Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 11–20 of 109

11

۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

And if Allah was to hasten for the people the evil [they invoke] as He hastens for them the good, their term would have been ended for them. But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly

﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ إلَخْ والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِذَلِكَ دالَّةٌ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ وأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يُمْهِلُهُمُ اسْتِدْراجًا وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ وقَعَ في البَيْنِ تَتْمِيمًا ومُقابَلَةً وجِيءَ بِالنّاسِ بَدَلَ ضَمِيرِهِمْ تَفْظِيعًا لِلْأمْرِ

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ إنَّما أوْرَدُوا بِاسْمِ الجِنْسِ لِما أنَّ تَعْجِيلَ الخَيْرِ لَهم لَيْسَ دائِرًا عَلى وصْفِهِمُ المَذْكُورِ إذْ لَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ بِطْرِيقِ الِاسْتِدْراجِ والمُرادُ لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ ﴿الشَّرَّ﴾ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً

صفحة 78

مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ونَحْوَ ذَلِكَ

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: هو دُعاءُ الرَّجُلِ عَلى نَفْسِهِ ومالِهِ بِما يَكْرَهُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هو قَوْلُ الإنْسانِ لِوَلَدِهِ ومالِهِ إذا غَضِبَ: اللَّهُمَّ لا تُبارِكْ فِيهِ اللَّهُمَّ العَنْهُ. وفِيهِ حَمْلُ النّاسِ عَلى العُمُومِ والمُخْتارُ الأوَّلُ ويُؤَيِّدُهُ: ما قِيلَ مِن أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ حِينَ قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ إلَخْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والأصْلُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ فَحُذِفَ تَعْجِيلًا وصِفَتُهُ المُضافَةُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَها

وفِي الكَشّافِ وضَعَ ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ مَوْضِعَ تَعْجِيلِهِ لَهم إشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ سُبْحانَهُ لَهم وإسْعافِهِ بِطِلْبَتِهِمْ حَتّى كَأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ تَعْجِيلٌ لَهُ وهو كَلامٌ رَصِينٌ يَدُلُّ عَلى دِقَّةِ نَظَرِ صاحِبِهِ كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ إذْ لا يَكادُ يُوضَعُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُقارَنًا لِغَيْرِ فِعْلِهِ في الكِتابِ العَزِيزِ بِدُونِ مِثْلَ هَذِهِ الفائِدَةِ الجَلِيلَةِ والنُّحاةِ يَقُولُونَ في ذَلِكَ: أُجْرِيَ المَصْدَرُ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ ولا يَزِيدُونَ عَلَيْهِ وإذا راجَعَ الفَطِنُ قَرِيحَتَهُ وناجى فِكْرَتَهُ عَلِمَ أنَّهُ إنَّما قُرِنَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ لِفائِدَةٍ وهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ التَّنْبِيهُ عَلى نُفُوذِ القُدْرَةِ في المَقْدُورِ وسُرْعَةِ إمْضاءِ حُكْمِها حَتّى كَأنَّ إنْباتَ اللَّهِ تَعالى لَهم نَفْسَ نَباتِهِمْ أيْ إذا وُجِدَ الإنْباتُ وُجِدَ النَّباتُ حَتْمًا حَتّى كَأنَّ أحَدَهُما عَيْنُ الآخَرِ فَقُرِنَ بِهِ وقالَ الطِّيبِيُّ: كانَ أصْلُ الكَلامِ ولَوْ يَجْعَلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلَهُ ثُمَّ وضَعَ مَوْضِعَهُ الِاسْتِعْجالَ ثُمَّ نُسِبَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ لِأنَّ المُرادَ أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ فَأُرِيدَ مَزِيدُ المُبالَغَةِ وذَلِكَ أنَّ اسْتِعْجالَهُمُ الخَيْرَ أسْرَعُ مِن تَعْجِيلِ اللَّهِ تَعالى لَهم ذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ خُلِقَ عُجُولًا واللَّهُ تَعالى صَبُورٌ حَلِيمٌ يُؤَخِّرُ لِلْمَصالِحِ الجَمَّةِ الَّتِي لا يَهْتَدِي إلَيْها عَقْلُ الإنْسانِ ومَعَ ذَلِكَ يُسْعِفُهم بِطِلْبَتِهِمْ ويُسْرِعُ إجابَتَهم وأوْجَبَ أبُو حَيّانَ كَوْنَ التَّقْدِيرِ …

12

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing

﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ إذا أصابَهُ جِنْسُ الضُّرِّ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وغَيْرِهِما مِنَ الشَّدائِدِ إصابَةً يَسِيرَةً وقِيلَ: مُطْلَقًا ﴿دَعانا﴾ لِكَشْفِهِ وإزالَتِهِ ﴿لِجَنْبِهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ ولِذا عَطَفَ عَلَيْهِ الحالَ الصَّرِيحَةَ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ أيْ دَعانا مُضْطَجِعًا أوْ مُلْقًى لِجَنْبِهِ واللّامُ عَلى ظاهِرِها وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى عَلى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾ ولا حاجَةَ إلَيْهِ وقَدْ يُعَبَّرُ بِعَلى وهي تُفِيدُ اسْتِعْلاءَهُ عَلَيْهِ واللّامُ تُفِيدُ اخْتِصاصَ كَيْنُونَتِهِ واسْتِقْرارَهُ بِالجَنْبِ إذْ لا يُمْكِنُهُ الِاسْتِقْرارُ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الهَيْئَةِ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ زائِدَةٌ

