Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 31–40 of 109

31

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ

Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allah," so say, "Then will you not fear Him?"

﴿قُلْ﴾ أيْ: لِأُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حُكِيَتْ أحْوالُهُمْ، وبَيِّنَ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ أعْمالُهُمُ احْتِجاجًا عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ، وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ ﴿مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ: مِنهُما جَمِيعًا، فَإنَّ الأرْزاقَ تَحْصُلُ بِأسْبابِ سَماوِيَّةٍ ومَوادَّ أرْضِيَّةٍ، أوْ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما تَوْسِعَةً عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: (مِن) لِبَيانِ كَلِمَةِ (مَن) عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ.

﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن كَلِمَةِ (بَلْ) لِلْإضْرابِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ، لَكِنْ لا عَلى طَرِيقَةِ الإبْطالِ بَلْ عَلى وجْهِ الِانْتِقالِ وصَرْفِ الكَلامِ عَنْهُ إلى اسْتِفْهامٍ آخَرَ؛ تَنْبِيهًا عَلى كِفايَتِهِ فِيما هو المَقْصُودُ، أيْ: مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الفِطْرَةِ العَجِيبَةِ، أوْ مَن يَحْفَظُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها، وسُرْعَةِ انْفِعالِهِما مِن أدْنى شَيْءٍ يُصِيبُهُما ﴿وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ﴾ أيْ: ومَن يُحْيِي ويُمِيتُ، أوْ ومَن يُنْشِئُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ والنُّطْفَةَ مِنَ الحَيَوانِ ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ: ومَن يَلِي تَدْبِيرَ أمْرِ العالَمِ جَمِيعًا، وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ بَعْضِ ما انْدَرَجَ تَحْتَهُ مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ بِالذِّكْرِ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ بِلا تَلَعْثُمٍ ولا تَأْخِيرٍ ﴿اللَّهُ﴾ إذْ لا مَجالَ لِلْمُكابَرَةِ لِغايَةِ وُضُوحِهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيِ: اللَّهُ يَفْعَلُ ما ذُكِرَ مِنَ الأفاعِيلِ لا غَيْرُهُ ﴿فَقُلْ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ عَدَمِ الِاتِّقاءِ، بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ كَما فِي: (أتَضْرِبُ أباكَ) لا بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ كَما في (أأضْرِبُ أبِي) والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، أيْ: أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا تَقُونَ أنْفُسَكم عَذابَهُ الَّذِي ذُكِرَ لَكم بِما تَتَعاطَوْنَهُ مِن إشْراكِكم بِهِ ما لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ مِن خَواصِّ الإلَهِيَّةِ.

32

فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ

For that is Allah, your Lord, the Truth. And what can be beyond truth except error? So how are you averted?

