Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 109

21

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allah is swifter in strategy." Indeed, Our messengers record that which you conspire

﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ .

لَمّا حَكى تَمَرُّدَ المُشْرِكِينَ بَيَّنَ هُنا أنَّهم في ذَلِكَ لاهُونَ بِبَطَرِهِمْ وازْدِهائِهِمْ بِالنِّعْمَةِ والدَّعَةِ فَأنْساهم ما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ أنْ يَتَوَقَّعُوا حُدُوثَ ضِدِّهِ فَتَفَنَّنُوا في التَّكْذِيبِ بِوَعِيدِ اللَّهِ أفانِينَ الِاسْتِهْزاءِ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]

وجاءَ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ الحِكايَةِ عَنْ حالِهِمْ، والمُلْقى إلَيْهِ الكَلامُ هو النَّبِيءُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَذْكِيرِ الكُفّارِ بِحالِ حُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ، فَيُعِدُّوا عُدَّةَ الخَوْفِ مِن حُلُولِ النِّقْمَةِ الَّتِي أنْذَرَهم بِها في قَوْلِهِ: فانْتَظِرُوا كَما في الحَدِيثِ «تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ» .

فالمُرادُ بـِ النّاسَ النّاسُ المَعْهُودُونَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم بِقَرِينَةِ السِّياقِ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس: ١٢]

وقَدْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما أصابَ قُرَيْشًا مِنَ القَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ بِدُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ ثُمَّ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ القَحْطَ وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرَ، فَلَمّا حَيُوا طَفِقُوا يَطْعَنُونَ في آياتِ اللَّهِ ويُعادُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَكِيدُونَ لَهُ. والقَحْطُ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا هو المَذْكُورُ في سُورَةِ الدُّخانِ. وقَدْ أُنْذِرُوا فِيها بِالبَطْشَةِ الكُبْرى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ. فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِراضِ السَّبْعِ السِّنِينَ الَّتِي هي كَسِنِيِّ يُوسُفَ وبَعْدَ أنْ حَيُوا، فَتَكُونُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ البَعْثَةِ أوْ سَنَةِ إحْدى عَشْرَةَ.

والإذاقَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ الإدْراكِ اسْتِعارَةً أوْ مَجازًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] في سُورَةِ العُقُودِ.

صفحة ١٣٣

والرَّحْمَةُ: هُنا مُطْلَقَةٌ عَلى أثَرِ الرَّحْمَةِ، وهو النِّعْمَةُ والنَّفْعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]

والضَّرّاءُ: الضُّرُّ. والمَسُّ: مُسْتَعْمَلٌ في الإصابَةِ. والمَعْنى إذا نالَتِ النّاسَ نِعْمَةٌ بَعْدَ الضُّرِّ، كالمَطَرِ بَعْدَ القَحْطِ، والأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، والصِّحَّةِ بَعْدَ المَرَضِ.

وإذا في قَوْلِهِ: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ لِلْمُفاجَأةِ، وهي رابِطَةٌ لِجَوابِ إذا الشَّرْطِيَّةِ لِوُقُوعِهِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً وهي لا تَصْلُحُ لِلِاتِّصالِ بِإذا الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي تُلازِمُها الأفْعالُ إنْ وقَعَتْ ظَرْفًا ثُمَّ إنْ وقَعَتْ شَرْطًا فَلا تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ جَوابًا لَها، فَلِذَلِكَ أُدْخِلَ عَلى جُمْلَةِ الجَوابِ حَرْفُ إذا الفُجائِيَّةِ؛ لِأنَّ حَرْفَ المُفاجَأةِ يَدُلُّ عَلى البِدارِ والإسْراعِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، فَيُفِيدُ مُفادَ فاءِ التَّعْقِيبِ الَّتِي يُؤْتى بِها لِرَبْطِ جَوابِ الشَّرْطِ بِشَرْطِهِ، فَإذا جاءَ حَرْفُ المُفاجَأةِ أغْنى عَنْها.

والمَكْرُ: حَقِيقَتُهُ إخْفاءُ الإضْرارِ وإبْرازُهُ في صُورَةِ المُسالَمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وفي مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي آياتِنا﴾ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ المُرادِ مِنها المُلابَسَةُ، أيْ مَكْرُهُمُ المُصاحِبُ لِآياتِنا. …

22

هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from everywhere and they assume that they are surrounded, supplicating Allah, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."

﴿هو الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣]

هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ [يونس: ٢١] إلى آخِرِها لِأنَّ البَغْيَ في الأرْضِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ المَكْرُ في آياتِ اللَّهِ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ:

صفحة ١٣٥

﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ [يونس: ٢٣] وما سِواهُ تَمْهِيدٌ وإدْماجٌ لِلِامْتِنانِ. أعْقَبَ التَّهْدِيدَ عَلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ بِذِكْرِ بَعْضِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ ضَرّاءَ تَعْقُبَ النِّعْمَةَ لِلِابْتِلاءِ والتَّذْكِيرِ بِخالِقِهِمْ، ثُمَّ كَيْفَ تُفْرَجُ عَنْهم رَحْمَةً بِهِمْ فَيَكْفُرُ فَرِيقٌ مِنهم كِلْتا النِّعْمَتَيْنِ ولا يَتَذَكَّرُ، فَكانَ المَقْصُودُ أنَّ في ذَلِكَ أعْظَمَ الآياتِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ فَكَيْفَ يَقُولُونَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ، وفي كُلِّ ذَلِكَ امْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِالنِّعْمَةِ وتَسْجِيلٌ لِكُفْرانِها ولِتَوارُدِ الآياتِ عَلَيْهِمْ ولِكَيْلا يَغْتَرُّوا بِالإمْهالِ فَيَحْسَبُوهُ رِضًى بِكُفْرِهِمْ أوْ عَجْزًا عَنْ أخْذِهِمْ، وهَذا مَوْقِعٌ رَشِيقٌ جِدُّ الرَّشاقَةِ لِهَذِهِ الآيَةِ القُرْآنِيَّةِ.

