Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 109

11

۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

And if Allah was to hasten for the people the evil [they invoke] as He hastens for them the good, their term would have been ended for them. But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly

﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمُ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

مَجِيءُ حَرْفِ العَطْفِ في صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي في عِلْمِ البَلاغَةِ خُصُوصِيَّةً لِعَطْفِها عَلى ما قَبْلَها ومَزِيدَ اتِّصالِها بِما قَبْلَها فَتَعَيَّنَ إيضاحُ مُناسَبَةِ مَوْقِعِها. والظّاهِرُ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مِن غُرُورِهِمْ يَحْسَبُونَ تَصَرُّفاتِ اللَّهِ كَتَصَرُّفاتِ النّاسِ مِنَ الِانْدِفاعِ إلى الِانْتِقامِ عِنْدَ الغَضَبِ انْدِفاعًا سَرِيعًا، ويَحْسَبُونَ الرُّسُلَ مَبْعُوثِينَ لِإظْهارِ الخَوارِقِ ونِكايَةِ المُعارِضِينَ لَهم، ويُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشَعْوِذِينَ والمُتَحَدِّينَ بِالبُطُولَةِ والعَجائِبِ، فَكانُوا لَمّا كَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ ورَكِبُوا رُءُوسَهم ولَمْ تُصِبْهم بِأثَرِ ذَلِكَ مَصائِبُ مِن عَذابٍ شامِلٍ أوْ مُوتانٍ عامٍّ ازْدادُوا غُرُورًا بِباطِلِهِمْ وإحالَةً لِكَوْنِ الرَّسُولِ ﷺ مُرْسَلًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ دَلَّتْ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ القُرْآنِ عَلى هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] وقَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩] وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْعامِ وفي سُورَةِ الأنْفالِ.

صفحة ١٠٦

وكانَ المُؤْمِنُونَ رُبَّما تَمَنَّوْا نُزُولَ العَذابِ بِالمُشْرِكِينَ واسْتَبْطَئُوا مَجِيءَ النَّصْرِ لِلنَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأصْحابِهِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: ألا تَسْتَنْصِرُ» . ورُبَّما عَجِبَ بَعْضُهم مِن أنْ يَرْزُقَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وهم يَكْفُرُونَ بِهِ. فَلَمّا جاءَتْ آياتُ هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوارِعِ التَّهْدِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ أُعْقِبَتْ بِما يُزِيلُ شُبُهاتِهِمْ ويُطَمْئِنُ نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِما يَجْمَعُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمُ أجَلُهُمْ﴾

وهُوَ إجْمالٌ يُنْبِئُ بِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ نِظامَ هَذا العالَمِ عَلى الرِّفْقِ بِالمَخْلُوقاتِ واسْتِبْقاءِ الأنْواعِ إلى آجالٍ أرادَها، وجَعَلَ لِهَذا البَقاءِ وسائِلَ الإمْدادِ بِالنِّعَمِ الَّتِي بِها دَوامُ الحَياةِ، فالخَيْراتُ المُفاضَةُ عَلى المَخْلُوقاتِ في هَذا العالَمِ كَثِيرَةٌ، والشُّرُورُ العارِضَةُ نادِرَةٌ ومُعْظَمُها مُسَبَّبٌ عَنْ أسْبابٍ مَجْعُولَةٍ في نِظامِ الكَوْنِ وتَصَرُّفاتِ أهْلِهِ، ومِنها ما يَأْتِي عَلى خِلافِ العادَةِ عِنْدَ مَحَلِّ آجالِهِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ - تَعالى - بِقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] وقَوْلِهِ: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]

فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧] الآيَةَ، فَحَيْثُ ذُكِرَ عَذابُهُمُ الَّذِي هم آيِلُونَ إلَيْهِ ناسَبَ أنْ يُبَيِّنَ لَهم سَبَبَ تَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم في الدُّنْيا لِتُكْشَفَ شُبْهَةُ غُرُورِهِمْ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ آمَنُوا حِكْمَةً مِن حِكَمِ تَصَرُّفِ اللَّهِ في هَذا الكَوْنِ. والقَرِينَةُ عَلى اتِّصالِ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِجُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧] قَوْلُهُ في آخِرِ هَذِهِ ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ …

12

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing

﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ [يونس: ١١] الآيَةَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِن كِلْتَيْهِما هو الِاعْتِبارُ بِذَمِيمِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ وتَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في أمْثالِها بِقَرِينَةِ تَنْهِيَةِ هَذِهِ الآيَةِ بِجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . فَلَمّا بُيِّنَ في الآيَةِ السّابِقَةِ وجْهُ تَأْخِيرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْهم وإرْجاءِ جَزائِهِمْ إلى الآخِرَةِ بُيِّنَ في هَذِهِ الآيَةِ حالُهم عِنْدَما يَمَسُّهم شَيْءٌ مِنَ الضُّرِّ وعِنْدَما يُكْشَفُ الضُّرُّ عَنْهم.