واخْتُلِفَ في ذِي الحالِ فَقِيلَ: إنَّهُ فاعِلُ ﴿دَعانا﴾ وقِيلَ: هو مَفْعُولُ ﴿مَسَّ﴾ واسْتُضْعِفَ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما تَأخُّرُ الحالِ عَنْ مَحَلِّها مِن غَيْرِ داعٍ الثّانِي أنَّ المَعْنى عَلى أنَّهُ يَدْعُو كَثِيرًا في كُلِّ أحْوالِهِ إلّا أنَّهُ خَصَّ المَعْدُوداتِ بِالذِّكْرِ لِعَدَمِ خُلُوِّ الإنْسانِ عَنْها عادَةً لا أنَّ الضُّرَّ يُصِيبُهُ في كُلِّ أحْوالِهِ: وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِن مَسَّهُ الضُّرُّ في هَذِهِ الأحْوالِ دُعاؤُهُ فِيها أيْضًا لِأنَّ القَيْدَ في الشَّرْطِ قَيْدٌ في الجَوابِ فَإذا قُلْتَ: إذا جاءَ زَيْدٌ فَقِيرًا أحْسَنّا إلَيْهِ فالمَعْنى أحْسَنّا إلَيْهِ في حالِ فَقْرِهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأظْهَرَ هو الأوَّلُ واعْتَبَرَ بَعْضُهم تَوْزِيعَ هَذِهِ الأحْوالِ عَلى أفْرادِ الإنْسانِ عَلى مَعْنى أنَّ مِنَ الإنْسانِ مَن يَدْعُو عَلى هَذِهِ الحالَةِ ومِنهُ مَن يَدْعُو عَلى تِلْكَ وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الأحْوالِ تَعْمِيمَ أصْنافِ المَضارِّ لِأنَّها إمّا خَفِيفَةٌ

صفحة 80

لا تَمْنَعُ الشَّخْصَ القِيامَ أوْ مُتَوَسِّطَةٌ تَمْنَعُهُ القِيامَ دُونَ القُعُودِ أوْ شَدِيدَةٌ تَمْنَعُهُ مِنها وانْفَهامَ ذَلِكَ مِنها بِمَعُونَةِ السِّياقِ و(إذا) قِيلَ إنَّها عَلى أصْلِها وقِيلَ إنَّها لِلْمُضِيِّ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ الَّذِي مَسَّهُ غَبَّ ما دَعانا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿مَرَّ﴾ أيْ مَضى واسْتَمَرَّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلُ ونَسِيَ حالَةَ الجَهْدِ والبَلاءِ أوْ مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الدُّعاءِ والِابْتِهالِ ونَأى بِجانِبِهِ والمُرُورُ عَلى الأوَّلِ مَجازٌ وعَلى الثّانِي باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ ويَكُونُ كِنايَةً عَنْ عَدَمِ الدُّعاءِ ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ أيْ كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا فَخَفَّفَ وحَذَفَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ:

ووَجْهٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ كَأنْ ثَدْياهُ حُقّانِ

فَإنَّ الأصْلَ فِيهِ كَأنَّهُ فَخَفَّفَ كَأنَّ وحَذَفَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ هِشامٍ في شَواهِدِهِ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ إذْ يَجُوزُ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْوَجْهِ أوْ لِلصَّدْرِ عَلى رِوايَةٍ – وصَدْرٍ - ورُوِيَ كَأنَّ ثَدْيَيْهِ عَلى إعْمالِ كَأنَّ في اسْمٍ مَذْكُورٍ ولا يَبْعُدُ أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ في الرِّوايَةِ الأُولى عَلى بَعْضِ اللُّغاتِ والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ﴿مَرَّ﴾ أيْ مَرَّ مُشَبَّهًا بِمَن لَمْ يَدْعُنا ﴿إلى ضُرٍّ﴾ أيْ إلى كَشْفِهِ لِأنَّهُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ وإلى بِمَعْنى اللّامِ أيْ لِضُرٍّ ﴿مَسَّهُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ هَذا وصْفٌ لِجِنْسِ الإنْسانِ مُطْلَقًا أوالكافِرِ مِنهُ بِاعْتِبارِ حالِ بَعْضِ الأفْرادِ مِمَّنْ هو مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ

وذَكَرَ …

13

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ

And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people

﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ﴾ مِثْلَ

صفحة 81

قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وهو جَمْعُ قَرْنٍ بِفَتْحِ القافِ أهْلُ كُلِّ زَمانٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاقْتِرانِ كَأنَّ أهْلَ ذَلِكَ الزَّمانِ اقْتَرَنُوا في أعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ وقِيلَ: القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً وقِيلَ: ثَمانُونَ وقِيلَ مِائَةٌ وقِيلَ هو مُطْلَقُ الزَّمانِ والمُرادُ هُنا المَعْنى الأوَّلُ وكَذا في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» وقَوْلُهُ:

إذا ذَهَبَ القَرْنُ الَّذِي أنْتَ فِيهِمْ وخُلِّفْتَ في قَرْنٍ فَأنْتَ غَرِيبُ

﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ مِن قَبْلِ زَمانِكم والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في تَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ بَعْدَ تَأْيِيدِهِ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأهْلَكْنا ومَنَعَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ حالًا مِنَ القُرُونِ ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ أيْ حِينَ فَعَلُوا الظُّلْمَ بِالتَّكْذِيبِ والتَّمادِي في الغَيِّ والضَّلالِ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِأهْلَكْنا وجَعْلُ لَمّا شَرْطِيَّةً بِتَقْدِيرِ جَوابٍ هو أهْلَكْناهم بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ظَلَمُوا﴾ بِإضْمارِ قَدْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْهم عَلى أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن رُسُلِهِمْ دالَّةٌ عَلى إفْراطِهِمْ في الظُّلْمِ وتَناهِيهِمْ في المُكابَرَةِ أيْ ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِها حِينَ لا مَجالَ لِلتَّكْذِيبِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ عَطْفُهُ عَلى ﴿ظَلَمُوا﴾ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ أوْ مَحَلُّهُ الجَرُّ وذَلِكَ عِنْدَ مَن يَرى إضافَةَ الظَّرْفِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والتَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ حَسَبَ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ ولا حاجَةَ إلى هَذا الِاعْتِذارِ بِناءً عَلى أنَّ الظُّلْمَ لَيْسَ مُنْحَصِرًا في التَّكْذِيبِ بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى سائِرِ أنْواعِ الظُّلْمِ، والتَّكْذِيبُ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عَلى أبْلَغَ وجْهٍ وآكَدِهِ لِأنَّ اللّامَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ

وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ عَطْفٌ عَلى ﴿ظَلَمُوا﴾ ولَيْسَ مِنَ العَطْفِ التَّفْسِيرِيِّ في شَيْءٍ عَلى ما قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ خِلافًا لِلطِّيبِيِّ لِأنَّ الأوْلى إخْبارٌ بِأحْداثِ التَّكْذِيبِ وهَذِهِ إخْبارٌ بِالإصْرارِ عَلَيْهِ وعَلى الثّانِي عَطْفٌ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ وقِيلَ: اعْتِراضٌ لِلتَّأْكِيدِ بَيْنَ الفِعْلِ وما يَجْرِي مَجْرى مَصْدَرِهِ التَّشْبِيهِيِّ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ فَإنَّ الجَزاءَ المُشارَ إلَيْهِ عِبارَةٌ عَنْ مَصْدَرِهِ أيْ مِثْلَ الجَزاءِ الفَظِيعِ أيِ الإهْلاكِ الشَّدِيدِ الَّذِي هو الِاسْتِئْصالُ بِالمَرَّةِ ﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ 13﴾ أيْ كُلَّ طائِفَةٍ مُجْرِمَةٍ فَيَشْمَلُ القُرُونَ وجَعْلُ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْهم غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ وقُرِئَ (يَجْزِي) بِياءِ الغَيْبَةِ التِفاتًا مِنَ التَّكَلُّمِ في ﴿أهْلَكْنا﴾ إلَيْها وحاصِلُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ العَطْفِ أنَّ السَّبَبَ في إهْلاكِهِمْ تَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ وأنَّهم ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا لِفَسادِ اسْتِعْدادِهِمْ وخِذْلانِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم ويَقْتَصِرُ عَلى الأمْرِ الأوَّلِ في بَيانِ …

14

ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ ابْتِداءُ تَعُرُّضٍ لِأُمُورِهِمْ وأنَّ ما بُيِّنَ فِيهِ مَبادِئُ أحْوالِهِمْ لِاخْتِبارِ كَيْفِيَّةِ أعْمالِهِمْ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِاسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الإيمانِ والطّاعَةِ فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إثْرَ بَيانِ مُنْتَهى أمْرِهِمْ وخِطابِهِمْ بِبَتِّ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ لِكَمالِ إجْرامِهِمْ والعَطْفُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا﴾ لا عَلى ما قَبْلَهُ والمَعْنى ثُمَّ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ بَعْدَ إهْلاكِ أُولَئِكَ القُرُونِ الَّتِي تَسْمَعُونَ أخْبارَها وتُشاهِدُونَ آثارَها (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْلَمُونَ 14) أيْ لِنَعْلَمَ أيَّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَ فَكَيْفَ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَعْلَمُونِ، وقَدْ صَرَّحَ في المُغْنِي بِأنَّ كَيْفَ تَأْتِي كَذَلِكَ وأنَّ مِنهُ ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ولَيْسَتْ مَعْمُولَةً ﴿لِنَنْظُرَ﴾ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ الصَّدارَةُ فَيُمْنَعُ ما قَبْلَهُ مِنَ العَمَلِ فِيهِ ولِذا لَزِمَ تَقْدِيمُهُ عَلى عامِلِهِ هُنا

وقِيلَ: مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ كَما هو المَشْهُورُ فِيها إذا كانَ بَعْدَها فِعْلٌ نَحْوَ كَيْفَ ضَرَبَ زَيْدٌ أيْ عَلى أيِّ حالٍ تَعْمَلُونَ الأفْعالَ اللّائِقَةَ بِالِاسْتِخْلافِ مِن أوْصافِ الحُسْنِ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في