﴿فَذَلِكُمُ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ، أيْ: ذَلِكُمُ الَّذِي اعْتَرَفْتُمْ بِاتِّصافِهِ بِالنُّعُوتِ المَذْكُورَةِ وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ﴾ خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكُمُ﴾ أيْ: مالِكُكم ومُتَوَلِّي أُمُورَكم عَلى الإطْلاقِ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ بَيانٌ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ﴾ صِفَةٌ لَهُ، أيْ: رَبُّكُمُ الثّابِتُ رُبُوبِيَّتُهُ والمُتَحَقِّقُ أُلُوهِيَّتُهُ تَحَقُّقًا لا رَيْبَ فِيهِ ﴿فَماذا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ اسْمًا واحِدًا قَدْ غُلِّبَ فِيهِ الِاسْتِفْهامُ عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وأنْ يَكُونَ "ذا" مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: ما الَّذِي ﴿بَعْدَ الحَقِّ﴾ أيْ: غَيْرُهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ، وإظْهارُ الحَقِّ إمّا لِأنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُ الأوَّلِ، وإمّا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ومُراعاةِ كَمالِ المُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الضَّلالِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ، أيْ: لَيْسَ غَيْرُ الحَقِّ ﴿إلا الضَّلالُ﴾ الَّذِي لا يَخْتارُهُ أحَدٌ، فَحَيْثُ ثَبَتَ أنَّ عِبادَةَ مَن هو مَنعُوتٌ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ حَقٌّ ظَهَرَ أنَّ ما عَداها مِن عِبادَةِ الأصْنامِ ضَلالٌ مَحْضٌ، إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، وإنَّما سُمِّيَتْ ضَلالًا - مَعَ كَوْنِها مِن أعْمالِ الجَوارِحِ - بِاعْتِبارِ ابْتِنائِها عَلى ما هو ضَلالٌ مِنَ الِاعْتِقادِ، والرَّأْيُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الحَقِّ عِبارَةً عَنِ التَّوْحِيدِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ الأوَّلِ فالمُرادُ بِالضَّلالِ هو الأصْنامُ لا عِبادَتُها، والمَعْنى: فَماذا بَعْدَ الرَّبِّ الحَقِّ الثّابِتِ رُبُوبِيَّتُهُ إلّا الضَّلالُ؟ أيِ: الباطِلُ الضّائِعُ المُضْمَحِلُّ، وإنَّما سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، كَأنَّهُ نَفْسُ الضَّلالِ والضَّياعِ، وهَذا أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَضَلَّ عَنْهم ما كانُواْ يَفْتَرُونَ" عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي.

﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ والتَّعْجِيبِ مِنهُ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ قَطْعًا، فَإذا انْتَفي جَمِيعُ أحْوالِ وُجُودِهِ فَقَدِ انْتَفي وجُودُهُ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ كَما مَرَّ مِرارًا، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلى ما قَبْلَهُ، أيْ: كَيْفَ تُصْرَفُونَ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ - وهو التَّوْحِيدُ - إلى الضَّلالِ عَنِ السَّبِيلِ المُسْتَبِينِ، وهو الإشْراكُ وعِبادَةُ الأصْنامِ، أوْ مِن عِبادَةِ رَبِّكُمُ الحَقِّ الثّابِتِ رُبُوبِيَّتُهُ إلى عِبادَةِ الباطِلِ الَّذِي سَمِعْتُمْ ضَلالَهُ وضَياعَهُ في الآخِرَةِ، وفي إيثارِ صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ إيذانٌ بِأنَّ الِانْصِرافَ مِنَ الحَقِّ إلى الضَّلالِ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ بِإرادَتِهِ وإنَّما يَقَعُ عِنْدَ وُقُوعِهِ بِالقَسْرِ مِن جِهَةِ صارِفٍ خارِجِيٍّ.

33

كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Thus the word of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: كَما حَقَّتِ الربوبية لِلَّهِ تَعالى، أوْ كَما أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ، أوْ أنَّهم مَصْرُوفُونَ عَنِ الحَقِّ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ وحِكَمُهُ وقَضاؤُهُ ﴿عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ: تَمَرَّدُوا في الكُفْرِ وخَرَجُوا مِن أقْصى حُدُودِهِ ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ أوْ تَعْلِيلٌ لِحَقِّيَّتِها، والمُرادُ بِها العِدَةُ بِالعَذابِ.