وإسْنادُ التَّسْيِيرِ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِاعْتِبارِ أنَّهُ سَبَبُهُ لِأنَّهُ خالِقُ إلْهامِ التَّفْكِيرِ وقُوى الحَرَكَةِ العَقْلِيَّةِ والجَسَدِيَّةِ، فالإسْنادُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فالقَصْرُ المُفادُ مِن جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ. والكَلامُ مُسْتَعْمَلٌ في الِامْتِنانِ والتَّعْرِيضِ بِإخْلالِهِمْ بِواجِبِ الشُّكْرِ.

وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ، وهي غايَةٌ لِلتَّسْيِيرِ في البِحارِ خاصَّةً. وإنَّما كانَتْ غايَةً بِاعْتِبارِ ما عُطِفَ عَلى مَدْخُولِها مِن قَوْلِهِ: ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣]، والمُغَيّا هو ما في قَوْلِهِ: يُسَيِّرُكم مِنَ المِنَّةِ المُؤْذِنَةِ بِأنَّهُ تَسْيِيرُ رِفْقٍ مُلائِمٍ لِلنّاسِ، فَكانَ ما بَعْدَ حَتّى ومَعْطُوفاتِها نِهايَةَ ذَلِكَ الرِّفْقِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَةَ الَّتِي بَعْدَ حَتّى يَنْتَهِي عِنْدَها السَّيْرُ المُنْعَمُ بِهِ ويَدْخُلُونَ في حالَةِ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، وهَذا النَّظْمُ نَسْجٌ بَدِيعٌ في أفانِينِ الكَلامِ.

ومِن بَدِيعِ الأُسْلُوبِ في الآيَةِ أنَّها لَمّا كانَتْ بِصَدَدِ ذِكْرِ النِّعْمَةِ جاءَتْ بِضَمائِرِ الخِطابِ الصّالِحَةِ لِجَمِيعِ السّامِعِينَ، فَلَمّا تَهَيَّأتْ لِلِانْتِقالِ إلى ذِكْرِ الضَّرّاءِ وقَعَ الِانْتِقالُ مِن ضَمائِرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِتَلْوِينِ الأُسْلُوبِ بِما يُخَلِّصُهُ إلى الإفْضاءِ إلى ما يَخُصُّ المُشْرِكِينَ فَقالَ وجَرَيْنَ بِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، أيْ وجَرَيْنَ بِكم. وهَكَذا أُجْرِيَتِ الضَّمائِرُ جامِعَةً لِلْفَرِيقَيْنِ إلى أنْ قالَ ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣] فَإنَّ هَذا لَيْسَ مِن شِيَمِ المُؤْمِنِينَ فَتَمَحَّضَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ هَذا لِلْمُشْرِكِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ مِنَ الخَبَرِ مَن عَدا الَّذِينَ يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ لِأنَّ الَّذِينَ يَبْغُونَ في …

23

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

But when He saves them, at once they commit injustice upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.

﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

اسْتِئْنافُ خِطابٍ لِلْمُشْرِكِينَ وهُمُ الَّذِينَ يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ.

وافْتُتِحَ الخِطابُ بـِ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ لِاسْتِصْغاءِ أسْماعِهِمْ. والمَقْصُودُ مِن هَذا تَحْذِيرُ المُشْرِكِينَ ثُمَّ تَهْدِيدُهم.

وصِيغَةُ قَصْرِ البَغْيِ عَلى الكَوْنِ مُضِرًّا بِهِمْ كَما هو مُفادُ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ تَنْبِيهً عَلى حَقِيقَةٍ واقِعِيَّةٍ ومَوْعِظَةٍ لَهم لِيَعْلَمُوا أنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الشِّرْكِ والتَّهْدِيدِ عَلَيْهِ لِرَعْيِ صَلاحِهِمْ لا لِأنَّهم يَضُرُّونَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٣٩] . فَمَعْنى عَلى الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ المُكَنّى بِهِ عَنِ الإضْرارِ لِأنَّ المُسْتَعْلِي الغالِبُ يَضُرُّ بِالمَغْلُوبِ المُسْتَعْلى عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يَقُولُوا: هَذا الشَّيْءُ عَلَيْكَ، وفي ضِدِّهِ: هَذا الشَّيْءُ لَكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦] . ويَقُولُ المُقِرُّ: لَكَ عَلَيَّ كَذا. وقالَ تَوْبَةُ بْنُ الحُمَيِّرِ.

