Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 21–30 of 109

21

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allah is swifter in strategy." Indeed, Our messengers record that which you conspire

﴿وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ صِحَّةً وسَعَةً ﴿مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ﴾ أيْ: خالَطَتْهم حَتّى أحَسُّوا بِسُوءِ أثَرِها فِيهِمْ، وإسْنادُ المِساسِ إلى الضَّرّاءِ بَعْدَ إسْنادِ الإذاقَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ مِنَ الآدابِ القرآنيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ ونَظائِرِهِ، قِيلَ: سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ مَكَّةَ القَحْطَ سَبْعَ سِنِينَ حَتّى كادُوا يَهْلَكُونَ، ثُمَّ رَحِمَهم بِالحَيا فَطَفِقُوا يَطْعَنُونَ في آياتِهِ تَعالى ويُعادُونَ رَسُولَهُ ﷺ ويَكِيدُونَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ أيْ: بِالطَّعْنِ فِيها وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها، والِاحْتِيالِ في دَفْعِها، وإذا الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ جَوابُها، كَأنَّهُ قِيلَ: فاجَؤُوا وقْعَ المَكْرِ مِنهُمْ، وتَنْكِيرُ (مَكْرٌ) لِلتَّفْخِيمِ وفي مُتَعَلِّقَةٌ بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ اللّامُ ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ: أعْجَلُ عُقُوبَةً، أيْ: عَذابُهُ أسْرَعُ وُصُولًا إلَيْكم مِمّا يَأْتِي مِنكم في دَفْعِ الحَقِّ، وتَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِالمَكْرِ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ مَكْرِهِمْ وُجُودًا أوْ ذِكْرًا ﴿إنَّ رُسُلَنا﴾ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ أعْمالَكُمْ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ ﴿يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ أيْ: مَكْرَكُمْ، أوْ ما تَمْكُرُونَهُ، وهو تَحْقِيقٌ لِلِانْتِقامِ مِنهُمْ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما دَبَّرُوا في إخْفائِهِ غَيْرُ خافٍ عَلى الحَفَظَةِ، فَضْلًا عَنِ العَلِيمِ الخَبِيرِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِأسْرَعِيَّةِ مَكْرِهِ سُبْحانَهُ، غَيْرُ داخِلٍ في الكَلامِ المُلَقَّنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ فَإنَّ كِتابَةَ الرُّسُلِ لِما يَمْكُرُونَ مِن مَبادِئِ بُطْلانِ مَكْرِهِمْ، وتَخَلُّفِ أثَرِهِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يُوصَفُ، وتَلْوِينُ الخِطابِ بِصَرْفِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ لِلتَّشْدِيدِ في التَّوْبِيخِ، وقُرِئَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ تَعْلِيلًا لِما ذُكِرَ، أوْ لِلْأمْرِ.

22

هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from everywhere and they assume that they are surrounded, supplicating Allah, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى لَهم مَبْنِيَّةٍ عَلى ما مَرَّ آنِفًا مِنِ اخْتِلافِ حالِهِمْ حَسَبَ اخْتِلافِ ما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، أيْ: يُمَكِّنُكم مِنَ السَّيْرِ تَمْكِينًا مُسْتَمِرًا عِنْدَ المُلابَسَةِ بِهِ وقَبْلَها ﴿فِي البَرِّ﴾ مُشاةً ورُكْبانًا، وقُرِئَ: (يَنْشُرُكُمْ) مِنَ النَّشْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ).

