Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 31–40 of 109

31

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ

Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allah," so say, "Then will you not fear Him?"

انتقال من غرض إلى غرض في أفانين إبطال الشرك وإثبات توحد الله تعالى بالإلهية . وهذه الجملة تتنزل منزلة الاستدلال لقوله : { مولاهم الحق } [ يونس : 30 ] لأنها برهان على أنه المستحق للولاية .فاحتج على ذلك بمواهب الرزق الذي به قوام الحياة ، وبموهبة الحواس ، وبنظام التناسل والتوالد الذي به بقاء الأنواع ، وبتدبير نظام العالم وتقدير المقدرات ، فهذه كلها مواهب من الله وهم كانوا يعلمون أن جميع ما ذكر لا يفعله إلا الله إذ لم يكونوا ينسبون إلى أصنامهم هذه الأمور ، فلا جرم أن كان المختص بها هو مستحق الولاية والإلهية .والاستفهام تقريري . وجاء الاستدلال بطريقة الاستفهام والجواببِ لأن ذلك في صورة الحوار ، فيكون الدليل الحاصل به أوقع في نفوس السامعين ، ولذلك كان من طرق التعليم مما يراد رسوخه من القواعد العلمية أن يؤتى به في صورة السؤال والجواب .وقوله : { من السماء والأرض } تذكير بأحوال الرزق؛ ليكون أقوى حضوراً في الذهن ، فالرزق من السماء المطر ، والرزق من الأرض النبات كله من حب وثمر وكلأ .و ( أم ) في قوله : { أم من يملك السمع } للإضراب الانتقالي من استفهام إلى آخر .ومعنى : { يملك السمع والأبصار } يملك التصرف فيهما ، وهو مِلك إيجاد تينك الحاستين وذلك استدلال وتذكير بأنفع صنع وأدقه .وأفرد { السمع } لأنه مصدر فهو دال على الجنس الموجود في جميع حواس الناس .وأما { الأبصار } فجيء به جمعاً لأنه اسم ، فهو ليس نصاً في إفادة العموم لاحتمال توهم بصر مخصوص فكان الجمع أدل على قصد العموم وأنفى لاحتمال العهد ونحوه بخلاف قوله : { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً } [ الإسراء : 36 ] لأن المراد الواحد لكل مخاطب بقوله : { ولا تقفُ ما ليس لك به علم } [ الإسراء : 36 ]. وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم } في سورة [ الأنعام : 46 ].وإخراجُ الحي من الميت : هو تولد أطفال الحيوان من النطف ومن البَيْض؛ فالنطفة أو البيضة تكون لا حياة فيها ثم تتطور إلى الشكل القابل للحياة ثم تكون فيها الحياة . و ( مِن ) في قوله : مِن الميت } للابتداء . وإخراج الميت من الحي إخراج النطفةِ والبيضضِ من الحيوان .والتعريف في { الحي } و { الميت } في المرتين تعريف الجنس .وقد نظم هذا الاستدلال على ذلك الصنع العجيب بأسلوب الأحاجي والألغاز وجعل بمحسن التضاد ، كل ذلك لزيادة التعجيب منه . وقد تقدم الكلام على نظيره في قوله : { وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي } في سورة [ آل عمران : 27 ]. غير أن ما هنا ليس فيه رمز إلى شيء .وقوله : ومن يدبر الأمر } تقدم القول في نظيره في أوائل هذه السورة . وهو هنا تعميم بعد تخصيص ذكر ما فيه مزيد عبرة في أنفسهم كالعِبرة في قوله :{ وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون } [ الذاريات : 21 ، 22 ].والفاء في قوله : { فسيقولون الله } فاء السببية التي من شأنها أن تقترن بجواب الشرط إذا كان غير صالح لمباشرة أداة الشرط ، وذلك أنه قصد تسبب قولهم : { اللّهُ } على السؤال المأمور به النبيءُ عليه الصلاة والسلام ، فنزل فعل { قل } منزلة الشرط فكأنه قيل : إن تَقل من يرزقكم من السماء والأرض فسيقولون الله ، ومنه قوله تعالى : { قل كونوا حجارة أو حديداً أو خلقاً مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا } [ الإسراء : 51 ، 52 ]. وهذا الاستعمال نظير تنزيل الأمر من القول منزلة الشرط في جزم الفعل المقول بتنزيله منزلة جواب الشرط كقوله تعالى : { قل لعباديَ الذين آمنوا يقيمُوا الصلاة } [ إبراهيم : 31 ] وقوله : { وقل لعبادِي يقولوا التي هي أحسن } [ الإسراء : 53 ]. التقدير : إن تقل لهم أقيموا الصلاة يقيموا وإن تقل لهم قولوا التي هي أحسن يقولوا . وهو كثير في القرآن على رأي المحققين من النحاة وعادة المعربين أن يُخَرّجوه على حذف شرط مقدر دل عليه الكلام . …

32

فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ

For that is Allah, your Lord, the Truth. And what can be beyond truth except error? So how are you averted?