وقَدْ زَعَمَتْ لَيْلى بِأنِّي فاجِرٌ لِنَفْسِي تُقاها أوْ عَلَيْها فُجُورُها

وقالَ السَّمَوْألُ اليَهُودِيُّ:

ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ

وذَلِكَ أنَّ عَلى تَدُلُّ عَلى الإلْزامِ والإيجابِ، واللّامُ تَدَلُّ عَلى الِاسْتِحْقاقِ. وفي الحَدِيثِ «والقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أوْ عَلَيْكَ» .

فالمُرادُ بِالأنْفُسِ أنْفُسُ الباغِينَ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ بَيْنَ أفْرادِ مُعادِ ضَمِيرِ الجَماعَةِ المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: بَغْيُكم وبَيْنَ أفْرادِ الأنْفُسِ، كَما في قَوْلِهِمْ ”رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم“ أيْ،

صفحة ١٤٠

رَكِبَ كُلُّ واحِدٍ دابَّتَهُ. فالمَعْنى إنَّما بَغْيُ كُلِّ أحَدٍ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ لا يَضُرُّ إلّا بِنَفْسِ المُشْرِكِ بِاخْتِلالِ تَفْكِيرِهِ وعَمَلِهِ ثُمَّ بِوُقُوعِهِ في العَذابِ.

ومَتاعُ مَرْفُوعٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن بَغْيُكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِلْبَغْيِ؛ لِأنَّ البَغْيَ مَصْدَرٌ مُشْتَقُّ فَهو كالفِعْلِ فَنابَ المَصْدَرُ عَنِ الظَّرْفِ بِإضافَتِهِ إلى ما فِيهِ مَعْنى المُدَّةِ. وتَوْقِيتُ البَغْيِ بِهَذِهِ المُدَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ ذُكِرَ في مَعْرِضِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، فالمَعْنى أنَّهُ أمْهَلَكم إمْهالًا طَوِيلًا فَهَلّا تَتَذَكَّرُونَ فَلا تَحْسَبُونَ الإمْهالَ رِضًى بِفِعْلِكم ولا عَجْزًا وسَيُؤاخِذُكم بِهِ في الآخِرَةِ. وفي كِلْتا القِراءَتَيْنِ وُجُوهٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا.

والمَتاعُ: ما يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفاعًا غَيْرَ دائِمٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. والمَعْنى عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، أيْ أمْهَلْناكم عَلى إشْراكِكم مُدَّةَ الحَياةِ لا غَيْرَ ثُمَّ نُؤاخِذُكم عَلى بَغْيِكم عِنْدَ مَرْجِعِكم إلَيْنا.

وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ عُطِفَتْ بـِ ثُمَّ لِإفادَةِ التَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ أصْرَحُ تَهْدِيدًا مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ تَرْجِعُونَ إلَيْنا لا إلى غَيْرِنا …

24

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا فَجَعَلْنَٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest, as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.

صفحة ١٤١

﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْنَها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [يونس: ٢٣] المُؤْذِنَةِ بِأنَّ تَمَتُّعَهم بِالدُّنْيا ما هو إلّا لِمُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ التَّمَتُّعَ صائِرٌ إلى زَوالٍ، وأطْنَبَتْ فَشَبَّهَتْ هَيْئَةَ التَّمَتُّعِ بِالدُّنْيا لِأصْحابِها بِهَيْئَةِ الزَّرْعِ في نَضارَتِهِ ثُمَّ في مَصِيرِهِ إلى الحَصْدِ.

والمَثَلُ: الحالُ الماثِلَةُ عَلى هَيْئَةٍ خاصَّةٍ، كانَ التَّشْبِيهُ هُنا تَشْبِيهَ حالَةٍ مُرَكَّبَةٍ بِحالَةٍ مُرَكَّبَةٍ. عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِلَفْظِ المَثَلِ الَّذِي شاعَ في التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وصِيغَةُ القَصْرِ لِتَأْكِيدِ المَقْصُودِ مِنَ التَّشْبِيهِ وهو سُرْعَةُ الِانْقِضاءِ. ولِتَنْزِيلِ السّامِعِينَ مَنزِلَةَ مَن يَحْسَبُ دَوامَ بَهْجَةِ الحَياةِ الدُّنْيا لِأنَّ حالَهم في الِانْكِبابِ عَلى نَعِيمِ الدُّنْيا كَحالِ مَن يَحْسَبُ دَوامَهُ ويُنْكِرُ أنْ يَكُونَ لَهُ انْقِضاءٌ سَرِيعٌ ومُفاجِئٌ. والمَعْنى: قَصْرُ حالَةِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى مُشابَهَةِ حالَةِ النَّباتِ المَوْصُوفِ، فالقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ، بُنِيَ عَلى تَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ عَكْسَ تِلْكَ الحالَةِ.

شُبِّهَتْ حالَةُ الحَياةِ في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وزَوالِ نَعِيمِها بَعْدَ البَهْجَةِ بِهِ وتَزايُدِ نَضارَتِها بِحالِ نَباتِ الأرْضِ في ذَهابِهِ حُطامًا ومَصِيرِهِ حَصِيدًا.

ومِن بَدِيعِ هَذا التَّشْبِيهِ تَضَمُّنُهُ لِتَشْبِيهاتٍ مُفَرَّقَةٍ مِن أطْوارِ الحالَيْنِ المُتَشابِهَيْنِ بِحَيْثُ يَصْلُحُ كُلُّ جُزْءٍ مِن هَذا التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ لِتَشْبِيهِ جُزْءٍ مِنَ الحالَيْنِ المُتَشابِهَيْنِ، ولِذَلِكَ أطْنَبَ وصْفَ الحالَيْنِ مِنِ ابْتِدائِهِ.

