Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 11–20 of 109

11

۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

And if Allah was to hasten for the people the evil [they invoke] as He hastens for them the good, their term would have been ended for them. But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly

﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في دُعاءِ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ أوْ ولَدِهِ ونَحْوِ هَذا. فَأخْبَرَ تَعالى لَوْ فَعَلَ مَعَ النّاسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مِنهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لَأهْلَكَهم، ثُمَّ حَذَفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ جُمْلَةً يَتَضَمَّنُها الظّاهِرُ، تَقْدِيرُها: فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ، ولَكِنْ نَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ فاقْتَضَبَ القَوْلَ، ووَصَلَ إلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾، فَتَأمَّلْ هَذا التَّقْدِيرَ تَجِدْهُ صَحِيحًا، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧]، وما جَرى مَجْراهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ. وقَوْلُهم: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْنِي: ولَوْ عَجَّلْنا لَهُمُ الشَّرَّ الَّذِي دَعَوْا بِهِ كَما نُعَجِّلُ لَهُمُ الخَيْرَ لَأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا. قالَ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ اتَّصَلَ بِهِ ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾، وما مَعْناهُ ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ﴾ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى نَفْيِ التَّعْجِيلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: ولا نُعَجِّلُ لَهُمُ الشَّرَّ ولا نَقْضِي إلَيْهِمْ أجَلَهم، فَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ، أوْ فَنُمْهِلُهم، ونُقَيِّضُ عَلَيْهِمُ النِّعْمَةَ مَعَ طُغْيانِهِمْ إلْزامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَجَبَ النّاسِ مِن إيحاءِ اللَّهِ إلى رَجُلٍ مِنهم، وكانَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ، وكانُوا يَسْتَهِزِئُونَ بِذَلِكَ ولا يَعْتَقِدُونَ حُلُولَ ما أنْذَرُوهُ بِهِمْ فَقالُوا: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقالَ إخْبارًا عَنْهم: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [الحج: ٤٧] وقالُوا: ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٠] ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى، وذَكَرَ إيجادَهُ العالَمَ، ثُمَّ إلى تَقْسِيمِ النّاسِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وذَكَرَ مَنازِلَ الفَرِيقَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ إلى أنَّ ذَلِكَ المُنْذَرَ بِهِ الَّذِي طَلَبُوا وُقُوعَهُ عَجَلًا لَوْ وقَعَ لَهَلَكُوا، فَلَمْ يَكُنْ في إهْلاكِهِمْ رَجاءُ إيمانِ بَعْضِهِمْ، وإخْراجُ مُؤْمِنٍ مِن صُلْبِهِمْ بَلِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ لا يُعَجِّلَ لَهم ما طَلَبُوهُ، لِما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ. وانْتَصَبَ (اسْتِعْجالَهم) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُشَبَّهٌ بِهِ. فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ لَهُمُ الخَيْرَ، فَوَضَعَ اسْتِعْجالَهُ لَهم بِالخَيْرِ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ لَهم وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ، كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهم. وقالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: التَّقْدِيرُ مِثْلُ اسْتِعْجالِهِمْ، وكَذا قَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ. ومَدْلُولُ عَجَّلَ غَيْرُ مَدْلُولِ اسْتَعْجَلَ، لِأنَّ عَجَّلَ يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ، واسْتَعْجَلَ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ التَّعْجِيلِ، وذاكَ واقِعٌ مِنَ اللَّهِ، وهَذا مُضافٌ إلَيْهِمْ فَلا يَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلى ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ بِالخَيْرِ، فَشَبَّهَ التَّعْجِيلَ بِالِاسْتِعْجالِ؛ لِأنَّ طَلَبَهم لِلْخَيْرِ، ووُقُوعُ تَعْجِيلِهِ مُقَدَّمٌ …

