءٌ وما بِالعَرَضِ نُورٌ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ نُورَهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الشَّمْسِ ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أيْ: قَدَّرَ لَهُ وهَيَّأ ﴿مَنازِلَ﴾ أوْ قُدِّرَ مَسِيرُهُ في مَنازِلَ، أوْ قَدَّرَهُ ذا مَنازِلَ عَلى تَضْمِينِ التَّقْدِيرِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، وتَخْصِيصُ القَمَرِ بِهَذا التَّقْدِيرِ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ ومُعايَنَةِ مَنازِلِهِ، وتَعَلُّقِ أحْكامِ الشَّرِيعَةِ بِهِ، وكَوْنِهِ عُمْدَةً في تَوارِيخِ العَرَبِ، وقَدْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِكُلٍّ مِنهُما، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُ القَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها، لا يَتَخَطّاهُ ولا يَتَقاصَرُ عَنْهُ عَلى تَقْدِيرٍ مُسْتَوٍ لا يَتَفاوَتُ، يَسِيرُ فِيها مِن لَيْلَةِ المُسْتَهَلِّ إلى الثّامِنَةِ والعِشْرِينَ، فَإذا كانَ في آخِرِ مَنازِلِهِ دَقَّ واسْتَقْوَسَ، ثُمَّ يَسْتَسِرُّ لَيْلَتَيْنِ أوْ لَيْلَةً إذا نَقَصَ الشَّهْرُ، ويَكُونُ مَقامُ الشَّمْسِ في كُلِّ مَنزِلَةٍ مِنها ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وهَذِهِ المَنازِلُ هي مَواقِعُ النُّجُومِ الَّتِي نَسَبَتْ إلَيْها العَرَبُ الأنْواءَ المُسْتَمْطَرَةَ، وهِيَ: الشَّرَطانِ، والبُطَيْنُ، والثُّرَيّا، الدَّبَرانُ، الهَقْعَةُ، الهَنْعَةُ، الذِّراعُ، النَّثْرَةُ، الطَّرَفُ، الجَبْهَةُ، الزُّبْرَةُ، الصَّرْفَةُ، العَوّاءُ، السِّماكُ، الغَفْرُ، الزِّبانِيُّ، الإكْلِيلُ، القَلْبُ، الشَّوْلَةُ، النَّعائِمُ، البَلْدَةُ، سَعْدُ الذّابِحِ، سَعْدُ بُلَعَ، سَعْدُ السُّعُودِ، سَعْدُ الأخْبِيَةِ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمِ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، الرَّشا وهو بَطْنُ الحُوتِ.

﴿لِتَعْلَمُوا﴾ إمّا بِتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ المَنُوطَيْنِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، أوْ بِاعْتِبارِ نُزُولِ كُلٍّ مِنهُما في تِلْكَ المَنازِلِ ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها غَرَضٌ عِلْمِيٌّ لِإقامَةِ مَصالِحِكُمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ﴿والحِسابَ﴾ أيْ: حِسابَ الأوْقاتِ مِنَ الأشْهُرِ والأيّامِ واللَّيالِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا …

6

إِنَّ فِى ٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَّقُونَ

Indeed, in the alternation of the night and the day and [in] what Allah has created in the heavens and the earth are signs for a people who fear Allah

﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ تَنْبِيهٌ آخَرُ إجْمالِيٌّ عَلى ما ذُكِرَ، أيْ: في تَعاقُبِهِما وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خِلْفَةً لِلْآخَرِ بِحَسَبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها التّابِعَيْنِ لِحَرَكاتِ السَّماواتِ وسُكُونِ الأرْضِ، أوْ في تَفاوُتِهِما في أنْفُسِهِما بِازْدِيادِ كُلٍّ مِنهُما بِانْتِقاصِ الآخَرِ، وانْتِقاصِهِ بِازْدِيادِهِ بِاخْتِلافِ حالِ الشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا قُرْبًا وبُعْدًا بِحَسَبِ الأزْمِنَةِ، أوْ في اخْتِلافِهِما وتَفاوُتِهِما بِحَسَبِ الأمْكِنَةِ، إمّا في الطُّولِ والقِصَرِ فَإنَّ البِلادَ القَرِيبَةَ مِنَ القُطْبِ الشِّمالِيِّ أيّامُها الصَّيْفِيَّةُ أطُولُ، ولَيالِيها الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرُ مِن أيّامِ البِلادِ البَعِيدَةِ مِنهُ ولَيالِيها، وإمّا في أنْفُسِهِما، فَإنَّ كَرِّيَّةِ الأرْضِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأوْقاتِ في بَعْضِ الأماكِنِ لَيْلًا وفي مُقابِلِهِ نَهارًا.

