Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 11–20 of 109

11

۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

And if Allah was to hasten for the people the evil [they invoke] as He hastens for them the good, their term would have been ended for them. But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا.

قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.

قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ.

قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا.

ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى …

12

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا.

قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.

قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ.

قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا.

ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى …

13

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ

And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا.

قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.

قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ.

قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا.

ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى …

14

ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا.

قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.

قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ.

قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا.

ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى …

15

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٍۢ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur'an other than this or change it." Say, [O Muhammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا.

قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.

قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ.

قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا.

ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى …

16

قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Say, "If Allah had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it. Then will you not reason?"

لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الوَعِيدَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ بِالمَعادِ، ذِكَرَ أنَّ هَذا العَذابَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنْ هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا.

قالَ القَفّالُ: لَمّا وصَفَهم بِالغَفْلَةِ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ مِن غايَةِ غَفْلَتِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَتى أنْذَرَهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في إيصالِ الشَّرِّ إلَيْهِمْ، فَلَعَلَّهم يَتُوبُونَ ويَخْرُجُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يُؤْمِنُ. قِيلَ: مَعْنى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ لَوْ عَجَّلَ اللَّهُ لِلنّاسِ العُقُوبَةَ كَما يَتَعَجَّلُونَ بِالثَّوابِ والخَيْرِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ أيْ ماتُوا، وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ فَعَلَ اللَّهُ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، وقِيلَ: الآيَةُ خاصَّةٌ بِالكُفّارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

قالَ في الكَشّافِ: وُضِعَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ، إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ وقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ.

قِيلَ: والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: في الكَلامِ حَذْفٌ، والتَّقْدِيرُ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ تَعْجِيلًا مِثْلَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، ثُمَّ حَذَفَ تَعْجِيلًا وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، ثُمَّ حَذَفَ صِفَتَهُ وأقامَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ قالَ: هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ والفَرّاءِ، قالُوا: وأصْلُهُ كاسْتِعْجالِهِمْ، ثُمَّ حُذِفَ الكافُ ونُصِبَ.

قالَ الفَرّاءُ: كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا ضَرْبَكَ: أيْ كَضَرْبِكَ، ومَعْنى ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الشَّرَّ فَأُمْهِلُوا، وقِيلَ: مَعْناهُ: أُمِيتُوا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لَقَضى " عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِمُناسَبَةِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ التَّعْجِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَكِنْ لا يُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا يَقْضِي إلَيْهِمْ أجْلَهم فَنَذَرُهم إلَخْ: أيْ فَنَتْرُكُهم ونُمْهِلُهم، والطُّغْيانُ: التَّطاوُلُ، وهو العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ومَعْنى يَعْمَهُونَ يَتَحَيَّرُونَ: أيْ نَتْرُكُهم يَتَحَيَّرُونَ في تَطاوُلِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ وعَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ اسْتِدْراجًا لَهم مِنهُ سُبْحانَهُ وخُذْلانًا.

ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم كاذِبُونَ في اسْتِعْجالِ الشَّرِّ ولَوْ أصابَهم ما طَلَبُوهُ لَأظْهَرُوا العَجْزَ والجَزَعَ فَقالَ: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الصّادِقُ عَلى كُلِّ ما يَحْصُلُ التَّضَرُّرُ بِهِ ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ﴾ اللّامُ لِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ جِئْتُهُ لِشَهْرِ كَذا، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ بِدَلالَةِ عَطْفِ ( قاعِدًا أوْ قائِمًا ) عَلَيْهِ، وتَكُونُ اللّامُ بِمَعْنى …

17

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ

So who is more unjust than he who invents a lie about Allah or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed

قَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ الكَذِبَ، وزِيادَةُ كَذِبًا مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا؛ لِبَيانِ أنَّ هَذا مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ هو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، فَرُبَّما يَكُونُ الِافْتِراءُ كَذِبًا في الإسْنادِ فَقَطْ، كَما إذا أُسْنِدَ ذَنْبُ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو، ذَكَرَ مَعْنى هَذا أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، قِيلَ: وهَذا مِن جُمْلَةِ رَدِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المُشْرِكِينَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَأْتِيَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ، أوْ يُبَدِّلَهُ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، ولا ظُلْمَ يُماثِلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ هُمُ المُشْرِكُونَ، والمُكَذِّبُ بِآياتِ اللَّهِ هم أهْلُ الكِتابِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ لا أظْلِمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ: أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ، والضَّمِيرُ في إنَّهُ لِلشَّأْنِ: أيْ إنَّ الشَّأْنَ هَذا.