34

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allah begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الإشْراكِ بِإظْهارِ كَوْنِ شُرَكائِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ بِبَيانِ اخْتِصاصِ خَواصِّها مِن بَدْءِ الخَلْقِ وإعادَتِهِ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَهُ إيذانًا بِاسْتِقْلالِهِ في إثْباتِ المَطْلُوبِ، والسُّؤالُ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ، وقَدْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ الإعادَةُ وتَحَقُّقُها لِوُضُوحِ مَكانِها، وسُنُوحِ بُرْهانِها بِمَنزِلَةِ بَدْءِ الخَلْقِ، فَنُظِمَتْ في سِلْكِهِ حَيْثُ قِيلَ ﴿مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إيذانًا بِتَلازُمِهِما وُجُودًا، وعِلْمًا يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِرافَ بِها، وإنَّ صَدَّهم عَنْ ذَلِكَ ما بِهِمْ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، ثُمَّ أُمِرَ ﷺ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أيْ: هو يَفْعَلُهُما لا غَيْرُ كائِنًا ما كانَ، لا بِأنْ يَنُوبَ ﷺ عَنْهم في ذَلِكَ - كَما قِيلَ - لِأنَّ القَوْلَ المَأْمُورَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ مِنهم مِنَ الجَوابِ - وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ - إذْ لَيْسَ المَسْؤُولُ عَنْهُ "مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ اللَّهُ﴾ حَتّى يَكُونَ القَوْلُ المَأْمُورُ بِهِ عَيْنَ الجَوابِ الَّذِي أُرِيدَ مِنهُمْ، ويَكُونَ ﷺ نائِبًا عَنْهم في ذَلِكَ، بَلْ إنَّما هو وُجُودُ مَن يَفْعَلُ البَدْءَ والإعادَةَ مِن شُرَكائِهِمْ، فالجَوابُ المَطْلُوبُ مِنهم (لا) لا غَيْرُ.

نَعَمْ، أُمِرَ ﷺ بِأنْ يُضَمِّنَهُ مَقالَتَهُ إيذانًا بِتَعَيُّنِهِ وتَحَقُّقِهِ، وإشْعارًا بِأنَّهم لا يَجْتَرِءُونَ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ مَخافَةَ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ لا مُكابَرَةً ولَجاجًا، فَتَدَبَّرْ، وإعادَةُ الجُمْلَةِ في الجَوابِ بِتَمامِها غَيْرَ مَحْذُوفَةِ الخَبَرِ - كَما في الجَوابِ السّابِقِ - لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ.

﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ الإفْكُ الصَّرْفُ والقَلْبُ عَنِ الشَّيْءِ، وقَدْ يُخَصُّ بِالقَلْبِ عَنِ الرَّأْيِ، وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ، أيْ: كَيْفَ تُقْلَبُونَ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟ والكَلامُ فِيهِ كَما ذُكِرَ في (تُصْرَفُونَ).

35

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allah guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ عَلى ما ذُكِرَ جِيءَ بِهِ إلْزامًا لَهم غِبَّ إلْزامٍ وإفْحامًا إثْرَ إفْحامٍ، وفَصْلُهُ عَمّا قَبْلَهُ لِما ذُكِرَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِ ﴿مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَإنَّ أدْنى مَراتِبِ المَعْبُودِيَّةِ هِدايَةُ المَعْبُودِ لِعَبَدَتِهِ إلى ما فِيهِ صَلاحُ أمْرِهِمْ، وأمّا تَعْيِينُ طَرِيقِ الهِدايَةِ وتَخْصِيصُهُ بِنَصْبِ الحُجَجِ وإرْسالِ الرُّسُلِ والتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ - كَما قِيلَ - فَمُخِلٌّ بِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن كَمالِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ، فَإنَّ العَجْزَ عَنِ الهِدايَةِ عَلى وجْهٍ خاصٍّ لا يَسْتَلْزِمُ العَجْزَ عَنْ مُطْلَقِ الهِدايَةِ، وهَدى كَما يُسْتَعْمَلُ بِكَلِمَةِ (إلى) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ يُسْتَعْمَلُ بِاللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنْتَهى غايَةُ الهِدايَةِ، وأنَّها لَمْ تَتَوَجَّهْ نَحْوَهُ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ، ولِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ بِها ما أُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى، حَيْثُ قِيلَ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ أيْ: هو يَهْدِي لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وذَلِكَ بِما ذُكِرَ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ والحُجَجِ وإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ والتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ والتَّدَبُّرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الهِداياتِ، والكَلامُ في الأمْرِ بِالسُّؤالِ والجَوابِ كَما مَرَّ فِيما مَرَّ.

﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ بِكَسْرِ الهاءِ، أصْلُهُ يَهْتَدِي فَأُدْغِمَ، وكُسِرَتِ الهاءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الياءِ إتْباعًا لَها لِحَرَكَةِ الهاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهاءِ نَقْلًا لِحَرَكَةِ التّاءِ إلَيْها، أيْ: لا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ هِدايَةِ غَيْرِهِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى، وإنَّما نُفِيَ عَنْهُ الِاهْتِداءُ - مَعَ أنَّ المَفْهُومَ مِمّا سَبَقَ نَفْيُ الهِدايَةِ - لِما أنَّ نَفْيَها مُسْتَتْبِعٌ لِنَفْيِهِ غالِبًا، فَإنَّ مَنِ اهْتَدى إلى الحَقِّ لا يَخْلُو عَنْ هِدايَةِ غَيْرِهِ في الجُمْلَةِ، وأدْناها كَوْنُهُ قُدْوَةً لَهُ بِأنْ يَراهُ فَيَسْلُكَ مَسْلَكَهُ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الِاسْتِفْهامِ عَلى ما سَبَقَ مِن تَحَقُّقِ هِدايَتِهِ تَعالى صَرِيحًا، وعَدَمِ هِدايَةِ شُرَكائِهِمُ المَفْهُومِ مِنَ القَصْرِ ومِن عَدَمِ الجَوابِ المُنْبِئِ عَنِ الجَوابِ بِالعَدَمِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَضْطَرُّهم إلى الجَوابِ الحَقِّ لا لِتَوْجِيهِ الِاسْتِفْهامِ إلى التَّرْتِيبِ كَما يَقَعُ في بَعْضِ المَواقِعِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالإنْكارِيِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ ... إلَخْ، ونَحْوِهِ، والهَمْزَةُ مُتَأخِّرَةٌ في الِاعْتِبارِ وإنَّما تَقْدِيمُها في الذِّكْرِ لِإظْهارِ عَراقَتِها في اقْتِضاءِ الصَّدارَةِ - كَما هو رَأْيُ الجُمْهُورِ - حَتّى لَوْ كانَ السُّؤالُ بِكَلِمَةِ (أيْ) لَأُخِّرَتْ حَتْمًا، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ إثْرَ تَقْدِيرِ ما يُلْجِئُ المُشْرِكِينَ إلى الجَوابِ مِن حالِهِمْ وحالِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ.

وَقُرِئَ (لا يَهْدِي) بِمَعْنى لا يَهْتَدِي لِمَجِيئِهِ لازِمًا، أوْ لا يَهْدِي غَيْرَهُ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ إمّا عَلى حَقِيقَتِها والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ - كَما اخْتارَهُ مَكِّيٌّ - والتَّقْدِيرُ: أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ مِمَّنْ لا يَهْدِي أمْ مَن لا يَهْدِي أحَقُّ... إلَخْ، وإمّا بِمَعْنى حَقِيقٍ - كَما اخْتارَهُ أبُو حَيّانِ - وأيًّا ما كانَ …

36

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ

And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allah is Knowing of what they do.

﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ الأمْرِ، مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى لِبَيانِ عَدَمِ فَهْمِهِمْ لِمَضْمُونِ ما أفْحَمَهم وألْقَمَهُمُ الحَجَرَ مِنَ البُرْهانِ النَّيِّرِ المُوجِبِ لِاتِّباعِ الهادِي إلى الحَقِّ، النّاعِي عَلَيْهِمْ بُطْلانَ حُكْمِهِمْ، وعَدَمَ تَأثُّرِهِمْ مِن ذَلِكَ لِعَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى طَرِيقِ العِلْمِ أصْلًا أنَّ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ (إلّا ظَنًّا) واهِيًا مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِلْمِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْلُكُوا مَسالِكَ الأدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المَبْنِيَّةِ عَلى المُقَدِّماتِ اليَقِينِيَّةِ الحَقَّةِ، فَيَفْهَمُوا مَضْمُونَها ويَقِفُوا عَلى صِحَّتِها وبُطْلانِ ما يُخالِفُها مِن أحْكامِهِمُ الباطِلَةِ، فَيَحْصُلُ التَّبْكِيتُ والإلْزامُ، فالمُرادُ بِالِاتِّباعِ مُطْلَقُ الِاعْتِقادِ الشّامِلِ لِما يُقارِنُ القَبُولَ والِانْقِيادَ وما لا يُقارِنُهُ، وبِالقَصْرِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنْ لا يَكُونَ لَهم في أثْنائِهِ اتِّباعٌ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ العِلْمِ والتِفاتٌ إلَيْهِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذا الِاتِّباعِ بِأكْثَرِهِمُ الإشْعارُ بِأنَّ بَعْضَهم قَدْ يَتَّبِعُونَ العِلْمَ فَيَقِفُونَ عَلى حَقِيَةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ، لَكِنْ لا يَقْبَلُونَهُ مُكابَرَةً وعِنادًا فَيَحْصُلُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمُ التَّأثُّرُ مِنَ البُرْهانِ المَزْبُورِ، وإنْ لَمْ يُظْهِرُوهُ، وكَوْنُهم أشَدَّ كُفْرًا وأكْثَرَ مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ لا يَقْدَحُ فِيما يُفْهَمُ مِن فَحْوى الكَلامِ عُرْفًا مِن كَوْنِ أُولَئِكَ أسْوَأ حالًا مِن غَيْرِهِمْ، إذِ المُعْتَبَرُ سُوءُ الحالِ مِن حَيْثُ الفَهْمُ والإدْراكُ لا مِن حَيْثُ الكُفْرُ والعَذابُ.

أوْ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم مُدَّةَ عُمُرِهِمْ إلّا ظَنًّا، ولا يَتْرُكُونَهُ أبَدًا فَإنَّ حَرْفَ النَّفْيِ الدّاخِلِ عَلى المُضارِعِ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ بِحَسَبِ المَقامِ، فالمُرادُ بِالِاتِّباعِ حِينَئِذٍ هو الإذْعانُ والِانْقِيادُ، والقَصْرُ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذا الِاتِّباعِ بِأكْثَرِهِمْ - مَعَ مُشارَكَةِ المُعانِدِينَ لَهم في ذَلِكَ - التَّلْوِيحُ بِما سَيَكُونُ مِن بَعْضِهِمْ مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ والتَّوْبَةِ كَما سَيَأْتِي هَذا.

وَقَدْ قِيلَ: المَعْنى: وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في إقْرارِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى إلّا ظَنًّا غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إلى بُرْهانٍ عِنْدَهُمْ، وقِيلَ: وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في قَوْلِهِمْ لِلْأصْنامِ أنَّها آلِهَةٌ إلّا ظَنًّا، والمُرادُ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ، فَتَأمَّلْ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أكْثَرُهُمْ) لِلنّاسِ فَلا حاجَةَ إلى التَّكْلِيفِ.

﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ﴾ مِنَ العِلْمِ اليَقِينِيِّ والِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ و(مِنَ الحَقِّ) حالًا مِنهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ العِلْمِ في الأُصُولِ وعَدَمِ جَوازِ الِاكْتِفاءِ بِالتَّقْلِيدِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ، فَيَنْدَرِجُ تَحْتَها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الإعْراضِ عَنِ البَراهِينِ القاطِعَةِ والِاتِّباعِ لِلظُّنُونِ الفاسِدَةِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وقُرِئَ (تَفْعَلُونَ) بِالِالتِفاتِ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ الوَعِيدِ.

37

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

And it was not [possible] for this Qur'an to be produced by other than Allah, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt, from the Lord of the worlds.