الفاء للتفريع على الإنكار الذي في قوله : { أفلا تتقون } [ يونس : 31 ] ، فالمفرع من جملة المقول . واسم الإشارة عائد إلى اسم الجلالة للتنبيه على أن المشار إليه جدير بالحكم الذي سيذكر بعد اسم الإشارة مِن أجْل الأوصاف المتقدمة على اسم الإشارة وهي كونه الرازق ، الواهب الإدراك ، الخالق ، المدبر ، لأن اسم الإشارة قد جمعها . وأومأ إلى أن الحكم الذي يأتي بعده معلل بمجموعها . واسم الجلالة بيان لاسم الإشارة لزيادة الإيضاح تعريضاً بقوة خطئهم وضلالهم في الإلهية . و { ربكم } خبر . و { الحق } صفة له . وتقدم الوصف بالحق آنفاً في الآية مثل هذه .والفاء في قوله : { فماذا بعد الحق إلا الضلال } تفريع للاستفهام الإنكاري على الاستنتاج الواقع بعد الدليل ، فهو تفريع على تفريع وتقريع بعد تقريع .و { ماذا } مركَّبٌ من ( ما ) الاستفهامية و ( ذا ) الذي هو اسم إشارة . وهو يقع بعد ( ما ) الاستفهامية كثيراً . وأحسن الوجوه أنه بعد الاستفهام مزيد لِمجرد التأكيد . ويعبر عن زيادته بأنه ملغى تجنباً من إلزام أن يكون الاسم مزيداً كما هنا . وقد يفيد معنى الموصولية كما تقدم في قوله تعالى : { ماذا أراد الله بهذا مثلاً } في سورة [ البقرة : 26 ]. وانظر ما يأتي عند قوله : { ماذا يستعجل منه المجرمون } في هذه [ السورة : 50 ].والاستفهام هنا إنكاري في معنى النفي ، ولذلك وقع بعده الاستثناء في قوله : إلا الضلال }.و { بعْدَ } هنا مستعملة في معنى ( غير ) باعتبار أن المغاير يحصل إثر مغايره وعند انتفائه . فالمعنى : ما الذي يكون إثر انتفاء الحق .ولما كان الاستفهام ليس على حقيقته لأنه لا تردد في المستفهَم عنه تعيّن أنه إنكار وإبطال فلذا وقع الاستثناء منه بقوله : { إلا الضلال }. فالمعنى لا يكون إثر انتفاء الحق إلا الضلال إذ لا واسطة بينهما . فلما كان الله هو الرب الحق تعين أن غيره مما نسبت إليه الإلهية باطل . وعبر عن الباطل بالضلال لأن الضلال أشنع أنواع الباطل .والفاء في { فأنَّى تصرفون } للتفريع أيضاً ، أي لتفريع التصريح بالتوبيخ على الإنكار والإبطال .و { أنَّى } استفهام عن المكان ، أي إلى مكان تَصرفكم عقولكم . وهو مكان اعتباري ، أي أنكم في ضلال وعماية كمن ضل عن الطّريق ولا يجد إلا من ينعت له طريقاً غير موصلة فهو يُصرف من ضلال إلى ضلال . قال ابن عطية : وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوق كل تفْسير براعة وإيجازاً ووضوحاً .وقد اشتملت هذه الآيات على تسع فاءات من قوله : { فسيقولون الله } : الأولى جوابية ، والثانية فصيحة ، والبواقي تفريعية .

33

كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Thus the word of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.

