Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 31–40 of 109

31

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ

Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allah," so say, "Then will you not fear Him?"

﴿قُلْ﴾ أيْ لِأُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَكَيْتُ أحْوالَهم وبَيْنَ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ أفْعالُهُمُ الَّتِي هي أفْعى لَهُمُ احْتِجاجًا عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ

﴿مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنهُما جَمِيعًا فَإنَّ الأرْزاقَ تَحْصُلُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ كالمَطَرِ وحَرارَةِ الشَّمْسِ المُنْضَجَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ومَوادَّ أرْضِيَّةٍ والأُولى بِمَنزِلَةِ الفاعِلِ والثّانِيَةُ بِمَنزِلَةِ القابِلِ أوْ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالِاسْتِقْلالِ كالإمْطارِ والمَنِّ والأغْذِيَةِ الأرْضِيَّةِ تَوْسِعَةً عَلَيْكم – فَمِن - عَلى هَذا لِابْتِداءِ الغايَةِ وقِيلَ: هي لِبَيانِ (مِن) عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ وقِيلَ: تَبْعِيضِيَّةٌ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ أيْ مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ (أمْ) مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ والِاضْطِرابُ انْتِقالِيٌّ لا إبْطالِيٌّ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كِفايَةِ هَذا الِاسْتِفْهامِ فِيما هو المَقْصُودُ أيْ مَن يَسْتَطِيعُ خَلْقَهُما وتَسْوِيَتَهُما عَلى هَذِهِ الفِطْرَةِ العَجِيبَةِ ومَن وقَفَ عَلى تَشْرِيحِهِما وقَفَ عَلى ما يُبْهِرُ العُقُولَ أوْ مَن يَحْفَظُهُما مِنَ الآفاتِ مَعَ كَثْرَتِها وسُرْعَةِ انْفِعالِهِما عَنْ أدْنى شَيْءٍ يُصِيبُهُما أوْ مَن يَتَصَرَّفُ بِهِما إذْهابًا وإبْقاءً والمُلْكُ عَلى كُلٍّ مَجازٌ وقِيلَ: والمَعْنى الأوَّلُ أوْفَقُ لِنَظْمِ الخالِقِيَّةِ مَعَ الرّازِقِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِن السَّماءِ والأرْضِ﴾ ﴿ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ﴾ أيْ ومَن يُنْشِئُ الحَيَوانَ مِنَ النُّطْفَةِ مَثَلًا والنُّطْفَةَ مِنَ الحَيَوانِ أوْ مَن يُحْيِي أوْ يُمِيتُ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإخْراجِ التَّحْصِيلَ مِن قَوْلِهِمُ: الخارِجُ كَذا أيِ الحاصِلُ أيْ مَن يُحَصِّلُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ الحَياةَ ويُحَصِّلُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِ المَوْتَ ويَسْلُبَ عَنْهُ الحَياةَ والمَآلَ ما عَلِمْتَ ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الحَيَّ والمَيِّتَ هُنا بِالمُؤْمِنِ والكافِرِ والأوَّلُ أوْلى ﴿ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ ومَن يَلِي تَدْبِيرَ أمْرِ العالَمِ جَمِيعًا وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ ما انْدَرَجَ تَحْتَهُ مِنَ الأُمُورِ الظّاهِرَةِ بِالذِّكْرِ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الكُلَّ مِنهُ سُبْحانَهُ وإلَيْهِ وأنَّهُ لا يُمْكِنُكم عِلْمُ تَفاصِيلِهِ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾

صفحة 111

بِلا تَلَعْثُمٍ ولا تَأْخِيرٍ ﴿اللَّهِ﴾ إذْ لا مَجالَ لِلْمُكابَرَةِ والعِنادِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لِغايَةِ وُضُوحِهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيِ اللَّهُ يَفْعَلُ ما ذَكَرَ مِنَ الأفاعِيلِ لا غَيْرُهُ ﴿هَذا﴾ ورُبَّما يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ لا تَكُونَ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ عَلى جَوازِ أنْ يُقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ مِن أهْلِ السَّماءِ والأرْضِ، وكَوْنُ المُرادِ هُناكَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُناسِبُ الجَوابَ ومَن لَمْ يَرَ الجَوازَ تَعْنِي ومَن رَآهُ بِناءً عَلى ظَواهِرِ الآياتِ المُفِيدَةِ لِكَوْنِهِ تَعالى في السَّماءِ «وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجارِيَةِ الَّتِي أشارَتْ إلى السَّماءِ حِينَ قِيلَ لَها: أيْنَ اللَّهُ؟ أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» . وإقْرارُهُ حُصَيْنًا حِينَ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «كَمْ تَعْبُدُ يا حُصَيْنُ؟ فَقالَ: سَبْعَةَ سِتَّةٍ في الأرْضِ وواحِدٌ في السَّماءِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: …

32

فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ ۖ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ

For that is Allah, your Lord, the Truth. And what can be beyond truth except error? So how are you averted?

﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَرَّرَ والإشارَةُ إلى المُتَّصِفِ بِالصِّفاتِ السّابِقَةِ حَسْبَما اعْتَرَفُوا بِهِ وهي مُبْتَدَأٌ والِاسْمُ الجَلِيلُ صِفَةٌ لَهُ و﴿رَبُّكُمُ﴾ خَبَرٌ و(الحَقُّ) خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ صِفَةٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ

صفحة 112

الجَلِيلُ هو الخَبَرَ و(رَبُّكُمْ) بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ و(الحَقُّ) صِفَةُ الرَّبِّ أيْ مالِكُكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكُمُ الثّابِتِ رُبُوبِيَّتُهُ والمُتَحَقَّقُ أُلُوهِيَّتُهُ تَحَقُّقًا لا رَيْبَ فِيهِ ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ أيْ لا يُوجَدُ غَيْرُ الحَقِّ شَيْءٌ يُتَّبَعُ إلّا الضَّلالُ، فَمَن تَخَطّى الحَقَّ وهو عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ لا بُدَّ وأنْ يَقَعَ في الضَّلالِ وهو عِبادَةُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ عَلى الِانْفِرادِ أوِ الِاشْتِراكِ لِأنَّ عِبادَتَهُ جَلَّ شَأْنُهُ مَعَ الِاشْتِراكِ لا يُعْتَدُّ بِها - فَما اسْمُ اسْتِفْهامٍ و- ذا - مَوْصُولٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ اسْمًا واحِدًا قَدْ غَلَبَ فِيهِ الِاسْتِفْهامُ عَلى اسْمِ الإشارَةِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (بَعْدَ الحَقِّ) عَلى ما في النَّهْرِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيُهُ و(بَعْدَ) بِمَعْنى غَيْرُ مُجازٍ والحَقُّ ما عَلِمْتَ وهو غَيْرُ الأوَّلِ ولِذا أُظْهِرَ وإطْلاقُ الحَقِّ عَلى عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ وكَذا إطْلاقُ الضَّلالِ عَلى عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى لِما أنَّ المَدارَ في العِبادَةِ الِاعْتِقادُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الحَقُّ عِبارَةً عَنِ الأوَّلِ والإظْهارُ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ومُراعاةِ كَمالِ المُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الضَّلالِ والمُرادُ بِهِ هو الأصْنامُ والمَعْنى فَماذا بَعْدَ الرَّبِّ الحَقِّ الثّابِتِ رُبُوبِيَّتُهُ إلّا الضَّلالُ أيِ الباطِلُ الضّائِعُ المُضْمَحِلُّ وإنَّما سُمِّيَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً كَأنَّهُ نَفْسُ الضَّلالِ والضَّياعِ وقِيلَ: المُرادُ بِالحَقِّ والضَّلالِ ما يَعُمُّ التَّوْحِيدَ وعِبادَةَ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وغَيْرُ ذَلِكَ ويَدْخُلُ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ هُنا دُخُولًا أوَّلِيًّا ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أشْهَبَ قالَ: سُئِلَ مالِكٌ عَنْ شَهادَةِ اللُّعّابِ بِالشِّطْرَنْجِ والنَّرْدِ فَقالَ: أمّا مَن أدْمَنَ فَما أرى شَهادَتَهم طائِلَةٌ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ فَهَذا كُلُّهُ مِنَ الضَّلالِ

﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ 32﴾ أيْ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ والتَّعَجُّبِ مِنهُ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مِن أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ فَإذا انْتَفى جَمِيعُ أحْوالِ وُجُودِهِ فَقَدِ انْتَفى وجُودُهُ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ عَلى ما قَبْلَهُ ولَعَلَّ ذَلِكَ الإنْكارَ والتَّعَجُّبَ مُتَوَجِّهانِ في الحَقِيقَةِ إلى مَنشَأِ الصَّرْفِ وإلّا فَنَفْسُ الصَّرْفِ مِنهُ تَعالى عَلى ما هو الحَقُّ فَلا مَعْنى لِإنْكارِهِ والتَّعَجُّبِ مِنهُ مَعَ كَوْنِهِ فِعْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ وإنَّما لَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى الفاعِلِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ غَرَضٍ بِهِ وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ فاعِلَ الصَّرْفِ نَفْسِهِ المُشْرِكُونَ فَهُمُ الَّذِينَ صَرَفُوا أنْفُسَهم وعَدَلُوا بِها عَنِ الحَقِّ إلى الضَّلالِ بِناءً عَلى أنَّ العِبادَ هُمُ الخالِقُونَ لِأفْعالِهِمْ وأمْرُ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ …

33

كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓا۟ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Thus the word of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ كَما حَقَّتْ كَلِمَةُ الرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ كَما أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ أوْ كَما أنَّهم مُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيْ حُكْمُهُ ﴿عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ تَمَرَّدُوا في الكُفْرِ وخَرَجُوا إلى أقْصى حُدُودِهِ والمُرادُ بِهِمْ أُولَئِكَ المُخاطَبُونَ ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّوَصُّلِ إلى ذَمِّهِمْ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ ولِلْإشْعارِ بِالعِلِّيَّةِ ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ 33﴾ بَدَلٌ مِنَ الكَلِمَةِ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ بِناءً عَلى أنَّ الحُكْمَ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ أوْ بِمَعْنى المَحْكُومِ بِهِ وقَدْ تُفَسَّرُ الكَلِمَةُ بِالعِدَةِ بِالعَذابِ فَيَكُونُ هَذا في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِحَقِّيَّتِها أيْ لِأنَّهم إلخ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مُحَصِّلَ الآيَةِ حِينَئِذٍ عَلى ما تَقَرَّرَ في الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّ كَلِمَةَ العَذابِ حَقَّتْ عَلى أُولَئِكَ المُتَمَرِّدِينَ لِتَمَرُّدِهِمْ في كُفْرِهِمْ ولِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ وهو تَكْرارٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَوْ سَلِمَ أنَّ في الآيَةِ تَكْرارًا مُطْلَقًا فَهو تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ ضِمْنًا وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى شَرَفِ الإيمانِ بِأنَّ عَذابَ المُتَمَرِّدِينَ في الكُفْرِ بِسَبَبِ انْتِفاءِ الإيمانِ