فالإنْسانُ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، والتَّعْرِيفُ بِاللّامِ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ، أيِ: الإنْسانَ الكافِرَ؛ لِأنَّ جُمْهُورَ النّاسِ حِينَئِذٍ كافِرُونَ، إذْ كانَ المُسْلِمُونَ قَبْلَ الهِجْرَةِ لا يُعَدُّونَ بِضْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا مَعَ نِسائِهِمْ وأبْنائِهِمُ الَّذِينَ هم تَبَعٌ لَهم. وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَكُونُ المَنظُورُ إلَيْهِمْ في هَذا الحُكْمِ هُمُ الكافِرُونَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] وقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧] . ويَأْخُذُ المُسْلِمُونَ مِن هَذا الحُكْمِ ما يُناسِبُ مِقْدارَ ما في آحادِهِمْ مِن بَقايا هَذِهِ الحالِ الجاهِلِيَّةِ فَيُفِيقُ كُلٌّ مِن غَفْلَتِهِ.

وعُدِلَ عَنِ الإتْيانِ بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى النّاسِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ [يونس: ١١] لِأنَّ في ذِكْرِ لَفْظِ الإنْسانِ إيماءً إلى التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إذْ جَعَلَهم، مِن أشْرَفِ الأنْواعِ المَوْجُودَةِ عَلى الأرْضِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ اللّامَ في الإنْسانِ لِلْعَهْدِ وجَعَلَ المُرادَ بِهِ أبا حُذَيْفَةَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّ، واسْمُهُ مُهَشِّمٌ، وكانَ مُشْرِكًا، وكانَ أصابَهُ مَرَضٌ.

صفحة ١١٠

والضُّرُّ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [يونس: ١٠٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والدُّعاءُ: هُنا الطَّلَبُ والسُّؤالُ بِتَضَرُّعٍ.

واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِجَنْبِهِ﴾ بِمَعْنى عَلى كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ﴿وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] . ألا تَرى أنَّهُ جاءَ في مَوْضِعِ اللّامِ حَرْفُ عَلى في قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] . ونَحْوُهُ قَوْلُ جابِرِ بْنِ جِنِّي التَّغْلِبِيِّ:

تَناوَلَهُ بِالرُّمْحِ ثُمَّ انْثَنى بِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ ولِلْفَمِ

أيْ: عَلى اليَدَيْنِ وعَلى الفَمِ، وهو مُتَوَلِّدٌ مِن مَعْنى الِاخْتِصاصِ الَّذِي هو أعَمُّ مَعانِي اللّامِ؛ لِأنَّ الِاخْتِصاصَ بِالشَّيْءِ يَقَعُ بِكَيْفِيّاتٍ كَثِيرَةٍ مِنها اسْتِعْلاؤُهُ عَلَيْهِ.

وإنَّما سُلِكَ هُنا حَرْفُ الِاخْتِصاصِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الجَنْبَ مُخْتَصٌّ بِالدُّعاءِ عِنْدَ الضُّرِّ ومُتَّصِلٌ بِهِ فَبِالأوْلى غَيْرُهُ. وهَذا الِاسْتِعْمالُ مَنظُورٌ إلَيْهِ في بَيْتِ جابِرٍ والآيَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ، فَهَذا وجْهُ الفَرْقِ …

13

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ

And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people

﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾

عادَ الخِطابُ إلى المُشْرِكِينَ عَوْدًا عَلى بَدْئِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣] إلى قَوْلِهِ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ [يونس: ٥] بِمُناسَبَةِ التَّماثُلِ بَيْنَهم وبَيْنَ الأُمَمِ قَبْلَهم في الغُرُورِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ

صفحة ١١٣

عَنْهم حَتّى حَلَّ بِهِمُ الهَلاكُ فَجْأةً. وهَذِهِ الآيَةُ تَهْدِيدٌ ومَوْعِظَةٌ بِما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ.

والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ [يونس: ١١] بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الإنْذارِ بِأنَّ الشَّرَّ قَدْ يَنْزِلُ بِهِمْ ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ غَيْرُ مُعَجَّلٍ، فَضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِما نَزَلَ بِالأُمَمِ مِن قَبْلِهِمْ فَقَضى إلَيْهِمْ بِالعَذابِ أجَلُهم وقَدْ كانُوا يَعْرِفُونَ أُمَمًا مِنهم أصابَهُمُ الِاسْتِئْصالُ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ نُوحٍ.

ولِتَوْكِيدِ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ أُكِّدَتِ الجُمْلَةُ بِلامِ القَسَمِ و(قَدِ) الَّتِي لِلتَّحْقِيقِ.

والإهْلاكُ: الِاسْتِئْصالُ والإفْناءُ.

والقُرُونُ: جَمْعُ قَرْنٍ وأصْلُهُ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الزَّمانِ، والمُرادُ بِهِ هُنا أهْلُ القُرُونِ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ حالٌ مِنَ القُرُونِ.

ولَمّا اسْمُ زَمانٍ بِمَعْنى حِينَ عَلى التَّحْقِيقِ، وتُضافُ إلى الجُمْلَةِ.

والعَرَبُ أكْثَرُوا في كَلامِهِمْ تَقْدِيمَ لَمّا في صَدْرِ جُمْلَتِها فَأُشِمَّتْ بِذَلِكَ التَّقْدِيمِ رائِحَةَ الشَّرْطِيَّةِ فَأشْبَهَتِ الشُّرُوطَ لِأنَّها تُضافُ إلى جُمْلَةٍ فَتُشْبِهُ جُمْلَةَ الشَّرْطِ، ولِأنَّ عامِلَها فِعْلُ مُضِيٍّ فَبِذَلِكَ اقْتَضَتْ جُمْلَتَيْنِ فَأشْبَهَتْ حُرُوفَ الشَّرْطِ.

