Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 11–20 of 109

11

۞ وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسْتِعْجَالَهُم بِٱلْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

And if Allah was to hasten for the people the evil [they invoke] as He hastens for them the good, their term would have been ended for them. But We leave the ones who do not expect the meeting with Us, in their transgression, wandering blindly

﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ﴾ هُمُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ، أُشِيرَ إلى بَعْضٍ مِن عَظائِمِ مَعاصِيهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ذَلِكَ، وهو اسْتِعْجالُهم بِما أُوعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً، وإيرادُهم بِاسْمِ الجِنْسِ لِما أنَّ تَعْجِيلَ الخَيْرِ لَهم لَيْسَ دائِرًا عَلى وصْفِهِمُ المَذْكُورِ، إذْ لَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ، أيْ: لَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهم ﴿الشَّرَّ﴾ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ (اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ)﴾ ونَحْوَ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ وُضِعَ مَوْضِعَ مَصْدَرِ ناصِبِهِ دَلالَةً عَلى اعْتِبارِ الِاسْتِعْجالِ في جانِبِ المُشَبَّهِ، كاعْتِبارِ التَّعْجِيلِ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، وإشْعارًا بِسُرْعَةِ إجابَتِهِ تَعالى لَهُمْ، حَتّى كانَ اسْتِعْجالُهم بِالخَيْرِ نَفْسَ تَعْجِيلِهِ لَهُمْ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لَهُمُ الشَّرَّ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ تَعْجِيلًا مِثْلَ تَعْجِيلِهِ لَهُمُ الخَيْرَ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ بِهِ فَحُذِفَ ما حُذِفَ؛ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الباقِي عَلَيْهِ.

﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾ لَأُدِّيَ إلَيْهِمُ الأجَلُ الَّذِي عُيِّنَ لِعَذابِهِمْ، وأُمِيتُوا وأُهْلِكُوا بِالمَرَّةِ، وما أُمْهِلُوا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وفي إيثارِ صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ جَرْيٌ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ مَعَ الإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، كَما قُرِئَ: (لَقَضَيْنا) واخْتِيارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبال في الشَّرْطِ - وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ - لِإفادَةِ أنَّ عَدَمَ قَضاءِ الأجْلِ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ التَّعْجِيلِ، فَإنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ الواقِعَ مَوْقِعَ الماضِي لَيْسَ بِنَصٍّ في إفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ، بَلْ قَدْ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفائِهِ أيْضًا بِحَسَبِ المَقامِ، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ، واعْلَمْ أنَّ مَدارَ الإفادَةِ في الشَّرْطِيَّةِ أنْ يَكُونَ التّالِي أمْرًا مُغايِرًا لِلْمُقَدَّمِ في نَفْسِهِ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ في الوُجُودِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ فَإنَّ العَنَتَ – أيِ: الوُقُوعَ في المَشَقَّةِ والهَلاكِ - أمْرٌ مُغايِرٌ لِطاعَتِهِ - ﷺ – لَهُمْ، مُتَرَتِّبٌ عَلَيْها في الوُجُودِ، أوْ يَكُونَ فَرْدًا كامِلًا مِن أفْرادِهِ مُمْتازًا عَنِ البَقِيَّةِ بِأمْرٍ يَخُصُّهُ كَما في الأجْوِبَةِ المَحْذُوفَةِ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ ونَظائِرِها، أيْ: لَرَأيْتَ أمْرًا هائِلًا فَظِيعًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ إذا فُسِّرَ الجَوابُ بِالِاسْتِئْصالِ، فَإنَّهُ فَرْدٌ كامِلٌ مِن أفْرادِ مُطَلَّقِ المُؤاخَذَةِ، قَدْ عُبِّرَ عَنْهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في الدَّلالَةِ عَلى الشِّدَّةِ والفَظاعَةِ، فَحَسَنُ مَوْقِعُهُ في مَعْرِضِ التّالِي لِلْمُؤاخَذَةِ المُطْلَقَةِ.

وَأمّا ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ القَضاءِ فَلَيْسَ بِأمْرٍ مُغايِرٍ لِتَعْجِيلِ الشَّرِّ في نَفْسِهِ وهو ظاهِرٌ، بَلْ هو إمّا …

12

وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًۭا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّۢ مَّسَّهُۥ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And when affliction touches man, he calls upon Us, whether lying on his side or sitting or standing; but when We remove from him his affliction, he continues [in disobedience] as if he had never called upon Us to [remove] an affliction that touched him. Thus is made pleasing to the transgressors that which they have been doing

﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ﴾ أيْ: أصابَهُ جِنْسُ الضُّرِّ مِن مَرَضِ وفَقْرٍ وغَيْرِهِما مِنَ الشَّدائِدِ إصابَةً يَسِيرَةً ﴿دَعانا﴾ لِكَشْفِهِ وإزالَتِهِ ﴿لِجَنْبِهِ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (دَعا) بِشَهادَةِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الحالَيْنِ، واللّامُ بِمَعْنى عَلى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ﴾ أيْ: دَعانا كائِنًا عَلى جَنْبِهِ، أيْ: مُضْطَجِعًا ﴿أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ أيْ: في جَمِيعِ الأحْوالِ مِمّا ذُكِرَ وما لَمْ يُذْكَرْ، وتَخْصِيصُ المَعْدُوداتِ بِالذِّكْرِ لِعَدَمِ خُلُوِّ الإنْسانِ عَنْها عادَةً، أوْ دَعانا في جَمِيعِ أحْوالِ مَرَضِهِ، عَلى أنَّهُ المُرادُ بِالضُّرِّ خاصَّةً، مُضْطَجِعًا عاجِزًا عَنِ القُعُودِ، وقاعِدًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى النُّهُوضِ، وقائِمًا لا يَسْتَطِيعُ الحَراكَ.

﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾ الَّذِي مَسَّهُ غِبَّ ما دَعانا حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿مَرَّ﴾ أيْ: مَضى واسْتَمَرَّ عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي كانَ يَنْتَحِيها قَبْلَ مِساسِ الضُّرِّ، ونَسِيَ حالَةَ الجَهْدِ والبَلاءِ، أوْ مَرَّ عَنْ مَوْقِفِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ ونَأى بِجانِبِهِ ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا﴾ أيْ: كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا فَخُفِّفَ وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا

والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ (مَرَّ) أيْ: مَرَّ مُشَبَّهًا بِمَن لَمْ يَدْعُنا ﴿إلى ضُرٍّ﴾ أيْ: إلى كَشْفٍ ضُرٍّ ﴿مَسَّهُ﴾ وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِاعْتِبارِ حالِ بَعْضِ أفْرادِهِ مِمَّنْ هو مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ.

﴿كَذَلِكَ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الآتِي، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدُ لِلتَّفْخِيمِ، والكافُ مُقْحَمَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى زِيادَةِ فَخامَةِ المُشارِ إلَيْهِ - إقْحامًا لا يَكادُ يُتْرَكُ في لُغَةِ العَرَبِ ولا في غَيْرِها - ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ مَكانَ: أنْتَ لا تَبْخَلُ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ العَجِيبِ ﴿زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أيْ: لِلْمَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ، وإسْرافُهم لِما أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أعْطاهُمُ القُوى والمَشاعِرَ لِيَصْرِفُوها إلى مَصارِفِها ويَسْتَعْمِلُوها فِيما خُلِقَتْ لَهُ مِنَ العُلُومِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَلَمّا صَرَفُوها إلى ما لا يَنْبَغِي، وهي رَأْسُ مالِهِمْ فَقَدْ أتْلَفُوها، وأسْرَفُوا إسْرافًا ظاهِرًا، والتَّزْيِينُ إمّا مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّخْلِيَةِ والخِذْلانِ، أوْ مِنَ الشَّيْطانِ بِالوَسْوَسَةِ والتَّسْوِيلِ.

﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإعْراضِ عَنِ الذِّكْرِ والدُّعاءِ والِانْهِماكِ في الشَّهَواتِ، وتَعَلُّقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّ في كُلٍّ مِنهُما إمْلاءً لِلْكَفَرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِدْراجِ بَعْدَ الإنْقاذِ مِنَ الشَّرِّ المُقَدَّرِ في الأُولى ومِنَ الضُّرِّ المُقَرَّرِ في الأُخْرى.

13

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا۟ ۙ وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ

And We had already destroyed generations before you when they wronged, and their messengers had come to them with clear proofs, but they were not to believe. Thus do We recompense the criminal people

﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ﴾ أيِ: القُرُونَ الخالِيَةَ، مِثْلَ: قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وأضْرابِهِمْ و(مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(أهْلَكْنا) أيْ: أهْلَكْناهم مِن قَبْلِ زَمانِكُمْ، والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في تَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ بَعْدَ تَأْيِيدِهِ بِالتَّوْكِيدِ القِسْمِي ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ ظَرْفٌ لِلْإهْلاكِ، أيْ: أهْلَكْناهم حِينَ فَعَلُوا الظُّلْمَ بِالتَّكْذِيبِ والتَّمادِي في الغَيِّ والضَّلالِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ظَلَمُوا بِإضْمارِ "قَدْ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(جاءَتْهُمْ) عَلى أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن رُسُلِهِمْ دالَّةً عَلى إفْراطِهِمْ في الظُّلْمِ وتَناهِيهِمْ في المُكابَرَةِ، أيْ: ظَلَمُوا بِالتَّكْذِيبِ، وقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالآياتِ البَيِّنَةِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِمْ، أوْ مُلْتَبِسِينَ بِها حِينَ لا مَجالَ لِلتَّكْذِيبِ.

وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "وَجاءَتْهُمْ" عَطْفًا عَلى "ظَلَمُوا" فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وعِنْدَ غَيْرِهِ مَحَلُّهُ الجَرُّ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما هو مَجْرُورٌ بِإضافَةِ الظَّرْفِ إلَيْهِ، ولَيْسَ الظُّلْمُ مُنْحَصِرًا في التَّكْذِيبِ حَتّى يُحْتاجَ إلى الِاعْتِذارِ بِأنَّ التَّرْتِيبَ الذِّكْرِيَّ لا يَجِبُ كَوْنُهُ عَلى وفْقِ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ وخَرُّوا لَهُ﴾ ... إلَخْ، بَلْ هو مَحْمُولٌ عَلى سائِرِ أنْواعِ الظُّلْمِ، والتَّكْذِيبُ مُسْتَفادٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَإنَّ اللّامَ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ: وما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا لِفَسادِ اسْتِعْدادِهِمْ، وخِذْلانِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم لِعِلْمِهِ بِأنَّ الألْطافَ لا تَنْجَعُ فِيهِمْ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ عَطْفٌ عَلى (ظَلَمُوا) لِأنَّهُ إخْبارٌ بِإحْداثِ التَّكْذِيبِ، وهَذا بِالإصْرارِ عَلَيْهِ، وعَلى الثّانِي عَطْفٌ عَلى ما عُطِفَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ وما يَجْرِي مَجْرى مَصْدَرِهِ التَّشْبِيهِيِّ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ فَإنَّ الجَزاءَ المُشارَ إلَيْهِ عِبارَةٌ عَنْ مَصْدَرِهِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ، أيِ: الإهْلاكِ الشَّدِيدِ الَّذِي هو الِاسْتِئْصالُ بِالمَرَّةِ ﴿نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: كُلَّ طائِفَةٍ مُجْرِمَةٍ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ وتَهْدِيدٌ أكِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ لِاشْتِراكِهِمْ لِأُولَئِكَ المُهْلَكِينَ في الجَرائِمِ والجَرائِرِ الَّتِي هي تَكْذِيبُ الرَّسُولِ والإصْرارُ عَلَيْهِ، وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرِّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ"، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالقَوْمِ المُجْرِمِينَ أهْلَ مَكَّةَ عَلى طَرِيقَةِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الخِطابِ؛ إيذانًا بِأنَّهم أعْلامٌ في الإجْرامِ، ويَأْباهُ كُلَّ الإباءِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:

14

ثُمَّ جَعَلْنَٰكُمْ خَلَٰٓئِفَ فِى ٱلْأَرْضِ مِنۢ بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

Then We made you successors in the land after them so that We may observe how you will do.

﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ ابْتِداءُ تَعَرُّضٍ لِأُمُورِهِمْ، وأنَّ ما بُيِّنَ فِيهِ إنَّما هو مَبادِئُ أحْوالِهِمْ لِاخْتِبارِ كَيْفِيّاتِ أعْمالِهِمْ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِاسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إثْرَ بَيانِ مُنْتَهى أمْرِهِمْ، وخِطابِهِمْ بِبَتِّ القَوْلِ بِإهْلاكِهِمْ لِكَمالِ إجْرامِهِمْ، والمَعْنى: ثُمَّ اسْتَخْلَفْناكم في الأرْضِ مِن بَعْدِ إهْلاكِ أُولَئِكَ القُرُونِ الَّتِي تَسْمَعُونَ أخْبارَها وتُشاهِدُونَ آثارَها اسْتِخْلافَ مَن يَخْتَبِرُ ﴿لِنَنْظُرَ﴾ أيْ: لِنُعامِلَ مُعامَلَةَ مَن يَنْظُرُ ﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فَهي اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وكَيْفَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِـ"تَعْمَلُونَ" لا بِـ(نَنْظُرَ) فَإنَّ ما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ مانِعٌ مِن تَقَدُّمِ عامِلِهِ عَلَيْهِ، أيْ: أيَّ عَمَلٍ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: عَلى أيِّ حالٍ تَعْمَلُونَ الأعْمالَ اللّائِقَةَ بِالِاسْتِخْلافِ مِن أوْصافِ الحُسْنِ،كَقَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُرادَ بِالذّاتِ والمَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ الِاسْتِخْلافِ إنَّما هو ظُهُورُ الكَيْفِيّاتِ الحَسَنَةِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ، وأمّا الأعْمالُ السَّيِّئَةُ فَبِمَعْزِلٍ مِن أنْ تَصْدُرَ عَنْهم لا سِيَّما بَعْدَما سَمِعُوا أخْبارَ القُرُونِ المُهْلَكَةِ، وشاهَدُوا آثارَ بَعْضِها فَضْلًا عَنْ أنْ يُنْظَمَ ظُهُورُها في سِلْكِ العِلَّةِ الغائِبَةِ لِلِاسْتِخْلافِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، أيْ: أيَّ عَمَلٍ تَعْمَلُونَ أخَيْرًا أمْ شَرًّا فَنُعامِلَكم بِحَسَبِهِ فَلا يَكُونُ في كَلِمَةِ (كَيْفَ) حِينَئِذٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في الجَزاءِ جِهاتُ الأعْمالِ وكَيْفِيّاتُها لا ذَواتُها، كَما هو رَأْيُ القائِلِ، بَلْ تَكُونُ حِينَئِذٍ مُسْتَعارَةً لِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ.