34

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allah begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ

صفحة 113

وبُطْلانِ الإشْراكِ ولَمْ يَعْطِفْ إيذانًا بِاسْتِقْلالِهِ في إثْباتِ المَطْلُوبِ، والسُّؤالُ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ وجَعَلَ سُبْحانَهُ الإعادَةَ لِسُطُوعِ البَراهِينِ القائِمَةِ عَلَيْها بِمَنزِلَةِ البَدْءِ في إلْزامِهِمْ ولَمْ يُبالِ بِإنْكارِهِمْ لَها لِأنَّهم مُكابِرُونَ فِيهِ والمُكابِرُ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَلا يُقالُ: إنَّ مِثْلَ هَذا الِاحْتِجاجَ إنَّما يَتَأتّى عَلى مَنِ اعْتَرَفَ بِأنَّ مِن خَواصِّ الإلَهِيَّةَ بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ لِيَلْزَمَ مِن نَفْيِهِ عَنِ الشُّرَكاءِ نَفْيُ الإلَهِيَّةِ وهم غَيْرُ مُقِرِّينَ بِذَلِكَ فَفي الآيَةِ الإشارَةُ إلى أنَّ الإعادَةَ أمْرٌ مَكْشُوفٌ ظاهِرٌ بَلَغَ في الظُّهُورِ والجَلاءِ بِحَيْثُ يَصِحُّ أنْ يَثْبُتَ فِيهِ دَعْوى أُخْرى وجَعَلَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ مِن صَنْعَةِ الإدْماجِ كَقَوْلِ ابْنِ نُباتَةَ:

فَلا بُدَّ لِي مِن جَهَلَةٍ في وِصالِهِ فَمَن لِي بِخِلٍّ أُودِعُ الحِلْمَ عِنْدَهُ

فَقَدْ ضَمَّنَ الغَزَلَ الفَخْرَ بِكَوْنِهِ حَلِيمًا والفَخْرُ شِكايَةُ الإخْوانِ ﴿قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ قِيلَ هو أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ أيْ قُلْ لَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو يَفْعَلُهُما لا غَيْرُهُ كائِنًا ما كانَ لا بِأنْ يَنُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهم في الجَوابِ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِأنَّ القَوْلَ المَأْمُورَ بِهِ غَيْرُ ما أُرِيدَ مِنهم مِنَ الجَوابِ وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ إذْ لَيْسَ المَسْؤُولُ عَنْهُ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ اللَّهُ﴾ حَتّى يَكُونَ القَوْلُ المَأْمُورُ بِهِ عَيْنَ الجَوابِ الَّذِي أُرِيدَ مِنهم ويَكُونُ ﷺ نائِبًا عَنْهم في ذَلِكَ بَلْ إنَّما هو وُجُودُ مَن يَفْعَلُ البَدْءَ والإعادَةَ مِن شُرَكائِهِمْ فالجَوابُ المَطْلُوبُ مِنهم لا غيرُ نَعَمْ أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُضَمِّنَهُ مَقالَتَهُ إيذانًا بِتَعَيُّنِهِ وتَحَتُّمِهِ وإشْعارًا بِأنَّهم لا يَجْتَرِئُونَ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ مَخافَةَ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ لا مُكابَرَةً ولَجاجًا انْتَهى.

وقَدْ يُقالُ: المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكُمْ﴾ إلَخْ هَلِ المُبْدِئُ المُعِيدُ اللَّهُ أمِ الشُّرَكاءُ؟ والمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿اللَّهُ﴾ إلَخْ اللَّهُ يَبْدَأُ ويُعِيدُ لا غَيْرُهُ مِنَ الشُّرَكاءِ وحِينَئِذٍ يَنْتَظِمُ السُّؤالُ والجَوابُ وانْفِهامُ الحَصْرِ بِدَلالَةِ الفَحْوى فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: مَن يَهَبُ الأُلُوفَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ فَقِيلَ: زَيْدٌ يَهَبُ الأُلُوفَ أفادا الحَصْرَ بِلا شُبْهَةٍ

وبِما ذُكِرَ يُعْلَمُ ما في الكَلامِ السّابِقِ في الرَّدِّ عَلى ما قالَهُ الجَمْعُ وكَذا رَدُّ ما قالَهُ القُطْبُ مِن أنَّ هَذا لا يَصْلُحُ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ لِأنَّ السُّؤالَ عَنِ الشُّرَكاءِ وهَذا الكَلامُ في اللَّهِ تَعالى بَلْ هو اسْتِدْلالٌ عَلى إلَهِيَّتِهِ تَعالى وأنَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ بِأنَّهُ المُبْدِئُ المُعِيدُ بَعْدَ الِاسْتِدْلالِ عَلى نَفْيِ إلَهِيَّةِ الشُّرَكاءِ فَتَأمَّلْ، وفي إعادَةِ الجُمْلَةِ في الجَوابِ بِتَمامِها غَيْرَ مَحْذُوفَةٍ الخَبَرُ كَما في الجَوابِ السّابِقِ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّحْقِيقِ ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ 34﴾ الإفْكُ الصَّرْفُ والقَلْبُ عَنِ الشَّيْءِ يُقالُ: أفَكَهُ …