﴿وَما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِن أصْنافِ المَصْنُوعاتِ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةً، أوْ كَثِيرَةً دالَّةً عَلى وُجُودِ الصّانِعِ تَعالى ووَحْدَتِهِ، وكَمالِ عِلْمِهِ، وقدرته، وبالِغِ حِكْمَتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَةِ مُقْتَضَياتِها ما أنْكَرُوهُ مِن إرْسالِ الرَّسُولِ ﷺ وإنْزالِ الكُتُبِ والبَعْثِ والجَزاءِ ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ خَصَّهم بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ إلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ إنَّما هو تَقْوى اللَّهِ تَعالى والحَذَرُ مِنَ العاقِبَةِ فَهُمُ الواقِفُونَ عَلى أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ آياتٌ دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿ (وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ).﴾

7

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُوا۟ بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّوا۟ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ بَيانٌ لِمَآلِ أمْرِ مَن كَفَرَ بِالبَعْثِ وأعْرَضَ عَنِ البَيِّناتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَحْقِيقِ أنَّ مَرْجِعَ الكُلِّ إلَيْهِ تَعالى، وأنَّهُ يُعِيدُهم بَعْدَ بَدْئِهِمْ لِلْجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا، وتَفْصِيلُ بَعْضِ الآياتِ الشّاهِدَةِ بِذَلِكَ، والمُرادُ بِلِقائِهِ إمّا الرُّجُوعُ إلَيْهِ تَعالى بِالبَعْثِ، أوْ لِقاءُ الحِسابِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ ما لا يَخْفى.

والمُرادُ بِعَدَمِ الرَّجاءِ عَدَمُ التَّوَقُّعِ مُطْلَقًا المُنْتَظِمِ لِعَدَمِ الأمَلِ وعَدَمِ الخَوْفِ فَإنَّ عَدَمَهُما لا يَسْتَدْعِي عَدَمَ اعْتِقادِ وُقُوعِ المَأْمُولِ والمُخَوَّفِ، أيْ: لا يَتَوَقَّعُونَ الرُّجُوعَ إلَيْنا، أوْ لِقاءَ حِسابِنا المُؤَدِّي إمّا إلى حُسْنِ الثَّوابِ أوْ إلى سُوءِ العَذابِ، فَلا يَأْمُلُونَ الأوَّلَ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ فَإنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْ إيثارِ الأدْنى الخَسِيسِ عَلى الأعْلى النَّفِيسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ ولا يَخافُونَ الثّانِيَ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ أيْ: سَكَنُوا فِيها سُكُونَ مَن لا بَراحَ لَهُ مِنها، آمِنِينَ مِنِ اعْتِراءِ المُزْعِجاتِ غَيْرَ مُخْطِرِينَ بِبالِهِمْ ما يَسُوؤُهم مِن عَذابِنا.