15

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٍۢ ۙ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلْقَآئِ نَفْسِىٓ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who do not expect the meeting with Us say, "Bring us a Qur'an other than this or change it." Say, [O Muhammad], "It is not for me to change it on my own accord. I only follow what is revealed to me. Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ التِفاتٌ مِن خِطابِهِمْ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْهُمْ، وتَوْجِيهًا لِلْخِطابِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَعْدِيدِ جِناياتِهِمُ المُضادَّةِ لِما أُرِيدَ مِنهم بِالِاسْتِخْلافِ مِن تَكْذِيبِ الرَّسُولِ، والكُفْرِ بِالآياتِ البَيِّناتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، كَدَأْبِ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ المُهْلَكَةِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ جَوابِهِمُ الآتِي حَسَبَ تَجَدُّدِ التِّلاوَةِ ﴿آياتُنا﴾ الدّالَّةُ عَلى حَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ وبُطْلانِ الشِّرْكِ، والإضافَةُ لِتَشْرِيفِ المُضافِ والتَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِهِ والتَّرْهِيبِ عَنْ تَكْذِيبِهِ ﴿بَيِّناتٍ﴾ حالَ كَوْنِها واضِحاتِ الدَّلالةِ عَلى ذَلِكَ، وإيرادُ فِعْلِ التِّلاوَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُسْنَدًا إلى الآياتِ - دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبِنائِهِ لِلْفاعِلِ - لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ الحاجَةِ لِتَعَيُّنِ التّالِي ولِلْإيذانِ بِأنَّ كَلامَهم في نَفْسِ المَتْلُوِّ دُونَ التّالِي.

﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إشْعارًا بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْعَظِيمَةِ المَحْكِيَّةِ عَنْهُمْ، وأنَّهم إنَّما اجْتَرَءُوا عَلَيْها لِعَدَمِ خَوْفِهِمْ مِن عِقابِهِ تَعالى يَوْمَ اللِّقاءِ لِإنْكارِهِمْ لَهُ، ولِما هو مِن مَبادِئِهِ مِنَ البَعْثِ، وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ، أيْ: قالُوا لِمَن يَتْلُوها عَلَيْهِمْ وهو رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ - وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ إيذانًا بِتَعَيُّنِهِ -: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا﴾ أشارُوا بِهَذا إلى القرآن المُشْتَمِلِ عَلى تِلْكَ الآياتِ لا إلى نَفْسِها فَقَطْ؛ قَصْدًا إلى إخْراجِ الكُلِّ مِنَ البَيْنِ، أيِ: ائْتِ بِكِتابٍ آخَرَ نَقْرَؤُهُ لَيْسَ فِيهِ ما نَسْتَبْعِدُهُ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ، وما نَكْرَهُهُ مِن ذَمِّ آلِهَتِنا، ومَعايِبِها، والوَعِيدِ عَلى عِبادَتِها.

﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾ بِتَغْيِيرِ تَرْتِيبِهِ بِأنْ تَجْعَلَ مَكانَ الآيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى ذَلِكَ آيَةً أُخْرى خالِيَةً عَنْها، وإنَّما قالُوهُ كَيْدًا وطَمَعًا في المُساعَدَةِ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى الإلْزامِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِ.

﴿قُلْ﴾ لَهُمْ: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾ أيْ: ما يَصِحُّ وما يَسْتَقِيمُ لِي ولا يُمْكِنُنِي أصْلًا ﴿أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ أيْ: مِن قِبَلِ نَفْسِي، وهو مَصْدَرٌ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا، وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ.

وَقَصْرُ الجَوابِ بِبَيانِ امْتِناعِ ما اقْتَرَحُوهُ عَلى اقْتِراحِهِمُ الثّانِي لِلْإيذانِ بِأنَّ اسْتِحالَةَ ما اقْتَرَحُوهُ أوَّلًا مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا حاجَةَ إلى بَيانِها، وأنَّ التَّصَدِّيَ لِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ ضائِعًا رُبَّما يُعَدُّ مِن قَبِيلِ المُجاراةِ مَعَ السُّفَهاءِ، إذا لا يَصْدُرُ مِثْلُ ذَلِكَ الِاقْتِراحِ عَنِ العُقَلاءِ؛ ولِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الثّانِي يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الأوَّلِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.

