Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 21–30 of 109

21

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةًۭ مِّنۢ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌۭ فِىٓ ءَايَاتِنَا ۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

And when We give the people a taste of mercy after adversity has touched them, at once they conspire against Our verses. Say, "Allah is swifter in strategy." Indeed, Our messengers record that which you conspire

Explained together with ayah 18

22

هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍۢ طَيِّبَةٍۢ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌۭ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍۢ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from everywhere and they assume that they are surrounded, supplicating Allah, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."

(إفراد الرياح وجمعها)

ومن هذا الباب ذكر الرياح في القرآن جمعا ومفردة فحيث كانت في سياق الرحمة أتت مجموعة وحيث وقعت في سياق العذاب أتت مفردة وسر ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والمهاب والمنافع وإذا هاجت منها ريح أنشأ لها ما يقابلها ما يكسر سورتها ويصدم حدتها فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات فكل ريح منها في مقابلها ما يعدلها ويرد سورتها فكانت في الرحمة ريحا وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد وحمام واحد لا يقوم لها شيء ولا يعارضها غيرها حتى تنتهي إلى حيث أمرت لا يرد سورتها ولا يكسر شرتها فتمتثل ما أمرت به وتصيب ما أرسلت إليه ولهذا وصف سبحانه الريح التي أرسلها على عاد بأنها عقيم فقال: ﴿أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ وهي التي لا تلقح ولا خير فيها والتي تعقم ما مرت عليه ثم تأمل كيف اطرد هذا إلا في قوله في سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾

فذكر ريح الرحمة الطيبة بلفظ الإفراد لأن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد سيرها فإذا اختلفت عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو سبب الهلاك فالمطلوب هناك ريح واحدة لا رياح وأكد هذا المعنى بوصفها بالطيب دفعا لتوهم أن تكون ريحا عاصفة بل هي مما يفرح بها لطيبها فلينزه الفطن بصيرته في هذه الرياض المونقة المعجبة التي ترقص القلوب لها فرحا ويتغذى بها عن الطعام والشراب والحمد لله الفتاح العليم فمثل هذا الفصل يعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر فإنه يشرف بك على أسرار عجائب تجتنيها من كلام الله والله الموفق للصواب.

(فصل)

يخبر سُبْحانَهُ عَن رياح الرَّحْمَة بِصِيغَة الجمع لاخْتِلاف مَنافِعها وما يحدث مِنها فريح تثير السَّحاب وريح تلقحه وريح تحمله على متونها وريح تغذي النَّبات ولما كانَت الرِّياح مُخْتَلفَة في مهابها وطبائعها جعل لكل ريح ريحًا مقابلتها تكسر سورتها وحدتها ويبقى لينها ورحمتها فرياح الرَّحْمَة مُتعَدِّدَة، وأما ريح العَذاب فَإنَّهُ ريح واحِدَة ترسل من وجه واحِد لإهلاك ما ترسل بإهلاكه فلا تقوم لَها ريح أخرى تقابلها وتكسر سورتها وتدفع حدتها بل تكون كالجيش العَظِيم الَّذِي لا يقاومه شَيْء يدمر كل ما أتى عَلَيْهِ وتَأمل حِكْمَة القُرْآن وجلالته وفصاحته كَيفَ طرد هَذا في البر، وأما في البَحْر فَجاءَت ريح الرَّحْمَة فِيهِ بِلَفْظ الواحِد كَقوله تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم في البر والبَحْر حَتّى إذا كُنْتُم في الفلك وجرين بهم برِيح طيبَة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مَكان﴾