وَقِيلَ: المُرادُ بِالرَّجاءِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ وبِاللِّقاءِ حُسْنُ اللِّقاءِ، أيْ: لا يَأْمُلُونَ حُسْنَ لِقائِنا بِالبَعْثِ والإحْياءِ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ، ورَضُوا بَدَلًا مِنها ومِمّا فِيها مِن فُنُونِ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ بِالحَياةِ الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ الفانِيَةِ واطْمَأنُّوا بِها، أيْ: سَكَنُوا إلَيْها مُنْكَبِّينَ عَلَيْها، قاصِرِينَ مَجامِعَ هِمَمِهِمْ عَلى لَذائِذِها وزَخارِفِها مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِمْ، وإيثارُ الباءِ عَلى كَلِمَةِ إلى المُنْبِئَةِ عَنْ مُجَرَّدِ الوُصُولِ والِانْتِهاءِ لِلْإيذانِ بِتَمامِ المُلابَسَةِ، ودَوامِ المُصاحَبَةِ والمُؤانَسَةِ، وحَمْلُ الرَّجاءِ عَلى الخَوْفِ فَقَطْ يَأْباهُ كَلِمَةُ الرِّضا بِالحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّها مُنْبِئَةٌ عَمّا ذُكِرَ مِن تَرْكِ الأعْلى وأخْذِ الأدْنى، واخْتِيارُ صِيغَةِ الماضِي في الصِّلَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ، كَما أنَّ اخْتِيارَ صِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في الأُولى لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ عَدَمِ الرَّجاءِ.

﴿والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا﴾ المُفَصَّلَةِ في صَحائِفِ الأكْوانِ حَسْبَما أُشِيرَ إلى بَعْضِها، أوْ آياتِنا المُنَزَّلَةِ المُنَبِّهَةِ عَلى الِاسْتِشْهادِ بِها المُتَّفِقَةِ مَعَها في الدَّلالَةِ عَلى حَقِّيَّةِ ما لا يَرْجُونَهُ مِنَ اللِّقاءِ المُتَرَتِّبِ عَلى البَعْثِ وعَلى بُطْلانِ ما رَضُوا بِهِ واطْمَأنُّوا إلَيْهِ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴿غافِلُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها أصْلًا وإنْ نُبِّهُوا عَلى ذَلِكَ، وذُكِّرُوا بِأنْواعِ القَوارِعِ لِانْهِماكِهِمْ فِيما يَصُدُّهم عَنْها مِنَ الأحْوالِ المَعْدُودَةِ، وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى جَعْلِ صِلَتِهِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً مُنْبِئَةً عَمّا هم عَلَيْهِ مِنِ اسْتِمْرارِ الغَفْلَةِ ودَوامِها، وتَنْزِيلُ التَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ إيذانًا بِمُغايَرَةِ الوَصْفِ الأخِيرِ لِلْأوْصافِ الأُوَلِ واسْتِقْلالِهِ بِاسْتِتْباعِ العَذابِ.

هَذا، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ العَطْفَ إمّا …

8

أُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

For those their refuge will be the Fire because of what they used to earn.

﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن صِفاتِ السُّوءِ ﴿مَأْواهُمُ﴾ أيْ: مَسْكَنُهم ومَقَرُّهُمُ الَّذِي لا بَراحَ لَهم مِنهُ ﴿النّارُ﴾ لا ما اطْمَأنُّوا بِها مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا ونَعِيمِها ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ المَعْدُودَةِ وما يَسْتَتْبِعُهُ مِن أصْنافِ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، أوْ بِكَسْبِهِمْ إيّاها، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرٌ لِـ(إنَّ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ (إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا)...﴾ إلَخْ.

9

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمْ ۖ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ فِى جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - their Lord will guide them because of their faith. Beneath them rivers will flow in the Gardens of Pleasure