12

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing

﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا اسْتَدْعَوْا حُلُولَ الشَّرِّ بِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِطَلَبِهِمْ بَلْ يَتْرُكُ مَن يَرْجُو لِقاءَهُ يَعُمُّ في طُغْيانِهِ - بَيَّنَ شِدَّةَ افْتِقارِ النّاسِ إلَيْهِ واضْطِرارِهِمْ إلى اسْتِمْطارِ إحْسانِهِ مُسِيئَهم ومُحْسِنَهم، وأنَّ مَن لا يَرْجُو لِقاءَهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ حالَةَ مَسِّ الضُّرِّ لَهُ، فَكَلٌّ يَلْجَأُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ ويُفْرِدُهُ بِأنَّهُ القادِرُ عَلى كَشْفِ الضُّرِّ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُرادُ بِالإنْسانِ هُنا شَخْصٌ مُعَيَّنٌ؛ كَما قِيلَ: إنَّهُ أبُو حُذَيْفَةَ هاشِمُ بْنُ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيُّ، قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: عُقْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ. وقِيلَ: هُما، قالَهُ عَطاءٌ. وقِيلَ: النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وأنَّهُ لا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، بَلِ المُرادُ الإنْسانُ مِن حَيْثُ هو، سَواءٌ كانَ كافِرًا أمْ عاصِيًا بِغَيْرِ الكُفْرِ. واحْتَمَلَتْ هَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ أنْ تَكُونَ لِشَخْصٍ واحِدٍ، واحْتَمَلَتْ أنْ تَكُونَ لِأشْخاصٍ، إذِ الإنْسانُ جِنْسٌ. والمَعْنى: أنَّ الَّذِي أصابَهُ الضُّرُّ لا يَزالُ داعِيًا مُلْتَجِئًا راغِبًا إلى اللَّهِ في جَمِيعِ حالاتِهِ كُلِّها. وابْتَدَأ بِالحالَةِ الشّاقَّةِ وهي اضْطِجاعُهُ وعَجْزُهُ عَنِ النُّهُوضِ، وهي أعْظَمُ في الدُّعاءِ وآكَدُ، ثُمَّ بِما يَلِيها، وهي حالَةُ القُعُودِ، وهي حالَةُ العَجْزِ عَنِ القِيامِ، ثُمَّ بِما يَلِيها وهي حالَةُ القِيامِ وهي حالَةُ العَجْزِ عَنِ المَشْيِ، فَتَراهُ يَضْطَرِبُ ولا يَنْهَضُ لِلْمَشْيِ كَحالَةِ الشَّيْخِ الهَرِمِ. و(لِجَنْبِهِ) حالٌ، أيْ: مُضْطَجِعًا، ولِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ الحالانِ، واللّامُ عَلى بابِها عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، والتَّقْدِيرُ: مَلْقِيًّا لِجَنْبِهِ، لا بِمَعْنى عَلى؛ خِلافًا لِزاعِمِهِ. وذُو الحالِ الضَّمِيرُ في (دَعانا)، والعامِلُ فِيهِ (دَعانا)، أيْ: دَعانا مُلْتَبِسًا بِأحَدِ هَذِهِ الأحْوالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الإنْسانِ، والعامِلُ فِيهِ (مَسَّ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الفاعِلِ في (دَعانا)، والعامِلُ فِيهِ (دَعا)، وهُما مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ. والضُّرُّ: لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الأمْراضِ والرَّزايا في النَّفْسِ والمالِ والأحِبَّةِ، هَذا قَوْلُ اللُّغَوِيِّينَ. وقِيلَ: هو مُخْتَصٌّ بِرَزايا البَدَنِ الهُزالِ والمَرَضِ. انْتَهى. والقَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ الزَّجّاجِ. وضَعَّفَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (لِجَنْبِهِ) فَما بَعْدَهُ أحْوالًا مِنَ الإنْسانِ والعامِلُ فِيها مَسَّ، قالَ: لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الحالَ عَلى هَذا واقِعٌ بَعْدِ جَوابِ ”إذا“، ولَيْسَ بِالوَجْهِ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى كَثْرَةُ دُعائِهِ في كُلِّ أحْوالِهِ، لا عَلى الضُّرِّ يُصِيبُهُ في كُلِّ أحْوالِهِ، وعَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. انْتَهى. وهَذا الثّانِي يَلْزَمُ فِيهِ مَن مَسَّهُ الضُّرُّ في هَذِهِ الأحْوالِ دُعاؤُهُ في هَذِهِ الأحْوالِ، لِأنَّهُ جَوابُ ما ذُكِرَتْ فِيهِ هَذِهِ الأحْوالُ، فالقَيْدُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ قَيْدٌ في الجَوابِ كَما تَقُولُ: إذا جاءَنا زَيْدٌ فَقِيرًا أحْسَنّا إلَيْهِ، فالمَعْنى: أحْسَنّا إلَيْهِ في حالِ فَقْرِهِ، فالقَيْدُ في الشَّرْطِ قَيْدٌ في الجَزاءِ. ومَعْنى كَشْفِ الضُّرِّ: رَفْعُهُ وإزالَتُهُ، …

13

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ

And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people

﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: هَذا إخْبارٌ لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ وخِطابٌ لَهم بِإهْلاكِ مَن سَلَفَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو الكُفْرُ، عَلى سَبِيلِ الرَّدْعِ لَهم والتَّذْكِيرِ بِحالِ مَن سَبَقَ مِنَ الكُفّارِ، والوَعِيدِ لَهم، وضَرْبِ الأمْثالِ، فَكَما فَعَلَ بِهَؤُلاءِ، يَفْعَلُ بِكم. ولَفْظَةُ ”لَمّا“ مُشْعِرَةٌ بِالعِلِّيَّةِ، وهي حَرْفُ تَعْلِيقٍ في الماضِي. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِـ (أهْلَكْنا) كالزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّبِعًا لِغَيْرِهِ، فَإنَّما يَدُلُّ إذْ ذاكَ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ في حِينِ الظُّلْمِ، فَلا يَكُونُ لَها إشْعارٌ إذْ ذاكَ بِالعِلِّيَّةِ. لَوْ قُلْتَ: جِئْتُ حِينَ قامَ زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ مَجِيئُكَ مُتَسَبِّبًا عَنْ قِيامِ زَيْدٍ، وأنْتَ تَرى حَيْثُما جاءَتْ ”لَمّا“ كانَ جَوابُها أوْ ما قامَ مَقامَهُ مُتَسَبِّبًا عَمّا بَعْدَها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. (وجاءَتْهم) ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (ظَلَمُوا)، أيْ: لَمّا حَصَلَ هَذانِ الأمْرانِ: مَجِيءُ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، وظُلْمُهم؛ أُهْلِكُوا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في (وجاءَتْهم) لِلْحالِ، أيْ: ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ، وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالحُجَجِ والشَّواهِدِ عَلى صِدْقِهِمْ، وهي المُعْجِزاتُ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: البَيِّناتُ مُخَوِّفاتُ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ (وما كانُوا) عائِدًا عَلى (القُرُونَ)، وأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ (ظَلَمُوا) . وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا لا مَعْطُوفًا، قالَ: واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، بِمَعْنى: وما كانُوا يُؤْمِنُونَ حَقًّا، تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ إيمانِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّهم مُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ، وأنَّ الإيمانَ مُسْتَبْعَدٌ مِنهم، والمَعْنى: أنَّ السَّبَبَ في إهْلاكِهِمْ تَعْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ، وعَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ بَعْدَ أنْ أُلْزِمُوا الحُجَّةَ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ التِفاتًا؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ويَكُونُ مُتَّسِقًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: ١٥] . والكافُ في (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ، وهو الإهْلاكُ.

﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ فَهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن أجْرَمَ، يَدْخُلُ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ وغَيْرُهم. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَجْزِي) بِالياءِ، أيْ يَجْزِي اللَّهُ، وهو التِفاتٌ. والخِطابُ في (جَعَلْناكم) لِمَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: خِطابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، والمَعْنى: اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ القُرُونِ المُهْلَكَةِ لِلنَّظَرِ أتَعْمَلُونَ خَيْرًا أمْ شَرًّا فَنُعامِلُكم عَلى حَسَبِ عَمَلِكم. ومَعْنى (لِنَنْظُرَ): لِنَتَبَيَّنَ في الوُجُودِ ما عَمِلْناهُ أوَّلًا، فالنَّظَرُ مَجازٌ عَنْ هَذا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ النَّظَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مَعْنى المُقابَلَةِ ؟ قُلْتُ: هو مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ المُحَقَّقِ الَّذِي هو عِلْمٌ بِالشَّيْءِ مَوْجُودٌ، أشْبَهَ بِنَظَرِ النّاظِرِ وعِيانِ المُعايِنِ في حَقِيقَتِهِ. …

14

ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.

﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: هَذا إخْبارٌ لِمُعاصِرِي الرَّسُولِ ﷺ وخِطابٌ لَهم بِإهْلاكِ مَن سَلَفَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو الكُفْرُ، عَلى سَبِيلِ الرَّدْعِ لَهم والتَّذْكِيرِ بِحالِ مَن سَبَقَ مِنَ الكُفّارِ، والوَعِيدِ لَهم، وضَرْبِ الأمْثالِ، فَكَما فَعَلَ بِهَؤُلاءِ، يَفْعَلُ بِكم. ولَفْظَةُ ”لَمّا“ مُشْعِرَةٌ بِالعِلِّيَّةِ، وهي حَرْفُ تَعْلِيقٍ في الماضِي. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها ظَرْفٌ مَعْمُولٌ لِـ (أهْلَكْنا) كالزَّمَخْشَرِيِّ مُتَّبِعًا لِغَيْرِهِ، فَإنَّما يَدُلُّ إذْ ذاكَ عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ في حِينِ الظُّلْمِ، فَلا يَكُونُ لَها إشْعارٌ إذْ ذاكَ بِالعِلِّيَّةِ. لَوْ قُلْتَ: جِئْتُ حِينَ قامَ زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ مَجِيئُكَ مُتَسَبِّبًا عَنْ قِيامِ زَيْدٍ، وأنْتَ تَرى حَيْثُما جاءَتْ ”لَمّا“ كانَ جَوابُها أوْ ما قامَ مَقامَهُ مُتَسَبِّبًا عَمّا بَعْدَها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. (وجاءَتْهم) ظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (ظَلَمُوا)، أيْ: لَمّا حَصَلَ هَذانِ الأمْرانِ: مَجِيءُ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ، وظُلْمُهم؛ أُهْلِكُوا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والواوُ في (وجاءَتْهم) لِلْحالِ، أيْ: ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ، وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالحُجَجِ والشَّواهِدِ عَلى صِدْقِهِمْ، وهي المُعْجِزاتُ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: البَيِّناتُ مُخَوِّفاتُ العَذابِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ (وما كانُوا) عائِدًا عَلى (القُرُونَ)، وأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ (ظَلَمُوا) . وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا لا مَعْطُوفًا، قالَ: واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، بِمَعْنى: وما كانُوا يُؤْمِنُونَ حَقًّا، تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ إيمانِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّهم مُصِرُّونَ عَلى كُفْرِهِمْ، وأنَّ الإيمانَ مُسْتَبْعَدٌ مِنهم، والمَعْنى: أنَّ السَّبَبَ في إهْلاكِهِمْ تَعْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ، وعَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إمْهالِهِمْ بَعْدَ أنْ أُلْزِمُوا الحُجَّةَ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ. انْتَهى. وقالَ مُقاتِلٌ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عائِدٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، فَعَلى قَوْلِهِ يَكُونُ التِفاتًا؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ويَكُونُ مُتَّسِقًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: ١٥] . والكافُ في (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ، وهو الإهْلاكُ.

﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ فَهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن أجْرَمَ، يَدْخُلُ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ وغَيْرُهم. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَجْزِي) بِالياءِ، أيْ يَجْزِي اللَّهُ، وهو التِفاتٌ. والخِطابُ في (جَعَلْناكم) لِمَن بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: خِطابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ، والمَعْنى: اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ القُرُونِ المُهْلَكَةِ لِلنَّظَرِ أتَعْمَلُونَ خَيْرًا أمْ شَرًّا فَنُعامِلُكم عَلى حَسَبِ عَمَلِكم. ومَعْنى (لِنَنْظُرَ): لِنَتَبَيَّنَ في الوُجُودِ ما عَمِلْناهُ أوَّلًا، فالنَّظَرُ مَجازٌ عَنْ هَذا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ النَّظَرُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ مَعْنى المُقابَلَةِ ؟ قُلْتُ: هو مُسْتَعارٌ لِلْعِلْمِ المُحَقَّقِ الَّذِي هو عِلْمٌ بِالشَّيْءِ مَوْجُودٌ، أشْبَهَ بِنَظَرِ النّاظِرِ وعِيانِ المُعايِنِ في حَقِيقَتِهِ. …

15

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٍۢ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur'an other than this or change it." Say, [O Muhammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ بِالقُرْآنِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالُوا: يا مُحَمَّدُ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا، فِيهِ ما نَسْألُكَ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: في خَمْسَةِ نَفَرٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، ومِكْرَزِ بْنِ حَفْصٍ، وعَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي قَيْسٍ العامِرِيِّ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ. وقِيلَ: الخَمْسَةُ: الوَلِيدُ، والعاصِي، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والحارِثُ بْنُ حَنْظَلَةَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غاظَهم ما في القُرْآنِ مِن ذَمِّ عِبادَةِ الأوْثانِ والوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ، فَقالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ ما يَغِيظُنا مِن ذَلِكَ نَتَّبِعْكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّ بَعْضَ كُفّارِ قُرَيْشٍ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى مَعْنى: ساهِلْنا يا مُحَمَّدُ، واجْعَلْ هَذا الكَلامَ الَّذِي مِن قِبَلِكَ هو بِاخْتِيارِنا، وأحِلَّ ما حَرَّمَتْهُ، وحَرِّمْ ما أحْلَلْتَهُ، لِيَكُونَ أمْرُنا حِينَئِذٍ واحِدًا وكَلِمَتُنا مُتَّصِلَةً. انْتَهى. ونَبَّهَ تَعالى عَلى الوَصْفِ الحامِلِ لَهم عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، وهو كَوْنُهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ عَلى ما اقْتَرَفُوهُ، والمَعْنى: وإذا تَسْرِدُ عَلَيْهِمْ آياتِ القُرْآنِ واضِحاتٍ نَيِّراتٍ لا لَبْسَ فِيها قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ، وأُضِيفَتِ الآياتُ إلَيْهِ تَعالى؛ لِأنَّها كَلامُهُ جَلَّ وعَزَّ، والتَّبْدِيلُ يَكُونُ في الذّاتِ بِأنْ يُجْعَلَ بَدَلُ ذاتٍ ذاتًا أُخْرى، ويَكُونُ في الصِّفَةِ. والتَّبْدِيلُ هُنا هو في الصِّفَةِ، وهو أنْ يُزالَ بَعْضُ نَظْمِهِ بِأنْ يُجْعَلَ مَكانَ آيَةِ العَذابِ آيَةَ الرَّحْمَةِ، ولا يُرادُ بِالتَّبْدِيلِ هُنا أنْ يَكُونَ في الذّاتِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ جَعْلُ الشَّيْءِ المُقْتَضِي لِلتَّغايُرِ هو الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّ التَّبْدِيلَ في الذّاتِ هو الإتْيانُ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا. ولَمّا كانَ الإتْيانُ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا غَيْرَ مَقْدُورٍ لِلْإنْسانِ لَمْ يَحْتَجْ إلى نَفْيِهِ، ونَفْيِ ما هو مَقْدُورٌ لِلْإنْسانِ، وإنْ كانَ مُسْتَحِيلًا ذَلِكَ في حَقِّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ . وانْتِفاءُ الكَوْنِ هُنا هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] أيْ يَسْتَحِيلُ ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّبْدِيلُ في الذّاتِ عَلى أنْ يُلْحَظَ في قَوْلِهِ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ بَقاءُ هَذا القُرْآنِ ويُؤْتى بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ، فَيَكُونُ (أوْ بَدِّلْهُ) بِمَعْنى أزِلْهُ بِالكُلِّيَّةِ وائْتِ بِبَدَلِهِ، فَيَكُونُ المَطْلُوبُ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا إزالَتُهُ بِالكُلِّيَّةِ وهو التَّبْدِيلُ في الذّاتِ، أوِ الإتْيانُ بِغَيْرِهِ مَعَ بَقائِهِ فَيَحْصُلُ التَّغايُرُ بَيْنَ المَطْلُوبَيْنِ. و(تِلْقاءِ) مَصْدَرٌ كالتِّبْيانِ، ولِمَ يَجِئْ مَصْدَرٌ عَلى تِفْعالٍ غَيْرُهُما، ويُسْتَعْمَلُ ظَرْفًا لِلْمُقابَلَةِ، تَقُولُ: زَيْدٌ تِلْقاءَكَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ، وهو قِياسُ المَصادِرِ الَّتِي لِلْمُبالَغَةِ كالتَّطْوافِ والتَّجْوالِ والتَّرْدادِ، والمَعْنى: مِن …

16

قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Say, "If Allah had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it. Then will you not reason?"

﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾: هَذِهِ مُبالَغَةٌ في التَّبْرِئَةِ مِمّا طَلَبُوا مِنهُ، أيْ: إنَّ تِلاوَتَهُ عَلَيْهِمْ هَذا القُرْآنَ إنَّما هو بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وإحْداثِهِ أمْرًا عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العاداتِ، وهو أنْ يَخْرُجَ رَجُلٌ أُمِّيٌّ لَمْ يَتَعَلَّمْ ولَمْ يَسْتَمِعْ ولَمْ يُشاهِدِ العُلَماءَ ساعَةً مِن عُمُرِهِ، ولا نَشَأ في بَلْدَةٍ فِيها عُلَماءُ فَيَقْرَأُ عَلَيْكم كِتابًا فَصِيحًا يُبْهِرُ كَلامُهُ كُلَّ فَصِيحٍ، ويَعْلُو عَلى كُلِّ مَنثُورٍ ومَنظُومٍ، مَشْحُونًا بِعُلُومٍ مِن عُلُومِ الأُصُولِ والفُرُوعِ وأخْبارِ ما كانَ وما يَكُونُ، ناطِقًا بِالغُيُوبِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى، وقَدْ بَلَغَ بَيْنَ ظَهْرانِيكم أرْبَعِينَ سَنَةً تَطَّلِعُونَ عَلى أحْوالِهِ ولا يَخْفى عَلَيْكم شَيْءٌ مِن أسْرارِهِ، وما سَمِعْتُمْ مِنهُ حَرْفًا مِن ذَلِكَ، ولا عَرَّفَهُ بِهِ أحَدٌ مِن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وألْصَقِهِمْ بِهِ. ومَفْعُولُ (شاءَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا أتْلُوَهُ، وجاءَ جَوابُ (لَوْ) عَلى الفَصِيحِ مِن عَدَمِ إتْيانِ اللّامِ؛ لِكَوْنِهِ مَنفِيًّا بِـ (ما)، ويُقالُ: دَرَيْتُ بِهِ، وأدْرَيْتُ زَيْدًا بِهِ، والمَعْنى: ولا أُعْلِمُكم بِهِ عَلى لِسانِي. وقَرَأ قُنْبُلُ والبَزِّيُّ مِن طَرِيقِ النَّقّاشِ عَنْ أبِي رَبِيعَةَ عَنْهُ: (ولَأدْراكم) بِلامٍ دَخَلَتْ عَلى فِعْلٍ مُثْبَتٍ مَعْطُوفٍ عَلى مَنفِيٍّ، والمَعْنى: ولَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ طَرِيقِي وعَلى لِسانِ غَيْرِي، ولَكِنَّهُ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَخَصَّنِي بِهَذِهِ الكَرامَةِ ورَآنِي لَها أهْلًا دُونَ النّاسِ.

وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ فَـ ”لا“ مُؤَكِّدَةٌ ومُوَضِّحَةً أنَّ الفِعْلَ مَنفِيٌّ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى مَنفِيٍّ، ولَيْسَتْ ”لا“ هي الَّتِي نُفِيَ الفِعْلُ بِها، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ نَفْيُ الفِعْلِ بِـ ”لا“ إذا وقَعَ جَوابًا، والمَعْطُوفُ عَلى الجَوابِ جَوابٌ. وأنْتَ لا تَقُولُ: لَوْ كانَ كَذا لا كانَ كَذا، إنَّما يَكُونُ ما كانَ كَذا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: (ولا أدْرَأْتُكم بِهِ) بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وخَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الأصْلَ أدْرَيْتُكم بِالياءِ، فَقَلَبَها هَمْزَةً، عَلى لُغَةِ مَن قالَ: لَبَّأْتُ بِالحَجِّ، ورَثَأْتُ زَوْجِي بِأبْياتٍ، يُرِيدُ: لَبَّيْتُ ورَثَيْتُ. وجازَ هَذا البَدَلُ لِأنَّ الألِفَ والهَمْزَةَ مِن وادٍ واحِدٍ، ولِذَلِكَ إذا حُرِّكَتِ الألِفُ انْقَلَبَتْ هَمْزَةً كَما قالُوا في العالِمِ العَأْلِمُ، وفي المُشْتاقِ المُشْتَأْقُ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الهَمْزَةَ أصْلٌ وهو مِنَ الدَّرْءِ، وهو الدَّفْعُ، يُقالُ: دَرَأْتُهُ دَفَعْتُهُ، كَما قالَ: ﴿ويَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ [النور: ٨] ودَرَأْتُهُ جَعَلْتُهُ دارِئًا، والمَعْنى: ولَأجْعَلَنَّكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ وتُكَذِّبُونَنِي. وزَعَمَ أبُو الفَتْحِ إنَّما هي أدْرَيْتُكم، فَقَلَبَ الياءَ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وهي لُغَةٌ لِعَقِيلٍ حَكاها قُطْرُبٌ، يَقُولُونَ في أعْطَيْتُكَ: أعْطَأْتُكَ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَلَبَ الحَسَنُ الياءَ ألِفًا كَما في لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: السَّلامُ عَلاكَ، قِيلَ: ثَمَّ هَمْزٌ عَلى لُغَةِ مَن قالَ في العالِمِ: العَأْلِمُ. وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ والأعْمَشُ: (ولا أنْذَرْتُكم بِهِ) بِالنُّونِ والذّالِ، مِنَ الإنْذارِ، وكَذا هي في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، …