﴿وَما كانَ هَذا القرآن﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ رَدِّهِمْ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ إثْرَ بَيانِ رَدِّهِمْ لِلْأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ المُنْدَرِجَةِ في تَضاعِيفِهِ، أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القرآن المَشْحُونُ بِفُنُونِ الهِداياتِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلِاتِّباعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الحُجَجُ البَيِّنَةُ النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ ﴿أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: افْتِراءً مِنَ الخَلْقِ، أيْ: مُفْتَرًى مِنهم سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ المَشْهُودِ عَلى صِدْقِها، أيْ: مُصَدِّقًا لَها، كَيْفَ لا وهو لِكَوْنِهِ مُعْجِزًا دُونَها عِيارٌ عَلَيْها شاهِدٌ بِصِحَّتِها؟ ونَصْبُهُ بِأنَّهُ خَبَرُ كانَ مُقَدَّرًا، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ عِلَّةً لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَكِنْ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَصْدِيقَ... إلَخْ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ، أيْ: ولَكِنْ هو تَصْدِيقُ ... إلَخْ.

﴿وَتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ نَصْبًا ورَفْعًا، أيْ: وتَفْصِيلَ ما كُتِبَ وأُثْبِتَ مِنَ الحَقائِقِ والشَّرائِعِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِدْراكِ، أيْ: مُنْتَفِيًا عَنْهُ الرَّيْبُ، أوْ حالٌ مِنَ الكِتابِ - وإنْ كانَ مُضافًا إلَيْهِ - فَإنَّهُ مَفْعُولٌ في المَعْنى، أوِ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أيْ: كائِنًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَصْدِيقَ) أوْ بِـ(تَفْصِيلَ) أوْ بِالفِعْلِ المُعَلَّلِ بِهِما، ولا رَيْبَ فِيهِ اعْتِراضٌ كَما في قَوْلِكَ: زَيْدٌ - لا شَكَّ فِيهِ - كَرِيمٌ، أوْ حالٌ مِنَ الكِتابِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في فِيهِ، ومَساقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَعْدَ المَنعِ عَنِ اتِّباعِ الظَّنِّ لِبَيانِ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ.

38

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say [about the Prophet], "He invented it?" Say, "Then bring forth a surah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ: افْتَراهُ مُحَمَّدٌ ﷺ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ ﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ الفاسِدَةِ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أيْ: في البَلاغَةِ، وحُسْنِ الصِّياغَةِ، وقُوَّةِ المَعْنى عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ؛ فَإنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ، وأشَدُّ تَمَرُّنًا مِنِّي في النَّظْمِ والعِبارَةِ، وقُرِئَ (بِسُورَةِ مِثْلِهِ) عَلى الإضافَةِ، أيْ: بِسُورَةِ كِتابٍ مِثْلِهِ ﴿وادْعُوا﴾ لِلْمُظاهَرَةِ والمُعاوَنَةِ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أنَّها مُمِدَّةٌ لَكم في المُهِمّاتِ والمُلِمّاتِ، ومَدارِهَكُمُ الَّذِينَ تَلْجَئُونَ إلى آرائِهِمْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(ادْعُوا) ودُونَ جارٍ مَجْرى أداةِ الِاسْتِثْناءِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ: ادْعُوا سِواهُ تَعالى مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن خَلْقِهِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ، وإخْراجُهُ سُبْحانَهُ مِن حُكْمِ الدُّعاءِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى بَراءَتِهِمْ مِنهُ تَعالى وكَوْنِهِمْ في عُدْوَةِ المُضادَّةِ والمُشاقَّةِ لا لِبَيانِ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهُ تَعالى لَأجابَهم إلَيْهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنِّي افْتَرَيْتُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِإمْكانِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، وهو أيْضًا مُسْتَلْزِمٌ لِقُدْرَتِكم عَلَيْهِ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ.