تذييل للتعجيب من استمرارهم على الكفر بعدما ظهر لهم من الحجج والآيات ، وتأييس من إيمانهم بإفادة أن انتفاء الإيمان عنهم بتقدير من الله تعالى عليهم فقد ظهر وقوع ما قدره من كلمته في الأزل . والكاف الداخلة قبل اسم الإشارة كاف التشبيه . والمشبه به هو المشار إليه ، وهو حالهم وضلالهم ، أي كما شاهدتَ حقَّت كلمة ربك ، يعني أن فيما شاهدتَ ما يبين لك أن قد حقت كلمة ربك عليهم أنهم لا يؤمنون .وقوله : { أنهم لا يؤمنون } بَدل من ( كلِمة ) أو { من كلمات . والمراد مضمون جملة أنهم لا يؤمنون }.وقرأ نافع ، وابن عامر { كلمات ربك } بالجمع . وقرأها الباقون بالإفراد ، والمعنى واحد لأن الكلمة تطلق على مجموع الكلام كقوله تعالى : { كلا إنها كلمة هو قائلها } [ المؤمنون : 100 ] ، ولأن الجمع يكون باعتبار تعدد الكلمات أو باعتبار تكرر الكلمة الواحدة بالنسبة لأناس كثيرين .والفسق : الخروج من المسلك الذي شأن الشيء سلوكه ، والمراد به فسق عن تلقي دعوة الرسل وإعمال النظر ، وتقدم في قوله تعالى : { وما يُضل به إلا الفاسقين } في سورة [ البقرة : 26 ].ثم يجوز أن يكون المراد بالذين فسقوا كل من استمر على فسقه فلا يؤمن ، فتكون الجملة تذييلاً لما فيها من العموم الشامل لهؤلاء المتحدث عنهم ، كقوله تعالى : { كذلك يضرب الله الحق والباطل } [ الرعد : 17 ] ، ويجوز أن يكون المراد بالذين فسقوا المتحدث عنهم خاصة فيكون من الإظهار في مقام الإضمار لإفادة أنهم مع صفاتهم السابقة قد اتصفوا بالفسق ، ولإفادة كون فسقهم علة في أنْ حقت عليهم كلمة الله ، ويكون المشبه به هو الحق المأخوذ من { حَقَّت } أي كذلك الحق حقَّتْ عليهم كلمة ربك مبالغة في ظهوره حتى أنه إذا أريد تشبيهه وتقريبه لم يشبه إلا بنفسه على طريقة قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } في سورة [ البقرة : 143 ].وهي مع ذلك تذييل لما فيه من الفذلكة والتعجيب .

34

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allah begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"

استئناف على طريقة التكرير لقوله قبله { قل من يرزقكم من السماء والأرض } [ يونس : 31 ]. وهذا مقام تقرير وتعديد الاستدلال ، وهو من دواعي التكرير وهو احتجاج عليهم بأن حال آلهتهم على الضد من صفات الله تعالى فبعد أن أقام عليهم الدليل على انفراد الله تعالى بالرزق وخلق الحواس وخلق الأجناس وتدبير جميع الأمور وأنه المستحق للإلهية بسبب ذلك الانفراد بين هنا أن آلهتهم مسلوبة من صفات الكمال وأن الله متصف بها . وإنما لم يعطف لأنه غرض آخر مستقل ، وموقع التكرير يزيده استقلالاً .والاستفهام إنكار وتقرير بإنكار ذلك إذ ليس المتكلم بطالب للجواب ولا يسعهم إلا الاعتراف بذلك فهو في معنى نفي أن يكون من آلهتهم من يبدأ الخلق ثم يعيده ، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرتقي معهم في الاستدلال بقوله : { اللّهُ يبدأ الخلق ثم يعيده } فصار مجموع الجملتين قصراً لصفة بَدْء الخلق وإعادته على الله تعالى قصرَ إفراد ، أي دون شركائكم ، أي فالأصنام لا تستحق الإلهية والله منفرد بها .وذكر إعادة الخلق في الموضعين مع أنهم لا يعترفون بها ضَرب من الإدماج في الحجاج وهو فن بديع .وإضافة الشركاء إلى ضمير المخاطبين تقدم وجهه آنفاً عند قوله : { مكانكم أنتم وشركاؤكم } [ يونس : 28 ].وقوله : { فأنى تؤفكون } كقوله : { فأنى تصرفون } [ يونس : 32 ]. وأفكهُ : قلبه . والمعنى : فإلى أي مكان تقلبون . والقلب مجازي وهو إفساد الرأي . و ( أنى ) هنا استفهام عن مكان مجازي شبهت به الحقائق التي يُحول فيها التفكير . واستعارة المكان إليها مثل إطلاق الموضوع عليها والمجال أيضاً .

35

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allah guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"