﴿والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ أيِ: السُّفُنِ، فَإنَّهُ جَمْعُ فَلَكٍ عَلى زِنَةِ أُسْدِ جَمْعِ أسَدٍ لا عَلى وزْنِ قُفْلٍ، وغايَةُ التَّسْيِيرِ لَيْسَتِ ابْتِداءَ رُكُوبِهِمْ فِيها، بَلْ مَضْمُونُ الشَّرْطِيَّةِ بِتَمامِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الكَوْنِ المُؤْذِنِ بِالدَّوامِ عَلى الرُّكُوبِ المُشْعِرِ بِالحُدُوثِ ﴿وَجَرَيْنَ﴾ أيِ: السُّفُنُ ﴿بِهِمْ﴾ بِالَّذِينَ فِيها، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِما لَهم مِن سُوءِ الحالِ المُوجِبِ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، كَأنَّهُ يَذْكُرُ لِغَيْرِهِمْ مَساوِئَ أحْوالِهِمْ لِيُعَجِّبَهم مِنها ويَسْتَدْعِيَ مِنهُ الإنْكارَ والتَّقْبِيحَ، وقِيلَ: لَيْسَ فِيهِ التِفاتٌ، بَلْ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ إذا كانَ بَعْضُكم فِيها؛ إذِ الخِطابُ لِلْكُلِّ ومِنهُمُ المُسَيَّرُونَ في البَرِّ، فالضَّمِيرُ الغائِبُ عائِدٌ إلى ذَلِكَ المُضافِ المُقَدَّرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ﴾، أيْ: أوْ كَذِي ظُلُماتٍ (يَغْشاهُ مَوْجٌ).

﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ لَيِّنَةِ الهُبُوبِ مُوافِقَةٍ لِمَقْصِدِهِمْ ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ بِتِلْكَ الرِّيحِ لِطِيبِها ومُوافَقَتِها ﴿جاءَتْها﴾ جَوابُ (إذا) والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلرِّيحِ الطَّيِّبَةِ، أيْ: تَلَقَّتْها واسْتَوْلَتْ عَلَيْها مِن طَرَفٍ مُخالِفٍ لَها، فَإنَّ الهُبُوبَ عَلى وفْقِها لا يُسَمّى مَجِيئًا لِرِيحٍ أُخْرى عادَةً، بَلْ هو اشْتِدادٌ لِلرِّيحِ الأُولى، وقِيلَ: لِلْفُلْكِ، والأوَّلُ أظْهَرُ لِاسْتِلْزامِهِ لِلثّانِي مِن غَيْرِ عَكْسٍ؛ لِأنَّ الهُبُوبَ عَلى طَرِيقَةِ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ يُعَدُّ مَجِيئًا بِالنِّسْبَةِ إلى الفُلْكِ دُونَ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ مَعَ أنَّهُ لا يَسْتَتْبِعُ تَلاطُمَ الأمْواجِ المُوجِبِ لِمَجِيئِها مِن كُلِّ مَكانٍ؛ ولِأنَّ التَّهْوِيلَ في بَيانِ اسْتِيلائِها عَلى ما فَرِحُوا بِهِ وعَلَّقُوا بِهِ حِبالَ رَجائِهِمْ أكْثَرُ.

﴿رِيحٌ عاصِفٌ﴾ أيْ: ذاتُ عَصْفٍ وقِيلَ: العُصُوفُ مُخْتَصٌّ بِالرِّيحِ فَلا حاجَةَ إلى الفارِقِ، وقِيلَ: الرِّيحُ قَدْ يُذَكَّرُ ﴿وَجاءَهُمُ المَوْجُ﴾ في الفُلْكِ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ: مِن أمْكِنَةِ مَجِيءِ المَوْجِ عادَةً، ولا بُعْدَ في مَجِيئِهِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ أيْضًا، إذْ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ مِن جِهَةِ هُبُوبِ الرِّيحِ فَقَطْ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِها بِحَسَبِ أسْبابٍ تَتَّفِقُ لَهُ ﴿وَظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أيْ: هَلَكُوا، فَإنَّ ذَلِكَ مَثَلٌ في الهَلاكِ، أصْلُهُ إحاطَةُ العَدُوِّ بِالحَيِّ، أوْ سُدَّتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ الخَلاصِ ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ بَدَلٌ مَن (ظَنُّوا) بَدَلَ اشْتِمالٍ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ والتَّلازُمِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الأذْهانُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعُوا؟ فَقِيلَ: (دَعَوُا اللَّهَ) ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِن آلِهَتِهِمْ لا مُخَصَّصِينَ لِلدُّعاءِ بِهِ تَعالى فَقَطْ، بَلْ لِلْعِبادَةِ أيْضًا، فَإنَّهم بِمُجَرَّدِ تَخْصِيصِ الدُّعاءِ بِهِ تَعالى لا يَكُونُونَ …

23

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

But when He saves them, at once they commit injustice upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.

