Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud

Ayahs 101–109 of 109

101

قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ

Say, "Observe what is in the heavens and earth." But of no avail will be signs or warners to a people who do not believe

﴿قُلِ﴾ مُخاطِبًا لِأهْلِ مَكَّةَ بَعْثًا لَهم عَلى التَّدَبُّرِ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما مِن تَعاجِيبِ الآياتِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ؛ لِيَتَّضِحَ لَكَ أنَّهم مِنَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وحَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ: ﴿انْظُرُوا﴾ أيْ: تَفَكَّرُوا، وقُرِئَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى لامِ قُلْ ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ بَدِيعٍ فِيهِما مِن عَجائِبِ صُنْعِهِ الدّالَّةِ عَلى وحْدَتِهِ وكَمالِ قدرته، عَلى أنَّ (ماذا) جُعِلَ بِالتَّرْكِيبِ اسْمًا واحِدًا مُغَلَّبًا فِيهِ الِاسْتِفْهامُ عَلى اسْمِ الإشارَةِ، فَهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما مُبْتَدَأً، و"ذا" بِمَعْنى الَّذِي، والظَّرْفُ صِلَتُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمُبْتَدَأُ والخَبَرُ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِإسْقاطِ الخافِضِ، وفِعْلُ النَّظَرِ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِفْهامِ.

﴿وَما تُغْنِي﴾ أيْ: ما تَنْفَعُ، وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ ﴿الآياتُ﴾ وهي الَّتِي عُبِّرَ عَنْها بِقَوْلِهِ تَعالى: (ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ) ﴿والنُّذُرُ﴾ جَمْعُ نَذِيرٍ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِمَعْنى مُنْذِرٍ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أيْ: لا تَنْفَعُ الآياتُ والرُّسُلُ المُنْذِرُونَ أوِ الإنْذاراتُ ﴿عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وحُكْمِهِ فَـ"ما" نافِيَةٌ، والجُمْلَةُ إمّا حالِيَّةٌ، أوِ اعْتِراضِيَّةٌ، ويَجُوزُ كَوْنُ "ما" اسْتِفْهامِيَّةً إنْكارِيَّةً في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: أيَّ إغْناءٍ تُغْنِي... إلَخْ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اعْتِراضِيَّةٌ.

102

فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

So do they wait except for like [what occurred in] the days of those who passed on before them? Say, "Then wait; indeed, I am with you among those who wait."

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ أيْ: مُشْرِكُو مَكَّةَ وأضْرابِهِمْ ﴿إلا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ أيْ: إلّا يَوْمًا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن مُشْرِكِي الأُمَمِ الماضِيَةِ، أيْ: مِثْلَ وقائِعِهِمْ ونُزُولِ بَأْسِ اللَّهِ بِهِمْ إذْ لا يَسْتَحِقُّونَ غَيْرَهُ مِن قَوْلِهِمْ: (أيّامُ العَرَبِ ) لِوَقائِعِها ﴿قُلْ﴾ تَهْدِيدًا لَهم ﴿فانْتَظِرُوا﴾ ما هو عاقِبَتَكم ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِذَلِكَ.

103

ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Then We will save our messengers and those who have believed. Thus, it is an obligation upon Us that We save the believers

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وهو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ مُسارَعَةً إلى التَّهْدِيدِ، ومُبالَغَةً في تَشْدِيدِ الوَعِيدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أهْلَكْنا الأُمَمَ ثُمَّ نَجَّيْنا رُسُلَنا المُرْسَلَةَ إلَيْهِمْ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِحِكايَةِ الأحْوالِ الماضِيَةِ؛ لِتَهْوِيلِ أمْرِها بِاسْتِحْضارِ صُوَرِها، وتَأْخِيرُ حِكايَةِ التَّنْجِيَةِ عَنْ حِكايَةِ الإهْلاكِ - عَلى عَكْسِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ﴾ ... إلَخْ، ونَظائِرِهِ الوارِدَةِ في مَواقِعَ عَدِيدَةٍ - لِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ ﴿حَقًّا عَلَيْنا﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا، وقِيلَ بَدَلٌ مِنَ المَحْذُوفِ الَّذِي نابَ عَنْهُ كَذَلِكَ، أيْ: إنْجاءً مِثْلَ ذَلِكَ حَقًّا، والكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شِدَّةٍ وعَذابٍ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ، والمُرادُ بِـ"المُؤْمِنِينَ": إمّا الجِنْسُ المُتَناوِلُ لِلرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والأتْباعِ، وإمّا الأتْباعُ فَقَطْ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ إنْجاءُ الرُّسُلِ؛ إيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَدارَ النَّجاةِ هو الإيمانُ.

104

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Say, [O Muhammad], "O people, if you are in doubt as to my religion - then I do not worship those which you worship besides Allah; but I worship Allah, who causes your death. And I have been commanded to be of the believers

﴿قُلْ﴾ لِجُمْهُورِ المُشْرِكِينَ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أُوثِرَ الخِطابُ باسِمِ الجِنْسِ مُصَدَّرًا بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ؛ تَعْمِيمًا لِلتَّبْلِيغِ، وإظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما بَلَغَ إلَيْهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي﴾ الَّذِي أتَعَبَّدُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ وأدْعُوكم إلَيْهِ، ولَمْ تَعْلَمُوا ما هو وما صِفَتُهُ ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.

﴿وَلَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ ثُمَّ يَفْعَلُ بِكم ما يَفْعَلُ مِن فُنُونِ العَذابِ، أيْ: فاعْلَمُوا أنَّهُ: تَخْصِيصُ العِبادَةِ بِهِ ورَفْضُ عِبادَةِ ما سِواهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مِمّا تَعْبُدُونَهُ جَهْلًا، وتَقْدِيمُ تَرْكِ عِبادَةِ الغَيْرِ عَلى عِبادَتِهِ تَعالى لِتَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، كَما في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ولِلْإيذانِ بِالمُخالَفَةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن صِحَّةِ دِينِي وسَدادِهِ فاعْلَمُوا أنَّ خُلاصَتَهُ إخْلاصُ العِبادَةِ لِمَن بِيَدِهِ الإيجادُ والإعْدامُ دُونَ ما هو بِمَعْزِلٍ مِنهُما مِنَ الأصْنامِ، فاعْرِضُوها عَلى عُقُولِكُمْ، وأجِيلُوا فِيها أفْكارَكُمْ، وانْظُرُوا فِيها بِعَيْنِ الإنْصافِ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ، وفي تَخْصِيصِ التَّوَفِّي بِالذِّكْرِ مُتَعَلِّقًا بِهِمْ ما لا يَخْفي مِنَ التَّهْدِيدِ، والتَّعْبِيرُ عَمّا هم فِيهِ بِالشَّكِّ - مَعَ كَوْنِهِمْ قاطِعِينَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ - لِلْإيذانِ بِأنَّ أقْصى ما يُمْكِنُ عُرُوضُهُ لِلْعاقِلِ في هَذا البابِ هو الشَّكُّ في صِحَّتِهِ، وأمّا القَطْعُ بِعَدَمِها فَمِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن ثَباتِي عَلى الدِّينِ فاعْلَمُوا أنِّي لا أتْرُكُهُ أبَدًا.

﴿وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ، ونَطَقَ بِهِ الوَحْيُ، وهو تَصْرِيحٌ بِأنَّ ما هو عَلَيْهِ مِن دِينِ التَّوْحِيدِ لَيْسَ بِطَرِيقِ العَقْلِ الصِّرْفِ، بَلْ بِالإمْدادِ السَّماوِيِّ، والتَّوْفِيقِ الإلَهِيِّ، وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مِن (أنْ) يَجُوزَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الحَذْفِ المُطَّرِدِ مَعَ (أنْ) وأنْ يَكُونَ خاصًّا بِفِعْلِ الأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ:

أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ

105

وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًۭا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

And [commanded], 'Direct your face toward the religion, inclining to truth, and never be of those who associate others with Allah;

﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ عَطْفٌ عَلى (أنْ أكُونَ) خَلا أنَّ صِلَةَ "أنْ" مَحْكِيَّةٌ بِصِيغَةِ الأمْرِ، ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَناطَ جَوازِ وصْلِها بِصِيَغِ الأفْعالِ دَلالَتُها عَلى المَصْدَرِ، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ بِالخَبَرِيَّةِ والطَّلَبِيَّةِ، ووُجُوبُ كَوْنِ الصِّلَةِ خَبَرِيَّةً في المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ إنَّما هو لِلتَّوَصُّلِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، وهي لا تُوصَفُ إلّا بِالجُمَلِ الخَبَرِيَّةِ، ولَيْسَ المَوْصُولُ الحَرْفِيُّ كَذَلِكَ، أيْ: وأُمِرْتُ بِالِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ والِاسْتِبْدادِ فِيهِ بِأداءِ المَأْمُورِ بِهِ والِانْتِهاءِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، أوْ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ في الصَّلاةِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى اليَمِينِ والشَّمالِ (حَنِيفًا) حالٌ مِنَ الدِّينِ، أوِ الوَجْهِ، أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ.

﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى "أقِمْ" داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ، أيْ: لا تَكُونَنَّ مِنهُمُ اعْتِقادًا ولا عَمَلًا.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا:

106

وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًۭا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And do not invoke besides Allah that which neither benefits you nor harms you, for if you did, then indeed you would be of the wrongdoers.'"

﴿وَلا تَدْعُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، وقِيلَ: عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ النَّهْيِ، والوَجْهُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ ما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ - إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ - مُتَّسِقَةٌ لا يُمْكِنُ فَصْلُ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ كَما تَرى، ولا وجْهَ لِإدْراجِ الكُلِّ تَحْتَ الأمْرِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ، وتَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ فِيهِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِالأمْرِ، وكَشْفًا عَنْ وجْهِ بُطْلانِ ما عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ، أيْ: لا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا ما لا يَنْفَعُكَ إذا دَعَوْتَهُ بِدَفْعِ مَكْرُوهٍ أوْ جَلْبِ مَحْبُوبٍ.

﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ إذا تَرَكْتَهُ بِسَلْبِ المَحْبُوبِ دَفْعًا أوْ رَفْعًا، أوْ بِإيقاعِ المَكْرُوهِ، وتَقْدِيمُ النَّفْعِ عَلى الضَّرَرِ غَنِيٌّ عَنْ بَيانِ السَّبَبِ﴿فَإنْ فَعَلْتَ﴾ أيْ: ما نُهِيتَ عَنْهُ مِن دُعاءِ ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، كُنِّيَ بِهِ عَنْهُ تَنْوِيهًا لِشَأْنِهِ ﷺ وتَنْبِيهًا عَلى رِفْعَةِ مَكانِهِ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ولَوْ في ضِمْنِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ ﴿فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ جَزاءٌ لِلشَّرْطِ وجَوابٌ لِسُؤالِ مَن يَسْألُ عَنْ تَبِعَةِ ما نُهِيَ عَنْهُ.

107

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍۢ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

And if Allah should touch you with adversity, there is no remover of it except Him; and if He intends for you good, then there is no repeller of His bounty. He causes it to reach whom He wills of His servants. And He is the Forgiving, the Merciful

﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ تَقْرِيرٌ لِما أُورِدَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن سَلْبِ النَّفْعِ مِنَ الأصْنامِ، وتَصْوِيرٌ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾ عَنْكَ كائِنًا مَن كانَ وما كانَ ﴿إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ، فَيَثْبُتُ عَدَمُ كَشْفِ الأصْنامِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وهو بَيانٌ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِرَفْعِ المَكْرُوهِ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِجَلْبِ المَحْبُوبِ اسْتِلْزامًا ظاهِرًا، فَإنَّ رَفْعَ المَكْرُوهِ أدْنى مَراتِبِ النَّفْعِ فَإذا انْتَفي انْتَفي بِالكُلِّيَّةِ.

﴿وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ تَحْقِيقٌ لِسَلْبِ الضَّرَرِ الوارِدِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، أيْ: إنْ يُرِدْ أنْ يُصِيبَكَ بِخَيْرٍ ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما أرادَكَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ، فَهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ لا نَفْسُ الجَوابِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ فَيَضانَ الخَيْرِ مِنهُ تَعالى بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، أيْ: لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى رَدِّهِ كائِنًا ما كانَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الأصْنامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وهو بَيانٌ لِعَدَمِ ضُرِّها بِدَفْعِ المَحْبُوبِ قَبْلَ وُقُوعِهِ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ ضُرِّها بِرَفْعِهِ، أوْ بِإيقاعِ المَكْرُوهِ اسْتِلْزامًا جَلِيًّا، ولَعَلَّ ذِكْرَ الإرادَةِ مَعَ الخَيْرِ والمَسِّ مَعَ الضُّرِّ - مَعَ تَلازُمِ الأمْرَيْنِ - لِلْإيذانِ بِأنَّ الخَيْرَ مُرادٌ بِالذّاتِ، وأنَّ الضُّرَّ إنَّما يَمَسُّ مَن يَمَسُّهُ لِما يُوجِبُهُ مِنَ الدَّواعِي الخارِجِيَّةِ لا بِالقَصْدِ الأوَّلِيِّ، أوْ أُرِيدَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ في كُلٍّ مِنَ الضُّرِّ والخَيْرِ، وأنَّهُ لا رادَّ لِما يُرِيدُ مِنهُما، ولا مُزِيلَ لِما يُصِيبُ بِهِ مِنهُما، فَأُوجِزَ الكَلامُ بِأنْ ذُكِرَ في أحَدِهِما المَسُّ، وفي الآخَرِ الإرادَةُ، لِيَدُلَّ بِما ذُكِرَ في كُلِّ جانِبٍ عَلى ما تُرِكَ في الجانِبِ الآخَرِ عَلى أنَّهُ قَدْ صُرِّحَ بِالإصابَةِ حَيْثُ قِيلَ: ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِجانِبِ الخَيْرِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَرْكُ الِاسْتِثْناءِ فِيهِ، أيْ يُصِيبُ بِفَضْلِهِ الواسِعِ المُنْتَظِمِ لِما أرادَكَ بِهِ مِنَ الخَيْرِ، وجَعْلُ الفَضْلِ عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ الخَيْرِ بِعَيْنِهِ - عَلى أنْ يَكُونَ مِن بابِ وضْعِ المُظْهَرِ في مَوْضِعِ المُضْمَرِ - لِما ذُكِرَ مِنَ الفائِدَةِ، يَأْباهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يُنادِي بِعُمُومِ الفَضْلِ.