هذا تكرير آخر بعد قوله : { قل هل من شركائكم من يَبدأ الخلق ثم يعيده } [ يونس : 34 ]. وهذا استدلال بنقصان آلهتهم عن الإرشاد إلى الكمال النفساني بنشر الحق ، وبأن الله تعالى هو الهادي إلى الكمال والحق ، ومجموع الجملتين مفيد قَصْر صفة الهداية إلى الحق على الله تعالى دون آلهتهم قصرَ إفراد ، كما تقدم في نظيره آنفاً . ومعلوم أن منة الهداية إلى الحق أعظم المنن لأن بها صلاح المجتمع وسلامة أفراده من اعتداء قويّهم على ضعيفهم ، ولولا الهداية لكانت نعمة الإيجاد مختلة في مضمحلة .والمراد بالحق الدين ، وهو الأعمال الصالحة ، وأصوله وهي الاعتقاد الصحيح .وقد أتبع الاستدلال على كمال الخالق ببدء الخلق وإعادته بالاستدلال على كماله بالهداية كما في قول إبراهيم عليه السلام { الذي خلقني فهو يهدين } [ الشعراء : 78 ] وقول موسى عليه السلام { ربّنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هَدى } [ طه : 50 ] وقوله تعالى : { سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدّر فهدى } [ الأعلى : 1 3 ]. وذلك أن الإنسان الذي هو أكمل ما على الأرض مركب من جسد وروح ، فالاستدلال على وجود الخالق وكماله بإيجاد الأجساد وما فيها هو الخلق ، والاستدلال عليه بنظام أحوال الأرواح وصلاحها هو الهداية .وقوله : { أفمن يهدي إلى الحق أحق من يتبع } إلى آخره تفريع استفهام تقريري على ما أفادته الجملتان السابقتان من قصر الهداية إلى الحق على الله تعالى دون آلهتهم . وهذا مما لا ينبغي أن يختلف فيه أهل العقول بأن الذي يهدي إلى الحق يوصل إلى الكمال الروحاني وهو الكمال الباقي إلى الأبد وهو الكون المصون عن الفساد فإن خلق الأجساد مقصود لأجل الأرواح ، والأرواح مراد منها الاهتداء ، فالمقصود الأعلى هو الهداية . وإذ قد كانت العقول عرضة للاضطراب والخطأ احتاجت النفوس إلى هدي يتلقى من الجانب المعصوم عن الخطإ وهو جانب الله تعالى ، فلذلك كان الذي يهدي إلى الحق أحق أن يتبع لأنه مصلح النفوس ومصلح نظام العالم البشري ، فاتباعه واجب عقلاً واتباع غيره لا مصحح له ، إذ لا غاية ترجى من اتباعه . وأفعال العقلاء تصان عن العبث .وقوله : { أمّن لا يَهدّي إلا أن يُهدى } أي الذي لا يهتدي فضلاً عن أن يَهدي غيره ، أي لا يقبل الهداية فكيف يهدي غيره فلا يحق له أن يتبع .والمراد ب { من لا يهدي } الأصنام فإنها لا تهتدي إلى شيء ، كما قال إبراهيم { يا أبتتِ لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً } [ مريم : 42 ].وقد اختلف القراء في قوله : { أمَّن لا يَهدي } فقرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر ، وأبو عمرو بفتح التحتية وفتح الهاء على أن أصله يهتدي ، أبدلت التاء دالاً لتقارب مخرجيهما وأدغمت في الدال ونقلت حركة التاء إلى الهاء الساكنة ( ولا أهمية إلى قراءة قالون عن نافع إلى قراءة أبي عمرو بجعل فتح الهاء مختلساً بين الفتح والسكون لأن ذلك من وجوه الأداء فلا يعد خلافاً في القراءة ).وقرأ حفص عن عاصم ، ويعقوبُ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال على اعتبار طرح حركة التاء المدغمة واختلاف كسرة على الهاء على أصل التخلص من التقاء الساكنين . وقرأ أبو بكر عن عاصم بكسر الباء وكسر الهاء بإتباع كسرة الياء لكسرة الهاء . وقرأ حمزة والكسائي وخلف بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيف الدال على أنه مضارع هَدَى القاصر بمعنى اهتدى ، كما يقال : شَرى بمعنى اشترى .والاستثناء في قوله : { إلا أن يُهدى } تهكم من تأكيد الشيء بما يشبه ضده . وأريد بالهَدْي النقل من موضع إلى موضع أي لا تهتدي إلى مكان إلا إذا نقلها الناس ووضعوها في المكان الذي يريدونه لها ، فيكون النقل من مكان إلى آخر شبه بالسير فشبه المنقول بالسائر على طريقة المكنية ، ورُمز إلى ذلك بما هو من لوازم السير وهو الهداية في { لا يهدي إلا أن يهدى }.وجوز بعض المفسرين أن يكون فعل { إلا أن يهدى } بمعنى إهداء العروس ، أي نقلها من بيت أهلها إلى بيت …

36

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ

And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allah is Knowing of what they do.