صفحة ١٤٢

فَقَوْلُهُ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ شَبَّهَ بِهِ ابْتِداءَ أطْوارِ الحَياةِ مِن وقْتِ الصِّبا إذْ لَيْسَ ثَمَّةَ سِوى الأمَلِ في نَعِيمِ العَيْشِ ونَضارَتِهِ، فَذَلِكَ الأمَلُ يُشْبِهُ حالَ نُزُولِ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ في كَوْنِهِ سَبَبَ ما يُؤَمَّلُ مِنهُ مِن زُخْرُفِ الأرْضِ ونَضارَتِها.

وقَوْلُهُ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ شَبَّهَ بِهِ طَوْرَ ابْتِداءِ نَضارَةِ العَيْشِ وإقْبالِ زَهْرَةِ الحَياةِ، فَذَلِكَ يُشْبِهُ خُرُوجَ الزَّرْعِ بُعَيْدَ المَطَرِ فِيما يُشاهَدُ مِن بِوارِقِ المَأْمُولِ، ولِذَلِكَ عُطِفَ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلْإيذانِ بِسُرْعَةِ ظُهُورِ النَّباتِ عَقِبَ المَطَرِ فَيُؤْذَنُ بِسُرْعَةِ نَماءِ الحَياةِ في أوَّلِ أطْوارِها. وعَبَّرَ عَنْهُ بِالِاخْتِلاطِ بِالماءِ بِحَيْثُ ظَهَرَ قَبْلَ جَفافِ الماءِ، أيْ فاخْتَلَطَ النَّباتُ بِالماءِ أيْ جاوَرَهُ وقارَنَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ﴾ وصْفٌ لِنَباتِ الأرْضِ الَّذِي مِنهُ أصْنافٌ يَأْكُلُها النّاسُ مِنَ الخَضْراواتِ والبُقُولِ، وأصْنافٌ تَأْكُلُها الأنْعامُ مِنَ العُشْبِ والكَلَأِ، وذَلِكَ يُشَبَّهُ بِهِ ما يُنَعَّمُ بِهِ النّاسُ في الحَياةِ مِنَ اللَّذّاتِ وما يُنَعَّمُ بِهِ الحَيَوانُ، فَإنَّ لَهُ حَظًّا في نَعِيمِ الحَياةِ بِمِقْدارِ نِطاقِ حَياتِهِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ تَضَمَّنَ المَأْكُولَ …

25

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And Allah invites to the Home of Peace and guides whom He wills to a straight path

﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]، أيْ نُفَصِّلُ الآياتِ الَّتِي مِنها آيَةُ حالَةِ الدُّنْيا وتَقَضِّيها، ونَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ دارِ الخُلْدِ. ولَمّا كانَتْ جُمْلَةُ

صفحة ١٤٥

﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [يونس: ٢٤] تَذْيِيلًا وكانَ شَأْنُ التَّذْيِيلِ أنْ يَكُونَ كامِلًا جامِعًا مُسْتَقِلًّا جُعِلَتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها مِثْلَها في الِاسْتِقْلالِ فَعُدِلَ فِيها عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ إذْ وُضِعَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو﴾ مَوْضِعَ نَدْعُو لِأنَّ الإضْمارَ في الجُمْلَةِ يَجْعَلُها مُحْتاجَةً إلى الجُمْلَةِ الَّتِي فِيها المُعادُ.

وحُذِفَ مَفْعُولُ ”يَدْعُو“ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ يَدْعُو كُلَّ أحَدٍ. والدَّعْوَةُ هي: الطَّلَبُ والتَّحْرِيضُ. وهي هُنا أوامِرُ التَّكْلِيفِ ونَواهِيهِ.

ودارُ السَّلامِ: الجَنَّةُ، قالَ - تَعالى: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ في سُورَةِ الأنْعامِ.

والهِدايَةُ: الدَّلالَةُ عَلى المَقْصُودِ النّافِعِ، والمُرادُ بِها هُنا خَلْقُ الِاهْتِداءِ إلى المَقْصُودِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿مَن يَشاءُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو﴾ المُفِيدِ التَّعْمِيمَ فَإنَّ الدَّعْوَةَ إلى الجَنَّةِ دَلالَةٌ عَلَيْها فَهي هِدايَةٌ بِالمَعْنى الأصْلِيِّ فَتَعَيَّنَ أنَّ ”يَهْدِي“ هُنا مَعْناهُ إيجادُ الهِدايَةِ بِمَعْنًى آخَرَ، وهي حُصُولُ الِاهْتِداءِ بِالفِعْلِ، أيْ خَلْقُ حُصُولِهِ بِأمْرِ التَّكْوِينِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وهَذا التَّكْوِينُ يَقَعُ إمّا في كُلِّ جُزْئِيَّةٍ مِن جُزْئِيّاتِ الِاهْتِداءِ عَلى طَرِيقَةِ الأشاعِرَةِ، وإمّا بِخَلْقِ الِاسْتِعْدادِ لَهُ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الِاهْتِداءِ عِنْدَ حُصُولِ الأدِلَّةِ عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ وهُما مُتَقارِبانِ في الحالِ، وشُئُونُ الغَيْبِ خَفِيَّةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]

والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: الطَّرِيقُ المُوَصِّلُ.