والمَعْنى: أهْلَكْناهم حِينَما ظَلَمُوا، أيْ أشْرَكُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ مِثْلُ هُودٍ وصالِحٍ ولَمْ يُؤْمِنُوا.

وجُمْلَةُ ﴿وجاءَتْهُمْ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ظَلَمُوا

والبَيِّناتُ: جَمْعُ بَيِّنَةٍ، وهي الحُجَّةُ عَلى الصِّدْقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ١١٤

وجُمْلَةُ ﴿وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها. ومَجْمُوعُ الجُمَلِ الثَّلاثِ هو ما وُقِّتَ بِهِ الإهْلاكُ ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]

وعُبِّرَ عَنِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ بِصِيغَةِ لامِ الجُحُودِ مُبالِغَةً في انْتِفائِهِ إشارَةً إلى اليَأْسِ مِن إيمانِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ. والتَّعْرِيفُ في ﴿القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ لِلِاسْتِغْراقِ فَلِذَلِكَ عَمَّ القُرُونَ الماضِيَةَ وعَمَّ المُخاطَبِينَ، وبِذَلِكَ كانَ إنْذارًا لِقُرَيْشٍ بِأنْ يَنالَهم ما نالَ أُولَئِكَ. والمُرادُ بِالإجْرامِ أقْصاهُ، وهو الشِّرْكُ.

والقَوْلُ في ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ آنِفًا. وكَذَلِكَ ذِكْرُ لَفْظِ القَوْمِ فَهو كَما في نَظِيرِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي البَقَرَةِ.

14

ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.

﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى أهْلَكْنا وحَرْفُ ثُمَّ مُؤْذِنٌ بِبُعْدِ ما بَيْنَ الزَّمَنَيْنِ، أيْ ثُمَّ جَعَلْناكم تَخْلُفُونَهم في الأرْضِ. وكَوْنُ حَرْفِ ثُمَّ هُنا عاطِفًا جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ تَقْتَضِي التَّراخِيَ الرُّتْبِيَّ لِأنَّ جَعْلَهم خَلائِفَ أهَمُّ مِن إهْلاكِ القُرُونِ قَبْلَهم لِما فِيهِ مِنَ المِنَّةِ عَلَيْهِمْ، ولِأنَّهُ عَوَّضَهم بِهِمْ.

والخَلائِفُ: جَمْعُ خَلِيفَةٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمُرادُ بِـ الأرْضِ بِلادُ العَرَبِ، فالتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ لِأنَّ المُخاطَبِينَ خَلَفُوا عادًا وثَمُودًا وطَسْمًا وجَدِيسًا وجُرْهُمًا في مَنازِلِهِمْ عَلى الجُمْلَةِ.

صفحة ١١٥

والنَّظَرُ: مُسْتَعْمَلٌ في العِلْمِ المُحَقَّقِ؛ لِأنَّ النَّظَرَ أقْوى طُرُقِ المَعْرِفَةِ، فَمَعْنى ﴿لِنَنْظُرَ﴾ لِنَعْلَمَ، أيْ لِنَعْلَمَ عِلْمًا مُتَعَلِّقًا بِأعْمالِكم. فالمُرادُ بِالعِلْمِ تَعَلُّقُهُ التَّنْجِيزِيُّ.

وكَيْفَ اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ العِلْمِ عَنِ العَمَلِ، وهو مَنصُوبٌ بِـ نَنْظُرَ، والمَعْنى في مِثْلِهِ: لِنَعْلَمَ جَوابَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، قالَ إياسُ بْنُ قَبِيصَةَ:

وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبّانُها مِن شُجاعِها

أيْ: لِأعْلَمَ جَوابَ مَن جَبّانُها.

وإنَّما جَعَلَ اسْتِخْلافَهم في الأرْضِ عِلَّةً لِعِلْمِ اللَّهِ بِأعْمالِهِمْ كِنايَةً عَنْ ظُهُورِ أعْمالِهِمْ في الواقِعِ إنْ كانَتْ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ أوْ مِمّا لا يُرْضِيهِ، فَإذا ظَهَرَتْ أعْمالُهم عَلِمَها اللَّهُ عِلْمَ الأشْياءِ النّافِعَةِ وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ سَيَقَعُ عِلْمًا أزَلِيًّا، كَما أنَّ بَيْتَ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ مَعْناهُ لِيَظْهَرَ الجَبانُ مِنَ الشُّجاعِ. ولَيْسَ المَقْصُودُ بِتَعْلِيلِ الإقْدامِ حُصُولَ عِلْمِهِ بِالجَبانِ والشُّجاعِ ولَكِنَّهُ كَنّى بِذَلِكَ عَنْ ظُهُورِ الجَبانِ والشُّجاعِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

15

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٍۢ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur'an other than this or change it." Say, [O Muhammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِيَ أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِيَ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّيَ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾ [يونس: ١١] إلَخْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] كَما تَقَدَّمَ فَذَلِكَ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ التَّكْذِيبِ. ثُمَّ حُكِيَ في هَذِهِ الآيَةِ أُسْلُوبٌ آخَرُ مِن أسالِيبِ تَكْذِيبِهِمُ

صفحة ١١٦

النَّبِيءَ ﷺ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مُوحًى إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - فَهم يَتَوَهَّمُونَ أنَّ القُرْآنَ وضَعَهُ النَّبِيءُ ﷺ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ جَعَلُوا مِن تَكْذِيبِهِمْ أنْ يَقُولُوا لَهُ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ إطْماعًا لَهُ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ مُغايِرًا أوْ مُبَدَّلًا إذا وافَقَ هَواهم.

ومَعْنى ﴿غَيْرِ هَذا﴾ مُخالِفُهُ. والمُرادُ المُخالَفَةُ لِلْقُرْآنِ كُلِّهِ بِالإعْراضِ عَنْهُ وابْتِداءِ كِتابٍ آخَرَ بِأسالِيبَ أُخْرى، كَمِثْلِ كُتُبِ قَصَصِ الفُرْسِ ومَلاحِمِهِمْ إذْ لا يَحْتَمِلُ كَلامُهم غَيْرَ ذَلِكَ، إذْ لَيْسَ مُرادُهم أنْ يَأْتِيَ بِسُوَرٍ أُخْرى غَيْرِ الَّتِي نَزَلَتْ مِن قَبْلُ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ، ولا غَرَضَ لَهم فِيهِ إذا كانَ مَعْناها مِن نَوْعِ ما سَبَقَها.

ووَصَفَ الآياتِ بِـ بَيِّناتٍ لِزِيادَةِ التَّعْجِيبِ مِن طَلَبِهِمْ تَبْدِيلَها لا بِطَلَبِ تَبْدِيلِهِ إذْ لا طَمَعَ في خَيْرٍ مِنهُ.

والتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ. وقَدْ يَكُونُ في الذَّواتِ، كَما تَقُولُ: بَدَّلْتُ الدَّنانِيرَ دَراهِمَ. ويَكُونُ في الأوْصافِ، كَما تَقُولُ: بَدَّلْتُ الحَلَقَةَ خاتَمًا. فَلَمّا ذَكَرَ الإتْيانَ بِغَيْرِهِ مِن قَبْلُ تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالتَّبْدِيلِ المَعْنى الآخَرُ وهو تَبْدِيلُ الوَصْفِ، فَكانَ المُرادُ بِالغَيْرِ في قَوْلِهِمْ ﴿غَيْرِ هَذا﴾ كَلامًا غَيْرَ الَّذِي جاءَ بِهِ مِن قَبْلُ لا يَكُونُ فِيهِ ما يَكْرَهُونَهُ ويَغِيظُهم. والمُرادُ بِالتَّبْدِيلِ أنْ يَعْمِدَ إلى القُرْآنِ المَوْجُودِ فَيُغَيِّرَ الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى عِباراتِ ذَمِّ الشِّرْكِ بِمَدْحِهِ، وعِباراتِ ذَمِّ أصْنامِهِمْ بِالثَّناءِ عَلَيْها، وعِباراتِ البَعْثِ والنَّشْرِ بِضِدِّها، وعِباراتِ الوَعِيدِ لَهم بِعِباراتِ بِشارَةٍ.

وسَمَّوْا ما طَلَبُوا الإتْيانَ بِهِ قُرْآنًا لِأنَّهُ عِوَضٌ عَنِ المُسَمّى بِالقُرْآنِ، فَإنَّ القُرْآنَ عَلَمٌ عَلى الكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أيِ ائْتِ بِغَيْرِ هَذا مِمّا تُسَمِّيهِ قُرْآنًا.

والضَّمِيرُ في ﴿بَدِّلْهُ﴾ عائِدٌ إلى اسْمِ الإشارَةِ، أيْ أوْ بَدِّلْ هَذا.

وأجْمَلَ المُرادَ بِالتَّبْدِيلِ في الآيَةِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ السّامِعِينَ.

صفحة ١١٧

ثُمَّ إنَّ قَوْلَهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جِدًّا ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ الِاسْتِهْزاءَ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَقَدْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يُجِيبَهم بِما يُقْلِعُ شُبْهَتَهم مِن نُفُوسِهِمْ إنْ كانُوا جادِّينَ، أوْ مِن نُفُوسِ مَن يَسْمَعُونَهم مِن دَهْمائِهِمْ فَيَحْسَبُوا كَلامَهم جِدًّا فَيَتَرَقَّبُوا تَبْدِيلَ القُرْآنِ.

وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ راجِعٌ إلى النّاسِ المُرادِ مِنهُمُ المُشْرِكُونَ أوْ راجِعٌ إلى ﴿الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ [يونس: ٧] في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا …

16

قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Say, "If Allah had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it. Then will you not reason?"

﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

هَذا جَوابٌ عَنْ لازِمِ اقْتِراحِهِمْ وكِنايَتِهِ عَنْ رَمْيِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ بِالكَذِبِ عَنِ اللَّهِ فِيما ادَّعى مِن إرْسالِهِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في الجَوابِ قَبْلَهُ. ولِكَوْنِهِ جَوابًا مُسْتَقِلًّا عَنْ مَعْنًى قَصَدُوهُ مِن كَلامِهِمْ جاءَ الأمْرُ بِهِ مَفْصُولًا عَنِ الأوَّلِ غَيْرَ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِهِ وأنَّهُ لَيْسَ بِتَكْمِلَةٍ لِلْجَوابِ الأوَّلِ.