فَإن السفن إنَّما تسير بِالرِّيحِ الواحِدَة الَّتِي تَأتي من وجه واحِد فَإذا اخْتلفت الرِّياح على السفن وتقابلت لم يتم سَيرها فالمقصود مِنها في البَحْر خلاف المَقْصُود مِنها في البر إذْ المَقْصُود في البَحْر أن تكون واحِدَة طيبَة لا يعارضها شَيْء، فأفردت هُنا وجمعت في البر، ثمَّ إنه سُبْحانَهُ أعطى هَذا المَخْلُوق اللَّطِيف الَّذِي يحركه أضعف المَخْلُوقات ويخرقه من الشدَّة والقُوَّة والبأس ما يقلق بِهِ الأجسام الصلبة القوية الممتنعة ويزعجها عَن أماكنها ويفتتها ويحملها على مَتنه فانْظُر إليه مَعَ لطافته وخِفته إذا دخل في الزق مثلا وامتلأ بِهِ ثمَّ وضع عَلَيْهِ الجِسْم الثقيل كالرّجلِ وغَيره وتحامل عَلَيْهِ ليغمسه في الماء لم يطق، ويَضَع الحَدِيد الصلب الثقيل على وجه الماء فيرسب فِيهِ فامْتنعَ هَذا اللَّطِيف من قهر الماء لَهُ، ولم يمْتَنع مِنهُ القوي الشَّديد وبهذه الحِكْمَة أمسك الله سُبْحانَهُ السفن على وجه الماء مَعَ ثقلها وثقل ما تحويه، وكَذَلِكَ كل مجوف حل فِيهِ الهَواء فَإنَّهُ لا يرسب فِيهِ لأن الهَواء …

23

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

But when He saves them, at once they commit injustice upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.

Explained together with ayah 22

24

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا فَجَعَلْنَٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ

The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest, as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.

شَبَّهَ سُبْحانَهُ الحَياةَ الدُّنْيا في أنَّها تَتَزَيَّنُ في عَيْنِ النّاظِرِ فَتَرُوقُهُ بِزِينَتِها وتُعْجِبُهُ فَيَمِيلُ إلَيْها ويَهْواها اغْتِرارًا مِنهُ بِها، حَتّى إذا ظَنَّ أنَّهُ مالِكٌ لَها قادِرٌ عَلَيْها سُلِبَها بَغْتَةً أحْوَجَ ما كانَ إلَيْها، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَها، فَشَبَّهَها بِالأرْضِ الَّتِي يَنْزِلُ الغَيْثُ عَلَيْها فَتُعْشِبُ ويَحْسُنُ نَباتُها ويَرُوقُ مَنظَرُها لِلنّاظِرِ، فَيَغْتَرَّ بِهِ، ويَظُنَّ أنَّهُ قادِرٌ عَلَيْها، مالِكٌ لَها، فَيَأْتِيها أمْرُ اللَّهِ فَتُدْرِكُ نَباتَها الآفَةُ بَغْتَةً، فَتُصْبِحُ كَأنْ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ، فَيَخِيبُ ظَنُّهُ، وتُصْبِحُ يَداهُ صِفْرًا مِنها: فَكَذا حالُ الدُّنْيا والواثِقُ بِها سَواءٌ؛ وهَذا مِن أبْلَغِ التَّشْبِيهِ والقِياسِ.

(فائدة)

والمقصود أن الترتيب هنا ترتيب التفصيل على الجمل وهو ترتيب علمي لا خارجي فإن الذهن يشعر بالشيء جملة أولا ثم بطلب تفصيله بعد ذلك، وأما في الخارج فلم يقع إلا مفصلا فتأمل هذا الموضع الذي خفي على كثير من الناس حتى ظن أن الترتيب في الآية كترتيب الإخبار أي إنا أخبرناكم بهذا قبل هذا.

(فصل)

وَقَدْ قَسَّمَ بَعْضُهُمُ الصُّوفِيَّةَ أرْبَعَةَ أقْسامٍ: أصْحابُ السَّوابِقِ، وأصْحابُ العَواقِبِ، وأصْحابُ الوَقْتِ، وأصْحابُ الحَقِّ. قالَ:

فَأمّا أصْحابُ السَّوابِقِ: فَقُلُوبُهم أبَدًا فِيما سَبَقَ لَهم مِنَ اللَّهِ. لِعِلْمِهِمْ أنَّ الحُكْمَ الأزَلِيَّ لا يَتَغَيَّرُ بِاكْتِسابِ العَبْدِ.