26

۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌۭ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

For them who have done good is the best [reward] and extra. No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally

﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] لِأنَّ الهِدايَةَ

صفحة ١٤٦

بِمَن يَشاءُ تُفِيدُ مَهْدِيًّا وغَيْرَ مَهْدِيٍّ. فَفي هَذِهِ الجُمْلَةِ ذِكْرُ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ كِلا الفَرِيقَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَها بَدَلَ مُفَصَّلٍ مِن مُجْمَلٍ.

ولَمّا أوْقَعَ ذِكْرَ الَّذِينَ أحْسَنُوا في جُمْلَةِ البَيانِ عَلِمَ السّامِعُ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وأنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ هو العَمَلُ الحَسَنُ، وأنَّ الحُسْنى هي دارُ السَّلامِ. ويَشْرَحُ هَذِهِ الآيَةَ قَوْلُهُ - تَعالى - في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٦] ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]

والحُسْنى: في الأصْلِ صِفَةُ أُنْثى الأحْسَنِ، ثُمَّ عُومِلَتْ مُعامَلَةَ الجِنْسِ فَأُدْخِلَتْ عَلَيْها لامُ تَعْرِيفِ الجِنْسِ فَبَعُدَتْ عَنِ الوَصْفِيَّةِ ولَمْ تَتْبَعْ مَوْصُوفَها.

وتَعْرِيفُها يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، مِثْلَ البُشْرى، ومِثْلَ الصّالِحَةِ الَّتِي جَمْعُها الصّالِحاتُ. والمَعْنى: لِلَّذِينَ أحْسَنُوا جِنْسُ الأحْوالِ الحُسْنى عِنْدَهم، أيْ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وبِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنَّ ماصَدَقَها الَّذِي أُرِيدَ بِها هو الجَنَّةُ لِأنَّها أحْسَنُ مَثُوبَةً يَصِيرُ إلَيْها الَّذِينَ أحْسَنُوا وبِذَلِكَ صَيَّرَها القُرْآنُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الجَنَّةِ ونَعِيمِها مِن حُصُولِ المَلاذِّ العَظِيمَةِ.

والزِّيادَةُ يَتَعَيَّنُ أنَّها زِيادَةٌ لَهم لَيْسَتْ داخِلَةً في نَوْعِ الحُسْنى بِالمَعْنى الَّذِي صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تُفَسَّرَ بِنَوْعٍ مِمّا في الجَنَّةِ لِأنَّها تَكُونُ حِينَئِذٍ مِمّا يَسْتَغْرِقُهُ لَفْظُ الحُسْنى فَتَعَيَّنَ أنَّها أمْرٌ يَرْجِعُ إلى رِفْعَةِ الأقْدارِ، فَقِيلَ: هي رِضى اللَّهِ - تَعالى - كَما قالَ ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وقِيلَ: هي رُؤْيَتُهُمُ اللَّهَ تَعالى. وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ قالَ: «إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ نادى مُنادٍ: إنَّ لَكم عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، قالُوا: ألَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنا وتُنْجِنا مِنَ النّارِ وتُدْخِلْنا الجَنَّةَ، قالَ: فَيُكْشَفُ الحِجابُ، قالَ: فَواللَّهِ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ» . وهو أصْرَحُ ما ورَدَ في تَفْسِيرِها.

صفحة ١٤٧

والرَّهَقُ: الغَشَيانُ. وفِعْلُهُ مِن بابِ فَرِحَ.

والقَتَرُ: لَوْنٌ هو غُبْرَةٌ إلى السَّوادِ. ويُقالُ لَهُ قَتَرَةٌ والَّذِي تَخَلَّصَ لِي مِن كَلامِ الأيِمَّةِ والِاسْتِعْمالِ أنَّ القَتَرَةَ لَوْنٌ يَغْشى جِلْدَةَ الوَجْهِ مِن شِدَّةِ البُؤْسِ والشَّقاءِ والخَوْفِ. وهو مِن آثارِ تَهَيُّجِ الكَبِدِ مِنِ ارْتِجافِ الفُؤادِ خَوْفًا وتَوَقُّعًا.

والذِّلَّةُ: الهَوانُ. …

27

وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allah no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] . وعَبَّرَ في جانِبِ المُسِيئِينَ بِفِعْلِ ﴿كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ دُونَ فِعْلِ أساءُوا الَّذِي عَبَّرَ بِهِ في جانِبِ الَّذِينَ أحْسَنُوا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إساءَتَهم مِن فِعْلِهِمْ وسَعْيِهِمْ فَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ.

صفحة ١٤٨

والمَوْصُولُ مُرادٌ بِهِ خُصُوصُ المُشْرِكِينَ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . فَإنَّ الخُلُودَ في النّارِ لا يَقَعُ إلّا لِلْكافِرِينَ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ المُتَظافِرَةُ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ.