﴿إنْ أتَّبِعُ﴾ أيْ: ما أتَّبِعُ في شَيْءٍ مِمّا آتِي وأذَرُ ﴿إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ مِن غَيْرِ تَغْيِيرِ لَهُ في شَيْءٍ أصْلًا عَلى مَعْنى قَصْرِ حالِهِ ﷺ عَلى اتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ لا قَصْرِ اتِّباعِهِ عَلى ما يُوحى إلَيْهِ، كَما هو المُتَبادَرُ مِن ظاهِرِ العِبارَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ المَقامِ في سُورَةِ الأنْعامِ، وهو تَعْلِيلٌ لِصَدْرِ الكَلامِ، فَإنَّ مَن شَأْنُهُ اتِّباعُ الوَحْيِ عَلى ما هو عَلَيْهِ لا يَسْتَبِدُّ بِشَيْءٍ دُونَهُ قَطْعًا، وفِيهِ جَوابٌ لِلنَّقْضِ بِنَسْخِ بَعْضِ الآياتِ بِبَعْضٍ، ورَدٌّ لِما عَرَّضُوا بِهِ ﷺ بِهَذا السُّؤالِ …

16

قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

Say, "If Allah had willed, I would not have recited it to you, nor would He have made it known to you, for I had remained among you a lifetime before it. Then will you not reason?"

﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَحْقِيقٌ لِحَقِّيَّةِ القرآن، وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، إثْرَ بَيانِ بُطْلانِ ما اقْتَرَحُوا الإتْيانَ بِهِ واسْتِحالَتِهِ عِبارَةً ودَلالَةً، وإنَّما صُدِّرَ بِالأمْرِ المُسْتَقِلِّ - مَعَ كَوْنِهِ داخِلًا تَحْتَ الأمْرِ السّابِقِ - إظْهارًا لِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ وإيذانًا بِاسْتِقْلالِهِ مَفْهُومًا وأُسْلُوبًا، فَإنَّهُ بُرْهانٌ دالٌّ عَلى كَوْنِهِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، كَما سَيَأْتِي، وما سَبَقَ مُجَرَّدُ إخْبارٍ بِاسْتِحالَةٍ ما اقْتَرَحُوهُ، ومَفْعُولُ "شاءَ" مَحْذُوفٌ يُنْبِئُ عَنْهُ الجَزاءُ لا غَيْرُ ذَلِكَ كَما قِيلَ، فَإنَّ مَفْعُولَ المَشِيئَةِ إنَّما يُحْذَفُ إذا وقَعَتْ شَرْطًا وكانَ مَفْعُولُها مَضْمُونَ الجَزاءِ، ولَمْ يَكُنْ في تَعَلُّقِها بِهِ غَرابَةٌ كَما في قَوْلِهِ:

؎ ولَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِيَ دَمًا لَبَكَيْتُهُ

حَيْثُ لَمْ يُحْذَفْ لِفِقْدانِ الشَّرْطِ الأخِيرِ؛ ولِأنَّ المُسْتَلْزِمَ لِلْجَزاءِ - أعْنِي عَدَمَ تِلاوَتِهِ، ﷺ، لِلْقُرْآنِ عَلَيْهِمْ - إنَّما هو مَشِيئَتُهُ تَعالى لَهُ لا مَشِيئَتُهُ لِغَيْرِ القرآن.

والمَعْنى: أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ مَنُوطٌ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، ولَيْسَ لِي مِنهُ شَيْءٌ قَطُّ، ولَوْ شاءَ عَدَمَ تِلاوَتِي لَهُ عَلَيْكم - لا بِأنْ شاءَ عَدَمَ تِلاوَتِي لَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، بَلْ بِأنْ لَمْ يُنْزِلْهُ عَلَيَّ، ولَمْ يَأْمُرْنِي بِتِلاوَتِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ التِّلاوَةِ عَلى القِراءَةِ - ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم.

﴿وَلا أدْراكم بِهِ﴾ أيْ: ولا أعْلَمَكم بِهِ بِواسِطَتِي، والتّالِي - وهو عَدَمُ التِّلاوَةِ والإدْراءِ - مُنْتَفٍ فَيَنْتَفِي المُقَدَّمُ، أعْنِي مَشِيئَةَ عَدَمِ التِّلاوَةِ، ولا يَخْفي أنَّها مُسْتَلْزَمَةُ لِعَدَمِ مَشِيئَةِ التِّلاوَةِ قَطْعًا فانْتِفاؤُها مُسْتَلْزَمٌ لِانْتِفائِهِ حَتْمًا، وانْتِفاءُ عَدَمِ مَشِيئَةِ التِّلاوَةِ إنَّما يَكُونُ بِتَحَقُّقِ مَشِيئَةِ التِّلاوَةِ، فَثَبَتَ أنَّ تِلاوَتَهُ ﷺ لِلْقُرْآنِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى وأمْرِهِ، وإنَّما قَيَّدْنا الإدْراءَ بِكَوْنِهِ بِواسِطَتِهِ ﷺ لِأنَّ عَدَمَ الإعْلامِ مُطْلَقًا لَيْسَ مِن لَوازِمِ الشَّرْطِ الَّذِي هو مَشِيئَةُ عَدَمِ تِلاوَتِهِ ﷺ فَلا يَجُوزُ نَظْمُهُ في سِلْكِ الجَزاءِ.