35

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّىٓ إِلَّآ أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allah guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"

﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ عَلى ما ذُكِرَ جِيءَ بِهِ إلْزامًا غَبَّ إلْزامٍ وإفْحامًا إثْرَ إفْحامٍ. وفَصَّلَهُ إيذانًا بِفَضْلِهِ واسْتِقْلالِهِ في إثْباتِ المَطْلُوبِ كَما في سابِقِهِ

والمُرادُ هَلْ مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ بِإعْطاءِ العَقْلِ وبِعْثَةِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ والتَّوْفِيقِ إلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ بِما نَصَبَ في الآفاقِ والأنْفُسِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ آلَّلَهُ سُبْحانَهُ أمِ الشُّرَكاءُ؟ ومِنهم مَن يُبْقِي الكَلامَ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ كَما سَمِعْتَ فِيما قَبْلُ ومِنَ النّاسِ مَن خَصَّصَ طَرِيقَ الهِدايَةِ، والتَّعْمِيمُ أوْفَقُ بِما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِن كَمالِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ كَما لا يَخْفى ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ أيْ هو سُبْحانَهُ يَهْدِي لَهُ دُونَ غَيْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ والكَلامُ في

صفحة 114

الأمْرِ عَلى طَرْزِ ما سَبَقَ وفِعْلُ الهِدايَةِ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما بِواسِطَةٍ وهي إلى أوِ اللّامُ وقَدْ يَتَعَدّى لَهُما بِنَفْسِهِ وهو لُغَةٌ عَلى ما قِيلَ كاسْتِعْمالِهِ قاصِرًا بِمَعْنى اهْتَدى، والمُبَرِّدُ أنْكَرَ هَذا حَيْثُ قالَ: إنَّ هُدًى بِمَعْنى اهْتَدى لا يُعْرَفُ لَكِنْ لَمْ يُتابِعْهُ عَلى ذَلِكَ الحُفّاظُ كالفَرّاءِ وغَيْرِهِ وقَدْ جُمِعَ هُنا بَيْنَ صِلَتَيْهِ إلى اللّامِ تَفَنُّنًا وإشارَةً بِإلى إلى مَعْنى الِانْتِهاءِ وبِاللّامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنْتَهى غايَةٌ لِلْهِدايَةِ وأنَّها لَمْ تَتَوَجَّهْ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ بَلْ عَلى قَصْدٍ مِنَ الفِعْلِ وجَعْلِهِ ثَمَرَةً لَهُ ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِها ما أُسْنِدَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما تَرى وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ فالمَقْصُودُ بِهِ التَّعْمِيمُ وإنْ كانَ الفاعِلُ في الواقِعِ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ جَلَّ شَأْنُهُ

وقِيلَ: اللّامُ هُنا لِلِاخْتِصاصِ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ وجَوازُ اللُّزُومِ في الأوَّلِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ويُقَدَّرُ فِيها عَلى طَرْزٍ واحِدٍ كالشَّخْصِ ونَحْوِهِ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي غَيْرَهُ إلى الحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الحَقِّ أفَمَن يَهْدِي غَيْرَهُ إلى الحَقِّ (أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ وهي قِراءَةُ يَعْقُوبَ وحَفْصٍ وأصْلُهُ يَهْتَدِي وكَسْرُ الهاءِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وقَرَأ حَمّادٌ ويَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ والتَّشْدِيدِ وكُسِرَتِ الياءُ اتِّباعًا لِلْهاءِ وكانَ سِيبَوَيْهِ يَرى جَوازَ كَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ لُغَةً إلّا الياءَ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلَيْها وهَذِهِ القِراءَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ والتَّشْدِيدِ والأصْلُ يَهْتَدِي فَنُقِلَتْ فَتْحَةُ التّاءِ إلى الهاءِ قَبْلَها ثُمَّ قُلِبَتْ دالًّا لِقُرْبِ مَخْرَجِهِما وأُدْغِمَتْ فِيها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وقالُونُ عَنْ نافِعٍ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ اخْتَلَسَ فَتْحَةَ الهاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَرَكَةَ فِيها عارِضَةٌ وفي بَعْضِ الطُّرُقِ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ بِالإدْغامِ المُجَرَّدِ عَنْ نَقْلِ الحَرَكَةِ إلى ما قَبْلَها أوِ التَّحْرِيكِ بِالكَسْرِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ الجَمْعَ بَيْنَ السّاكِنَيْنِ ولِذا قالَ المُبَرِّدُ: مَن رامَ هَذا لا بُدَّ أنْ يُحَرِّكَ حَرَكَةً خَفِيفَةً قالَ ابْنُ النَّحّاسِ: إذْ بِدُونِهِ لا يُمْكِنُ …

36

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ

And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allah is Knowing of what they do.