وَيَقُولُونَ: مَن أقْصَتْهُ السَّوابِقُ لَمْ تُدْنِهِ الوَسائِلُ. فَفِكْرُهم في هَذا أبَدًا. ومَعَ ذَلِكَ: فَهم يَجِدُّونَ في القِيامِ بِالأوامِرِ، واجْتِنابِ النَّواهِي، والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِأنْواعِ القُرَبِ، غَيْرَ واثِقِينَ بِها، ولا مُلْتَفِتِينَ إلَيْها، ويَقُولُ قائِلُهُمْ:

؎مِن أيْنَ أُرْضِيكَ إلّا أنْ تُوَفِّقَنِي ∗∗∗ هَيْهاتَ هَيْهاتَ ما التَّوْفِيقُ مِن قِبَلِي

؎إنْ لَمْ يَكُنْ لِي في المَقْدُورِ سابِقَةٌ ∗∗∗ فَلَيْسَ يَنْفَعُ ما قَدَّمْتُ مِن عَمَلِي.

وَأمّا أصْحابُ العَواقِبِ: فَهم مُتَفَكِّرُونَ فِيما يُخْتَمُ بِهِ أمْرُهم.

فَإنَّ الأُمُورَ بِأواخِرِها. والأعْمالَ بِخَواتِيمِها، والعاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ. كَما قِيلَ:

؎لا يَغُرَّنَّكَ صَفا الأوْقاتِ ∗∗∗ فَإنَّ تَحْتَها غَوامِضَ الآفاتِ

فَكَمْ مِن رَبِيعٍ نَوَّرَتْ أشْجارُهُ، وتَفَتَّحَتْ أزْهارُهُ، وزَهَتْ ثِمارُهُ، لَمْ يَلْبَثْ أنْ أصابَتْهُ جائِحَةٌ سَماوِيَّةٌ. فَصارَ كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾ [يونس: ٢٤]- إلى قَوْلِهِ - ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤].

؎فَكَمْ مِن مُرِيدٍ كَبا بِهِ جَوادُ عَزْمِهِ ∗∗∗ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ

وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ - وقَدْ شُوهِدَ مِنهُ خِلافُ ما كانَ يُعْهَدُ عَلَيْهِ -: ما الَّذِي أصابَكَ؟ فَقالَ: حِجابٌ وقَعَ، وأنْشَدَ:

؎أحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأيّامِ إذْ حَسُنَتْ ∗∗∗ ولَمْ تَخَفْ سُوءَ ما يَأْتِي بِهِ القَدَرُ

؎وَسالَمَتْكَ اللَّيالِي فاغْتَرَرْتَ بِها ∗∗∗ وعِنْدَ صَفْوِ اللَّيالِي يَحْدُثُ الكَدَرُ

لَيْسَ العَجَبُ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ؟ إنَّما العَجَبُ مِمَّنْ نَجا كَيْفَ نَجا؟

؎تَعْجَبِينَ مِن سَقَمِي ∗∗∗ صِحَّتِي هي العَجَبُ

النّاكِصُونَ عَلى أعْقابِهِمْ أضْعافُ أضْعافِ مَنِ اقْتَحَمَ العَقَبَةَ:

؎خُذْ مِنَ الألْفِ واحِدًا ∗∗∗ واطَّرِحِ الكُلَّ مِن بَعْدِهِ.

وَأمّا أصْحابُ الوَقْتِ: فَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِالسَّوابِقِ، ولا بِالعَواقِبِ. بَلِ اشْتَغَلُوا بِمُراعاةِ الوَقْتِ، وما يَلْزَمُهم مِن أحْكامِهِ. وقالُوا: العارِفُ ابْنُ …

25

وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

And Allah invites to the Home of Peace and guides whom He wills to a straight path

وَلَمّا كانَتْ الدُّنْيا عُرْضَةً لِهَذِهِ الآفاتِ، والجَنَّةُ سَلِيمَةً مِنها قالَ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾

فَسَمّاها هُنا دارَ السَّلامِ لِسَلامَتِها مِن هَذِهِ الآفاتِ الَّتِي ذَكَرَها في الدُّنْيا، فَعَمَّ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها، وخَصَّ بِالهِدايَةِ مَن يَشاءُ، فَذاكَ عَدْلُهُ وهَذا فَضْلُهُ.

(فائدة)

قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَعَمَّ بِدَعْوَتِهِ البَيانَ والدَّلالَةَ، وخَصَّ بِهِدايَتِهِ التَّوْفِيقَ والإلْهامَ.