﴿فَلَمّا أنْجاهُمْ﴾ مِمّا غَشِيَهم مِنَ الكُرْبَةِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سُرْعَةِ الإجابَةِ ﴿إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ أيْ: فاجَئُوا الفَسادَ فِيها وسارَعُوا إلَيْهِ مُتَراقِّينَ في ذَلِكَ، مُتَجاوِزِينَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن حُدُودِ العَيْثِ مِن قَوْلِهِمْ: (بَغى الجُرْحُ) إذا تَرامى في الفَسادِ، وزِيادَةُ (فِي الأرْضِ) لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ بَغْيِهِمْ لِأقْطارِها، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ البَغْيُ، أوْ مَعْناهُ: أنَّهُ بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهم أيْضًا بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ ظُلْمًا ظاهِرًا لا يَخْفي قُبْحُهُ عَلى أحَدٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ لِلِاحْتِرازِ عَنِ البَغْيِ بِحَقٍّ - كَتَخْرِيبِ الغُزاةِ دِيارَ الكَفَرَةِ، وقَطْعِ أشْجارِهِمْ، وإحْراقِ زَرْعِهِمْ - فَلا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ لِابْتِنائِهِ عَلى كَوْنِ البَغْيِ بِمَعْنى إفْسادِ صُورَةِ الشَّيْءِ، وإبْطالِ مَنفَعَتِهِ دُونَ ما ذُكِرَ مِنَ المَعْنى اللّائِقِ بِحالِ المُفْسِدِينَ.

﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ تَوْجِيهٌ لِلْخِطابِ إلى أُولَئِكَ الباغِينَ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ ﴿إنَّما بَغْيُكُمْ﴾ الَّذِي تَتَعاطَوْنَهُ، وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ خَبَرُهُ، أيْ: عَلَيْكم في الحَقِيقَةِ لا عَلى الَّذِينَ تَبْغُونَ عَلَيْهِمْ وإنْ ظُنَّ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ ما فِيهِ مِنَ المَنفَعَةِ العاجِلَةِ شَيْئًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ، سَرِيعَ الزَّوالِ، دائِمَ الوَبالِ، وهو نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، أيْ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، أيْ: مُتَمَتِّعِينَ بِالحَياةِ الدُّنْيا، والعامِلُ هو الِاسْتِقْرارُ الَّذِي في الخَبَرِ لا نَفْسُ البَغْيِ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ، ولا يُخْبَرُ عَنِ المَوْصُولِ إلّا بَعْدَ تَمامِ صِلَتِهِ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لَيْسَ في تَقْيِيدِ كَوْنِ بَغْيِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِحالِ تَمَتُّعِهِمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مَعْنًى يُعْتَدُّ بِهِ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ نَحْوُ: (مَقْدَمَ الحاجِّ) أيْ: زَمَنَ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، وفِيهِ ما مَرَّ بِعَيْنِهِ.

وَقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ، أيْ: تَبْغُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا، ولا يَخْفي أنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى البَغْيِ بِمَعْنى الطَّلَبِ، وجَعْلُ المَصْدَرِ أيْضًا بِمَعْناهُ مِمّا يُخِلُّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ لِبَيانِ سُوءِ عاقِبَةِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ البَغْيِ المُفَسَّرِ بِالإفْسادِ المُفْرِطِ اللّائِقِ بِحالِهِمْ، فَأيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَغْيِ بِمَعْنى الطَّلَبِ، وجَعْلُ الأوَّلِ أيْضًا بِمَعْناهُ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْهُ.

وَقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا، والعامِلُ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، وفِيهِ أنَّ المُعَلَّلَ بِما ذُكِرَ نَفْسُ البَغْيِ لا كَوْنُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ: (أنْفُسِهِمْ) وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالمَصْدَرِ، أيْ: تَبْغُونَ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ صَرِيحٌ …

24

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا فَجَعَلْنَٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest, as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.

﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ شَأْنِ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِصَرِ مُدَّةِ التَّمَتُّعِ بِها، وقُرْبِ زَمانِ الرُّجُوعِ المَوْعُودِ، وقَدْ شُبِّهَ حالُها العَجِيبَةُ الشَّأْنِ، البَدِيعَةُ المِثالِ، المُنْتَظِمَةُ لِغَرابَتِها في سِلْكِ الأمْثالِ في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وانْصِرامِ نَعِيمِها غِبَّ إقْبالِها واغْتِرارِ النّاسِ بِها - بِحالِ ما عَلى الأرْضِ مِن أنْواعِ النَّباتِ في زَوالِ رَوْنَقِها ونَضارَتِها فَجْأةً، وذَهابِها حُطامًا، لَمْ يَبْقَ لَها أثَرٌ أصْلًا بَعْدَما كانَتْ غَضَّةً طَرِيَّةً، قَدِ التَفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ، وزُيِّنَتِ الأرْضُ بِألْوانِها، وتَقَوَّتْ بَعْدَ ضَعْفِها بِحَيْثُ طَمِعَ النّاسُ وظَنُّوا أنَّها سَلِمَتْ مِنَ الجَوائِحِ، ولَيْسَ المُشَبَّهُ بِهِ ما دَخَلَهُ الكافُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ بَلْ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ، فَإنَّهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ.

﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ مِنَ البُقُولِ والزُّرُوعِ والحَشِيشِ ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ جُعِلَتِ الأرْضُ في تَزَيُّنِها بِما عَلَيْها مِن أصْنافِ النَّباتاتِ وأشْكالِها وألْوانِها المُخْتَلِفَةِ المُونِقَةِ آخِذَةً زُخْرُفَها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِالعَرُوسِ الَّتِي قَدْ أخَذَتْ مِن ألْوانِ الثِّيابِ والزِّيَنِ، فَتَزَيَّنَتْ بِها، و(ازَّيَّنَتْ) أصْلُهُ تَزَيَّنَتْ فَأُدْغِمَ، وقُرِئَ عَلى الأصْلِ، وقُرِئَ (وَأزْيَنَتْ) كَأغْيَلَتْ مِن غَيْرِ إعْلالٍ، والمَعْنى: صارَتْ ذاتَ زِينَةٍ، وازْيانَّتْ كابْياضَّتْ.

﴿وَظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِن حَصْدِها ورَفْعِ غَلَّتِها ﴿أتاها أمْرُنا﴾ جَوابُ (إذا) أيْ: ضَرَبَ زَرْعَها ما يَجْتاحُهُ مِنَ الآفاتِ والعاهاتِ ﴿لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها﴾ أيْ: زَرْعَها وساءَ ما عَلَيْها ﴿حَصِيدًا﴾ أيْ: شَبِيهًا بِما حُصِدَ مِن أصْلِهِ ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ﴾ كَأنْ لَمْ يَغْنَ زَرْعُها، والمُضافُ مَحْذُوفٌ لِلْمُبالَغَةِ، وقُرِئَ بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ ﴿بِالأمْسِ﴾ أيْ: فِيما قَبْلُ بِزَمانٍ قَرِيبٍ، فَإنَّ الأمْسَ مَثَلٌ في ذَلِكَ،كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ تَغْنَ آنِفًا ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيِ: الآياتِ القرآنيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآياتُ المُنَبِّهَةُ عَلى أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا، أيْ: نُوَضِّحُها ونُبَيِّنُها ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في تَضاعِيفِها، ويَقِفُونَ عَلى مَعانِيها، وتَخْصِيصُ تَفْصِيلِها بِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ ما ذُكِرَ في أثْناءِ التَّمْثِيلِ مِنَ الكائِناتِ والفاسِداتِ، وبِتَفْصِيلِها تَصْرِيفُها عَلى التَّرْتِيبِ المَحْكِيِّ إيجادًا وإعْدامًا، فَإنَّها آياتٌ وعَلاماتٌ يَسْتَدِلُّ بِها مَن يَتَفَكَّرُ فِيها عَلى أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا حالًا ومَآلًا.