﴿وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ الأمْرِ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ سُوءِ إدْراكِهِمْ وعَدَمِ فَهْمِهِمْ لِمَضْمُونِ ما أفْحَمَهم مِنَ البَراهِينِ النَّيِّرَةِ المُوجِبَةِ لِلتَّوْحِيدِ أيْ ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ إلّا ظَنًّا واهِيًا مُسْتَنِدًا إلى خَيالاتٍ فارِغَةٍ وأقْيِسَةٍ باطِلَةٍ كَقِياسِ الغائِبِ عَلى الشّاهِدِ وقِياسِ الخالِقِ عَلى المَخْلُوقِ بِأدْنى مُشارَكَةٍ مَوْهُومَةٍ ولا يَلْتَفِتُونَ إلى فَرْدٍ مِن أفْرادِ العِلْمِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْلُكُوا مَسالِكَ الأدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ فَيَفْهَمُوا مَضْمُونَها ويَقِفُوا عَلى صِحَّتِها وبَطَلانِ ما يُخالِفُها فالمُرادُ بِالِاتِّباعِ مُطْلَقُ الِانْقِيادِ الشّامِلِ لِما يُقارِنُ القَبُولَ والِانْقِيادَ وما لا يُقارِنُهُ وبِالقَصْرِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنْ يَكُونَ لَهم في أثْنائِهِ اتِّباعٌ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ العِلْمِ والتِفاتٌ إلَيْهِ

وتَنْكِيرُ ﴿ظَنًّا﴾ لِلنَّوْعِيَّةِ وفي تَخْصِيصِ هَذا الِاتِّباعِ بِالأكْثَرِ الإشارَةُ إلى أنَّ مِنهم مَن قَدْ يَتَّبِعُ فَيَقِفُ

صفحة 116

عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ لَكِنْ لا يَقْبَلُهُ مُكابَرَةً وعِنادًا ومُقْتَضى ما ذَكَرُوهُ في وجْهِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ تَعالى وسَلَّمَ بِأنْ يَنُوبَ عَنْهم في الجَوابِ مِن أنَّهُ الإشارَةُ إلى أنَّ لَجاجَهم وعِنادَهم يَمْنَعُهم مِنَ الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ أنَّ فِيهِمْ مَن عَلِمَ وكانَ مُعانِدًا ولَعَلَّ النِّيابَةَ حِينَئِذٍ عَنِ الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ هَذا البَعْضِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى ما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم مُدَّةَ عُمْرِهِ إلّا ظَنًّا ولا يَتْرُكُونَهُ أبَدًا فَإنَّ حَرْفَ النَّفْيِ الدّاخِلَ عَلى المُضارِعِ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ بِحَسَبِ المَقامِ فالمُرادُ بِالِاتِّباعِ هو الإذْعانُ والِانْقِيادُ والقَصْرُ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ وفي التَّخْصِيصِ تَلْوِيحٌ بِما سَيَكُونُ مِن بَعْضِهِمْ مِنِ اتِّباعِ الحَقِّ والتَّوْبَةِ وقِيلَ: المَعْنى وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في إقْرارِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى إلّا ظَنًّا لِأنَّهُ قَوْلٌ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلى بُرْهانٍ عِنْدَهم وقِيلَ: المَعْنى وما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم في قَوْلِهِمْ لِلْأصْنامِ إنَّها آلِهَةٌ وإنَّها شُفَعاءُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا الظَّنُّ والأكْثَرُ بِمَعْنى الجَمِيعِ وهَذا كَما ورَدَ القَلِيلُ بِمَعْنى العَدَمِ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وفي قَوْلِهِ:

قَلِيلُ التَّشَكِّي في المُصِيباتِ حافِظٌ مِنَ اليَوْمِ أعْقابَ الأحادِيثِ في غَدِ

وحَمَلَ النَّقِيضَ عَلى النَّقِيضِ حُسْنٌ وطَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ حَمْلُ الأكْثَرِ عَلى الجَمِيعِ بَلْ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ما يَتَبادَرُ مِنهُ أيْضًا ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ضَمِيرَ ﴿أكْثَرُهُمْ﴾ لِلنّاسِ وحِينَئِذٍ يَجِبُ الحَمْلُ عَلى المُتَبادَرِ بِلا كُلْفَةٍ ﴿إنَّ الظَّنَّ﴾ مُطْلَقًا ﴿لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ فَكَيْفَ الظَّنُّ الفاسِدُ والمُرادُ مِنَ الحَقِّ العِلْمُ والِاعْتِقادُ الصَّحِيحُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ (وشَيْئًا) نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ إغْناءٍ ما ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ شَأْنِ الظَّنِّ وبُطْلانِهِ وفِيهِ دَلِيلٌ لِمَن قالَ: إنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ في الِاعْتِقادِيّاتِ واجِبٌ وإنَّ إيمانَ المُقَلِّدِ غَيْرُ صَحِيحٍ وإنَّما لَمْ يُؤْخَذْ عامًّا …

37

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

And it was not [possible] for this Qur'an to be produced by other than Allah, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt, from the Lord of the worlds.

﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِهِمْ مِنَ القُرْآنِ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ مَعَ الأدِلَّةِ المُنْدَرِجَةِ في تَضاعِيفِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَجِبُ اتِّباعُهُ والبُرْهانُ عَلَيْهِ غَبَّ المَنعِ مَعَ اتِّباعِ الظَّنِّ وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَصَّهُ اللَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ إلَخْ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ البُعْدِ (وكانَ) هُنا ناقِصَةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الكامِلِينَ (وهَذا) اسْمُها (والقُرْآن) نَعْتٌ لَهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ (وأنْ يُفْتَرى) بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ أيِ افْتِراءً خَبَرُ (كانَ) وهو في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ أيْ مُفْتَرًى كَما ذَكَرَهُ ابْنُ هِشامٍ في قاعِدَةِ أنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرٍ وذَلِكَ المُقَدَّرُ عَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ ومِنهُ قَوْلُهُ

لَعَمْرُكَ ما الفِتْيانُ أنْ تَنْبُتَ اللِّحى

وذَهَبَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ أنَّ (ما كانَ) بِمَعْنى ما صَحَّ وإنَّ في الكَلامِ لامًا مُقَدَّرَةً لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ والأصْلُ ما كانَ هَذا القُرْآنُ لِأنْ يُفْتَرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ (وأنْ يُفْتَرى) خَبَرُ كانَ (ومِن دُونِ اللَّهِ) خَبَرٌ ثانٍ وهو بَيانٌ لِلْأوَّلِ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ أنْ يَكُونَ هَذا القُرْآنُ المَشْحُونُ بِفُنُونِ الهِداياتِ المُسْتَوْجِبَةِ لِلِاتِّباعِ الَّتِي مِن جُمْلَتُها هاتِيكَ الحُجَجُ البَيِّنَةُ النّاطِقَةُ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ صادِرًا مِن غَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَيْفَ كانَ وقِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ لَكِنَّهُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَما قالَهُ في مَحَلِّ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وما ذُكِرَ في حاصِلِ المَعْنى أمْرٌ مَقْبُولٌ كَما لا يَخْفى وجَوَّزَ البَدْرُ

صفحة 117

الدَّمامِينِيُّ أنْ تَكُونَ (كانَ) تامَّةً (وأنْ يُفْتَرى) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن (هَذا القُرْآنِ) وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَحْسُنُ قَطْعًا لِأنَّ ما وجَدَ القُرْآنَ يُوهِمُ مِن أوَّلِ الأمْرَ نَفْيَ وُجُودِهِ وأيْضًا لا بُدَّ مِنَ المُلابَسَةِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ في بَدَلِ الِاشْتِمالِ فَيَلْزَمُ أنْ يُبْتَنى الكَلامُ عَلى المُلابَسَةِ بَيْنَ القُرْآنِ العَظِيمِ والِافْتِراءِ وفي التِزامِ كُلِّ ما تَرى وأُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِما لا أراهُ مُثْبِتًا لِلْحُسْنِ أصْلًا واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى اعْتِبارِ المَصْدَرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلِهِ بِاسْمِ المَفْعُولِ اعْتِبارًا لِلْمُبالَغَةِ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في زَيْدٌ عَدْلٌ والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ المُبالَغَةَ حِينَئِذٍ راجِعَةٌ إلى النَّفْيِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لا أنَّ النَّفْيَ راجِعٌ إلى المُبالَغَةِ كَما لا يَخْفى ومِن هُنا يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: إنَّ قَوْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ في بَيانِ مَعْنى الآيَةِ: وما يَصِحُّ وما اسْتَقامَ وكانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ مِثْلُهُ في عُلُوِّ أمْرِهِ وإعْجازِهِ مُفْتَرًى رُبَّما يُشْعِرُ بِأنَّهُ عَلى حَذْفِ اللّامِ إذْ مُجَرَّدُ تَوْسِيطِ - كانَ - لا يُفِيدُ ذَلِكَ والتَّعْبِيرُ بِالمَصْدَرِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ مِنَ النَّظَرِ ثُمَّ إنَّهم فِيما رَأيْنا لَمْ يَعْتَبِرُوا المَصْدَرَ هُنا إلّا نَكِرَةً والمَشْهُورُ اتِّفاقُ النُّحاةِ عَلى أنَّ أنَّ والفِعْلَ المُؤَوَّلَ بِالمَصْدَرِ مَعْرِفَةٌ ولِذَلِكَ لا يُخْبَرُ بِهِ عَنِ النَّكِرَةِ وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ما قالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ في الخاطِرِيّاتِ …

38

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Or do they say [about the Prophet], "He invented it?" Say, "Then bring forth a surah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allah, if you should be truthful."

﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ وهي مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ أيْ بَلْ يَقُولُونَ وبَلِ انْتِقالِيَّةٌ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ أيْ ما كانَ يَنْبَغِي ذَلِكَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّقْرِيرِ لِإلْزامِ الحُجَّةِ والمَعْنَيانِ عَلى ما قِيلَ مُتَقارِبانِ، وقِيلَ: إنَّ أمْ مُتَّصِلَةٌ ومُعادِلَها مُقَدَّرٌ أيْ أتُقِرُّونَ بِهِ أمْ تَقُولُونَ افْتَراهُ وقِيلَ: هي اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى الهَمْزَةِ وقِيلَ: عاطِفَةٌ بِمَعْنى الواوِ والصَّحِيحُ الأوَّلُ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ ﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ الفاسِدَةِ إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ طَوِيلَةً كانَتْ أوْ قَصِيرَةً ﴿مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ وحُسْنِ الِارْتِباطِ وجَزالَةِ المَعْنى عَلى وجْهِ الِافْتِراءِ وحاصِلُهُ عَلى ما قِيلَ: إنْ كانَ ذاكَ افْتِراءً مِنِّي فافْتَرُوا سُورَةً مِثْلَهُ فَإنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ والفَصاحَةِ وأشَدُّ تَمَرُّنًا واعْتِيادًا في النَّظْمِ والنَّثْرِ وعَلى هَذا فالمُرادُ بِإتْيانِ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ إنْشاؤُهم لَهُ والتَّكَلُّمُ بِهِ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لا ما يَعُمُّ ذَلِكَ وإيرادُهُ مِن كَلامِ الغَيْرِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما ذُكِرَ ولَعَلَّهُ السِّرُّ في العُدُولِ عَنْ قُولُوا سُورَةً مِثْلَهُ مَثَلًا إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أيْ إنْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ فَأْتُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِكم أوْ مِمَّنْ تَقَدَّمَكم مِنَ فُصَحاءِ العَرَبِ وبُلَغائِها كامْرِئِ القَيْسِ وزُهَيْرٍ وأضْرابِهِما بِسُورَةٍ مُماثِلَةٍ لَهُ في صِفاتِهِ الجَلِيلَةِ فَحَيْثُ عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ شِدَّةِ تَمَرُّنِكم ولَمْ يُوجَدْ في كَلامِ أُولَئِكَ وهُمُ الَّذِينَ نُصِبَتْ لَهُمُ المَنابِرُ في عُكاظَ الفَصاحَةُ والبَلاغَةُ وبِهِمْ دارَتْ رَحا النَّظْمِ والنَّثْرِ وتَصَرَّمَتْ أيّامُهم في الإنْشاءِ والإنْشادِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ بَلْ هو مِن كَلامِ خالِقِ القُوى والقَدَرِ وقُرِئَ (بِسُورَةِ مِثْلِهِ) عَلى الإضافَةِ أيْ بِسُورَةِ كِتابٍ مِثْلِهِ ﴿وادْعُوا﴾ لِلْمُعاوَنَةِ والمُظاهَرَةِ

﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ دُعاءَهُ والِاسْتِعانَةَ بِهِ مِن آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَزْعُمُونَ أنَّها مُمِدَّةٌ لَكم في المُهِمّاتِ والمُلِمّاتِ والمُداراةِ الَّذِينَ

صفحة 119

تَلْجَأُونَ إلَيْهِمْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِادْعُوا كَما قِيلَ و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ عَلى مَعْنى أنَّ الدُّعاءَ مُبْتَدَأٌ مَن غَيْرِهِ تَعالى لا مُلابَسَةَ لَهُ مَعَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِوَجْهٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ ومِن بَيانِيَّةً أيِ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن خَلْقِهِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ

وفائِدَةُ هَذا القَيْدِ قِيلَ: التَّنْصِيصُ عَلى بَراءَتِهِمْ مِنهُ تَعالى وكَوْنُهم في عُدْوَةِ المُضادَّةِ والمُشاقَّةِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ إفادَةَ اسْتِبْدادِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهُ لَأجابَهم إلَيْهِ وقَدْ يُقالُ: لا بَأْسَ بِإفادَةِ ذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ المَذْكُورَ مِمّا يُؤَيِّدُ المَقْصُودَ وهو كَوْنُ ما أتى بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ بَلْ هو مِنهُ تَعالى والإيهامُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ فَإنَّ دُعاءَهم إيّاهُ تَعالى بِمَعْنى طَلَبِهِمْ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ …

39

بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ

Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ قِيلَ: هو إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ إظْهارِ بُطْلانِ ما قالُوا في حَقِّ القُرْآنِ العَظِيمِ بِالتَّحَدِّي إلى إظْهارِهِ بِبَيانِ أنَّهُ كَلامٌ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِكُنْهِ أمْرِهِ والِاطِّلاعِ عَلى شَأْنِهِ الجَلِيلِ فَما عِبارَةٌ عَنِ القُرْآنِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وعَلَيْهِ مُحَقِّقُو المُفَسِّرِينَ وقِيلَ: هي عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ فِيهِ مِمّا يُخالِفُ دِينَهم كالتَّوْحِيدِ والبَعْثِ والجَزاءِ ولَيْسَ بِذاكَ سَواءٌ كانَتِ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما هو المُتَبادَرُ أمْ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُرادُ أنَّهم سارَعُوا إلى تَكْذِيبِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا ما فِيهِ ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ كَما وصَفَ آنِفًا ويَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ أنْ