(فصل)

وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ الجَنَّةِ بِدارِ السَّلامِ، فَقِيلَ: السَّلامُ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ.

وَقِيلَ: السَّلامُ هو السَّلامَةُ، والجَنَّةُ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ وعَيْبٍ ونَقْصٍ.

وَقِيلَ: سُمِّيَتْ دارَ السَّلامِ؛ لِأنَّ تَحِيَّتَهم فِيها سَلامٌ ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها.

(لطيفة)

وفي إضافة الجنة إلى السلام ثلاثة أقوال:

أحدها أنها إضافة إلى مالكها السلام سبحانه.

الثاني أنها إضافة إلى تحية أهلها فإن تحيتهم فيها السلام.

الثالث أنها إضافة إلى معنى السلام أي دار السلام من كل آفة ونقص وشر والثلاثة متلازمة وإن كان الثالث أظهرها فإنه لو كانت الإضافة إلى مالكها لأضيفت إلى اسم من أسمائه غير السلام، وكان يقال دار الرحمن أو دار الله أو دار الملك ونحو ذلك.

فإذا عهدت إضافتها إليه ثم جاء دار السلام حملت على المعهود.

وأيضا فإن المعهود في القرآن إضافتها إلى صفتها أو إلى أهلها.

أما الأول: فنحو: دار القرار، دار المجد، جنة المأوى، جنات النعيم، جنات الفردوس.

وأما الثاني: فنحو دار المتقين، ولم تعهد إضافتها إلى اسم من أسماء الله تعالى في القرآن، فالأولى حمل الإضافة على المعهود في القرآن.

وكذلك إضافتها إلى التحية ضعيف من وجهين:

أحدهما: أن التحية بالسلام مشتركة بين دار الدنيا والآخرة وما يضاف إلى الجنة لا يكون إلا مختصا بها كالخلد والقرار والبقاء.

الثاني: أن من أوصافها غير التحية ما هو أكمل منها مثل كونها دائمة وباقية ودار الخلد والتحية فيها عارضة عند التلاقي والتزاور بخلاف السلامة من كل عيب ونقص وشر فإنها من أكمل أوصافها المقصودة على الدوام التي لا يتم النعيم فيها إلا به

فإضافتها إليه أولى وهذا ظاهر.

وإذا عرفت هذان فإطلاق السلام على الله تعالى اسما من أسمائه هو أولى من هذا كله وأحق بهذا الاسم من كل مسمى به لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو السلام الحق بكل اعتبار والمخلوق سلام بالإضافة.

(فصل)

وفي صحيح مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن صهيب أن النبي ﷺ قال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله فوالله ما أعطاهم الله شيئا هو أحب اليهم من النظر إليه"

وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا أبو بكر الألهاني أخبرني أبو تميم الهجيمي قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة يقول: إن الله عز وجل يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول يا أهل الجنة هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحلي والحلل والأنهار والأزواج المطهرة فيقولون نعم قد أنجزنا ما وعدنا قالوا ذلك ثلاث مرات فينظرون فلا يفتقدون شيئا مما وعدوا فيقولون نعم فيقول قد بقي شيء إن الله يقول: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾

قال: ألا إن الحسنى الجنة والزيادة: النظر إلى وجه الله"

وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم …

26

۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌۭ ۖ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌۭ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

For them who have done good is the best [reward] and extra. No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally

وَلَمّا كانَتْ الدُّنْيا عُرْضَةً لِهَذِهِ الآفاتِ، والجَنَّةُ سَلِيمَةً مِنها قالَ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾

فَسَمّاها هُنا دارَ السَّلامِ لِسَلامَتِها مِن هَذِهِ الآفاتِ الَّتِي ذَكَرَها في الدُّنْيا، فَعَمَّ بِالدَّعْوَةِ إلَيْها، وخَصَّ بِالهِدايَةِ مَن يَشاءُ، فَذاكَ عَدْلُهُ وهَذا فَضْلُهُ.

(فائدة)

قوله تعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فَعَمَّ بِدَعْوَتِهِ البَيانَ والدَّلالَةَ، وخَصَّ بِهِدايَتِهِ التَّوْفِيقَ والإلْهامَ.