عطف على جملة : { قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق } [ يونس : 35 ] باعتبار عطف تلك على نظيرتيها المذكورتين قبلَها ، فبعد أن أمر الله رسولَه بأن يحجهم فيما جعلوهم آلهة وهي لا تصرف ولا تدبير ولا هداية لها ، أعقب ذلك بأن عبادتهم إياها اتّباع لظن باطل ، أي لوهَم ليس فيه شبهة حق .والضمير في قوله : { أكثرهم } عائد إلى أصحاب ضمير { شركائكم } [ يونس : 35 ] وضمير { ما لكم كيف تحكمون } [ يونس : 35 ].وإنما عَمَّهم في ضمائر { شركائِكم و ما لَكم كيف تحكمون } ، وخصّ بالحكم في اتِّباعهم الظن أكثرَهم ، لأن جميع المشركين اتفقوا في اتباع عبادة الأصنام . وبين هنا أنهم ليسوا سواء في الاعتقاد الباعث لهم على عبادتها إيماء إلى أن من بينهم عُقَلاء قليلين ارتقت مدارك أفهامهم فوق أن يعتقدوا أن للأصنام تصرفاً ولكنهم أظهروا عبادتها تبعاً للهوَى وحفظاً للسيادة بين قومهم . والمقصود من هذا ليس هو تبرئة للذين عبدوا الأصنام عن غير ظن بإلهيتها فإنهم شر من الذين عبدوها عن تَخيل ، ولكن المقصود هو زيادة الاستدلال على بطلان عبادتها حتى أن من عُبَّادها فريقاً ليسوا مطمئنين لتحقق إلهيتها . وبالتأمل يظهر أن هؤلاء هم خاصة القوم وأهل الأحلام منهم لأن المقام مقام تخطئة ذلك الظن . ففيه إيقاظ لجمهورهم ، وفيه زيادة موعظة لخاصتهم ليقلعوا عن الاستمرار في عبادة ما لا تطْمئن إليه قلوبهم . وهذا كقوله الآتي : { ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به } [ يونس : 40 ].والظن : يطلق على مراتب الإدراك ، فيطلق على الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه شك ، كما في قوله تعالى : { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون } [ البقرة : 45 ، 46 ] ؛ ويطلق على الاعتقاد المشوب بشك . ويظهر أنه حقيقة في هذا الثاني وأنه مجاز في الأول لكنه في الأول شائع فصار كالمشترك . وقد تقدم في سورة البقرة عند الكلام على الآية المذكورة . ومنه قوله تعالى : { قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين } في سورة [ الأعراف : 66 ] ، وقوله : { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه } في سورة [ براءة : 118 ].وقد أطلق مجازاً على الاعتقاد المخطىء ، كما في قوله تعالى : { إن بعض الظن إثم } [ الحجرات : 12 ] وقول النبي عليه الصلاة والسلام إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث .والظن كثر إطلاقه في القرآن والسنة على العلم المخطىء أو الجهل المركب والتخيلات الباطلة ، قال النبي عليه الصلاة والسلام : « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث » وقد يطلق على الظن الحصيبي كقوله تعالى : { ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً } [ النور : 12 ] وقوله تعالى : { إن بعض الظن إثم } [ الحجرات : 12 ]. وهذا المعنى هو المصطلح عليه عند علماء أصول الدين وأصول الفقه .وهو العلم المستند إلى دليل راجح مع احتمال الخطإ احتمالاً ضعيفاً . وهذا الظن هو مناط التكليف بفروع الشريعة .فوجه الجمع بين هذه المتعارضات إعمال كل في مورده اللائق به بحسب مقامات الكلام وسياقه ، فمحمل قوله هنا : { إن الظن لا يغني مِن الحق شيئاً } أن العلم المشوب بشك لا يغني شيئاً في إثبات الحق المطلوب وذلك ما يطلب فيه الجزم واليقينُ من العلوم الحاصلة بالدليل العقلي لأن الجزم فيها ممكن لمن أعمل رأيه إعمالاً صائباً إذ الأدلة العقلية يحصل منها اليقين ، فأما ما طريق تحصيله الأدلة الظاهرة التي لا يتأتى اليقين بها في جميع الأحوال فذلك يكتفي فيه بالظن الراجح بعد إعمال النظر وهو ما يسمى بالاجتهاد .و { ظناً } منصوب على المفعولية به ل { يتبع }. ولما كان الظن يقتضي مظنوناً كان اتباع الظن اتباعاً للمظنون أي يتبعون شيئاً لا دليل عليه إلا الظن ، أي الاعتقاد الباطل .وتنكير { ظناً } للتحقير ، أي ظناً واهياً . ودلت صيغة القصر على أنهم ليسوا في عقائدهم المنافية للتوحيد على شيء من …

37

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

And it was not [possible] for this Qur'an to be produced by other than Allah, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt, from the Lord of the worlds.