وَفِي إسْنادِ عَدَمِ الإدْراءِ إلَيْهِ تَعالى المُنْبِئِ عَنِ اسْتِنادِ الإدْراءِ إلَيْهِ تَعالى إيذانٌ بِأنْ لا دَخْلَ لَهُ ﷺ في ذَلِكَ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

وَقُرِئَ (وَلا أدْرَأْتُكُمْ) و(لا أدْرَأكُمْ) بِالهَمْزَةِ فِيهِما عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: أعْطَأْتُ وأرْضَأْتُ في أعْطَيْتُ وأرْضَيْتُ، أوْ عَلى أنَّهُ مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الدَّفْعِ، أيْ: ولا جَعَلْتُكم بِتِلاوَتِهِ عَلَيْكم خُصَماءَ تَدْرَءُونَنِي بِالجِدالِ، وقُرِئَ (وَلا أنْذَرْتُكم بِهِ)، وقُرِئَ (لَأدْراكُمْ) بِلامِ الجَوابِ، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم أنا ولَأعْلَمَكم بِهِ عَلى لِسانِ غَيْرِي عَلى مَعْنى أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ، لَوْ لَمْ أُرْسَلْ بِهِ أنا لَأُرْسِلَ بِهِ غَيْرِي البَتَّةَ، أوْ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ فَخَصَّنِي بِهَذِهِ الكَرامَةِ.

﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْمُلازَمَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لِكَوْنِ تِلاوَتِهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ حَسْبَما بُيِّنَ آنِفًا، لَكِنْ لا بِطْرِيقِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْها بِعَدَمِ تِلاوَتِهِ ﷺ فِيما سَبَقَ بِسَبَبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى إيّاهُ، بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِشْهادِ عَلَيْها بِما شاهَدُوا مِنهُ ﷺ في تِلْكَ المُدَّةِ …

17

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْمُجْرِمُونَ

So who is more unjust than he who invents a lie about Allah or denies His signs? Indeed, the criminals will not succeed

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، مَعْناهُ: الجَحْدُ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ عَلى مَعْنى أنَّهُ أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وإنْ كانَ سَبْكُ التَّرْكِيبِ مُفِيدًا لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإنْكارِ المُساواةِ ونَفْيِها، فَإنَّهُ إذا قِيلَ: مَن أفْضَلُ مِن فُلانٍ أوْ لا أعْلَمَ مِنهُ، يُفْهَمُ مِنهُ حَتْمًا أنَّهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، وأعْلَمُ مِن كُلِّ عالِمٍ، وزِيادَةُ قَوْلِهِ تَعالى: "كَذِبًا" مَعَ أنَّ الِافْتِراءَ لا يَكُونُ إلّا كَذاكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما أضافُوهُ إلَيْهِ ضِمْنًا، وحَمَلُوهُ ﷺ عَلَيْهِ صَرِيحًا - مَعَ كَوْنِهِ افْتِراءً عَلى اللَّهِ تَعالى - كَذِبٌ في نَفْسِهِ، فَرُبَّ افْتِراءٍ يَكُونُ كَذِبُهُ في الإسْنادِ فَقَطْ، كَما إذا أُسْنِدَ ذَنْبُ زَيْدٍ إلى عَمْرٍو، وهَذا لِلْمُبالَغَةِ مِنهُ ﷺ في التَّفادِي عَمّا ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.

﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ فَكَفَرَ بِها، وهَذا تَظْلِيمٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ لِلْقُرْآنِ، وحَمْلِهِمْ عَلى أنَّهُ مِن جِهَتِهِ ﷺ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الكَلامِ عَلى ما سَبَقَ مِن بَيانِ كَوْنِ القرآن بِمَشِيئَتِهِ تَعالى وأمْرِهِ، فَلا مَجالَ لِحَمْلِ الِافْتِراءِ عَلى الِافْتِراءِ بِاتِّخاذِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، أيْ: وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَنِ افْتَرى عَلَيْهِ تَعالى بِأنْ يَخْتَلِقَ كَلامًا فَيَقُولُ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ - أوْ يُبَدِّلَ بَعْضَ آياتِهِ تَعالى بِبَعْضٍ، كَما تُجَوِّزُونَ ذَلِكَ في شَأْنِي، وكَذَلِكَ مَن كَذَّبَ بِآياتِهِ تَعالى كَما تَفْعَلُونَهُ - أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ.

﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وقَعَ اسْمًا لِـ"إنَّ"، والخَبَرُ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الجُمْلَةِ، ومَدارُ وضْعِهِ مَوْضِعَهُ ادِّعاءُ شُهْرَتِهِ المُغْنِيَةِ عَنْ ذِكْرِهِ، وفائِدَةُ تَصْدِيرِها بِهِ الإيذانُ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِهِ في الذِّهْنِ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما يَعْقُبُهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الشَّأْنَ هَذا، أيْ: ﴿لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ أيْ: لا يَنْجُونَ مِن مَحْذُورٍ ولا يَظْفَرُونَ بِمَطْلُوبٍ، والمُرادُ: جِنْسُ المُجْرِمِينَ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المُفْتَرِي والمُكَذِّبُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.