(فصل)

وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ الجَنَّةِ بِدارِ السَّلامِ، فَقِيلَ: السَّلامُ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ.

وَقِيلَ: السَّلامُ هو السَّلامَةُ، والجَنَّةُ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ وعَيْبٍ ونَقْصٍ.

وَقِيلَ: سُمِّيَتْ دارَ السَّلامِ؛ لِأنَّ تَحِيَّتَهم فِيها سَلامٌ ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذِهِ المَعانِي كُلِّها.

(لطيفة)

وفي إضافة الجنة إلى السلام ثلاثة أقوال:

أحدها أنها إضافة إلى مالكها السلام سبحانه.

الثاني أنها إضافة إلى تحية أهلها فإن تحيتهم فيها السلام.

الثالث أنها إضافة إلى معنى السلام أي دار السلام من كل آفة ونقص وشر والثلاثة متلازمة وإن كان الثالث أظهرها فإنه لو كانت الإضافة إلى مالكها لأضيفت إلى اسم من أسمائه غير السلام، وكان يقال دار الرحمن أو دار الله أو دار الملك ونحو ذلك.

فإذا عهدت إضافتها إليه ثم جاء دار السلام حملت على المعهود.

وأيضا فإن المعهود في القرآن إضافتها إلى صفتها أو إلى أهلها.

أما الأول: فنحو: دار القرار، دار المجد، جنة المأوى، جنات النعيم، جنات الفردوس.

وأما الثاني: فنحو دار المتقين، ولم تعهد إضافتها إلى اسم من أسماء الله تعالى في القرآن، فالأولى حمل الإضافة على المعهود في القرآن.

وكذلك إضافتها إلى التحية ضعيف من وجهين:

أحدهما: أن التحية بالسلام مشتركة بين دار الدنيا والآخرة وما يضاف إلى الجنة لا يكون إلا مختصا بها كالخلد والقرار والبقاء.

الثاني: أن من أوصافها غير التحية ما هو أكمل منها مثل كونها دائمة وباقية ودار الخلد والتحية فيها عارضة عند التلاقي والتزاور بخلاف السلامة من كل عيب ونقص وشر فإنها من أكمل أوصافها المقصودة على الدوام التي لا يتم النعيم فيها إلا به

فإضافتها إليه أولى وهذا ظاهر.

وإذا عرفت هذان فإطلاق السلام على الله تعالى اسما من أسمائه هو أولى من هذا كله وأحق بهذا الاسم من كل مسمى به لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه، فهو السلام الحق بكل اعتبار والمخلوق سلام بالإضافة.

(فصل)

وفي صحيح مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن صهيب أن النبي ﷺ قال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة وينجنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله فوالله ما أعطاهم الله شيئا هو أحب اليهم من النظر إليه"

وقال عبد الله بن المبارك أنبأنا أبو بكر الألهاني أخبرني أبو تميم الهجيمي قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب على منبر البصرة يقول: إن الله عز وجل يبعث يوم القيامة ملكا إلى أهل الجنة فيقول يا أهل الجنة هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحلي والحلل والأنهار والأزواج المطهرة فيقولون نعم قد أنجزنا ما وعدنا قالوا ذلك ثلاث مرات فينظرون فلا يفتقدون شيئا مما وعدوا فيقولون نعم فيقول قد بقي شيء إن الله يقول: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾

قال: ألا إن الحسنى الجنة والزيادة: النظر إلى وجه الله"

وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ: "إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم …

27

وَٱلَّذِينَ كَسَبُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍۭ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌۭ ۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنْ عَاصِمٍۢ ۖ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allah no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

Explained together with ayah 26

28

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ ۚ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allah, "[Remain in] your place, you and your 'partners.' " Then We will separate them, and their "partners" will say, "You did not used to worship us,

Explained together with ayah 26

29

فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۢا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَٰفِلِينَ

And sufficient is Allah as a witness between us and you that we were of your worship unaware."

Explained together with ayah 26

30

هُنَالِكَ تَبْلُوا۟ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّآ أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allah, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.

Explained together with ayah 26

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.