25

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And Allah invites to the Home of Peace and guides whom He wills to a straight path

﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ تَرْغِيبٌ لِلنّاسِ في الحَياةِ الأُخْرَوِيَّةِ الباقِيَةِ إثْرَ تَرْغِيبِهِمْ عَنِ الحَياةِ الدُّنْيا الفانِيَةِ، أيْ: يَدْعُو النّاسَ جَمِيعًا إلى دارِ السَّلامَةِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وآفَةٍ، وهي الجَنَّةُ، وإنَّما ذُكِرَتْ بِهَذا الِاسْمِ لِذِكْرِ الدُّنْيا بِما يُقابِلُهُ مِن كَوْنِها مَعْرِضًا لِلْآفاتِ، أوْ إلى دارِ اللَّهِ تَعالى، وتَخْصِيصُ الإضافَةِ التَّشْرِيفِيَّةِ بِهَذا الِاسْمِ الكَرِيمِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ، أوْ إلى دارٍ يُسَلِّمُ اللَّهُ - أوِ المَلائِكَةُ - فِيها عَلى مَن يَدْخُلُها، أوْ يُسَلِّمُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ مِنهم ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مُوصِلٍ إلَيْها، وهو الإسْلامُ والتَّزَوُّدُ بِالتَّقْوى، وفي تَعْمِيمِ الدَّعْوَةِ وتَخْصِيصِ الهِدايَةِ بِالمَشِيئَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ غَيْرُ الإرادَةِ، وأنَّ مَن أصَرَّ عَلى الضَّلالَةِ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ رُشْدَهُ.

26

۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌۭ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

For them who have done good is the best [reward] and extra. No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيْ: أعْمالَهُمْ، أيْ: عَمِلُوها عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، وهو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: "أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ" ﴿الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةُ الحُسْنى ﴿وَزِيادَةٌ﴾ أيْ: وما يَزِيدُ عَلى تِلْكَ المَثُوبَةِ؛ تَفَضُّلًا لِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَيَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ وقِيلَ: الحُسْنى مِثْلُ حَسَناتِهِمْ، والزِّيادَةُ عَشْرٌ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وأكْثَرَ، وقِيلَ: الزِّيادَةُ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٌ، وقِيلَ: الحُسْنى الجَنَّةُ والزِّيادَةُ اللِّقاءُ ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ﴾ أيْ: لا يَغْشاها ﴿قَتَرٌ﴾ غَبَرَةٌ فِيها سَوادٌ ﴿وَلا ذِلَّةٌ﴾ أيْ: أثَرُ هَوانٍ، وكُسُوفُ بالٍ، والمَعْنى: لا يَرْهَقُهم ما يَرْهَقُ أهْلَ النّارِ، أوْ لا يَرْهَقُهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِنَ الحُزْنِ وسُوءِ الحالِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّحْقِيرِ، أيْ: شَيْءٌ مِنهُما، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ أمْنِهِمْ مِنَ المَكارِهِ إثْرَ بَيانِ فَوْزِهِمْ بِالمُطالِبِ، والثّانِي - وإنِ اقْتَضى الأوَّلَ - إلّا أنَّهُ ذُكِرَ إذْكارًا بِما يُنْقِذُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ بِرَحْمَتِهِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ أنَّ المَصُونَ مِنَ الرَّهَقِ أشْرَفُ أعْضائِهِمْ، ولِلتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لِوُرُودِهِ، فَعِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها يَتَمَكَّنُ عِنْدَها فَضْلَ تَمَكُّنٍ؛ ولِأنَّ في الفاعِلِ ضَرْبَ تَفْصِيلٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وسُمُوِّ طَبَقَتِهِمْ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ، الفائِزُونَ بِالمَثُوباتِ، النّاجُونَ عَنِ المَكارِهِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ بِلا زَوالٍ، دائِمُونَ بِلا انْتِقالٍ.

27

وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allah no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهو مُبْتَدَأٌ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ أيْ: جَزاءُ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ أنْ يُجازى سَيِّئَةً واحِدَةً بِسَيِّئَةٍ مِثْلِها، لا يُزادُ عَلَيْها - كَما يُزادُ في الحَسَنَةِ - وتَغْيِيرُ السَّبْكِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ولِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ السُّوأى لِمُراعاةِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِن كَمالِ التَّنائِي والتَّبايُنِ، وإيرادُ الكَسْبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِسُوءِ صَنِيعِهِمْ وبِسَبَبِ جِنايَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ، أوِ المَوْصُولُ مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءٌ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، كَقَوْلِكَ: في الدّارِ زَيْدٌ والحُجْرَةِ عَمْرٌو، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالزِّيادَةِ الفَضْلُ.