وجُمْلَةُ ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ خَبَرٌ عَنْ (الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ) . وتَنْكِيرُ سَيِّئَةٍ لِلْعُمُومِ، أيْ جَزاءُ كُلِّ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وهو وإنْ كانَ في سِياقِ الإثْباتِ فالعُمُومُ مُسْتَفادٌ مِنَ المَقامِ وهو مَقامُ عُمُومِ المُبْتَدَأِ، كَقَوْلِ الحَرِيرِيِّ:

يا أهْلَ ذا المَغْنى وُقِيتُمُ ضُرًّا

أيْ كُلَّ ضُرٍّ. وذَلِكَ العُمُومُ مُغْنٍ عَنِ الرّابِطِ بَيْنَ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ والمُبْتَدَأِ، أوْ يُقَدَّرُ مَجْرُورٌ، أيْ جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم، كَما قُدِّرَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أيْ فَعَلَيْهِ.

واقْتَصَرَ عَلى الذِّلَّةِ لَهم دُونَ زِيادَةِ ويَرْهَقُهم قَتَرٌ؛ لِأنَّهُ سَيَجِيءُ ما هو أشَدُّ مِنهُ وهو قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾

وجُمْلَةُ ﴿ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ حالٌ مِنَ (الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ)، أوْ مُعْتَرِضَةٌ. وهو تَهْدِيدٌ وتَأْيِيسٌ.

والعاصِمُ: المانِعُ والحافِظُ. ومَعْنى ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مِنِ انْتِقامِهِ وجَزائِهِ. وهَذا مِن تَعْلِيقِ الفِعْلِ بِاسْمِ الذّاتِ، والمُرادُ بَعْضُ أحْوالِ الذّاتِ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ مِثْلَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]

وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] بَيانَ تَمْثِيلٍ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: وتَرْهَقُهُمْ

و﴿أُغْشِيَتْ﴾ مُعَدّى غَشِيَ إذا أحاطَ وغَطّا، فَصارَ بِالهَمْزَةِ مُعَدًّى إلى مَفْعُولَيْنِ مِن بابِ كَسا. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في الأعْرافِ، وقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُغْشِيكُمُ النُّعاسَ﴾ [الأنفال: ١١] في الأنْفالِ.

صفحة ١٤٩

والقِطَعُ - بِفَتْحِ الطّاءِ - في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: جَمْعُ قِطْعَةٍ، وهي الجُزْءُ مِنَ الشَّيْءِ، سُمِّيَ قِطْعَةً لِأنَّهُ يُقْتَطَعُ مِن كُلٍّ غالِبًا، فَهي فِعْلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ نُقِلَتْ إلى الِاسْمِيَّةِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ قِطْعًا بِسُكُونِ الطّاءِ. وهو اسْمٌ لِلْجُزْءِ مِن زَمَنِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، قالَ - تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١]

وقَوْلُهُ: ﴿مُظْلِمًا﴾ حالٌ مِنَ اللَّيْلِ. ووَصْفُ اللَّيْلِ وهو زَمَنُ الظُّلْمَةِ بِكَوْنِهِ مُظْلِمًا لِإفادَةِ تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنهُ كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وظِلٌّ ظَلِيلٌ، وشِعْرٌ شاعِرٌ، فالمُرادُ مِنَ اللَّيْلِ الشَّدِيدِ الإظْلامِ بِاحْتِجابِ نُجُومِهِ وتَمَكُّنِ ظُلْمَتِهِ. شُبِّهَتْ …

28

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allah, "[Remain in] your place, you and your 'partners.' " Then We will separate them, and their "partners" will say, "You did not used to worship us,

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لِغافِلِينَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ [يونس: ٢٧] بِاعْتِبارِ كَوْنِها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ ما يَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الجَزاءِ وسِماتِهِ جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِإجْمالِ حالَةٍ جامِعَةٍ لِلْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ بِتَفْصِيلِ حالَةٍ يَمْتازُ بِها المُشْرِكُونَ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ ذِكْرٌ فَظِيعٌ مِن أحْوالِ الَّذِينَ بَلَغُوا الغايَةَ في كَسْبِ السَّيِّئاتِ، وهي سَيِّئَةُ الإشْراكِ الَّذِي هو أكْبَرُ الكَبائِرِ، وبِذَلِكَ حَصَلَتِ المُناسَبَةُ مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها المُقْتَضِيَةِ عَطْفَها عَلَيْها.

والمَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ هو ذِكْرُ حَشْرِهِمْ جَمِيعًا، ثُمَّ ما يَقَعُ في ذَلِكَ الحَشْرِ مِنِ افْتِضاحِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ، ونَحْشُرُهم جَمِيعًا. وإنَّما زِيدَ لَفْظُ يَوْمٍ

صفحة ١٥٠

فِي صَدْرِ الجُمْلَةِ لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمّا كانَ هو زَمَنُ الحَشْرِ وأعْمالٍ عَظِيمَةٍ أُرِيدَ التَّذْكِيرُ بِهِ تَهْوِيلًا ومَوْعِظَةً.

وانْتِصابُ ”يَوْمَ نَحْشُرُهم“ إمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ، وإمّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: ونَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم يَوْمَ نَحْشُرُ النّاسَ جَمِيعًا. وضَمِيرُ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ لِلَّذِينَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ وهُمُ الَّذِينَ أحْسَنُوا والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ. وقَوْلُهُ: جَمِيعًا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ البارِزِ في ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ لِلتَّنْصِيصِ عَلى إرادَةِ عُمُومِ الضَّمِيرِ. وذَلِكَ أنَّ الحَشْرَ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم. ومِن نُكَتِ ذِكْرِ حَشْرِ الجَمِيعِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ فَظِيعَ حالِ المُشْرِكِينَ وافْتِضاحِهِمْ يَكُونُ بِمَرْأى ومَسْمَعٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ السَّلامَةُ مِن تِلْكَ الحالَةِ زِيادَةً في النِّعْمَةِ عَلى المُسْلِمِينَ وتَقْوِيَةً في النِّكايَةِ لِلْمُشْرِكِينَ.