صفحة 83

الزَّجْرِ عَنِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ما فِيهِ وقِيلَ: مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِتَعْلَمُونِ أيْ أيَّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَ خَيْرًا أوْ شَرًّا وقَدْ صَرَّحُوا بِمَجِيئِها كَذَلِكَ أيْضًا وجَعَلُوا مِن ذَلِكَ نَحْوَ كَيْفَ ظَنَنْتَ زَيْدًا وبِما ذُكِرَ فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الآيَةَ وتَعَقَّبَهُ القُطْبُ بِما تَعَقَّبَهُ ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّهُ جَعَلَ كَيْفَ هَهُنا مَجازًا بِمَعْنى أيِّ شَيْءٍ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَعْنى كَيْفَ السُّؤالُ عَنِ الأحْوالِ والصِّفاتِ لا عَنِ الذَّواتِ وغَيْرِها فالسُّؤالُ هُنا عَنْ أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ ولا مَعْنى لِلسُّؤالِ عَنِ العَمَلِ إلّا عَنْ كَوْنِهِ حَسَنًا أوْ قَبِيحًا وخَيْرًا أوْ شَرًّا فَكَيْفَ لَيْسَتْ مَجازًا بَلْ هي عَلى حَقِيقَتِها ثُمَّ إنَّ اسْتِعْمالَ النَّظَرِ بِمَعْنى العِلْمِ مَجازٌ حَيْثُ شُبِّهَ بِنَظَرِ النّاظِرِ وعِيانِ المُعايِنِ في تَحَقُّقِهِ والكَلامُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُرَتَّبَةٌ عَلى اسْتِعارَةٍ تَصْرِيحِيَّةٍ تَبَعِيَّةٍ والمُرادُ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَطْلُبُ العِلْمَ بِأعْمالِكم لِيُجازِيَكم بِحَسَبِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِالعِلْمِ المَعْلُومُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا مَجازًا مُرَتَّبًا عَلى اسْتِعارَةٍ وأيًّا ما كانَ فَلا يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمًا بِأعْمالِهِمْ قَبْلَ اسْتِخْلافِهِمْ ولَيْسَ مَبْنى تَفْسِيرِ النَّظَرِ بِالعِلْمِ عَلى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ كَما هو مَذْهَبُ بَعْضِ القَدَرِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَرى ولا يَرى فَإنّا ولِلَّهِ تَعالى الحَمْدُ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَرى ويُرى والشُّرُوطُ في الشّاهِدِ لَيْسَتْ عَقْلِيَّةً كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ وإنَّ الرُّؤْيَةَ صِفَةٌ مُغايِرَةٌ لِلْعِلْمِ وكَذا السَّمْعُ أيْضًا ومِمَّنْ يَقُولُ أيْضًا: إنَّ صُوَرَ الماهِيّاتِ الحادِثَةَ مَشْهُودَةٌ لِلَّهِ تَعالى أزَلًا في حالِ عَدَمِها في أنْفُسِها في مَرايا الماهِيّاتِ الثّابِتَةِ عِنْدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ بَلْ …

15

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٍۢ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur'an other than this or change it." Say, [O Muhammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ التِفاتٌ مِن خِطابِهِمْ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهم وتَوْجِيهًا لِلْخِطابِ إلى سَيِّدِ المُخاطَبِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَعْدِيدِ جِناياتِهِمُ المُضادَّةِ لِما أُرِيدَ مِنهم بِالِاسْتِخْلافِ مِنَ التَّكْذِيبِ والكُفْرِ بِالآياتِ البَيِّناتِ وغَيْرِ ذَلِكَ كَدَأْبِ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ المُهْلِكَةِ وصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ جَوابِهِمُ الآتِي حَسَبَ تَجَدُّدِ التِّلاوَةِ والمُرادُ بِالآياتِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ

وقِيلَ: ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، والإضافَةُ لِتَشْرِيفِ المُضافِ والتَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِهِ والتَّرْهِيبِ عَنْ تَكْذِيبِهِ ونَصْبُ ﴿بَيِّناتٍ﴾ عَلى الحالِ أيْ حالَ كَوْنِها واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ وإيرادُ فِعْلِ التِّلاوَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى الآياتِ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبِنائِهِ لِلْفاعِلِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ الحاجَةِ لِتَعْيِينِ التّالِي ولِلْإيذانِ بِأنَّ كَلامَهم في نَفْسِ المَتْلُوِّ ولَوْ تَلاهُ رَجُلٌ مَن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٌ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إشْعارًا بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ المُعَظَّمَةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهم وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ أيْ قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ أشارُوا بِهَذا إلى القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى تِلْكَ الآياتِ لا إلى أنْفُسِها فَقَطْ قَصْدًا إلى إخْراجِ الكُلِّ مِنَ البَيْنِ أيِ ائْتِ بِكِتابٍ آخَرَ نَقْرَؤُهُ

صفحة 84

لَيْسَ فِيهِ ما نَسْتَبْعِدُهُ مِنَ البَعْثِ وتَوابِعِهِ أوْ ما نَكْرَهُهُ مِن ذَمِّ آلِهَتِنا والوَعِيدِ عَلى عِبادَتِها ﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾ بِأنْ تَجْعَلَ مَكانَ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذَلِكَ آيَةً أُخْرى ولَعَلَّهم إنَّما سَألُوا ذَلِكَ كَيْدًا وطَمَعًا في إجابَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَتَوَسَّلُوا إلى الإلْزامِ والِاسْتِهْزاءِ ولَيْسَ مُرادَهم أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَوْ أجابَهم آمَنُوا ﴿قُلْ﴾ أيُّها الرَّسُولُ لَهم ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ﴾ المَصْدَرُ فاعِلُ يَكُونُ وهي مِن كانَ التّامَّةِ وتُفَسَّرُ بِوَجَدَ ونَفْيُ الوُجُودِ قَدْ يُرادُ بِهِ نَفْيُ الصِّحَّةِ فَإنَّ وُجُودَ ما لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَلا وُجُودٍ فالمَعْنى هُنا ما يَصِحُّ لِي أصْلًا تَبْدِيلُهُ ﴿مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ أيْ مِن جِهَتِي ومِن عِنْدِي وأصْلُ تِلْقاءَ مَصْدَرٌ عَلى تَفْعالِ التّاءِ ولَمْ يَجِئْ مَصْدَرٌ بِكَسْرِها غَيْرُهُ وغَيْرُ تِبْيانٍ في المَشْهُورِ

وقُرِئَ شاذًّا بِالفَتْحِ وهو القِياسُ في المَصادِرِ الدّالَّةِ عَلى التَّكْرارِ كالتَّطْوافِ والتَّجْوالِ وقَدْ خَرَجَ هُنا مِن ذَلِكَ إلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ والجَرُّ بِمَن لا يُخْرِجُ الظَّرْفَ عَنْ ظَرْفِيَّتِهِ ولِذا اخْتُصَّتِ الظُّرُوفُ الغَيْرُ المُتَصَرِّفَةِ كَعِنْدَ بِدُخُولِها عَلَيْها

ومِنَ النّاسِ مَن وهِمَ في ذَلِكَ وقَصَرَ الجَوابَ بِبَيانِ امْتِناعِ ما اقْتَرَحُوهُ عَلى اقْتِراحِهِمُ الثّانِي لِلْإيذانِ بِأنَّ اسْتِحالَةَ ما اقْتَرَحُوهُ أوَّلًا مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى بَيانِها ولِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الثّانِي يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الأوَّلِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى فَهو بِحَسَبِ المَآلِ والحَقِيقَةُ جَوابٌ عَنِ الأمْرَيْنِ ﴿إنْ أتَّبِعُ﴾ أيْ ما أتَّبِعُ فِيما آتى وأذَرُ ﴿إلا ما …

16

قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Say, "If Allah had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it. Then will you not reason?"

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَحْقِيقٌ لِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ وأنَّهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ إثْرَ بَيانِ بُطْلانِ ما اقْتَرَحُوهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وصَدَرَ بِالأمْرِ المُسْتَقِلِّ إظْهارُ الكَمالِ الِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِ وإيذانًا بِاسْتِقْلالِهِ مَفْهُومًا وأُسْلُوبًا فَإنَّهُ بُرْهانٌ دالٌّ عَلى كَوْنِهِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وما سَبَقَ مُجَرَّدُ إخْبارٍ بِاسْتِحالَةِ ما اقْتَرَحُوهُ ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ يُنْبِئُ عَنْهُ الجَزاءُ كَما هو المُطَّرِدُ في أمْثالِهِ ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ غَيْرُ ذَلِكَ ولَيْسَ بِذَلِكَ وهو ظاهِرٌ والمَعْنى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ مَنُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى ولَيْسَ لِي مِنهُ شَيْءٌ أصْلًا ولَوْ شاءَ سُبْحانَهُ عَدَمَ تِلاوَتِي لَهُ عَلَيْكم وعَدَمَ إدْرائِكم بِهِ بِواسِطَتِي بِأنْ لَمْ يُنْزِلْهُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَيَّ ولَمْ يَأْمُرْنِي بِتِلاوَتِهِ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ أيْ ولا أعْلَمَكم بِهِ بِواسِطَتِي والتّالِي وهو عَدَمُ التِّلاوَةِ والإدْراءُ مُنْتَفٍ فَيَنْتَفِي المُقَدَّمُ وهو مَشِيئَتُهُ العَدَمَ وهي مُسْتَلْزِمَةٌ لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ الوُجُودَ فانْتِفاؤُهُ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفائِهِ وهو إنَّما يَكُونُ بِتَحَقُّقِ مَشِيئَةِ الوُجُودِ فَثَبَتَ أنَّ تِلاوَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْقُرْآنِ وإدْراءَهُ تَعالى بِواسِطَتِهِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى.

صفحة 86

وتَقْيِيدُ الإدْراءِ بِذَلِكَ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ وحَيْثُ اقْتَصَرَ بَعْضُهم في تَقْدِيرِ المَفْعُولِ في الشَّرْطِ عَلى عَدَمِ التِّلاوَةِ عَلَّلَ التَّقْيِيدَ بِأنَّ عَدَمَ الإعْلامِ مُطْلَقًا لَيْسَ مِن لَوازِمِ الشَّرْطِ الَّذِي هو عَدَمُ مَشِيئَةِ تِلاوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَجُوزُ نُظُمُهُ في سِلْكِ الجَزاءِ ولَمْ يَظْهَرْ وجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى ذَلِكَ وعَدَمُ ضَمِّ عَدَمِ الإدْراءِ إلَيْهِ مَعَ أنَّ العَطْفَ ظاهِرٌ فِيهِ وفي إسْنادِ عَدَمِ الإدْراءِ إلَيْهِ تَعالى المُنْبِئِ عَنِ اسْتِنادِ الإدْراءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إعْلامٌ بِأنَّهُ لا دَخْلَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في ذَلِكَ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْضًا وفي رِوايَةِ أبِي رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (ولَأدْراكُمْ) بِلامِ التَّوْكِيدِ وهي الواقِعَةُ في جَوابِ (لَوْ) أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولَأعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِ غَيْرِي عَلى مَعْنى أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ لَوْ لَمْ أُرْسَلْ بِهِ لَأرْسَلَ بِهِ غَيْرِي وجِيءَ بِاللّامِ هُنا لِلْإيذانِ بِأنَّ إعْلامَهم بِهِ عَلى لِسانِ غَيْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أشَدُّ انْتِفاءً وأقْوى ولَعَلَّ (لا) في القِراءَةِ الأُولى لِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التّابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعِ وإلّا فَهي لا تَقَعُ في جَوابِ (لَوْ) فَلا يُقالُ: لَوْ قامَ زَيْدٌ لا قامَ عَمْرٌو بَلْ ما قامَ ومِن هُنا نَصَّ السَّمِينُ عَلى أنَّها زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهم قَرَأُوا (ولا أدْرَأْتُكُمْ) بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كالفِعْلِ السّابِقِ والأصْلُ ولا أدْرَيْتُكم فَقُلِبَتِ الياءُ ألِفًا عَلى لُغَةِ مَن يَقْلِبُ الياءَ السّاكِنَةَ المَفْتُوحَ ما قَبْلَها ألِفًا وهي لُغَةٌ بِلْحَرْثِ بْنِ كَعْبٍ وقَبائِلَ مِنَ اليَمَنِ حَتّى قَلَبُوا ياءَ التَّثْنِيَةِ ألِفًا وجَعَلُوا المُثَنّى في جَمِيعِ الأحْوالِ عَلى …