17

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ

So who is more unjust than he who invents a lie about Allah or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا الكَلامِ، ومَساقُهُ هُنا بِاعْتِبارَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ، كانَ في ضِمْنِهِ أنَّهم يَنْسُبُونَهُ إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنَّما هو اخْتِلاقٌ، فَبُولِغَ في ظُلْمِ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا؛ كَما قالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ كَذَّبْتُمْ بِآياتِهِ، فَلا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم. والِاعْتِبارُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَوْطِئَةٌ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم في افْتِرائِكم عَلى اللَّهِ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ لَهُ ولَدًا، وفِيما نَسَبْتُمْ إلَيْهِ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ.

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾: الضَّمِيرُ في (ويَعْبُدُونَ) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهم. و﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ هو الأصْنامُ، جَمادٌ لا تَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ. قِيلَ: إنْ عَبَدُوها لَمْ تَنْفَعْهم، وإنْ تَرَكُوا عِبادَتَها لَمْ تَضُرَّهم. ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا عَلى الطّاعَةِ مُعاقِبًا عَلى المَعْصِيَةِ، وكانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ، وأهْلُ مَكَّةَ العُزّى ومَناةَ وأسافا ونائِلَةَ وهُبْلَ، والإخْبارُ بِهَذا عَنِ الكُفّارِ هو عَلى سَبِيلِ التَّجْهِيلِ والتَّحْقِيرِ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم عَبَدُوا مَن لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ. وفي قَوْلِهِ: (مِن دُونِ اللَّهِ) دَلالَةٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ولا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: يَعْنُونَ في الآخِرَةِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ شُفِّعْتُ في اللّاتِ والعُزّى. وقالَ الحَسَنُ: شُفَعاؤُنا في إصْلاحِ مَعايِشِنا في الدُّنْيا. لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ. و(أتُنَبِّئُونَ) اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِما ادَّعُوهُ مِنَ المُحالِ الَّذِي هو شَفاعَةُ الأصْنامِ، وإعْلامٌ بِأنَّ الَّذِي أنْبَئُوا بِهِ باطِلٌ غَيْرُ مُنْطَوٍ تَحْتَ الصِّحَّةِ، فَكَأنَّهم يُخْبِرُونَهُ بِشَيْءٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُهُ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِكَوْنِهِمْ شُفَعاءَ عِنْدَهُ، وهو إنْباءُ ما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعالى، وإذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وهو العالِمُ الذّاتَ المُحِيطُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا؛ لِأنَّ الشَّيْءَ ما يُعْلَمُ ويُخْبَرُ عَنْهُ، فَكانَ خَبَرًا لَيْسَ لَهُ مُخْبِرٌ عَنْهُ. انْتَهى. فَتَكُونُ ”ما“ واقِعَةً عَلى الشَّفاعَةِ، والفاعِلُ بِـ (يَعْلَمُ) هو اللَّهُ، والمَفْعُولُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى ”ما“ . وقَوْلُهُ: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِهِ؛ لِأنَّ ما لَمْ يُوجَدْ فِيهِما فَهو مُنْتَفٍ مَعْدُومٌ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وفي التَّحْرِيرِ: (أتُنَبِّئُونَ) مَعْناهُ التَّهَكُّمُ والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ والإنْكارُ، والمَعْنى عَلى هَذا: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ بِما يَعْلَمُ …

18

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

And they worship other than Allah that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allah " Say, "Do you inform Allah of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا الكَلامِ، ومَساقُهُ هُنا بِاعْتِبارَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ، كانَ في ضِمْنِهِ أنَّهم يَنْسُبُونَهُ إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنَّما هو اخْتِلاقٌ، فَبُولِغَ في ظُلْمِ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا؛ كَما قالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ كَذَّبْتُمْ بِآياتِهِ، فَلا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم. والِاعْتِبارُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَوْطِئَةٌ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم في افْتِرائِكم عَلى اللَّهِ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ لَهُ ولَدًا، وفِيما نَسَبْتُمْ إلَيْهِ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ.