﴿وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ وأيُّ ذِلَّةٍ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّنْوِينُ التَّفْخِيمِيُّ، وفي إسْنادِ الرَّهَقِ إلى أنْفُسِهِمْ دُونَ وُجُوهِهِمْ إيذانٌ بِأنَّها مُحِيطَةٌ بِهِمْ غاشِيَةٌ لَهم جَمِيعًا، وقُرِئَ (يَرْهَقُهُمْ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ عاصِمٍ﴾ أيْ: لا يَعْصِمُهم أحَدٌ مِن سَخَطِهِ وعَذابِهِ تَعالى، أوْ ما لَهم مِن عِنْدِهِ تَعالى مَن يَعْصِمُهم كَما يَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي نَفْيِ العاصِمِ مِنَ المُبالَغَةِ في نَفْيِ العِصْمَةِ ما لا يُخْفى، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَرْهَقُهُمْ).

﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ لِفَرْطِ سَوادِها وظُلْمَتِها ﴿مُظْلِمًا﴾ حالٌ مِنَ اللَّيْلِ، والعامِلُ فِيهِ (أُغْشِيَتْ) لِأنَّهُ العامِلُ في (قِطَعًا) وهو مَوْصُوفٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، والعامِلُ في المَوْصُوفِ عامِلٌ في الصِّفَةِ، أوْ مَعْنى الفِعْلِ في (مِنَ اللَّيْلِ) وقُرِئَ (قِطْعًا) بِسُكُونِ الطّاءِ وهو طائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ قالَ:

؎ افْتَحِي البابَ وانْظُرِي في النُّجُومِ كَمْ عَلَيْنا مِن قِطْعِ لَيْلٍ بَهِيمِ

فَيَجُوزُ كَوْنُ (مُظْلِمًا) صِفَةً لَهُ، أوْ حالًا مِنهُ، وقُرِئَ (كَأنَّما يُغْشِي وُجُوهَهم قِطَعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمٌ) والجُمْلَةُ كَما قَبْلَها مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَرْهَقُهُمْ).

﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ: المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ ﴿أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وحَيْثُ كانَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ في حَقِّ الكُفّارِ بِشَهادَةِ السِّياقِ والسِّباقِ لَمْ يَكُنْ فِيها تَمَسُّكٌ لِلْوَعِيدِيَّةِ.

28

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allah, "[Remain in] your place, you and your 'partners.' " Then We will separate them, and their "partners" will say, "You did not used to worship us,

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ، وتَأْخِيرُهُ في الذِّكْرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ في الوُجُودِ عَلى بَعْضِ أحْوالِهِمُ المَحْكِيَّةِ سابِقًا لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ السّابِقِ واللّاحِقِ بِالِاعْتِبارِ، ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الخارِجِيُّ لَعُدَّ الكُلُّ شَيْئًا واحِدًا، كَما مَرَّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ، ولِذَلِكَ فُصِّلَ عَمّا قَبْلَهُ، و(يَوْمَ) مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ، أيْ: أنْذِرْهم أوْ ذَكِّرْهُمْ، وضَمِيرُ (نَحْشُرُهُمْ) لِكِلا الفَرِيقَيْنِ الَّذِي أحْسَنُوا والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ؛ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ ومِن إفْرادِ الفَرِيقِ الثّانِي بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ: نَقُولُ لِلْمُشْرِكِينَ مِن بَيْنِهِمْ، ولِأنَّ تَوْبِيخَهم وتَهْدِيدَهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ أفْظَعُ، والإخْبارُ بِحَشْرِ الكُلِّ في تَهْوِيلِ اليَوْمِ أدْخَلُ، وتَخْصِيصُ وصْفِ إشْراكِهِمْ بِالذِّكْرِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ السَّيِّئاتِ لِابْتِناءِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلَيْهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِهِ مُعْظَمَ جِناياتِهِمْ وعُمْدَةَ سَيِّئاتِهِمْ، وقِيلَ لِلْفَرِيقِ الثّانِي خاصَّةً فَيَكُونُ وضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِما ذُكِرَ آنِفًا.