17

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ

So who is more unjust than he who invents a lie about Allah or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ مَعْناهُ النَّفْيُ أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن ذَلِكَ ونَفْيُ الأظْلَمِيَّةِ كَما هو المَشْهُورُ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ المُساواةِ فالمُرادُ أنَّهُ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ

والآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنها تَفادِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِمّا لَوَّحُوا بِهِ مِن نِسْبَةِ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وحاشاهُ وتَظْلِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ لِلْقُرْآنِ وكُفْرِهِمْ بِهِ وزِيادَةٌ ﴿كَذِبًا﴾ مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لَوَّحُوا بِهِ ضِمْنًا وحَمَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِ صَرِيحًا مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ كَذِبٌ في نَفْسِهِ فَرُبَّ افْتِراءٌ يَكُونُ كَذِبُهُ في الإسْنادِ فَقَطْ كَما إذا أسْنَدْتَ ذَنْبَ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو وهَذا لِلْمُبالَغَةِ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في التَّفادِي مِمّا ذُكِرَ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الكَلامِ عَلى ما سَبَقَ مِن بَيانِ كَوْنِ القُرْآنِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى وأمْرِهِ أيْ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَنِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يَخْلُقَ كَلامًا فَيَقُولُ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أوْ يُبَدِّلُ بَعْضَ آياتِهِ بِبَعْضٍ كَما تُجَوِّزُونَ ذَلِكَ في شَأْنِي وكَذَلِكَ مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ كَما تَفْعَلُونَهُ أنْتُمْ أظْلَمُ مَن كُلِّ ظالِمٍ وقِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ تَظْلِيمُ المُشْرِكِينَ لِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ تَعالى عَما يَقُولُونَ ذُو شَرِيكٍ وذُو ولَدٍ وتَكْذِيبُهم بِآياتِهِ سُبْحانَهُ وهي مُرْتَبِطَةٌ إما بِما قَبْلَها أيْضًا عَلى مَعْنى أنِّي لَمْ أفْتَرِ عَلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ أكْذِبْ عَلَيْهِ وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ وأنْتُمْ قَدْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَيْثُ زَعَمْتُمْ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَرِيكًا وأنَّ لَهُ

صفحة 88

ولَدًا وكَذَّبْتُمْ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وأما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ إلَخْ عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ إلى هُنا إعْلامًا بِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واسْتَنُّوا بِسُنَنِ مَن قَبْلَهم في تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكُونُ هَذا عَوْدًا إلى الأوَّلِ بَعْدَ الفَراغِ مِن قِصَّةِ المُشْرِكِينَ وقِيلَ: وجْهُ تَعَلُّقِها بِما تَقَدَّمَ أنَّهم إنَّما سَألُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَبْدِيلَ القُرْآنِ لِما فِيهِ مِن ذَمِّ آلِهَتِهِمُ الَّذِينَ افْتَرَوْا في جَعْلِها آلِهَةً وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ تَوْطِئَةٌ لَما بَعْدَها ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ وأوْفَقُ بِالفاءِ وأبْعَدُ عَنِ التَّكَلُّفِ وأقْرَبُ انْسِياقًا إلى الذِّهْنِ السَّلِيمِ (أنَّهُ) أيِ الشَّأْنَ ﴿لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ 17﴾ أيْ لا يَنْجُونَ مِن مَحْذُورٍ ولا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ والمُرادُ جِنْسُ المُجْرِمِينَ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المُفْتَرِي والمُكَذِّبُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا ولا يَخْفى ما في اخْتِيارِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ ما …

18

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

And they worship other than Allah that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allah " Say, "Do you inform Allah of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهم وهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ (ومِن دُونِ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (يَعْبُدُونَ) أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى إما بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ بِالكُلِّيَّةِ لِأنَّها لا تَصِحُّ ولا تَقَعُ عِبادَةٌ مَعَ الشَّرِكَةِ أوْ بِمَعْنى عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِها وجَعْلِها قَرِينًا لِعِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ كَما اخْتارَهُ البَعْضُ و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ والمُرادُ بِها الأصْنامُ ومَعْنى كَوْنِها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّها جَماداتٌ والمَقْصُودُ مِن هَذا الوَصْفِ نَفْيُ صِحَّةِ مَعْبُودِيَّتِها لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ القُدْرَةَ عَلى ما ذُكِرَ وقِيلَ: المَعْنى لا تَضُرُّهم إنْ تَرَكُوا عِبادَتَها ولا تَنْفَعُهم إنْ عَبَدُوها والمَقْصُودُ أيْضًا نَفْيُ صِحَّةِ مَعْبُودِيَّتِها لِأنَّ مِن شَأْنِ المَعْبُودِ أنْ يُثِيبَ عابِدَهُ ويُعاقِبَ مَن لَمْ يَعْبُدْهُ والفَرْقُ بَيْنَ التَّفْسِيرَيْنِ عَلى ما قالَهُ القُطْبُ إطْلاقُ النَّفْعِ والضُّرِّ في الأوَّلِ والتَّقْيِيدُ بِالعِبادَةِ وتَرْكِها في الثّانِي وقِيلَ: المَقْصُودُ عَلى الأوَّلِ مِنَ المَوْصُولِ الأصْنامُ بِعَيْنِها وعَلى الثّانِي فاقِدُ أوْصافِ المَعْبُودِيَّةِ ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ غَيْرُ الأصْنامِ مِنَ المَلائِكَةِ والمَسِيحِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ هُنا الأصْنامُ لِأنَّ العَرَبَ إنَّما كانُوا يَعْبُدُونَها وكانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ وأهْلَ مَكَّةَ ومَناةَ وهُبَلَ وأسافا ونائِلَةَ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ يَقُولُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِي اللّاتُ والعُزّى وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ

والظّاهِرُ أنَّ سائِرَ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ هَذا القَوْلَ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ أيْ إنْ كانَ بُعِثَ كَما زَعَمْتُمْ فَهَؤُلاءِ يَشْفَعُونَ لَنا فَلا يُقالُ: إنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ في الآخِرَةِ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْبَعْثِ وهم يُنْكِرُونَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ وكَذا ما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ فَيَلْزَمُ المُنافاةُ بَيْنَ مَفاهِيمِ الآياتِ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ الحَسَنُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: إنَّهم أرادُوا مِن هَذِهِ الشَّفاعَةِ الشَّفاعَةَ في الدُّنْيا لِإصْلاحِ المَعاشِ وحِينَئِذٍ لا مُنافاةَ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ومَن سَبَرَ حالَ القَوْمِ رَآهم مُتَرَدِّدِينَ ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ كَلِماتُهم ونِسْبَةُ الشَّفاعَةِ لِلْأصْنامِ قِيلَ بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ وذَلِكَ لِأنَّهم كَما هو المَشْهُورُ وضَعُوها عَلى صُوَرِ رِجالٍ صالِحِينَ ذَوِي خَطَرٍ عِنْدَهم وزَعَمُوا

صفحة 89

أنَّهم مَتّى اشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها فَإنَّ أُولَئِكَ الرِّجالَ يَشْفَعُونَ لَهم وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِكُلِّ إقْلِيمٍ رُوحُ مُعَيِّنٍ مِن أرْواحِ الأفْلاكِ فَعَيَّنُوا لِذَلِكَ الرُّوحِ صَنَمًا مِنَ الأصْنامِ واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها قَصْدًا إلى عِبادَةِ الكَواكِبِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والحَقُّ أنَّ مِنَ الأصْنامِ ما وُضِعَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ومِنها ما وُضِعَ لِكَوْنِها …

19

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.

﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ أيْ وما كانَ النّاسُ كافَّةً مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ والتَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ ومُجاهِدٍ والجِبائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً عَلى هُدًى) وذَلِكَ مِن عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ وقِيلَ: إلى زَمَنِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقِيلَ: إلى زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانُوا عَشَرَةَ قُرُونٍ وقِيلَ: كانُوا كَذَلِكَ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَبْقَ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارٌ إلى أنْ ظَهَرَ بَيْنَهُمُ الكُفْرُ وقِيلَ: مِن لَدُنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى أنْ أظْهَرَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ عِبادَةَ الأصْنامِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَطاءٍ وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِنَ ﴿النّاسُ﴾ العَرَبُ خاصَّةً وهو الأنْسَبُ بِإيرادِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إثْرَ حِكايَةِ ما حُكِيَ مِنهم مِنَ الهَناتِ وتَنْزِيهِ ساحَةِ الكِبْرِياءِ عَنْ ذَلِكَ.

صفحة 90

﴿فاخْتَلَفُوا﴾ بِأنْ كَفَرَ بَعْضُهم وثَبَتَ الآخَرُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ فَخالَفَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَ والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ وهي لا تُنافِي امْتِدادَ زَمانٍ الِاتِّفاقِ إذِ المُرادُ بَيانُ وُقُوعِ الِاخْتِلافِ عَقِيبَ انْصِرامِ مُدَّةِ الِاتِّفاقِ لا عَقِيبَ حُدُوثِهِ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بِتَأْخِيرِ القَضاءِ بَيْنَهُمِ أوِ العَذابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمَ الفَصْلِ والجَزاءِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجِلًا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 19﴾ بِأنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ آياتٍ مُلْجِئَةً إلى اتِّباعِ الحَقِّ ورَفْعِ الِاخْتِلافِ أوْ بِأنْ يُهْلِكَ المُبْطِلَ ويُبْقِيَ المُحِقَّ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ ووَجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّها كالتَّأْكِيدِ لِما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ التَّوْحِيدَ هو الدِّينُ الحَقُّ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ مِلَّةٌ قَدِيمَةٌ اجْتَمَعَتْ عَلَيْها الأُمَمُ قاطِبَةً وأنَّ الشِّرْكَ وفُرُوعَهُ جَهالاتٌ ابْتَدَعَها الغُواةُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ وشَقًّا لِعَصا الجَماعَةِ وقِيلَ: وجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَيَّنَ فِيما قَبْلُ فَسادَ القَوْمِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ وبَيَّنَ في هَذِهِ أنَّ هَذا المَذْهَبَ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلْعَرَبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بَلْ كانُوا عَلى الدِّينِ الحَقَّ الخالِي عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وإنَّما حَدَثَتْ فِيهِمْ عِبادَتُها بِتَسْوِيلِ الشَّياطِينِ