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾: الضَّمِيرُ في (ويَعْبُدُونَ) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهم. و﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ هو الأصْنامُ، جَمادٌ لا تَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ. قِيلَ: إنْ عَبَدُوها لَمْ تَنْفَعْهم، وإنْ تَرَكُوا عِبادَتَها لَمْ تَضُرَّهم. ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا عَلى الطّاعَةِ مُعاقِبًا عَلى المَعْصِيَةِ، وكانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ، وأهْلُ مَكَّةَ العُزّى ومَناةَ وأسافا ونائِلَةَ وهُبْلَ، والإخْبارُ بِهَذا عَنِ الكُفّارِ هو عَلى سَبِيلِ التَّجْهِيلِ والتَّحْقِيرِ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم عَبَدُوا مَن لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ. وفي قَوْلِهِ: (مِن دُونِ اللَّهِ) دَلالَةٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ولا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: يَعْنُونَ في الآخِرَةِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ شُفِّعْتُ في اللّاتِ والعُزّى. وقالَ الحَسَنُ: شُفَعاؤُنا في إصْلاحِ مَعايِشِنا في الدُّنْيا. لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ. و(أتُنَبِّئُونَ) اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِما ادَّعُوهُ مِنَ المُحالِ الَّذِي هو شَفاعَةُ الأصْنامِ، وإعْلامٌ بِأنَّ الَّذِي أنْبَئُوا بِهِ باطِلٌ غَيْرُ مُنْطَوٍ تَحْتَ الصِّحَّةِ، فَكَأنَّهم يُخْبِرُونَهُ بِشَيْءٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُهُ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِكَوْنِهِمْ شُفَعاءَ عِنْدَهُ، وهو إنْباءُ ما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعالى، وإذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وهو العالِمُ الذّاتَ المُحِيطُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا؛ لِأنَّ الشَّيْءَ ما يُعْلَمُ ويُخْبَرُ عَنْهُ، فَكانَ خَبَرًا لَيْسَ لَهُ مُخْبِرٌ عَنْهُ. انْتَهى. فَتَكُونُ ”ما“ واقِعَةً عَلى الشَّفاعَةِ، والفاعِلُ بِـ (يَعْلَمُ) هو اللَّهُ، والمَفْعُولُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى ”ما“ . وقَوْلُهُ: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِهِ؛ لِأنَّ ما لَمْ يُوجَدْ فِيهِما فَهو مُنْتَفٍ مَعْدُومٌ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وفي التَّحْرِيرِ: (أتُنَبِّئُونَ) مَعْناهُ التَّهَكُّمُ والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ والإنْكارُ، والمَعْنى عَلى هَذا: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ بِما يَعْلَمُ …

19

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا الكَلامِ، ومَساقُهُ هُنا بِاعْتِبارَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالُوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ، كانَ في ضِمْنِهِ أنَّهم يَنْسُبُونَهُ إلى أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنَّما هو اخْتِلاقٌ، فَبُولِغَ في ظُلْمِ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا؛ كَما قالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣] وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ كَذَّبْتُمْ بِآياتِهِ، فَلا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم. والِاعْتِبارُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَوْطِئَةٌ لِما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم في افْتِرائِكم عَلى اللَّهِ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، وأنَّ لَهُ ولَدًا، وفِيما نَسَبْتُمْ إلَيْهِ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ.

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾: الضَّمِيرُ في (ويَعْبُدُونَ) عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهم. و﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ هو الأصْنامُ، جَمادٌ لا تَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ ولا ضُرٍّ. قِيلَ: إنْ عَبَدُوها لَمْ تَنْفَعْهم، وإنْ تَرَكُوا عِبادَتَها لَمْ تَضُرَّهم. ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ مُثِيبًا عَلى الطّاعَةِ مُعاقِبًا عَلى المَعْصِيَةِ، وكانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ، وأهْلُ مَكَّةَ العُزّى ومَناةَ وأسافا ونائِلَةَ وهُبْلَ، والإخْبارُ بِهَذا عَنِ الكُفّارِ هو عَلى سَبِيلِ التَّجْهِيلِ والتَّحْقِيرِ لَهم ولِمَعْبُوداتِهِمْ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم عَبَدُوا مَن لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ. وفي قَوْلِهِ: (مِن دُونِ اللَّهِ) دَلالَةٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ولا يَعْبُدُونَ اللَّهَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: يَعْنُونَ في الآخِرَةِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ شُفِّعْتُ في اللّاتِ والعُزّى. وقالَ الحَسَنُ: شُفَعاؤُنا في إصْلاحِ مَعايِشِنا في الدُّنْيا. لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ. و(أتُنَبِّئُونَ) اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِما ادَّعُوهُ مِنَ المُحالِ الَّذِي هو شَفاعَةُ الأصْنامِ، وإعْلامٌ بِأنَّ الَّذِي أنْبَئُوا بِهِ باطِلٌ غَيْرُ مُنْطَوٍ تَحْتَ الصِّحَّةِ، فَكَأنَّهم يُخْبِرُونَهُ بِشَيْءٍ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُهُ، و”ما“ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِكَوْنِهِمْ شُفَعاءَ عِنْدَهُ، وهو إنْباءُ ما لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لِلَّهِ تَعالى، وإذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ وهو العالِمُ الذّاتَ المُحِيطُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا؛ لِأنَّ الشَّيْءَ ما يُعْلَمُ ويُخْبَرُ عَنْهُ، فَكانَ خَبَرًا لَيْسَ لَهُ مُخْبِرٌ عَنْهُ. انْتَهى. فَتَكُونُ ”ما“ واقِعَةً عَلى الشَّفاعَةِ، والفاعِلُ بِـ (يَعْلَمُ) هو اللَّهُ، والمَفْعُولُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ العائِدُ عَلى ”ما“ . وقَوْلُهُ: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِهِ؛ لِأنَّ ما لَمْ يُوجَدْ فِيهِما فَهو مُنْتَفٍ مَعْدُومٌ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وفي التَّحْرِيرِ: (أتُنَبِّئُونَ) مَعْناهُ التَّهَكُّمُ والتَّقْرِيعُ والتَّوْبِيخُ والإنْكارُ، والمَعْنى عَلى هَذا: أتُخْبِرُونَ اللَّهَ بِما يَعْلَمُ …