18

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ

And they worship other than Allah that which neither harms them nor benefits them, and they say, "These are our intercessors with Allah " Say, "Do you inform Allah of something He does not know in the heavens or on the earth?" Exalted is He and high above what they associate with Him

﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهم نَشَأتْ عَنْها جِنايَتُهُمُ الأُولى، مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ، عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، و(مِن دُونِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ"يَعْبُدُونَ" ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِهِ، أيْ: مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا بِمَعْنى تَرْكِ عِبادَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ بِمَعْنى عَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِها، وجَعْلِها قَرِينًا لِعِبادَةِ الأصْنامِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ أيْ: ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الضُّرُّ والنَّفْعُ مِنَ الأصْنامِ الَّتِي هي جَماداتٌ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، وتَقْدِيمُ نَفْيِ الضَّرَرِ؛ لِأنَّ أدْنى أحْكامِ العِبادَةِ دَفْعُ الضَّرَرِ الَّذِي هو أوَّلُ المَنافِعِ، والعِبادَةُ أمْرٌ حادِثٌ مَسْبُوقٌ بِالعَدَمِ، الَّذِي هو مَظِنَّةُ الضَّرَرِ فَحَيْثُ لَمْ تَقْدِرُ الأصْنامُ عَلى الضَّرَرِ لَمْ يُوجَدْ لِإحْداثِ العِبادَةِ سَبَبٌ، وقِيلَ: لا يَضُرُّهم إنْ تَرَكُوا عِبادَتَها، ولا يَنْفَعُهم إنْ عَبَدُوها، كانَ أهْلُ الطّائِفِ يَعْبُدُونَ اللّاتَ، وأهْلُ مَكَّةَ عُزّى ومَناةَ وهُبَلَ وإسافًا ونائِلَةَ.

﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ عَنِ النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَشْفَعُ لِي اللّاتُ، قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِكُلِّ إقْلِيمٍ رُوحٌ مُعِينٌ مِن أرْواحِ الأفْلاكِ، فَعَيَّنُوا لِذَلِكَ الرُّوحِ صَنَمًا مُعَيَّنًا مِنَ الأصْنامِ واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِهِ، ومَقْصُودُهم ذَلِكَ الرُّوحُ، ثُمَّ اعْتَقَدُوا أنَّ ذَلِكَ الرُّوحَ يَكُونُ عِنْدَ الإلَهِ الأعْظَمِ مُشْتَغِلًا بِعُبُودِيَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ فَوَضَعُوا لَها أصْنامًا مُعَيَّنَةً، واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها قَصْدًا إلى عِبادَةِ الكَواكِبِ، وقِيلَ: إنَّهم وضَعُوا طَلْسَماتٍ مُعِينَةً عَلى تِلْكَ الأصْنامِ، ثُمَّ تَقَرَّبُوا إلَيْها، وقِيلَ: إنَّهم وضَعُوا هَذِهِ الأصْنامَ عَلى صُوَرِ أنْبِيائِهِمْ وأكابِرِهِمْ، وزَعَمُوا أنَّهم مَتى اشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ هَذِهِ التَّماثِيلِ فَإنَّ أُولَئِكَ الأكابِرَ يَشْفَعُونَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهُمْ: ﴿أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ﴾ أيْ: أتُخْبِرُونَهُ بِما لا وُجُودَ لَهُ أصْلًا، وهو كَوْنُ الأصْنامِ شُفَعاءَهم عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، إذْ لَوْلاهُ لَعَلِمَهُ عَلّامُ الغُيُوبِ، وفِيهِ تَقْرِيعٌ لَهم وتَهَكُّمٌ بِهِمْ وبِما يَدَّعُونَهُ مِنَ المُحالِ الَّذِي لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ والإمْكانِ، وقُرِئَ (أتُنَبِّيُونَ) بِالتَّخْفِيفِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ في (يَعْلَمُ) مُؤَكِّدَةٌ لِلنَّفْيِ؛ لِأنَّ ما لا يُوجَدُ فِيهِما فَهو مُنْتَفٍ عادَةً ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ عَنْ إشْراكِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِتِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ، أوْ عَنْ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَهم شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ (تُشْرِكُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وعَلى الأوَّلِ هو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

19

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَٱخْتَلَفُوا۟ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

And mankind was not but one community [united in religion], but [then] they differed. And if not for a word that preceded from your Lord, it would have been judged between them [immediately] concerning that over which they differ.