لما كان الغرض الأول في هذه السورة إبطال تعجب المشركين من الإيحاء بالقرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتبيين عدم اهتدائهم إلى آياته البينات الدالة على أنه من عند الله ، وكيف لم ينظروا في أحوال الرسول الدالة على أن ما جاء به وحي من الله ، وكيف سألوه مع ذلك أن يأتي بقرآن غيره أو يبدل آياته بما يوافق أهواءهم . ثم انتقل بعد ذلك إلى سُؤَالهم أن تنزل عليه آية أخرى من عند الله غير القرآن ، وتخلل ذلك كلَّه وصفُ افترائهم الكذب في دعوى الشركاء لله وإقامة الأدلة على انفراد الله بالإلهية وعلى إثبات البعث ، وإنذارهم بما نال الأمم من قبلهم ، وتذكيرهم بنعم الله عليهم وإمهالهم ، وبيان خطئهم في اعتقاد الشرك اعتقاداً مبنياً على سوء النظر والقياس الفاسد ، لا جرم عاد الكلام إلى قولهم في القرآن بإبطال رأيهم الذي هو من الظن الباطل أيضاً بقياسهم أحوالَ النبوءة والوحي بمقياس عاداتهم كما قاسُوا حقيقة الإلهية بمثل ذلك ، فقارعتهم هذه الآيةُ بذكر صفات القرآن في ذاته الدالة على أنه حق من الله وتحدتهم بالإعجاز عن الإتيان بمثله .فجملة : { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله } يجوز أن تكون معطوفة على جملة : { وما يتبع أكثرهم إلا ظناً } [ يونس : 36 ] بمناسبة اتباعهم الظن في الأمرين : شؤون الإلهية وفي شؤون النبوءة ، ويجوز أن تكون معطوفة على مجموع ما تقدم عطف الغرض على الغرض والقصة على القصة ، وهو مفيد تفصيل ما أجمله ذكر الحروف المقطعة في أول السورة والجمل الثلاث التي بعد تلك الحروف . ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة : { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي } [ يونس : 15 ] تكملة للجواب عن قولهم { ائت بقرآن غير هذا أو بدله } [ يونس : 15 ] وهذا الكلام مسوق للتحدي بإعجاز القرآن ، وهي مفيدة للمبالغة في نفي أن يكون مفترى من غير الله ، أي منسوباً إلى الله كذباً وهو آتتٍ من غيره ، فإن قوله : { ما كان هذا القرآن أن يفترى } أبلغ من أن يقال : ما هو بمفترى ، لما يدل عليه فعل الكون من الوجود ، أي ما وجد أن يفترى ، أي وجوده مناف لافترائه ، فدلالة ذاته كافية في أنه غير مفترى ، أي لو تأمل المتأمل الفطن تأملاً صادقاً في سور القرآن لعلم أنه من عند الله وأنه لا يجوز أن يكون من وضع البشر ، فتركيب ما كان أن يفترى بمنزلة أن يقال : ما كان ليفترى ، بلام الجحود ، فحُذف لام الجحود على طريقة حَذْف الجار اطراداً مع ( أنْ ) ، ولما ظهرت ( أنْ ) هنا حذف لام الجحود وإن كان الغالب أن يذكر لام الجحود وتقدر ( أنْ ) ولا تذكر ، فلما ذكر فعل ( كان ) الذي شأنه أن يذكر مع لام الجحود استغني بذكره عن ذكر لام الجحود قصداً للإيجاز .وإنما عدل عن الإتيان بلام الجحود بأن يقال : ما كان هذا القرآن ليفترى ، لأن الغالب أن لام الجحود تقع في نفي كون عن فاعل لا عن مفعول بما تدل عليه اللام من معنى الملك .واعلم أن الإخبار ب { أن } والفعل يساوي الإخبار بالمصدر ، وهو مصدر بمعنى المفعول لأن صلة { أن } هنا فعل مبني للنائب . والتقدير ما كان هذا القرآن افتراءَ مُفتر ، فآل إلى أن المصدر المنسبك من ( أن ) مصدر بمعنى المفعول كالخَلْق بمعنى المخلوق ، وهو أيضاً أقوى مبالغة من أن يقال : ما كان مفترًى ، فحصلت المبالغة في جهتين : جهة فعل ( كَان ) وجهة ( أن ) المصدرية .و ( من ) في قوله : { من دون الله } للابتداء المجازي متعلقة ب { يفترى } أي أن يفتريه على الله مفتر . فقوله : { من دون الله } حال من ضمير { يفترى } وهي في قوة الوصف الكاشف .والافتراء : الكذب ، وتقدم في قوله : { ولكنَّ الذين كفروا يفترون على الله الكذب } في سورة [ العقود : 103 ].ولما نفي عن القرآن الافتراء أخبر عنه بأنه تصديق وتفصيلٌ ، فجرت أخباره كلها بالمصدر تنويهاً ببلوغه الغاية في هذه المعاني حتى اتحد بأجناسها .وتصديق الذي بين يديه } كونُه مصدقاً للكتب السالفة ، أي …

38

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say [about the Prophet], "He invented it?" Say, "Then bring forth a surah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