وَقَوْلُهُ عَزَّ قائِلًا: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَذْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ ... إلَخْ، مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ، والكُلُّ تَذْيِيلٌ لِلشَّرْطِيَّةِ الأخِيرَةِ مُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِها.

108

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ

Say, "O mankind, the truth has come to you from your Lord, so whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul, and whoever goes astray only goes astray [in violation] against it. And I am not over you a manager."

﴿قُلْ﴾ مُخاطِبًا لِأُولَئِكَ الكَفَرَةِ بَعْدَما بَلَّغْتَهم ما أُوحِيَ إلَيْكَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن العَظِيمُ المُشْتَمِلُ عَلى مَحاسِنِ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما مَرَّ آنِفًا مِن أُصُولِ الدِّينِ، واطَّلَعْتُمْ عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى، ولَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ بِالإيمانِ بِهِ والعَمَلِ بِما في مَطْلُوبِهِ ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أيْ: مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ لَها خاصَّةً ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ بِالكُفْرِ بِهِ والإعْراضِ عَنْهُ ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ: فَوَبالُ الضَّلالِ مَقْصُورٌ عَلَيْها، والمُرادُ تَنْزِيهُ ساحَةِ الرِّسالَةِ عَنْ شائِبَةِ غَرَضٍ عائِدٍ إلَيْهِ ﷺ مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، كَما يُلَوِّحُ بِهِ إسْنادُ المَجِيءِ إلى الحَقِّ مِن غَيْرِ إشْعارٍ بِكَوْنِ ذَلِكَ بِواسِطَتِهِ ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إلَيَّ أمْرُكُمْ، وإنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ.

109

وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And follow what is revealed to you, [O Muhammad], and be patient until Allah will judge. And He is the best of judges.

﴿واتَّبِعْ﴾ اعِتْقادًا وعَمَلًا وتَبْلِيغًا ﴿ما يُوحى إلَيْكَ﴾ عَلى نَهْجِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ مِنَ الحَقِّ المَذْكُورِ، المُتَأكِّدِ يَوْمًا فَيَوْمًا، وفي التَّعْبِيرِ عَنْ بُلُوغِهِ إلَيْهِمْ بِالمَجِيءِ وإلَيْهِ ﷺ بِالوَحْيِ تَنْبِيهٌ عَلى ما بَيْنَ المَرْتَبَتَيْنِ مِنَ التَّنائِي ﴿واصْبِرْ﴾ عَلى ما يَعْتَرِيكَ مِن مَشاقِّ التَّبْلِيغِ ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ بِالأمْرِ بِالقِتالِ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ إذْ لا يُمْكِنُ الخَطَأُ في حُكْمِهِ لِاطِّلاعِهِ عَلى السَّرائِرِ إثْرَ اطِّلاعِهِ عَلى الظَّواهِرِ.

عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ««مَن قَرَأ سُورَةَ يُونُسَ أُعْطِيَ لَهُ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن صَدَّقَ بِيُونُسَ وكَذَّبَ بِهِ، وبِعَدَدِ مَن غَرِقَ مَعَ فِرْعَوْنَ».»

والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ.

Commentary: Irshad al-'Aql al-Salim by Abu al-Su'ud. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.