﴿مَكانَكُمْ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ ظَرْفٌ لِفِعْلٍ أُقِيمَ مَقامَهُ، لا عَلى أنَّهُ اسْمُ فِعْلٍ وحَرَكَتُهُ حَرَكَةُ بِناءٍ، كَما هو رَأْيُ الفارِسِيِّ، أيِ: الزَمُوهُ حَتّى تَنْظُرُوا ما يُفْعَلُ بِكم ﴿أنْتُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُنْتَقِلِ إلَيْهِ مِن عامِلِهِ لِسَدِّهِ مَسَدَّهُ ﴿وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ الواوَ بِمَعْنى مَعَ ﴿فَزَيَّلْنا﴾ مِن (زِلْتُ) الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ أُزِيلُهُ، أيْ: أزَلْتُهُ، والتَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ، وقُرِئَ (فَزايَلْنا) بِمَعْناهُ، نَحْوُ: كَلَّمْتُهُ وكالَمْتُهُ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى (نَقُولُ) وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ المَوْرُوثِ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ والتَّحْسِيرِ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى وُقُوعِ التَّزْيِيلِ ومَبادِئِهِ عَقِيبَ الخِطابِ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ إيذانًا بِكَمالِ رَخاوَةِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ العَلاقَةِ والوَصْلَةِ، أيْ: فَفَرَّقْنا بَيْنَهم وقَطَّعْنا أقْرانَهم والوُصَلَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا، لَكِنْ لا مِنَ الجانِبَيْنِ، بَلْ مِن جانِبِ العَبَدَةِ فَقَطْ لِعَدَمِ احْتِمالِ شُمُولِ الشُّرَكاءِ لِلشَّياطِينِ - كَما سَيَجِيءُ - فَخابَتْ آمالُهم وانْصَرَمَتْ عُرى أطْماعِهِمْ، وحَصَلَ لَهُمُ اليَأْسُ الكُلِّيُّ مِن حُصُولِ ما كانُوا يَرْجُونَهُ مِن جِهَتِهِمْ، والحالُ - وإنْ كانَتْ مَعْلُومَةً لَهم مِن حِينِ المَوْتِ والِابْتِلاءِ بِالعَذابِ - لَكِنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ اليَقِينِ إنَّما حَصَلَتْ عِنْدَ المُشاهَدَةِ والمُشافَهَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّزْيِيلِ التَّفْرِيقُ الحِسِّيُّ، أيْ: فَباعَدْنا بَيْنَهم بَعْدَ الجَمْعِ في المَوْقِفِ وتَبَرُّؤِ شُرَكائِهِمْ مِنهم ومِن عِبادَتِهِمْ،كَما في قَوْلِهِ: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ فالواوُ حِينَئِذٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ كَلِمَةِ (قَدْ) عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُها وبِدُونِهِ عِنْدَ غَيْرِهِ لا عاطِفَةٌ كَما في التَّفْسِيرِ الأوَّلِ، لِاسْتِدْعاءِ المُحاوَرَةِ المُحاضَرَةَ الفائِتَةَ …

29

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ

And sufficient is Allah as a witness between us and you that we were of your worship unaware."

﴿فَكَفي بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾ فَإنَّهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ ﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ أيْ: عَنْ عِبادَتِكم لَنا، وتَرْكُهُ لِلظُّهُورِ ولِلْإيذانِ بِكَمالِ الغَفْلَةِ عَنْها، والغَفْلَةُ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الِارْتِضاءِ، وإلّا فَعَدَمُ شُعُورِ المَلائِكَةِ بِعِبادَتِهِمْ لَهم غَيْرُ ظاهِرٍ، وهَذا يَقْطَعُ احْتِمالَ كَوْنِ المُرادِ بِالشُّرَكاءِ الشَّياطِينَ كَما قِيلَ؛ فَإنَّ ارْتِضاءَهم بِإشْراكِهِمْ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُجْبِرِينَ لَهم عَلى ذَلِكَ، وإنْ مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) واللّامُ فارِقَةٌ.

30

هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allah, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.

