قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ
Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allah," so say, "Then will you not fear Him?"
﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ انْتِقالٌ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ في أفانِينِ إبْطالِ الشِّرْكِ وإثْباتِ تَوَحُّدِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإلَهِيَّةِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الِاسْتِدْلالِ لِقَوْلِهِ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠] لِأنَّها بُرْهانٌ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْوِلايَةِ.
فاحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِمَواهِبِ الرِّزْقِ الَّذِي بِهِ قِوامُ الحَياةِ، وبِمَوْهِبَةِ الحَواسِّ، وبِنِظامِ التَّناسُلِ والتَّوالُدِ الَّذِي بِهِ بَقاءُ الأنْواعِ، وبِتَدْبِيرِ نِظامِ العالَمِ وتَقْدِيرِ المُقَدَّراتِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَواهِبُ مِنَ اللَّهِ وهم كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ لا يَفْعَلُهُ إلّا اللَّهُ إذْ لَمْ يَكُونُوا يَنْسُبُونَ إلى أصْنامِهِمْ هَذِهِ الأُمُورَ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَ المُخْتَصُّ بِها هو مُسْتَحِقَّ الوِلايَةِ والإلَهِيَّةِ.
والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ.
وجاءَ الِاسْتِدْلالُ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ والجَوابِ لِأنَّ ذَلِكَ في صُورَةِ الحِوارِ، فَيَكُونُ الدَّلِيلُ الحاصِلُ بِهِ أوْقَعَ في نُفُوسِ السّامِعِينَ، ولِذَلِكَ كانَ مِن طُرُقِ التَّعْلِيمِ مِمّا يُرادُ رُسُوخُهُ مِنَ القَواعِدِ العِلْمِيَّةِ أنْ يُؤْتى بِهِ في صُورَةِ السُّؤالِ والجَوابِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ تَذْكِيرٌ بِأحْوالِ الرِّزْقِ لِيَكُونَ أقْوى حُضُورًا في الذِّهْنِ، فالرِّزْقُ مِنَ السَّماءِ المَطَرُ، والرِّزْقُ مِنَ الأرْضِ النَّباتُ كُلُّهُ مِن حَبٍّ وثَمَرٍ وكَلَأٍ.
وأمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ﴾ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِنِ اسْتِفْهامٍ إلى آخَرَ.
صفحة ١٥٦
ومَعْنى ﴿يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِما، وهو مِلْكُ إيجادِ تَيْنِكَ الحاسَّتَيْنِ، وذَلِكَ اسْتِدْلالٌ وتَذْكِيرٌ بِأنْفَعِ صُنْعٍ وأدَقِّهِ.
وأفْرَدَ السَّمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ فَهو دالٌّ عَلى الجِنْسِ المَوْجُودِ في جَمِيعِ حَواسِّ النّاسِ. وأمّا الأبْصارَ فَجِيءَ بِهِ جَمْعًا لِأنَّهُ اسْمٌ، فَهو لَيْسَ نَصًّا في إفادَةِ العُمُومِ لِاحْتِمالِ تَوَهُّمِ بَصَرٍ مَخْصُوصٍ فَكانَ الجَمْعُ أدَلَّ عَلى قَصْدِ العُمُومِ وأنْفى لِاحْتِمالِ العَهْدِ ونَحْوِهِ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] لِأنَّ المُرادَ الواحِدُ لِكُلِّ مُخاطَبٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] . وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وإخْراجُ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ: هو تَوَلُّدُ أطْفالِ الحَيَوانِ مِنَ النُّطَفِ ومِنَ البَيْضِ؛ فالنُّطْفَةُ أوِ البَيْضَةُ تَكُونُ لا حَياةَ فِيها ثُمَّ تَتَطَوَّرُ إلى الشَّكْلِ القابِلِ لِلْحَياةِ ثُمَّ تَكُونُ فِيها الحَياةُ. ومِنَ في قَوْلِهِ: مِنَ المَيِّتِ لِلِابْتِداءِ. وإخْراجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ إخْراجُ النُّطْفَةِ والبَيْضِ مِنَ الحَيَوانِ.
والتَّعْرِيفُ في الحَيِّ والمَيِّتِ في المَرَّتَيْنِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
وقَدْ نُظِّمَ هَذا الِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ الصُّنْعِ العَجِيبِ بِأُسْلُوبِ الأحاجِي والألْغازِ وجُعِلَ بِمُحَسِّنِ التَّضادِّ، كُلُّ ذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّعْجِيبِ مِنهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ …