وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allah is swifter in strategy." Indeed, Our messengers record that which you conspire
﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ .
لَمّا حَكى تَمَرُّدَ المُشْرِكِينَ بَيَّنَ هُنا أنَّهم في ذَلِكَ لاهُونَ بِبَطَرِهِمْ وازْدِهائِهِمْ بِالنِّعْمَةِ والدَّعَةِ فَأنْساهم ما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ أنْ يَتَوَقَّعُوا حُدُوثَ ضِدِّهِ فَتَفَنَّنُوا في التَّكْذِيبِ بِوَعِيدِ اللَّهِ أفانِينَ الِاسْتِهْزاءِ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١]
وجاءَ الكَلامُ عَلى طَرِيقَةِ الحِكايَةِ عَنْ حالِهِمْ، والمُلْقى إلَيْهِ الكَلامُ هو النَّبِيءُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَذْكِيرِ الكُفّارِ بِحالِ حُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ، فَيُعِدُّوا عُدَّةَ الخَوْفِ مِن حُلُولِ النِّقْمَةِ الَّتِي أنْذَرَهم بِها في قَوْلِهِ: فانْتَظِرُوا كَما في الحَدِيثِ «تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ» .
فالمُرادُ بـِ النّاسَ النّاسُ المَعْهُودُونَ المُتَحَدَّثُ عَنْهم بِقَرِينَةِ السِّياقِ عَلى الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ [يونس: ١٢]
وقَدْ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما أصابَ قُرَيْشًا مِنَ القَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ بِدُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ ثُمَّ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ القَحْطَ وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرَ، فَلَمّا حَيُوا طَفِقُوا يَطْعَنُونَ في آياتِ اللَّهِ ويُعادُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَكِيدُونَ لَهُ. والقَحْطُ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا هو المَذْكُورُ في سُورَةِ الدُّخانِ. وقَدْ أُنْذِرُوا فِيها بِالبَطْشَةِ الكُبْرى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي بَطْشَةُ يَوْمِ بَدْرٍ. فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ انْقِراضِ السَّبْعِ السِّنِينَ الَّتِي هي كَسِنِيِّ يُوسُفَ وبَعْدَ أنْ حَيُوا، فَتَكُونُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ سَنَةِ عَشْرٍ مِنَ البَعْثَةِ أوْ سَنَةِ إحْدى عَشْرَةَ.
والإذاقَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ الإدْراكِ اسْتِعارَةً أوْ مَجازًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] في سُورَةِ العُقُودِ.
صفحة ١٣٣
والرَّحْمَةُ: هُنا مُطْلَقَةٌ عَلى أثَرِ الرَّحْمَةِ، وهو النِّعْمَةُ والنَّفْعُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى: ٢٨]
والضَّرّاءُ: الضُّرُّ. والمَسُّ: مُسْتَعْمَلٌ في الإصابَةِ. والمَعْنى إذا نالَتِ النّاسَ نِعْمَةٌ بَعْدَ الضُّرِّ، كالمَطَرِ بَعْدَ القَحْطِ، والأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، والصِّحَّةِ بَعْدَ المَرَضِ.
وإذا في قَوْلِهِ: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ لِلْمُفاجَأةِ، وهي رابِطَةٌ لِجَوابِ إذا الشَّرْطِيَّةِ لِوُقُوعِهِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً وهي لا تَصْلُحُ لِلِاتِّصالِ بِإذا الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي تُلازِمُها الأفْعالُ إنْ وقَعَتْ ظَرْفًا ثُمَّ إنْ وقَعَتْ شَرْطًا فَلا تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ جَوابًا لَها، فَلِذَلِكَ أُدْخِلَ عَلى جُمْلَةِ الجَوابِ حَرْفُ إذا الفُجائِيَّةِ؛ لِأنَّ حَرْفَ المُفاجَأةِ يَدُلُّ عَلى البِدارِ والإسْراعِ بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، فَيُفِيدُ مُفادَ فاءِ التَّعْقِيبِ الَّتِي يُؤْتى بِها لِرَبْطِ جَوابِ الشَّرْطِ بِشَرْطِهِ، فَإذا جاءَ حَرْفُ المُفاجَأةِ أغْنى عَنْها.
والمَكْرُ: حَقِيقَتُهُ إخْفاءُ الإضْرارِ وإبْرازُهُ في صُورَةِ المُسالَمَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وفي مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي آياتِنا﴾ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ المُرادِ مِنها المُلابَسَةُ، أيْ مَكْرُهُمُ المُصاحِبُ لِآياتِنا. …