﴿هُنالِكَ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَقامِ الدَّهِشِ، أوْ في ذَلِكَ الوَقْتِ عَلى اسْتِعارَةِ ظَرْفِ المَكانِ لِلزَّمانِ (تَبْلُو) أيْ: تَخْتَبِرُ وتَذُوقُ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مُؤْمِنَةً كانَتْ أوْ كافِرَةً، سَعِيدَةً أوْ شَقِيَّةً ﴿ما أسْلَفَتْ﴾ مِنَ العَمَلِ، وتُعايِنُهُ بِكُنْهِهِ مُسْتَتْبِعًا لِآثارِهِ مِن نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، وخَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وأمّا ما عَلِمَتْ مِن حالِها مِن حِينِ المَوْتِ والِابْتِلاءِ بِالعَذابِ في البَرْزَخِ فَأمْرٌ مُجْمَلٌ، وقُرِئَ (نَبْلُو) بِنُونِ العَظَمَةِ ونَصْبِ (كُلُّ) وإبْدالِ ما مِنهُ، أيْ: نُعامِلُها مُعامَلَةَ مَن يَبْلُوها، ويَتَعَرَّفُ أحْوالَها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، بِاخْتِبارِ ما أسْلَفَتْ مِنَ العَمَلِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: نُصِيبُ بِالبَلاءِ، أيِ: العَذابِ عاصِيَةً بِسَبَبِ ما أسْلَفَتْ مِنَ الشَّرِّ، فَيَكُونُ "ما" مَنصُوبَةً بِنَزْعِ الخافِضِ، وقُرِئَ (تَتْلُو)، أيْ: تَتْبَعُ؛ لِأنَّ عَمَلَها هو الَّذِي يَهْدِيها إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، أوْ إلى طَرِيقِ النّارِ، أوْ تَقْرَأُ في صَحِيفَةِ أعْمالِها ما قَدَّمَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿وَرُدُّوا﴾ الضَّمِيرُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (زَيَّلْنا) وما عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو﴾ ... إلَخْ، اعْتِراضٌ في أثْناءِ الحِكايَةِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِها.

﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى جَزائِهِ وعِقابِهِ ﴿مَوْلاهُمُ﴾ رَبِّهِمْ ﴿الحَقِّ﴾ أيِ: المُتَحَقِّقِ الصّادِقِ رُبُوبِيَّتَهُ لا ما اتَّخَذُوهُ رَبًّا باطِلًا، وقُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِهِمُ: الحَمْدُ لِلَّهِ أهْلَ الحَمْدِ، أوْ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ.

﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ وضاعَ، أيْ: ظَهَرَ ضَياعُهُ وضَلالُهُ لا أنَّهُ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ ضالٍ، أوْ ضَلَّ في اعْتِقادِهِمْ أيْضًا ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِن أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهُمْ، أوْ ما كانُوا يَدَّعُونَ أنَّها آلِهَةٌ.

هَذا، وجَعْلُ الضَّمِيرِ في (رُدُّوا) لِلنُّفُوسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى "تَبْلُو" وأنَّ العُدُولَ إلى الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ، وأنَّ إيثارَ صِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ رَدَّهم إلى اللَّهِ يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ الِاجْتِماعِ - لا يُلائِمُهُ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الحَقِّيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَإنَّهُ لِلتَّعْرِيضِ بِالمَرْدُودِينَ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ولَئِنِ اكْتُفِيَ فِيهِ بِالتَّعْرِيضِ بِبَعْضِهِمْ، أوْ حُمِلَ الحَقُّ عَلى مَعْنى العَدْلِ في الثَّوابِ والعِقابِ، فَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِمّا لا مَجالَ فِيهِ لِلتَّدارُكِ قَطْعًا - فَإنَّ ما فِيهِ مِنَ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ لِلْمُشْرِكِينَ، فَيَلْزَمُ التَّفْكِيكُ حَتْمًا، وتَخْصِيصُ (كُلُّ نَفْسٍ) بِالنُّفُوسِ المُشْرِكَةِ مَعَ عُمُومِ البَلْوى لِلْكُلِّ يَأْباهُ مَقامُ تَهْوِيلِ المَقامِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.