ثُمَّ نَعى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ، وبَيَّنَ أنَّها لا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها، ولا تَضُرُّ مَن لَمْ يَعْبُدْها، فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ سُبْحانَهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، لا بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ أيْ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الضَّرَرُ ولا النَّفْعُ، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا لِمَن أطاعَهُ مُعاقِبًا لِمَن عَصاهُ، والواوُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ وما في ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والواوُ في ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ويَعْبُدُونَ زَعَمُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ فَلا يُعَذِّبُهم بِذُنُوبِهِمْ، وهَذا غايَةُ الجَهالَةِ مِنهم حَيْثُ يَنْتَظِرُونَ الشَّفاعَةَ في المَآلِ مِمَّنْ لا يُوجَدُ مِنهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ في الحالِ، وقِيلَ: أرادُوا بِهَذِهِ الشَّفاعَةِ إصْلاحَ أحْوالِ دُنْياهم، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ .

قَرَأ أبُو السَّمالِ العَدَوِيُّ " تُنْبِئُونَ " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْبَأ يُنْبِئُ.

وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَبَّأ يُنْبِئُ.

والمَعْنى: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في مُلَكِهِ يُعْبَدُونَ كَما يُعْبَدُ، أوْ أتُخْبِرُونَهُ أنَّ لَكم شُفَعاءَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، ولا شَفِيعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، مِن جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِينَ هم في سَماواتِهِ وفي أرْضِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ حاصِلُهُ عَدَمُ وُجُودِ مَن هو كَذَلِكَ أصْلًا، وفي هَذا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالكُفّارِ ما لا يَخْفى، ثُمَّ نَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في الكَلامِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ بِهِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم جَوابًا عَلَيْهِمْ.

قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، …

18

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

And they worship other than Allah that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allah " Say, "Do you inform Allah of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him

قَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ الكَذِبَ، وزِيادَةُ كَذِبًا مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا؛ لِبَيانِ أنَّ هَذا مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ هو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، فَرُبَّما يَكُونُ الِافْتِراءُ كَذِبًا في الإسْنادِ فَقَطْ، كَما إذا أُسْنِدَ ذَنْبُ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو، ذَكَرَ مَعْنى هَذا أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، قِيلَ: وهَذا مِن جُمْلَةِ رَدِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المُشْرِكِينَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَأْتِيَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ، أوْ يُبَدِّلَهُ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، ولا ظُلْمَ يُماثِلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ هُمُ المُشْرِكُونَ، والمُكَذِّبُ بِآياتِ اللَّهِ هم أهْلُ الكِتابِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ لا أظْلِمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ: أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ، والضَّمِيرُ في إنَّهُ لِلشَّأْنِ: أيْ إنَّ الشَّأْنَ هَذا.

ثُمَّ نَعى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ، وبَيَّنَ أنَّها لا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها، ولا تَضُرُّ مَن لَمْ يَعْبُدْها، فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ سُبْحانَهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، لا بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ أيْ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الضَّرَرُ ولا النَّفْعُ، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا لِمَن أطاعَهُ مُعاقِبًا لِمَن عَصاهُ، والواوُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ وما في ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والواوُ في ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ويَعْبُدُونَ زَعَمُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ فَلا يُعَذِّبُهم بِذُنُوبِهِمْ، وهَذا غايَةُ الجَهالَةِ مِنهم حَيْثُ يَنْتَظِرُونَ الشَّفاعَةَ في المَآلِ مِمَّنْ لا يُوجَدُ مِنهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ في الحالِ، وقِيلَ: أرادُوا بِهَذِهِ الشَّفاعَةِ إصْلاحَ أحْوالِ دُنْياهم، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ .

قَرَأ أبُو السَّمالِ العَدَوِيُّ " تُنْبِئُونَ " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْبَأ يُنْبِئُ.

وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَبَّأ يُنْبِئُ.

والمَعْنى: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في مُلَكِهِ يُعْبَدُونَ كَما يُعْبَدُ، أوْ أتُخْبِرُونَهُ أنَّ لَكم شُفَعاءَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، ولا شَفِيعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، مِن جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِينَ هم في سَماواتِهِ وفي أرْضِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ حاصِلُهُ عَدَمُ وُجُودِ مَن هو كَذَلِكَ أصْلًا، وفي هَذا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالكُفّارِ ما لا يَخْفى، ثُمَّ نَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في الكَلامِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ بِهِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم جَوابًا عَلَيْهِمْ.

قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، …

19

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.

قَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ الكَذِبَ، وزِيادَةُ كَذِبًا مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذِبًا؛ لِبَيانِ أنَّ هَذا مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ هو كَذِبٌ في نَفْسِهِ، فَرُبَّما يَكُونُ الِافْتِراءُ كَذِبًا في الإسْنادِ فَقَطْ، كَما إذا أُسْنِدَ ذَنْبُ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو، ذَكَرَ مَعْنى هَذا أبُو السُّعُودِ في تَفْسِيرِهِ، قِيلَ: وهَذا مِن جُمْلَةِ رَدِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عَلى المُشْرِكِينَ لَمّا طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَأْتِيَ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ، أوْ يُبَدِّلَهُ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، ولا ظُلْمَ يُماثِلُ ذَلِكَ، وقِيلَ: المُفْتَرِي عَلى اللَّهِ الكَذِبَ هُمُ المُشْرِكُونَ، والمُكَذِّبُ بِآياتِ اللَّهِ هم أهْلُ الكِتابِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ لا أظْلِمَ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ: أيْ لا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَفُوزُونَ بِخَيْرٍ، والضَّمِيرُ في إنَّهُ لِلشَّأْنِ: أيْ إنَّ الشَّأْنَ هَذا.

ثُمَّ نَعى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ الأصْنامِ، وبَيَّنَ أنَّها لا تَنْفَعُ مَن عَبَدَها، ولا تَضُرُّ مَن لَمْ يَعْبُدْها، فَقالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ سُبْحانَهُ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، لا بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ أيْ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الضَّرَرُ ولا النَّفْعُ، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا لِمَن أطاعَهُ مُعاقِبًا لِمَن عَصاهُ، والواوُ لِعَطْفِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ وما في ﴿ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والواوُ في ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِلْعَطْفِ عَلى ويَعْبُدُونَ زَعَمُوا أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ فَلا يُعَذِّبُهم بِذُنُوبِهِمْ، وهَذا غايَةُ الجَهالَةِ مِنهم حَيْثُ يَنْتَظِرُونَ الشَّفاعَةَ في المَآلِ مِمَّنْ لا يُوجَدُ مِنهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ في الحالِ، وقِيلَ: أرادُوا بِهَذِهِ الشَّفاعَةِ إصْلاحَ أحْوالِ دُنْياهم، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ .

قَرَأ أبُو السَّمالِ العَدَوِيُّ " تُنْبِئُونَ " بِالتَّخْفِيفِ مِن أنْبَأ يُنْبِئُ.

وقَرَأ مَن عَداهُ بِالتَّشْدِيدِ مِن نَبَّأ يُنْبِئُ.

والمَعْنى: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في مُلَكِهِ يُعْبَدُونَ كَما يُعْبَدُ، أوْ أتُخْبِرُونَهُ أنَّ لَكم شُفَعاءَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، ولا شَفِيعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، مِن جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِينَ هم في سَماواتِهِ وفي أرْضِهِ ؟ وهَذا الكَلامُ حاصِلُهُ عَدَمُ وُجُودِ مَن هو كَذَلِكَ أصْلًا، وفي هَذا مِنَ التَّهَكُّمِ بِالكُفّارِ ما لا يَخْفى، ثُمَّ نَزَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في الكَلامِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ بِهِ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ ما أُمِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - أنْ يَقُولَهُ لَهم جَوابًا عَلَيْهِمْ.

قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ بِالتَّحْتِيَّةِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ، …

20

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allah [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."