قِيلَ: والغَرَضُ مِن ذَلِكَ أنَّ العَرَبَ إذا عَلِمُوا أنَّ ما هم عَلَيْهِ اليَوْمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ فِيهِمْ وإنَّما حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَتَعَصَّبُوا لِنُصْرَتِهِ ولَمْ يَتَأذَّوْا مِن تَزْيِيفِهِ وإبْطالِهِ وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً اتِّفاقُهم عَلى الكُفْرِ وذَلِكَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ إلّا أنَّهُ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ مِن لَدُنْ وفاةِ آدَمَ إلى زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ثُمَّ آمَنَ مَن آمَنَ وبَقِيَ مَن بَقِيَ عَلى الكُفْرِ وفائِدَةُ إيرادِ هَذا الكَلامِ في هَذا المَقامِ تَسْلِيَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَطْمَعْ في أنْ يَصِيرَ كُلُّ مَن تَدْعُوهُ إلى الإيمانِ والتَّوْحِيدِ مُجِيبًا لَكَ قابِلًا لِدِينِكَ …

20

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allah [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."

﴿ويَقُولُونَ﴾ حِكايَةً لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهم وفي الكَشّافِ تَفْسِيرُ المُضارِعِ بِالماضِي أيْ وقالُوا وجَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ العَطْفَ لَيْسَ عَلى ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ وإنَّما هو عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وأوْثَرَ المُضارِعَ عَلى الماضِي لِيُؤْذَنَ بِاسْتِمْرارِ هَذِهِ المَقالَةِ وأنَّها مِن دَأْبِهِمْ وعادَتِهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنِ اسْتِحْضارِ صُورَتِها الشَّنِيعَةِ

وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى (يَعْبُدُونَ) وهو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وأبْقى بَعْضُهُمُ الفِعْلَ عَلى ظاهِرِهِ ولَهُ وجْهٌ والقائِلُ كَفّارُ مَكَّةَ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أرادُوا آيَةً مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها كَآيَةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ومَعْنى إنْزالِها عَلَيْهِ إظْهارُ اللَّهِ تَعالى لَها عَلى يَدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وطَلَبُوا ذَلِكَ تَعَنُّتًا وعِنادًا وإلّا فَقَدْ أتى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِآياتٍ ظاهِرَةٍ ومُعْجِزاتٍ باهِرَةٍ تَعْلُو عَلى جَمِيعِ الآياتِ وتَفُوقُ سائِرَ المُعْجِزاتِ لا سِيَّما القُرْآنَ العَظِيمَ الباقِيَ إعْجازُهُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَعَمْرِي لَوْ أنْصَفُوا لاسْتَغْنَوْا عَنْ كُلِّ آيَةٍ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ الآيَةُ الكُبْرى ومَن رَآهُ وسَبَرَ أحْوالَهُ لَمْ يَكَدْ يَشُكُّ في أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم في الجَوابِ ﴿إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ 20﴾ وهو جَوابٌ عَلى ما قَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ فَإنَّهم حِينَ طَلَبُوا ما طَلَبُوا مَعَ وُجُودِ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ دَلَّ عَلى أنَّ سُؤالَهم لِلتَّعَنُّتِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَأجِيبُوا بِما أُجِيبُوا لِيُؤْذَنَ بِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ المُقْتَرِحِينَ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ نِقْمَةَ اللَّهِ تَعالى وحُلُولَ عِقابِهِ ويَعْنِي أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَكم لَكِنْ لا أعْلَمُ مَتى يَكُونُ وأنْتُمْ كَذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الغَيْبِ وهو مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ غَيْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ وإذا كانَ كَذَلِكَ فانْتَظِرُوا ما يُوجِبُهُ اقْتِراحُكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ إيّاهُ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ والصّارِفُ عَنْ إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ أمْرٌ مَغِيبٌ فَلا يَعْلَمُهُ إلّا هو واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مُعَيَّنٌ وهو عِنادُهم قالَ تَعالى: ﴿وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

صفحة 93

وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ عِنادَهم هو الصّارِفُ وقَدْ يُجابُ المُعانِدُ والآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى بَقائِهِمْ عَلى العِنادِ وإنْ جاءَتْ لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّ العِنادَ هو الصّارِفُ

واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ وزَعَمْتُمْ أنَّهُ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ وعَلَّقْتُمْ إيمانَكم بِنُزُولِهِ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ لا وُقُوفَ لِي عَلَيْهِ فانْتَظِرُوا نُزُولَهُ إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ لِما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِكم لِاجْتِرائِكم عَلى مَثَلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ مِن جُحُودِ الآياتِ واقْتِراحِ غَيْرِها واعْتُرِضَ عَلى ما قِيلَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَرْتِيبُ الأمْرِ بِالِانْتِظارِ عَلى اخْتِصاصِ الغَيْبِ بِهِ تَعالى والَّذِي يَخْطِرُ بِالبالِ أنَّ سُؤالَ القَوْمِ …

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.