39

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ

Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ إظْهارِ بُطْلانِ ما قالُوا في حَقِّ القرآن العَظِيمِ بِالتَّحَدِّي إلى إظْهارِهِ بِبَيانِ أنَّهُ كَلامٌ ناشِئٌ عَنْ جَهْلِهِمْ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ، فَـ "ما" عِبارَةٌ عَنْ كُلِّهِ لا عَمّا فِيهِ مِن ذِكْرِ البَعْثِ والجَزاءِ وما يُخالِفُ دِينَهم - كَما قِيلَ - فَإنَّهُ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ مِثْلِهِ، أيْ: سارَعُوا إلى تَكْذِيبِهِ آثِرَ ذِي أثِيرٍ مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا فِيهِ ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ كَما وُصِفَ آنِفًا، ويَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرٌ يَقْدِرُ عَلَيْهِ المَخْلُوقُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ (بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ - أوْ نَحْوِ ذَلِكَ - لِلْإيذانِ بِكَمالِ جَهْلِهِمْ بِهِ، وأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوهُ إلّا بِعُنْوانِ عَدَمِ العِلْمِ بِهِ، وبِأنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ إنَّما هو بِسَبَبِ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ لِما أنَّ إدارَةَ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مُشْعِرَةٌ بِعِلِّيَّةٍ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ.

﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أيْ: ولَمْ يَقِفُوا بَعْدُ عَلى تَأْوِيلِهِ، ولَمْ يَبْلُغْ أذْهانَهم مَعانِيهِ الرّائِقَةُ المُنْبِئَةُ عَنْ عُلُوِّ شَأْنِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِإتْيانِ التَّأْوِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ تَأْوِيلَهُ مُتَوَجِّهٌ إلى الأذْهانِ، مُنْساقٌ إلَيْها بِنَفْسِهِ، أوْ لَمْ يَأْتِهِمْ بَعْدُ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنَّهُ صِدْقٌ أمْ كَذِبٌ، والمَعْنى أنَّ القرآن مُعْجِزٌ مِن جِهَةِ النَّظْمِ والمَعْنى، ومِن جِهَةِ الإخْبارِ بِالغَيْبِ، وهم قَدْ فاجَئُوا تَكْذِيبَهُ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوا نَظْمَهُ ويَتَفَكَّرُوا في مَعْناهُ، أوْ يَنْتَظِرُوا وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ، ونَفْيُ إتْيانِ التَّأْوِيلِ بِكَلِمَةِ "لَمّا" الدّالَّةِ عَلى التَّوَقُّعِ بَعْدَ نَفْيِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ بِكَلِمَةِ (لَمْ) لِتَأْكِيدِ الذَّمِّ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ، فَإنَّ الشَّناعَةَ في تَكْذِيبِ الشَّيْءِ قَبْلَ عِلْمِهِ المُتَوَقَّعِ إتْيانُهُ أفْحَشُ مِنها في تَكْذِيبِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ مُطْلَقًا، والمَعْنى: أنَّهُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَقَّفُوا إلى زَمانِ وُقُوعِ المُتَوَقَّعِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، وأمّا أنَّ المُتَوَقَّعَ قَدْ وقَعَ بَعْدُ - وأنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عِنْدَ ذَلِكَ أيْضًا عَلى ما هم عَلَيْهِ أوَّلًا - فَلا تَعَرُّضَ لَهُ هَهُنا، والِاسْتِشْهادُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ انْقِطاعِ الذَّمِّ - أوِ ادِّعاءُ أنَّ قَوْلَهُمُ (افْتَراهُ) تَكْذِيبٌ بَعْدَ التَّدَبُّرِ - ناشِئٌ مِن عَدَمِ التَّدَبُّرِ، فَتَدَبَّرْ، كَيْفَ لا، وهم لَمْ يَقُولُوهُ بَعْدَ التَّحَدِّي بَلْ قَبْلَهُ؟ وادِّعاءُ كَوْنِهِ مَسْبُوقًا بِالتَّحَدِّي الوارِدِ في سُورَةِ البَقَرَةِ يَرُدُّهُ أنَّها مَدَنِيَّةٌ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وإنَّما الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَيُتْلى عَلَيْكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهُمْ﴾ ... إلَخْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ ... إلَخْ، وصْفٌ لِحالِهِمُ المَحْكِيِّ وبَيانٌ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ العُقُوبَةِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ المَبْنِيِّ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ والمُجازَفَةِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ وتَأمُّلٍ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: فَعَلُوا التَّكْذِيبَ، أوْ كَذَّبُوا ما كَذَّبُوا مِنَ …