قَوْلُهُ: ويَقُولُونَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ هاهُنا نَوْعًا رابِعًا مِن مَخازِيهِمْ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ويَعْبُدُونَ [يونس: ١٨] وجاءَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ ما قالُوهُ.

قِيلَ: والقائِلُونَ هم أهْلُ مَكَّةَ، كَأنَّهم لَمْ يَعْتَدُّوا بِما قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ، والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الَّتِي لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنها إلّا القُرْآنُ لَكَفى بِهِ دَلِيلًا بَيِّنًا ومُصَدِّقًا قاطِعًا: أيْ هَلّا أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي نَقْتَرِحُها عَلَيْهِ ونَطْلُبُها مِنهُ كَإحْياءِ الأمْواتِ وجَعْلِ الجِبالِ ذَهَبًا ونَحْوِ ذَلِكَ ؟ ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أيْ أنَّ نُزُولَ الآيَةِ غَيْبٌ، واللَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِهِ، المُسْتَأْثِرُ بِهِ، لا عِلْمَ لِي ولا لَكم ولا لِسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ،﴿فانْتَظِرُوا﴾ نُزُولَ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ مِنَ الآياتِ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِنُزُولِها، وقِيلَ: المَعْنى: انْتَظِرُوا قَضاءَ اللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم بِإظْهارِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ.

قَوْلُهُ: ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً عِنادًا ومَكْرًا وُلِجاجًا، وأكَّدَ ذَلِكَ بِما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ إذا أذاقَهم رَحْمَةً مِنهُ مِن بَعْدِ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ، فَعَلُوا مُقابِلَ هَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ المَكْرَ مِنهم في آياتِ اللَّهِ، والمُرادُ بِإذاقَتِهِمْ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ: أنَّهُ وسَّعَ عَلَيْهِمْ في الأرْزاقِ، وأدَرَّ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ بِالمَطَرِ وصَلاحِ الثِّمارِ بَعْدَ أنْ مَسَّتْهُمُ الضَّرّاءُ بِالجَدْبِ وضِيقِ المَعايِشِ، فَما شَكَرُوا نِعْمَتَهُ ولا قَدَرُوها حَقَّ قَدْرِها، بَلْ أضافُوها إلى أصْنامِهِمُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وطَعَنُوا في آياتِ اللَّهِ واحْتالُوا في دَفْعِها بِكُلِّ حِيلَةٍ، وهو مَعْنى المَكْرِ فِيها.

وإذا الأُولى شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُها ( ﴿إذا لَهم مَكْرٌ﴾ )، وهي فُجائِيَّةٌ، ذَكَرَ مَعْنى ذَلِكَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ.

ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ أنْ يُجِيبَ عَنْهم فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا﴾ أيْ أعْجَلُ عُقُوبَةً، وقَدْ دَلَّ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى أنَّ مَكْرَهم كانَ سَرِيعًا، ولَكِنَّ مَكْرَ اللَّهِ أسْرَعُ مِنهُ.

وإذا الفُجائِيَّةُ يُسْتَفادُ مِنها السُّرْعَةُ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهم فاجَئُوا المَكْرَ: أيْ أوْقَعُوهُ عَلى جِهَةِ الفُجاءَةِ والسُّرْعَةِ، وتَسْمِيَةُ عُقُوبَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مَكْرًا مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما قُرِّرَ في مُواطِنَ مِن عِباراتِ الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ .

قَرَأ يَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ " يَمْكُرُونَ " بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ.

والمَعْنى: أنَّ رُسُلَ اللَّهِ وهُمُ المَلائِكَةُ يَكْتُبُونَ مَكْرَ الكُفّارِ لا يَخْفى ذَلِكَ عَلى المَلائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ الحَفَظَةُ، فَكَيْفَ يَخْفى عَلى العَلِيمِ الخَبِيرِ ؟ وفي هَذا وعِيدٌ لَهم شَدِيدٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَعْلِيلِيَّةٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَإنَّ مَكْرَهم إذا كانَ ظاهِرًا لا يَخْفى، فَعُقُوبَةُ اللَّهِ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَرِيبٌ مِن مَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ وهي ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ وفي هَذِهِ زِيادَةٌ، وهي أنَّهم لا …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.