20

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allah [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."

﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾: هَذا مِنِ اقْتِراحِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكانُوا لا يَعْتَدُّونَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ العِظامِ المُتَكاثِرَةِ الَّتِي لَمْ تَنْزِلْ عَلى أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِثْلُها، وكَفى بِالقُرْآنِ وحْدَهُ آيَةً باقِيَةً عَلى وجْهِ الدَّهْرِ بَدِيعَةً غَرِيبَةً في الآياتِ، دَقِيقَةَ المَسْلَكِ مِن بَيْنِ المُعْجِزاتِ. وجَعَلُوا نُزُولَها كَلا نُزُولٍ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ قَطُّ حَتّى قالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ واحِدَةٌ مِن رَبِّهِ، وذَلِكَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وتَمادِيهِمْ في التَّمَرُّدِ وانْهِماكِهِمْ في الغَيِّ.

﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾، أيْ: هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ المُسْتَأْثِرُ بِهِ، لا عِلْمَ لِي ولا لِأحَدٍ بِهِ. يَعْنِي: أنَّ الصّارِفَ عَنْ إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ أمْرٌ مُغَيَّبٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا هو سُبْحانَهُ. (فانْتَظِرُوا) نُزُولَ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ بِما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِكم لِعِنادِكم وجَحْدِكُمُ الآياتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: آيَةً مِن رَبِّهِ، آيَةً تَضْطَرُّ النّاسَ إلى الإيمانِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الآياتِ لَمْ يَأْتِ بِها نَبِيٌّ قَطُّ، ولا مِنَ المُعْجِزاتِ اضْطِرارِيَّةٌ، وإنَّما هي مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ ويَضِلَّ آخَرُونَ، فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ إنْ شاءَ فَعَلَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، لا يَطَّلِعُ عَلى غَيْبِهِ في ذَلِكَ أحَدٌ. وقَوْلُهُ: (فانْتَظِرُوا) وعِيدًا وقَدْ صَدَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِنُصْرَتِهِ مُحَمَّدًا ﷺ . وقِيلَ: الآيَةُ الَّتِي اقْتَرَحُوا أنْ يُنَزِّلَ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيَةَ، وقِيلَ: آيَةٌ كَآيَةِ مُوسى وعِيسى كالعَصا واليَدِ البَيْضاءِ، وإحْياءِ المَوْتى، طَلَبُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ.

﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ﴾ [يونس: ١٥] الآيَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الأنعام: ٣٧] وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، أخْبَرَ أنَّ هَؤُلاءِ إنَّما يَصِيرُونَ لِهَذِهِ المَقالاتِ عِنْدَما يَكُونُونَ في رَخاءٍ مِنَ العَيْشِ وخُلُوِّ بالٍ، وأنَّ إحْسانَ اللَّهِ تَعالى قابَلُوهُ بِما لا يَجُوزُ مِنِ ابْتِغاءِ المَكْرِ لِآياتِهِ، وكانَ خَلِيقًا بِهِمْ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن صَدَّقَ بِآياتِهِ. وإعْراضُهم عَنِ الآياتِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] . وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا دَعا عَلى أهْلِ مَكَّةَ الرَّسُولُ بِالجَدْبِ قَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَأتاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ادْعُ لَنا بِالخِصْبِ، فَإنْ أخْصَبْنا صَدَّقْنا، فَسَألَ اللَّهَ لَهم فَسَقُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ في الكُفّارِ فَهي تَتَناوَلُ مِنَ العاصِينَ مَن لا يُؤَدِّي شُكْرَ اللَّهِ عِنْدَ زَوالِ المَكْرُوهِ عَنْهُ، ولا يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ عَنْ مَعاصِيهِ، وذَلِكَ في النّاسِ كَثِيرٌ. تَجِدُ الإنْسانَ يَعْقِدُ عِنْدَ مَسِّ الضُّرِّ التَّوْبَةَ والتَّنَصُّلَ مِن سائِرِ المَعاصِي، فَإذا زالَ عَنْهُ رَجَعَ إلى أقْبَحِ عاداتِهِ. والرَّحْمَةُ …

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.