والحَشْرُ: الجَمْعُ مِن أمْكِنَةٍ إلى مَكانٍ واحِدٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١١١] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مَكانَكُمْ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمُوا مَكانَكم، واسْتِعْمالُهُ هَذا شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ في الأمْرِ بِالمُلازَمَةِ مَعَ التِزامِ حَذْفِ العامِلِ فِيهِ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ أسْماءِ الأفْعالِ المَوْضُوعَةِ لِلْأمْرِ، نَحْوَ: صَهْ، ويَقْتَرِنُ بِضَمِيرٍ مُناسِبٍ لِلْمُخاطَبِ مِن إفْرادٍ وغَيْرِهِ، قالَ عَمْرُو بْنُ الإطْنابَةِ:

مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي

وأمْرُهم بِمُلازَمَةِ المَكانِ تَثْقِيفٌ وحَبْسٌ. وإذْ قَدْ جُمِعَ فِيهِ المُخاطَبُونَ وشُرَكاؤُهم عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ الحَبْسَ لِأجْلِ جَرِيمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وهي كَوْنُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عابِدًا والآخَرِ مَعْبُودًا.

وقَوْلُهُ: أنْتُمْ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المُقَدَّرِ في الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وهو المُسَوِّغُ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ وبِهَذا العَطْفِ صارَ الشُّرَكاءُ مَأْمُورِينَ بِاللُّبْثِ في المَكانِ.

صفحة ١٥١ …

29

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ

And sufficient is Allah as a witness between us and you that we were of your worship unaware."

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لِغافِلِينَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ [يونس: ٢٧] بِاعْتِبارِ كَوْنِها مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى﴾ [يونس: ٢٦] فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ ما يَخْتَصُّ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الجَزاءِ وسِماتِهِ جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِإجْمالِ حالَةٍ جامِعَةٍ لِلْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ بِتَفْصِيلِ حالَةٍ يَمْتازُ بِها المُشْرِكُونَ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ ذِكْرٌ فَظِيعٌ مِن أحْوالِ الَّذِينَ بَلَغُوا الغايَةَ في كَسْبِ السَّيِّئاتِ، وهي سَيِّئَةُ الإشْراكِ الَّذِي هو أكْبَرُ الكَبائِرِ، وبِذَلِكَ حَصَلَتِ المُناسَبَةُ مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها المُقْتَضِيَةِ عَطْفَها عَلَيْها.

والمَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ هو ذِكْرُ حَشْرِهِمْ جَمِيعًا، ثُمَّ ما يَقَعُ في ذَلِكَ الحَشْرِ مِنِ افْتِضاحِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ، ونَحْشُرُهم جَمِيعًا. وإنَّما زِيدَ لَفْظُ يَوْمٍ

صفحة ١٥٠

فِي صَدْرِ الجُمْلَةِ لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمّا كانَ هو زَمَنُ الحَشْرِ وأعْمالٍ عَظِيمَةٍ أُرِيدَ التَّذْكِيرُ بِهِ تَهْوِيلًا ومَوْعِظَةً.

وانْتِصابُ ”يَوْمَ نَحْشُرُهم“ إمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ: اذْكُرْ، وإمّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: ونَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم يَوْمَ نَحْشُرُ النّاسَ جَمِيعًا. وضَمِيرُ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ لِلَّذِينَ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ وهُمُ الَّذِينَ أحْسَنُوا والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ. وقَوْلُهُ: جَمِيعًا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ البارِزِ في ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ لِلتَّنْصِيصِ عَلى إرادَةِ عُمُومِ الضَّمِيرِ. وذَلِكَ أنَّ الحَشْرَ يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم. ومِن نُكَتِ ذِكْرِ حَشْرِ الجَمِيعِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ فَظِيعَ حالِ المُشْرِكِينَ وافْتِضاحِهِمْ يَكُونُ بِمَرْأى ومَسْمَعٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ السَّلامَةُ مِن تِلْكَ الحالَةِ زِيادَةً في النِّعْمَةِ عَلى المُسْلِمِينَ وتَقْوِيَةً في النِّكايَةِ لِلْمُشْرِكِينَ.

والحَشْرُ: الجَمْعُ مِن أمْكِنَةٍ إلى مَكانٍ واحِدٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١١١] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مَكانَكُمْ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: الزَمُوا مَكانَكم، واسْتِعْمالُهُ هَذا شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ في الأمْرِ بِالمُلازَمَةِ مَعَ التِزامِ حَذْفِ العامِلِ فِيهِ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ أسْماءِ الأفْعالِ المَوْضُوعَةِ لِلْأمْرِ، نَحْوَ: صَهْ، ويَقْتَرِنُ بِضَمِيرٍ مُناسِبٍ لِلْمُخاطَبِ مِن إفْرادٍ وغَيْرِهِ، قالَ عَمْرُو بْنُ الإطْنابَةِ:

مَكانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي

وأمْرُهم بِمُلازَمَةِ المَكانِ تَثْقِيفٌ وحَبْسٌ. وإذْ قَدْ جُمِعَ فِيهِ المُخاطَبُونَ وشُرَكاؤُهم عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ الحَبْسَ لِأجْلِ جَرِيمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وهي كَوْنُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عابِدًا والآخَرِ مَعْبُودًا.