40

وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ

And of them are those who believe in it, and of them are those who do not believe in it. And your Lord is most knowing of the corrupters

﴿وَمِنهُمْ﴾ ... إلَخْ، وصْفٌ لِحالِهِمْ بَعْدَ إتْيانِ التَّأْوِيلِ المُتَوَقَّعِ إذْ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ تَنْوِيعُهم إلى المُؤْمِنِ بِهِ وغَيْرِ المُؤْمِنِ ضَرُورَةَ امْتِناعِ الإيمانِ بِشَيْءٍ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ، واشْتِراكِ الكُلِّ في التَّكْذِيبِ والكُفْرِ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، حَسْبَما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى: "بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ" أيْ: ومِن هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ عِنْدَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وإتْيانِ تَأْوِيلِهِ، وظُهُورِ حَقِّيَّتِهِ بَعْدَما سَعَوْا في المُعارَضَةِ ورازُوا قُواهم فِيها فَتَضاءَلَتْ دُونَها، أوْ بَعْدَما شاهَدُوا وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ كَما أخْبَرَ بِهِ مِرارًا، ومَعْنى الإيمانِ بِهِ إمّا الِاعْتِقادُ بِحَقِّيَّتِهِ فَقَطْ، أيْ: يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ ويَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ، ولَكِنَّهُ يُعانِدُ ويُكابِرُ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أُشِيرَ بِقَصْرِ اتِّباعِ الظَّنِّ عَلى أكْثَرِهِمْ إلى أنَّهم يَعْلَمُونَ الحَقَّ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، وإمّا الإيمانُ الحَقِيقِيُّ، أيْ: سَيُؤْمِنُ بِهِ ويَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ، وهُمُ الَّذِينَ أُشِيرَ بِالقَصْرِ المَذْكُورِ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي إلى أنَّهم سَيَتَّبِعُونَ الحَقَّ كَما مَرَّ.

﴿وَمِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ: لا يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ كَما لا يُصَدِّقُ ظاهِرًا لِفَرْطِ غَباوَتِهِ المانِعَةِ عَنِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ كَما يَنْبَغِي، وإنْ كانَ فَوْقَ مَرْتَبَةِ عَدَمِ الإحاطَةِ بِهِ أصْلًا، أوْ لِسَخافَةِ عَقْلِهِ واخْتِلالِ تَمْيِيزِهِ، وعَجْزِهِ عَنْ تَخْلِيصِ عُلُومِهِ عَنْ مُخالَطَةِ الظُّنُونِ والأوْهامِ الَّتِي ألِفَها، فَيَبْقى عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ، وهَذا القَدْرُ مِنَ الإحاطَةِ وإتْيانِ التَّأْوِيلِ كافٍ في مُقابَلَةِ ما سَبَقَ مِن عَدَمِ الإحاطَةِ بِالمَرَّةِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أُرِيدُوا فِيما سَلَفَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا﴾ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، أوْ لا يُؤْمِنُوا بِهِ فِيما سَيَأْتِي، بَلْ يَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ مُعانِدًا كانَ أوْ شاكًّا، وهُمُ المُسْتَمِرُّونَ عَلى اتِّباعِ الظَّنِّ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي مِن غَيْرِ إذْعانٍ لِلْحَقِّ وانْقِيادٍ لَهُ.

﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ أيْ: بِكِلا الفَرِيقَيْنِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا بِالمُعانِدِينَ فَقَطْ - كَما قِيلَ - لِاشْتِراكِهِما في أصْلِ الإفْسادِ المُسْتَدْعِي لِاشْتِراكِهِما في الوَعِيدِ، أوْ بِالمُصِرِّينَ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ المُعانِدِينَ والشّاكِينَ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.