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: فَعَلُوا الإيمانَ، أوْ آمَنُوا بِما يَشْهَدُ بِهِ الآياتُ الَّتِي غَفَلَ عَنْها الغافِلُونَ، أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ذَلِكَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيِ: الأعْمالَ الصّالِحَةَ في أنْفُسِها اللّائِقَةَ بِالإيمانِ، وإنَّما تُرِكَ ذِكْرُ المَوْصُوفِ لِجَرَيانِها مَجْرى الأسْماءِ ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أُوثِرَ الِالتِفاتُ تَشْرِيفًا لَهم بِإضافَةِ الرَّبِّ وإشْعارًا بِعِلَّةِ الهِدايَةِ ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ أيْ: يَهْدِيهِمْ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ إلى مَأْواهم ومَقْصِدِهِمْ وهي الجَنَّةُ، وإنَّما لَمْ تُذْكَرْ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِها وانْسِياقِ النَّفْسِ إلَيْها لا سِيَّما بِمُلاحَظَةِ ما سَبَقَ مِن بَيانِ مَأْوى الكَفَرَةِ، وما أواهم إلَيْهِ مِن أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ ومُشاهَدَةِ ما لَحِقَ مِنَ التَّلْوِيحِ والتَّصْرِيحِ، وفي النَّظْمِ الكَرِيمِ إشْعارٌ بِأنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لا يَكْفِي في الوُصُولِ إلى الجَنَّةِ، بَلْ لا بُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الهِدايَةِ الرَّبّانِيَّةِ، وأنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ كافِيَةٌ في دُخُولِ النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ لا نِزاعَ في أنَّ المُرادَ بِالإيمانِ - الَّذِي جُعِلَ سَبَبًا لِتِلْكَ الهِدايَةِ - هو إيمانُهُمُ الخاصُّ المَشْفُوعُ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ لا الإيمانُ المُجَرَّدُ عَنْها، ولا ما هو أعَمُّ مِنهُما، إلّا أنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ ما عَلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ مِن أنَّ الإيمانَ الخالِيَ عَنِ العَمَلِ الصّالِحِ يُفْضِي إلى الجَنَّةِ في الجُمْلَةِ ولا يُخَلَّدُ صاحِبُهُ في النّارِ، فَإنَّ مَنطُوقَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الإيمانَ المَقْرُونَ بِالعَمَلِ الصّالِحِ سَبَبٌ لِلْهِدايَةِ إلى الجَنَّةِ، وأمّا أنَّ كَلَّ ما هو سَبَبٌ لَها يَجِبُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فَلا دَلالَةَ لَها ولا لِغَيْرِها عَلَيْهِ قَطْعًا كَيْفَ لا؟ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ مُنادٍ بِخِلافِهِ فَإنَّ المُرادَ بِالظُّلْمِ هو الشِّرْكُ كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ، والمَعْنى: لَمْ يَخْلِطُوا إيمانَهم بِشِرْكٍ، ولَئِنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ - أيْضًا - يَدْخُلُ في الِاهْتِداءِ مَن آمَنَ ولَمْ يَعْمَلْ صالِحًا، ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أنْ يَظْلِمَ بِفِعْلِ حَرامٍ أوْ بِتَرْكِ واجِبٍ.

﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ أوْ تَجْرِي وهم عَلى سُرُرٍ مَرْفُوعَةٍ وأرائِكَ مَصْفُوفَةٍ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ "أوْ" حالٌ مِن مَفْعُولِ يَهْدِيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ المُهْدى إلَيْهِ ما يُرِيدُونَهُ في الجَنَّةِ كَما قِيلَ، وقِيلَ: يَهْدِيهِمْ ويُسَدِّدُهم لِلِاسْتِقامَةِ عَلى سُلُوكِ السَّبِيلِ المُؤَدِّي إلى الثَّوابِ والجَنَّةِ.

وَقَوْلُهُ: "تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ" جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ والبَيانِ، فَإنَّ التَّمَسُّكَ بِحَبْلِ السَّعادَةِ في حُكْمِ المَوْصُولِ إلَيْها، وقِيلَ: يَهْدِيهِمْ إلى إدْراكِ الحَقائِقِ البَدِيعَةِ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ، كَما قالَ ﷺ: "مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ" .

﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ حالٌ أُخْرى مِنهُ، أوْ مِنَ الأنْهارِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي، أوْ بِيَهْدِي، فالمُرادُ بِالمُهْدى إلَيْهِ إمّا مَنازِلُهم في الجَنَّةِ، أوْ ما يُرِيدُونَهُ فِيها.

10

دَعْوَىٰهُمْ فِيهَا سُبْحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَٰمٌۭ ۚ وَءَاخِرُ دَعْوَىٰهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Their call therein will be, "Exalted are You, O Allah," and their greeting therein will be, "Peace." And the last of their call will be, "Praise to Allah, Lord of the worlds!"