{ أم } للإضراب الانتقالي من النفي إلى الاستفهام الإنكاري التعجيبي ، وهو ارتقاء بإبطال دعواهم أن يكون القرآن مفترًى من دون الله .ولما اختصت { أم } بعطف الاستفهام كان الاستفهام مقدراً معها حيثما وقعت ، فالاستفهام الذي تشعر به ( أم ) استفهام تعجيبي إنكاري ، والمعنى : بل أيقولون افتراه بعدما تبين لهم من الدلائل على صدقه وبراءته من الافتراء .ومن بديع الأسلوب وبليغ الكلام أن قدم وصف القرآن بما يقتضي بعده عن الافتراء وبما فيه من أجل صفات الكتب ، وبتشريف نسبته إلى الله تعالى ثم أعقب ذلك بالاستفهام عن دعوى المشركين افتراء ليتلقى السامع هذه الدعوى بمزيد الاشمئزاز والتعجب من حماقة أصحابها فلذلك جعلت دعواهم افتراءه في حيز الاستفهام الإنكاري التعجيبي .وقد أمر الله نبيه أن يجيبهم عن دعوى الافتراء بتعجيزهم ، وأن يقطع الاستدلال عليهم ، فأمرهم بأن يأتوا بسورة مثله . والأمر أمر تعجيز ، وقد وقع التحدي بإتيانهم بسورة تماثل سور القرآن ، أي تشابهه في البلاغة وحسننِ النظم . وقد تقدم تقرير هذه المماثلة عند تفسير قوله تعالى : { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله في سورة البقرة ( 23 ).وقوله : وادْعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين هو كقوله في آية البقرة ( 23 ) : { وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين } ، ومعنى { صادقين } هنا ، أي قولكم أنه افترى ، لأنه إذا أمكنه أن يفتريه أمكنكم أنتم معارضته فإنكم سواء في هذه اللغة العربية .وحذف مفعول { استطعتم } لظهوره من فعل ( ادْعوا ) ، أي من استطعتم دعوته لنصرتكم وإعانتكم على تأليف سورة مثل سور القرآن .

39

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ

Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.

{ بل } إضرابٌ انتقالي لبيان كنه تكذيبهم ، وأن حالهم في المبادرة بالتكذيب قبل التأمل أعجب من أصل التكذيب إذ إنهم بادروا إلى تكذيبِه دون نظر في أدلة صحته التي أشار إليها قوله : { وما كان هذَا القرآن أن يفترى من دون الله } [ يونس : 37 ].والتكذيب : النسبة إلى الكذب ، أو الوصف بالكذب سواء كان من اعتقاد أم لم يكنه .واختيار التعْبير عن القرآن بطريق الموصولية في قوله : { بما لم يحيطوا بعلمه } لِمَا تؤذن به صلة الموصول من عجيب تلك الحالة المنافية لتسليط التكذيب ، فهم قد كذبوا قبل أن يختبروا ، وهذا من شأن الحماقة والجهالة .والإحاطة بالشيء : الكون حوله كالحَائط ، وقد تقدم آنفاً في قوله : { وظنوا أنهم أحيط بهم } [ يونس : 22 ]. ويكنى بها عن التمكن من الشيء بحيث لا يفوت منه . ومنه قوله تعالى : { ولا يُحيطون به علماً } [ طه : 110 ] وقوله : { وأحاط بما لديهم } [ الجن : 28 ] أي علمِه ، فمضى { بما لم يحيطوا بعلمه } بما لم يتقنوا علمه .والباء للتعدية . وشأنها مع فعل الإحاطة أن تدخل على المُحاط به وهو المعلوم ، وهو هنا القرآن . وعدل عن أن يقال بما لم يحيطوا به علماً أو بما لم يحط علمهم به إلى { بما لم يحيطوا بعلمه } للمبالغة إذ جُعل العِلم معلوماً . فأصل العبارة قبل النفي أحاطوا بعلمه أي أتقنوا عِلْمه أشد إتقان فلما نُفي صار لم يحيطوا بعلمه ، أي وكان الحق أن يحيطوا بعلمه لأن توفر أدلة صدقه يحتاج إلى زيادة تأمل وتدقيق نظر بحيث يتعين على الناظر عِلمُ أدلته ثم إعادةُ التأمل فيها وتسليط علم على علم ونظر على نظر بحيث تحصل الإحاطة بالعلم . وفي هذا مبالغة في فرط احتياجه إلى صدق التأمل ، ومبالغة في تجهيل الذين بادروا إلى التكذيب من دون تأمل في شيء حقيق بالتأمل بعد التأمل .والمعنى أنهم سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره وقبل أن يتدبروه . وإنما يكون مثل هذا التكذيب عن مكابرة وعداوة لا عن اعتقاد كونِه مكذوباً . ثم إن عدم الإحاطة بعلمه متفاوت : فمنه عدم بحت وهو حال الدهماء ، ومنه عدم في الجملة وهو ما يكون بضرب من الشبهة والتردد أو يكون مع رجحان صدقه ولكن لا يحيط بما يؤدي إليه التكذيب من شديد العقاب . ونظير هذه الآية في سورة [ النمل : 84 ] { قال أكذَّبتم بآياتي ولم تُحيطوا بها علماً أم ماذا كنتم تعملون }وجملة : ولماَّ يأتهم تأويله } معطوفة على الصلة ، أي كذبوا بما لمّا يأتهم تأويله . وهذا ارتقاء في وصفهم بقلة الأنَاةِ والتثبت ، أي لو انتظروا حتى يأتيهم تأويل القرآن ، أي ما يحتاج منه إلى التأويل بل هم صمموا على التكذيب قبل ظهور التأويل .والتأويل : مشتق من آل إذا رجع إلى الشيء . وهو يطلق على تفسير اللفظ الذي خفي معناه تفسيراً يظهر المعنى ، فيؤول واضحاً بعد أن كان خفياً ، ومنه قوله تعالى : { وما يعلم تأويله إلا الله } [ آل عمران : 7 ] الآية . وهو بهذا الإطلاق قريب من معنى التفسير . وقد مرَّ في سورة آل عمران وفي المقدمة الأولى من هذا التفسير . ويطلق التأويل على اتضاح ما خفي من معنى لفظ أو إشارة ، كما في قوله تعالى : { هذا تأويل رؤْياي من قبل } [ يوسف : 100 ] وقوله : { هل ينظرون إلا تأويله } [ الأعراف : 53 ] أي ظهور ما أنذرهم به من العذاب . والتأويل الذي في هذه الآية يحتمل المعنيين ولعل كليهما مراد ، أي لما يأتهم تأويل ما يدَّعون أنهم لم يفهموه من معاني القرآن لعدم اعتيادهم بمعرفة أمثالها ، مثل حكمة التشريع ، ووقوع البعث ، وتفضيل ضعفاء المؤمنين على صناديد الكافرين ، وتنزيل القرآن منجماً ، ونحو ذلك . فهم كانوا يعتبرون الأمور بما ألفوه في المحسوسات وكانوا يقيسون الغائب على الشاهد فكذبوا بذلك وأمثاله قبل أن يأتيهم تأويله . ولو آمنوا ولازموا النبي صلى الله عليه وسلم لعلموها واحدةً بعد واحدة . وأيضاً لما يأتهم تأويل ما حسبوا عدم التعجيل به …