صفحة 120

يُؤْتى بِسُورَةٍ مِثْلِهِ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِهَذا العُنْوانِ دُونَ أنْ يُقالَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ أوْ نَحْوِهِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ جَهْلِهِمْ بِهِ وأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوهُ إلّا بِعُنْوانِ عَدَمِ العِلْمِ بِهِ وبِأنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ إنَّما هو بِسَبَبِ عَدَمِ إحاطَتِهِمْ بِعِلْمِهِ لِما أنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالمَوْصُولِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ وأصْلُ الكَلامِ بِما لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْمًا إلّا أنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّهُ أبْلَغُ ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أيْ ولَمْ يَقِفُوا بَعْدُ عَلى مَعانِيهِ الوَضْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ عُلُوِّ شَأْنِهِ وسُطُوعِ بُرْهانِهِ فالتَّأْوِيلُ نَوْعٌ مِنَ التَّفْسِيرِ والإتْيانُ مَجازٌ عَنِ المَعْرِفَةِ والوُقُوفِ ولَعَلَّ اخْتِيارَهُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ تِلْكَ المَعانِيَ مُتَوَجِّهَةٌ إلى الأذْهانِ مُنْساقَةٌ إلَيْها بِنَفْسِها وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالتَّأْوِيلِ وُقُوعُ مَدْلُولِهِ وهو عاقِبَتُهُ وما يَؤُولُ إلَيْهِ وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ عِنْدَ بَعْضٍ فَإتْيانُهُ حِينَئِذٍ مَجازٌ عَنْ تَبَيُّنِهِ وانْكِشافِهِ أيْ ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَهم إلى الآنَ تَأْوِيلُ ما فِيهِ مِنَ الأخْبارِ بِالغُيُوبِ حَتّى يَظْهَرَ أنَّهُ صِدْقٌ أمْ كَذِبٌ والمَعْنى أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ مِن جِهَةِ النَّظْمِ والمَعْنى ومِن جِهَةِ الإخْبارِ بِالغَيْبِ وهم فاجَئُوا تَكْذِيبَهُ قَبْلَ أنْ يَتَدَبَّرُوا نَظْمَهُ ويَتَفَكَّرُوا في مَعْناهُ أوْ يَنْتَظِرُوا وُقُوعَ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ ونَفْيُ إتْيانِ التَّأْوِيلِ بِكَلِمَةِ (لَمّا) الدّالَّةِ عَلى تَوَقُّعِ مَنفِيِّها بَعْدَ نَفْيِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ بِكَلِمَةِ (لَمْ) لِتَأْكِيدِ الذَّمِّ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ فَإنَّ الشَّناعَةَ في تَكْذِيبِ الشَّيْءِ قَبْلَ عِلْمِهِ المُتَوَقَّعِ إتْيانُهُ أفْحَشُ مِنها في تَكْذِيبِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ مُطْلَقًا

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ الإضْرابَ عَنِ التَّكْذِيبِ عِنادًا المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ إلَخْ فَإنَّ الإلْزامَ إنَّما يَأْتِي بَعْدَ ظُهُورِ العَجْزِ ومَعْنى هَذا الإضْرابِ ذَمُّهم عَلى التَّقْلِيدِ وتَرْكُ النَّظَرِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنهُ وهو أدْخَلُ في الذَّمِّ مِنَ العِنادِ مِن وجْهٍ وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْلِيدَ اعْتِرافٌ مِن صاحِبِهِ بِالقُصُورِ في الفِطْنَةِ ثُمَّ لا يُعْذَرُ فِيهِ فَلا يَرْتَضِي ذُو عَقْلٍ أنْ يُقَلِّدَ رَجُلًا مِثْلَهُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمٍ عَلَيْهِ بِفِطْنَةٍ وتَجْرِبَةٍ وأمّا العِنادُ فَقَدْ يَحْمَدُهُ بَعْضُ …

40

وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِٱلْمُفْسِدِينَ

And of them are those who believe in it, and of them are those who do not believe in it. And your Lord is most knowing of the corrupters

﴿ومِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وصْفٌ لِحالِهِمْ بَعْدَ إتْيانِ التَّأْوِيلِ المُتَوَقَّعِ كَما قِيلَ إذْ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ تَنْوِيعُهم إلى المُؤْمِنِ بِهِ وغَيْرِ المُؤْمِنِ بِهِ ضَرُورَةَ امْتِناعِ الإيمانِ بِشَيْءٍ مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ واشْتِراكِ الكُلِّ في التَّكْذِيبِ قَبْلَ ذَلِكَ فالضَّمِيرُ لِلْمُكَذِّبِينَ ومَعْنى الإيمانِ بِهِ إمّا الِاعْتِقادُ بِحَقِّيَّتِهِ فَقَطْ أيْ مِنهم مَن يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ أنَّهُ حَقٌّ عِنْدَ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ وإتْيانِ تَأْوِيلِهِ لَكِنَّهُ يُعانِدُ ويُكابِرُ وأمّا الإيمانُ الحَقِيقِيُّ أيْ مِنهم مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ ويَتُوبُ عَنِ الكُفْرِ ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ لا يُصَدِّقُ بِهِ في نَفْسِهِ كَما لا يُصَدِّقُ بِهِ ظاهِرًا لِفَرْطِ غَباوَتِهِ المانِعَةِ عَنِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ كَما يَنْبَغِي أوْ لِسَخافَةِ عَقْلِهِ واخْتِلالِ تَمْيِيزِهِ وعَجْزِهِ عَنْ تَخْلِيصِ عُلُومِهِ عَنْ مُعارَضَةِ الظُّنُونِ والأوْهامِ الَّتِي ألَّفَها فَيَبْقى عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ أوْ لا يُؤْمِنُ بِهِ فِيما سَيَأْتِي بَلْ يَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ مُعانِدًا كانَ أوْ شاكًّا ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ 40﴾ أيْ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ التَّفْسِيرِ لا بِالمُعانِدِينَ فَقَطْ لِاشْتِراكِهِما في أصْلِ الإفْسادِ المُسْتَدْعِي لِاشْتِراكِهِما في الوَعِيدِ المُرادِ مِنَ الكَلامِ أوْ بِالمُصِرِّينَ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنهُ

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.