صفحة ١٢٠

وفِي هَذا الجَوابِ اسْتِدْلالٌ عَلى أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لَمْ يَخْتَلِقِ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ بِدَلِيلٍ التَفَّتْ في مَطاوِيهِ أدِلَّةٌ، وقَدْ نُظِّمَ فِيهِ الدَّلِيلُ بِانْتِفاءِ نَقِيضِ المَطْلُوبِ عَلى إثْباتِ المَطْلُوبِ إذْ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ﴾ تَقْدِيرُهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا أتْلُوهُ عَلَيْكم ما تَلَوْتُهُ، فَإنَّ فِعْلَ المَشِيئَةِ يَكْثُرُ حَذْفُ مَفْعُولِهِ في جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِدَلالَةِ الجَزاءِ عَلَيْهِ، وإنَّما بُنِيَ الِاسْتِدْلالُ عَلى عَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ نَفْيَ تِلاوَتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ مُدَّعى الكُفّارِ لِزَعْمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكانَ الِاسْتِدْلالُ إبْطالًا لِدَعْواهُمُ ابْتِداءً وإثْباتًا لِدَعْواهُ مَآلًا. وهَذا الجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِن بَدِيعِ الِاسْتِدْلالِ، أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ لا آتِيَكم بِهَذا القُرْآنِ لَما أرْسَلَنِي بِهِ ولَبَقِيتُ عَلى الحالَةِ الَّتِي كُنْتُ عَلَيْها مِن أوَّلِ عُمْرِي.

والدَّلِيلُ الثّانِي مَطْوِيٌّ هو مُقْتَضى جَوابِ لَوْ، فَإنَّ جَوابَ لَوْ يَقْتَضِي اسْتِدْراكًا مُطَّرِدًا في المَعْنى بِأنْ يُثْبِتَ نَقِيضَ الجَوابِ، فَقَدْ يُسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِهِ وقَدْ يُذْكَرُ، كَقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ سُلْمى بْنِ رَبِيعَةَ:

فَلَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ

فَتَقْدِيرُهُ هُنا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ لَكِنَّنِي تَلَوْتُهُ عَلَيْكم. وتِلاوَتُهُ هي دَلِيلُ الرِّسالَةِ لِأنَّ تِلاوَتَهُ تَتَضَمَّنُ إعْجازَهُ عِلْمِيًّا إذْ جاءَ بِهِ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، وبَلاغِيًّا إذْ جاءَ كَلامًا أعْجَزَ أهْلَ اللُّغَةِ كُلَّهم مَعَ تَضافُرِهِمْ في بَلاغَتِهِمْ وتَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ، ولَيْسَ مِن شَأْنِ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَكُونَ فائِقًا عَلى جَمِيعِهِمْ ولا مِن شَأْنِ كَلامِهِ أنْ لا يَسْتَطِيعَ مِثْلَهُ أحَدٌ مِنهم.

ولِذَلِكَ فُرِّعَتْ عَلى الِاسْتِدْلالِ جُمْلَةُ ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَذْكِيرًا لَهم بِقَدِيمِ حالِهِ المَعْرُوفَةِ بَيْنَهم وهي حالُ الأُمِّيَّةِ، أيْ قَدْ كُنْتُ بَيْنَ ظَهْرانَيْكم مُدَّةً طَوِيلَةً، وهي أرْبَعُونَ سَنَةً، تُشاهِدُونَ أطْوارَ نَشْأتِي فَلا تَرَوْنَ فِيها حالَةً تُشْبِهُ حالَةَ العَظَمَةِ والكَمالِ المُتَناهِي الَّذِي صارَ إلَيْهِ لَمّا أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ، ولا بَلاغَةَ قَوْلٍ واشْتِهارًا بِمُقاوَلَةِ أهْلِ البَلاغَةِ والخَطابَةِ والشِّعْرِ تُشْبِهُ بَلاغَةَ القَوْلِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ عَنْ وحْيِ القُرْآنِ، إذْ لَوْ كانَتْ حالَتُهُ بَعْدَ الوَحْيِ حالًا مُعْتادًا وكانَتْ بَلاغَةُ الكَلامِ الَّذِي

صفحة ١٢١

جاءَ بِهِ كَذَلِكَ لَكانَ لَهُ مِنَ المُقَدِّماتِ مِن حِينِ نَشْأتِهِ ما هو تَهْيِئَةٌ لِهَذِهِ الغايَةِ وكانَ التَّخَلُّقُ بِذَلِكَ أطْوارًا وتَدَرُّجًا. فَلا جَرَمَ دَلَّ عَدَمُ تَشابُهِ الحالَيْنِ عَلى أنَّ هَذا الحالَ …

17

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ

So who is more unjust than he who invents a lie about Allah or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾

لَمّا قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْها بِما لا قِبَلَ لَهم بِالتَّنَصُّلِ مِنهُ أعْقَبَتْ بِالتَّفْرِيعِ عَلى افْتِرائِهِمُ الكَذِبَ وذَلِكَ مِمّا عُرِفَ مِن أحْوالِهِمْ مِنَ اتِّخاذِهِمُ الشُّرَكاءَ لَهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا﴾ [يونس: ١٣] أيْ أشْرَكُوا إلى قَوْلِهِ: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤] وتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ في قَوْلِهِمْ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] . وفي ذَلِكَ أيْضًا تَوْجِيهُ الكَلامِ بِصَلاحِيَتِهِ لِأنْ يَكُونَ إنْصافًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم إذْ هم قَدْ عَرَّضُوا بِنِسْبَتِهِ إلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ حِينَ قالُوا ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ [يونس: ١٥]، وصَرَّحُوا بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلَمّا أقامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ ما يَكُونُ لَهُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ فَرَّعَ عَلَيْهِ أنَّ المُفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ كَذِبًا والمُكَذِّبِينَ بِآياتِهِ كِلاهُما أظْلَمُ النّاسِ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُما، وذَلِكَ مِن مُجاراةِ الخَصْمِ لِيَعْثُرَ، يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِنَ الكَلامِ أنَّهُ إنْصافٌ بَيْنَهُما فَإذا حَصْحَصَ المَعْنى وُجِدَ انْصِبابُهُ عَلى الخَصْمِ وحْدَهُ.

صفحة ١٢٤

والتَّفْرِيعُ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، وهو تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ قَبْلَهُ مِمّا تَضَمَّنَ أنَّهم أشْرَكُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ.

ومَحَلُّ أوْ عَلى الوَجْهَيْنِ هو التَّقْسِيمُ، وهو إمّا تَقَسُّمُ أحْوالٍ، وإمّا تَقَسُّمُ أنْواعٍ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والظُّلْمُ: هُنا بِمَعْنى الِاعْتِداءِ. وإنَّما كانَ أحَدُ الأمْرَيْنِ أشَدَّ الظُّلْمِ لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى الخالِقِ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ وبِتَكْذِيبِ آياتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ تَذْيِيلٌ، ومَوْقِعُهُ يَقْتَضِي شُمُولَ عُمُومِهِ لِلْمَذْكُورِينَ في الكَلامِ المُذَيَّلِ (بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ) فَيَقْتَضِي أنَّ أُولَئِكَ مُجْرِمُونَ، وأنَّهم لا يُفْلِحُونَ.

والفَلاحُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ناظِرٌ إلى شُمُولِ عُمُومِ المُجْرِمِينَ لِلْمُخاطَبِينَ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُجْرِمِينَ.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها.

18

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

And they worship other than Allah that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allah " Say, "Do you inform Allah of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him

﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ [يونس: ١٥] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ. فَهَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرى مِن قَصَصِ أحْوالِ كُفْرِهِمْ أنْ قالُوا ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ [يونس: ١٥] حِينَ تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ القُرْآنِ، ومِن كُفْرِهِمْ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ ويَقُولُونَ هم شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ.

والمُناسَبَةُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ أنَّ في كِلْتَيْهِما كُفْرًا أظْهَرُوهُ في صُورَةِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ وإيهامِ أنَّ العُذْرَ لَهم في الِاسْتِرْسالِ عَلى الكُفْرِ، فَلَعَلَّهم (كَما أوْهَمُوا أنَّهُ إنْ أتاهم

صفحة ١٢٥

قُرْآنٌ غَيْرُ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ أوْ بُدِّلَ ما يَرُومُونَ تَبْدِيلَهُ آمَنُوا) كانُوا إذا أنْذَرَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِعَذابِ اللَّهِ قالُوا: تَشْفَعُ لَنا آلِهَتُنا عِنْدَ اللَّهِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ (عَلى مَعْنى فَرْضِ ما لا يَقَعُ واقِعًا) ”إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَفَعَتْ لِيَ اللّاتُ والعُزّى“ . وهَذا كَقَوْلِ العاصِ بْنِ وائِلٍ، وكانَ مُشْرِكًا، لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وهو مُسْلِمٌ، وقَدْ تَقاضاهُ أجْرًا لَهُ عَلى سَيْفٍ صَنَعَهُ ”إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ صاحِبُكَ (يَعْنِي النَّبِيءَ ﷺ) فَسَيَكُونُ لِي مالٌ فَأقْضِيكَ مِنهُ“ .

وفِيهِ نَزَلَ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] الآيَةَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ويَعْبُدُونَ إلَخْ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [يونس: ١٧] فَإنَّ عِبادَتَهم ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم مِنَ الِافْتِراءِ.

وإيثارُ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ لِما تُؤْذِنُ بِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مُخْطِئُونَ في عِبادَةِ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وفِيهِ تَمْهِيدٌ لِعَطْفِ ﴿ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ لِتَحْقِيرِ رَأْيِهِمْ مِن رَجاءِ الشَّفاعَةِ مِن تِلْكَ الأصْنامِ، فَإنَّها لا تَقْدِرُ عَلى ضَرٍّ ولا نَفْعٍ في الدُّنْيا فَهي أضْعَفُ مَقْدِرَةً في الآخِرَةِ.

واخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ في يَعْبُدُونَ ويَقُولُونَ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ مِنِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى عِبادَتِها، أيْ عَبَدُوا الأصْنامَ ويَعْبُدُونَها تَعْجِيبًا مِن تَصْمِيمِهِمْ عَلى ضَلالِهِمْ ومِن قَوْلِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فاعْتَرَفُوا بِأنَّ المُتَصَرِّفَ هو اللَّهُ.

وقُدِّمَ ذِكْرُ نَفْيِ الضَّرِّ عَلى نَفْيِ النَّفْعِ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِنَ المُشْرِكِينَ الإقْلاعُ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ وقَدْ كانَ سَدَنَتُها يُخَوِّفُونَ عَبَدَتَها بِأنَّها تُلْحِقُ بِهِمْ وبِصِبْيانِهِمُ الضُّرَّ، كَما قالَتِ امْرَأةُ طُفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدُّوسِيِّ حِينَ أخْبَرَها أنَّهُ أسْلَمَ ودَعاها إلى أنْ تُسْلِمَ فَقالَتْ: ”أما تَخْشى عَلى الصِّبْيَةِ مِن ذِي الشَّرى“ . فَأُرِيدَ الِابْتِداءُ بِنَفْيِ الضُّرِّ لِإزالَةِ أوْهامِ المُشْرِكِينَ في ذَلِكَ الصّادَّةِ لِكَثِيرٍ مِنهم عَنْ نَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ.

صفحة ١٢٦

وقَدْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِتَهَكُّمٍ بِهِمْ بِأنَّهم قَدْ أخْبَرُوا اللَّهَ بِأنَّ لَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَهُ. …

19

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.

﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

صفحة ١٢٧

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ويَعْبُدُونَ وجُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] . ومُناسَبَةُ الِاعْتِراضِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨] لِأنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ واخْتِراعَ صِفَةِ الشَّفاعَةِ لَها هو مِنَ الِاخْتِلافِ الَّذِي أحْدَثَهُ ضُلّالُ البَشَرِ في العَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها في أوَّلِ النَّشْأةِ، فَهي مِمّا يَشْمَلُهُ التَّوْبِيخُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [يونس: ١٨] وصِيغَةُ القَصْرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَأْكِيدِ الخَبَرِ لِأنَّهُ خَبَرٌ مُهِمٌّ عَجِيبٌ هو مِنَ الحِكَمِ العُمْرانِيَّةِ والحَقائِقِ التّارِيخِيَّةِ بِالمَكانِ الأسْمى، إذِ القَصْرُ تَأْكِيدٌ عَلى تَأْكِيدٍ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى صِيغَتَيْ إثْباتٍ لِلْمُثْبَتِ ونَفْيٍ عَمّا عَداهُ، فَهو أقْوى مِن تَأْكِيدِ رَدِّ الإنْكارِ، ولِذَلِكَ يُؤْذِنُ بِرَدِّ إنْكارٍ شَدِيدٍ.

وحَسَّنَ القَصْرَ هُنا وُقُوعُهُ عَقِبَ الجِدالِ مَعَ الَّذِينَ غَيَّرُوا الدِّينَ الحَقَّ ورَوَّجُوا نِحْلَتَهم بِالمَعاذِيرِ الباطِلَةِ كَقَوْلِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وقَوْلِهِمْ ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] فَإنَّها وقَعَتْ في سِياقِ المُجادَلَةِ مَعَ أهْلِ الكِتابِ لِقَوْلِهِ: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] وأهْلُ الكِتابِ لا يُنْكِرُونَ أنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً فَآيَةُ هَذِهِ السُّورَةِ تُشِيرُ إلى الوَحْدَةِ الِاعْتِقادِيَّةِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ التَّفَرُّقِ الطّارِئِ عَلَيْها بِاعْتِبارِ الِاخْتِلافِ المُشْعِرِ بِالمَذَمَّةِ والمُعَقَّبِ بِالتَّخْوِيفِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ إلى آخِرِهِ، وآيَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ تُشِيرُ إلى الوَحْدَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَجْمَعُها الحَنِيفِيَّةُ الفِطْرِيَّةُ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ التَّفَرُّقِ الَّذِي طَرَأ عَلَيْها بِأنَّ اللَّهَ بَعَثَ النَّبِيئِينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ثُمَّ جاءَ ذِكْرُ الِاخْتِلافِ عَرَضًا عَقِبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] . وأُرِيدَ بِهِ الِاخْتِلافُ بَيْنَ أتْباعِ الشَّرائِعِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ [البقرة: ٢١٣]

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والنّاسُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْبَشَرِ. وتَعْرِيفُهُ لِلِاسْتِغْراقِ. والأُمَّةُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي لَها حالٌ واحِدٌ في شَيْءٍ ما.

صفحة ١٢٨

والمُرادُ هُنا أُمَّةٌ واحِدَةٌ في الدِّينِ. والسِّياقُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّها واحِدَةٌ في الدِّينِ الحَقِّ وهو التَّوْحِيدُ لِأنَّ الحَقَّ هو الَّذِي يُمْكِنُ اتِّفاقُ البَشَرِ عَلَيْهِ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ سَلامَةِ الِاعْتِقادِ مِنَ الضَّلالِ والتَّحْرِيفِ. والإنْسانُ لَمّا أُنْشِئَ أُنْشِئَ عَلى فِطْرَةٍ كامِلَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ التَّكَلُّفِ. وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعالى - دُونَ الأعْمالِ؛ لِأنَّها قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الحاجاتِ، فَإذا جازَ أنْ يَحْدُثَ في …

20

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allah [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."

﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ [يونس: ١٨] فَبَعْدَ أنْ ذَكَرَ افْتِراءَهم في جانِبِ الإلَهِيَّةِ نَفى بُهْتانَهم في جانِبِ النُّبُوَّةِ.

والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ قَبْلَ ذَلِكَ في الآيَةِ، فَإنَّ مَعْرِفَةَ المُرادِ مِنَ الضَّمِيرِ مُغْنِيَةٌ عَنْ ذِكْرِ المُعادِ. وقَدْ كانَ ذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ بَيْنَهم في نَوادِيهِمْ ومُناجاتِهِمْ في أيّامِ مُقامِهِ بَيْنَهم بَعْدَ البَعْثَةِ هو شُغْلُهُمُ الشّاغِلُ لَهم، قَدْ أُجْرِيَ في كَلامِهِمْ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ بِدُونِ سَبْقِ مُعادٍ، عَلِمَ المُتَخاطِبُونَ أنَّهُ المَقْصُودُ. ونَظِيرُ هَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ.

صفحة ١٣٠

ولَوْلا في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ حَرْفُ تَحْضِيضٍ، وشَأْنُ التَّحْضِيضِ أنْ يُواجَهَ بِهِ المُحَضَّضُ لِأنَّ التَّحْضِيضَ مِنَ الطَّلَبِ وشَأْنُ الطَّلَبِ أنْ يُواجَهَ بِهِ المَطْلُوبُ، ولِذَلِكَ كانَ تَعَلُّقُ فِعْلِ الإنْزالِ بِضَمِيرِ الغائِبِ في هَذِهِ الآيَةِ مُؤَوَّلًا بِأحَدِ وجْهَيْنِ:

إمّا أنْ يَكُونَ التِفاتًا، وأصْلُ الكَلامِ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْكَ وهو مِن حِكايَةِ القَوْلِ بِالمَعْنى كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] أيْ قُلْ لَهم أقِيمُوا، ونُكْتَةُ ذَلِكَ نُكْتَةُ الِالتِفاتِ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِ.

وإمّا أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ صَدَرَ مِنهم فِيما بَيْنَهم لِيُبَيِّنَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ شُبْهَةً عَلى انْتِفاءِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ صَدَرَ مِنهم لِلْمُسْلِمِينَ طَمَعًا في أنْ يَرُدُّوهم إلى الكُفْرِ.

والآيَةُ: عَلامَةُ الصِّدْقِ. وأرادُوا خارِقًا لِلْعادَةِ عَلى حَسَبِ اقْتِراحِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨] وهَذا مِن جَهْلِهِمْ بِحَقائِقِ الأشْياءِ وتَحْكِيمِهِمُ الخَيالَ والوَهمَ في حَقائِقِ الأشْياءِ، فَهم يَفْرِضُونَ أنَّ اللَّهَ حَرِيصٌ عَلى إظْهارِ صِدْقِ رَسُولِهِ ﷺ وأنَّهُ يَسْتَفِزُّهُ تَكْذِيبُهم إيّاهُ فَيَغْضَبُ ويُسْرِعُ في مُجاراةِ عِنادِهِمْ لِيَكُفُّوا عَنْهُ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ أفْحَمُوهُ وأعْجَزُوهُ وهو القادِرُ، فَتَوَهَّمُوا أنَّ مُدَّعِيَ الرِّسالَةِ عَنْهُ غَيْرُ صادِقٍ في دَعْواهُ وما دَرَوْا أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ نِظامَ الأُمُورِ تَقْدِيرًا، ووَضَعَ الحَقائِقَ وأسْبابَها، وأجْرى الحَوادِثَ عَلى النِّظامِ الَّذِي قَدَّرَهُ، وجَعَلَ الأُمُورَ بالِغَةً مَواقِيتَها الَّتِي حَدَّدَ لَها، ولا يَضُرُّهُ أنْ يُكَذِّبَ المُكَذِّبُونَ أوْ يُعانِدَ الجاهِلُونَ وقَدْ وضَعَ لَهم ما يَلِيقُ بِهِمْ مِنَ الزَّواجِرِ في الآخِرَةِ لا مَحالَةَ، وفي الدُّنْيا تاراتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي عَلى نُظُمٍ اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ لا يَحْمِلُهُ عَلى تَبْدِيلِها سُؤالُ سائِلٍ ولا تَسْفِيهُ سَفِيهٍ. وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ. فَهم جَعَلُوا اسْتِمْرارَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى دَعْوَتِهِمْ بِالأدِلَّةِ الَّتِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَدْعُوَهم بِها وعَدَمَ تَبْدِيلِهِ ذَلِكَ بِآياتٍ أُخْرى عَلى حَسَبِ رَغْبَتِهِمْ - جَعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤَيَّدٍ مِنَ اللَّهِ فاسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرْسَلَهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ أرْسَلَهُ لَأيَّدَهُ بِما يُوجِبُ لَهُ القَبُولَ عِنْدَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ. وما …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.