40

وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ

And of them are those who believe in it, and of them are those who do not believe in it. And your Lord is most knowing of the corrupters

عطف على جملة : { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } [ يونس : 39 ] لأن الإخبار عن تكذيبهم بأنه دون الإحاطة بعلم ما كذبوا به يقتضي أن تكذيبهم به ليس عن بصيرة وتأمل . وما كان بهاته المثابة كان حال المكذبين فيه متفاوتاً حتى يبلغ إلى أن يكون تكذيباً مع اعتقاد نفي الكذب عنه ، ولذلك جاء موقع هذه الآية عقب الأخرى موقع التخصيص للعام في الظاهر أو البيان للمجمللِ من عدم الإحاطة بعلمه ، كما تقدم بيانه في قوله : { بما لم يحيطوا بعلمه } [ يونس : 39 ]. فكان حالهم في الإيمان بالقرآن كحالهم في اتباع الأصنام إذ قال فيهم : { وما يتبع أكثرهم إلا ظناً } [ يونس : 36 ] ، فأشعر لفظ { أكثرهم } بأن منهم من يعلم بطلان عبادة الأصنام ولكنهم يتبعونها مشايعة لقومهم ومكابرة للحق ، وكذلك حالهم في التكذيب بنسبة القرآن إلى الله ، فمنهم من يؤمن به ويكتم إيمانه مكابرة وعَداء ، ومنهم من لا يؤمنون به ويكذبون عن تقليد لكبرائهم .والفريقان مشتركان في التكذيب في الظاهر كما أنبأت عنه ( من ) التبعيضية ، وضمير الجمع عائد إلى ما عادت إليه ضمائر { أم يقولون افتراه } [ يونس : 38 ] فمعنى يؤمن به يصدق بحقيته في نفسه ولكنه يظهر تكذيبه جمعاً بين إسناد الإيمان إليهم وبين جعلهم بعضاً من الذين يقولون { افتراه }.واختيار المضارع للدلالة على استمرار الإيمان به من بعضهم مع المعاندة ، واستمرار عدم الإيمان به من بعضهم أيضاً .وجملة : { وربك أعلم بالمفسدين } معترضة في آخر الكلام على رأي المحققين من علماء المعاني ، وهي تعريض بالوعيد والإنذار ، وبأنهم من المفسدين ، للعلم بأنه ما ذكر { المفسدين } هنا إلاّ لأن هؤلاء منهم وإلا لم يكن لذكر { المفسدين } مناسبة ، فالمعنى : وربك أعلم بهم لأنه أعلم بالمفسدين الذين هم من زمرتهم .

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.