﴿دَعْواهُمْ﴾ أيْ: دُعاؤُهُمْ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (فِيها) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: دُعاؤُهم هَذا الكَلامُ، وهو مَعْمُولٌ لِمُقَدَّرٍ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ.

والمَعْنى: اللَّهُمَّ إنّا نُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا، ولَعَلَّهم يَقُولُونَهُ عِنْدَما عايَنُوا فِيها مِن تَعاجِيبِ آثارِ قدرته تعالى، ونَتائِجِ رَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ؛ تَقْدِيسًا لِمَقامِهِ تَعالى عَنْ شَوائِبِ العَجْزِ والنُّقْصانِ، وتَنْزِيهًا لِوَعْدِهِ الكَرِيمِ عَنْ سِماتِ الخُلْفِ.

﴿وَتَحِيَّتُهم فِيها﴾ التَّحِيَّةُ التَّكْرِمَةُ بِالحالَةِ الجَلِيلَةِ، أصْلُها أحْياكَ اللَّهُ حَياةً طَيِّبَةً، أيْ: ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا، أوْ تَحِيَّةُ المَلائِكَةِ إيّاهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ ﴿سَلامٌ﴾ أوْ تَحِيَّةُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ﴿سَلامٌ﴾ أيْ: سَلامَةٌ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ أيْ: خاتِمَةُ دُعائِهِمْ ﴿أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ نَعْتًا لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِصِفاتِ الإكْرامِ إثْرَ نَعْتِهِ تَعالى بِصِفاتِ الجَلالِ، أيْ: دُعاؤُهم مُنْحَصِرٌ فِيما ذُكِرَ، إذْ لَيْسَ لَهم مَطْلَبٌ مُتَرَقَّبٌ حَتّى يُنْظِمُوهُ في سِلْكِ الدُّعاءِ و"أنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِن "أنَّ" المُثَقَّلَةِ، أصْلُهُ أنَّهُ الحَمْدُ لِلَّهِ فَحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، كَما في قَوْلِهِ:

؎ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفي ويَنْتَعِلُ

وَقُرِئَ (أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ) بِالتَّشْدِيدِ، ونَصْبِ الحَمْدِ، ولَعَلَّ تَوْسِيطَ ذِكْرِ تَحِيَّتِهِمْ عِنْدَ الحِكايَةِ بَيْنَ دُعائِهِمْ وخاتِمَتِهِ لِلتَّوَسُّلِ إلى خَتْمِ الحِكايَةِ بِالتَّحْمِيدِ تَبَرُّكًا، مَعَ أنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ بِأجْنَبِيَّةٍ عَلى الإطْلاقِ، ودَعْوى كَوْنِ تَرْتِيبِ الوُقُوعِ – أيْضًا - كَذَلِكَ بِأنْ كانُوا حِينَ دَخَلُوا الجَنَّةَ وعايَنُوا عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِياءَهُ مَجَدُّوهُ ونَعَتُوهُ بِنُعُوتِ الجَلالِ، ثُمَّ حَيّاهُمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ والفَوْزِ بِأصْنافِ الكَراماتِ، أوْ حَيّاهم بِذَلِكَ رَبُّ العِزَّةِ، فَحَمِدُوهُ تَعالى وأثْنَوْا عَلَيْهِ - يَأْباها إضافَةُ الآخِرِ إلى دَعْواهُمْ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالدُّعاءِ العِبادَةَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ﴾ ... إلَخْ؛ إيذانًا بِأنْ لا تَكْلِيفَ في الجَنَّةِ، أيْ: ما عِبادَتُهم إلّا أنْ يُسَبِّحُوهُ ويَحْمَدُوهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِعِبادَةٍ إنَّما يُلْهَمُونَهُ ويَنْطِقُونَ بِهِ تَلَذُّذًا ولا يُساعِدُهُ تَعْيِينُ الخاتِمَةِ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.