وقَوْلُهُ: أنْتُمْ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المُقَدَّرِ في الفِعْلِ المُقَدَّرِ، وهو المُسَوِّغُ لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ وبِهَذا العَطْفِ صارَ الشُّرَكاءُ مَأْمُورِينَ بِاللُّبْثِ في المَكانِ.

صفحة ١٥١ …

30

هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allah, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.

﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾

تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ السّابِقَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] إلى هُنا. وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ.

والإشارَةُ إلى المَكانِ الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] أيْ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي نَحْشُرُهم فِيهِ. واسْمُ الإشارَةِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. وعامِلُهُ تَبْلُو، وقُدِّمَ هَذا الظَّرْفُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِنَ الكَلامِ لِعِظَمِ ما يَقَعُ فِيهِ.

وتَبْلُو تَخْتَبِرُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ التَّحَقُّقِ وعِلْمِ اليَقِينِ. وأسْلَفَتْ قَدَّمَتْ، أيْ عَمَلًا أسْلَفَتْهُ. والمَعْنى أنَّها تَخْتَبِرُ حالَتَهُ وثَمَرَتَهُ فَتَعْرِفُ ما هو حَسَنٌ ونافِعٌ وما هو قَبِيحٌ وضارٌّ إذْ قَدْ وضَحَ لَهم ما يُفْضِي إلى النَّعِيمِ بِصاحِبِهِ، وضِدُّهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تَبْلُو بِمُوَحَّدَةٍ بَعْدَ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بَعْدَ المُثَنّاةِ الأُولى عَلى أنَّهُ مِنَ التَّلْوِ وهو المُتابَعَةُ، أيْ تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ما قَدَّمَتْهُ مِن عَمَلٍ فَيَسُوقُها إلى الجَنَّةِ أوْ إلى النّارِ.

* * *

صفحة ١٥٤

﴿ورُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ فَتَكُونَ مِن تَمامِ التَّذْيِيلِ، ويَكُونَ ضَمِيرُ رُدُّوا عائِدًا إلى ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٢٨] الآيَةَ فَلا تَتَّصِلَ بِالتَّذْيِيلِ، أيْ ونَرُدُّهم إلَيْنا، ويَكُونَ ضَمِيرُ رُدُّوا عائِدًا إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا خاصَّةً. والمَعْنى تَحَقَّقَ عِنْدَهم الحَشْرُ الَّذِي كانُوا يُنْكِرُونَهُ. ويُناسِبُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَإنَّ فِيهِ إشْعارًا بِالتَّوَرُّكِ عَلَيْهِمْ بِإبْطالِ مَوالِيهِمُ الباطِلَةِ.

والرَّدُّ: الإرْجاعُ. والإرْجاعُ إلى اللَّهِ الإرْجاعُ إلى تَصَرُّفِهِ بِالجَزاءِ عَلى ما يُرْضِيهِ وما لا يُرْضِيهِ وقَدْ كانُوا مِن قَبْلُ حِينَ كانُوا في الحَياةِ الدُّنْيا مُمْهَلِينَ غَيْرَ مُجازِينَ.

والمَوْلى: السَّيِّدُ؛ لِأنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَبْدِهِ ولاءُ عَهْدِ المِلْكِ. ويُطْلَقُ عَلى مُتَوَلِّي أُمُورِ غَيْرِهِ ومُوَفِّرِ شُئُونِهِ.

والحَقُّ: المُوافِقُ لِلْواقِعِ والصِّدْقِ، أيْ رُدُّوا إلى الإلَهِ الحَقِّ دُونَ الباطِلِ. والوَصْفُ بِالحَقِّ هو وصْفُ المَصْدَرِ في مَعْنى الحاقِّ، أيِ الحاقِّ المَوْلَوِيَّةَ، أيْ دُونَ الأوْلِياءِ الَّذِينَ زَعَمُوهم باطِلًا.

* * *

﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمُشْرِكِينَ كَما هو واضِحٌ.

والضَّلالُ: الضَّياعُ.

و﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانُوا يَكْذِبُونَ مِن نِسْبَتِهِمُ الإلَهِيَّةَ إلى الأصْنامِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ماصَدَقَ ما المَوْصُولَةِ الأصْنامَ، فَيَكُونَ قَدْ حُذِفَ العائِدُ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ بِدُونِ أنْ يُجَرَّ المَوْصُولُ بِمِثْلِ ما جُرَّ بِهِ العائِدُ والحَقُّ جَوازُهُ، فالتَّقْدِيرُ: ما كانُوا يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ أوْ لَهُ. وضَلالُهُ: عَدَمُ وُجُودِهِ عَلى الوَصْفِ المَزْعُومِ لَهُ.

صفحة ١٥٥

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ماصَدَقَ ما نَفْسَ الِافْتِراءِ، أيِ الِافْتِراءُ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ. وضَلالُهُ: ظُهُورُ نَفْيِهِ وكَذِبِهِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.