﴿وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ بَيانٌ لِأنَّ التَّوْحِيدَ والإسْلامَ مِلَّةٌ قَدِيمَةٌ أجْمَعَتْ عَلَيْها النّاسُ قاطِبَةً فِطْرَةً وتَشْرِيعًا، وأنَّ الشِّرْكَ وفُرُوعَهُ جَهالاتٌ ابْتَدَعَها الغُواةُ خِلافًا لِلْجُمْهُورِ، وشَقًّا لِعَصا الجَماعَةِ.

وَأمّا حَمْلُ اتِّخاذِهِمْ عَلى الِاتِّفاقِ عَلى الضَّلالِ عِنْدَ الفَتْرَةِ، واخْتِلافِهِمْ عَلى ما كانَ مِنهم مَنِ الِاتِّباعِ والإصْرارِ، فَمِمّا لا احْتِمالَ لَهُ، أيْ: وما كانَ النّاسُ كافَّةً مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ والتَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ، وذَلِكَ مِن عَهْدِ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ، وقِيلَ: إلى زَمَنِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: إلى زَمَنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: مِن حِينِ الطُّوفانِ حِينَ لَمْ يَذَرِ اللَّهُ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا إلى أنْ ظَهَرَ فِيما بَيْنَهُمُ الكُفْرُ، وقِيلَ: مِن لَدُنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنْ أظْهَرَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ عِبادَةَ الأصْنامِ، فالمُرادُ بِالنّاسِ العَرَبُ خاصَّةً، وهو الأنْسَبُ بِإيرادِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إثْرَ حِكايَةِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الهَناتِ وتَنْزِيهِ ساحَةِ الكِبْرِياءِ عَنْ ذَلِكَ.

﴿فاخْتَلَفُوا﴾ بِأنْ كَفَرَ بَعْضُهم وثَبَتَ آخَرُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، فَخالَفَ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الآخَرَ لا أنَّ كُلًّا مِنهُما أحْدَثَ مِلَّةً عَلى حِدَةٍ مِن مَلَلِ الكُفْرِ مُخالِفَةً لِمِلَّةِ الآخَرِ، فَإنَّ الكَلامَ لَيْسَ في ذَلِكَ الِاخْتِلافِ، إذْ كُلٌّ مِنهُما مُبْطِلٌ حِينَئِذٍ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقْضى بَيْنَهُما بِإبْقاءِ المُحِقِّ وإهْلاكِ المُبْطِلِ، والفاءُ التَّعْقِيبِيَّةُ لا تُنافِي امْتِدادَ زَمانِ الِاتِّفاقِ، إذِ المُرادُ بَيانُ وُقُوعِ الِاخْتِلافِ عَقِيبَ انْصِرامِ مُدَّةِ الِاتِّفاقِ لا عَقِيبَ حُدُوثِ الِاتِّفاقِ.

﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ بِتَأْخِيرِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، أوْ بِتَأْخِيرِ العَذابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجِلًا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ بِإبْقاءِ المُحِقِّ وإهْلاكِ المُبْطِلِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبال لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ ولِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ.

20

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

And they say, "Why is a sign not sent down to him from his Lord?" So say, "The unseen is only for Allah [to administer], so wait; indeed, I am with you among those who wait."

﴿وَيَقُولُونَ﴾ حِكايَةٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهُمْ، مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، والقائِلُونَ أهْلُ مَكَّةَ.

﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أرادُوا: (آيَةٌ) مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها، كَأنَّهم لِفَرْطِ العُتُوِّ والفَسادِ، ونِهايَةِ التَّمادِي في المُكابَرَةِ والعِنادِ لَمْ يَعُدُّوا البَيِّناتِ النّازِلَةَ عَلَيْهِ ﷺ مِن جِنْسِ الآياتِ واقْتَرَحُوا غَيْرَها، مَعَ أنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ والمُعْجِزاتِ المُتَكاثِرَةِ ما يَضْطَرُّهم إلى الِانْقِيادِ والقَبُولِ لَوْ كانُوا مِن أرْبابِ العُقُولِ.

فَقُلْ لَهم في الجَوابِ: ﴿إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ اللّامُ لِلِاخْتِصاصِ العِلْمِيِّ دُونَ التَّكْوِينِيِّ، فَإنَّ الغَيْبَ والشَّهادَةَ في ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ سِيّانِ، والمَعْنى: أنَّ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ وزَعَمْتُمْ أنَّهُ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ وعَلَّقْتُمْ إيمانَكم بِنُزُولِهِ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِاللَّهِ تَعالى لا وُقُوفَ لِي عَلَيْهِ ﴿فانْتَظِرُوا﴾ نُزُولَهُ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ أيْ: لِما يَفْعَلُ اللَّهُ بِكم لِاجْتِرائِكم عَلى مِثْلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ مِن جُحُودِ الآياتِ واقْتِراحِ غَيْرِها، وجَعْلُ الغَيْبِ عِبارَةً عَنِ الصّارِفِ عَنْ إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ يَأْباهُ تَرْتِيبُ الأمْرِ بِالِانْتِظارِ عَلى اخْتِصاصِ الغَيْبِ بِهِ تَعالى.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.