Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 101–109 of 109

101

قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ

Say, "Observe what is in the heavens and earth." But of no avail will be signs or warners to a people who do not believe

﴿قُلُ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ﴾ [يونس: ٩٩] إلَخْ. قَسَّمَ النّاسَ إلى قِسْمَيْنِ: مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، أيْ فادْعُهم إلى النَّظَرِ في دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ والإرْشادِ إلى تَحْصِيلِ أسْبابِ الإيمانِ ودَفْعِ غِشاواتِ الكُفْرِ، وذَلِكَ بِالإرْشادِ إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِما هو حَوْلَ الإنْسانِ مِن أحْوالِ المَوْجُوداتِ وتَصارِيفِها الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، مِثْلِ أجْرامِ الكَواكِبِ، وتَقادِيرِ مَسِيرِها، وأحْوالِ النُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّياحِ والسَّحابِ والمَطَرِ، وكَذَلِكَ البِحارُ والجِبالُ.

وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِـ قُلْ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِها.

وقَدْ عَمَّمَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِتَتَوَجَّهَ كُلُّ نَفْسٍ إلى ما هو أقْرَبُ إلَيْها وأيْسَرُ اسْتِدْلالًا عَلَيْهِ لَدَيْها.

والنَّظَرُ: هُنا مُسْتَعْمَلٌ فِيما يَصْلُحُ لِلنَّظَرِ القَلْبِيِّ والنَّظَرِ البَصَرِيِّ، ولِذَلِكَ عُدِلَ عَنْ إعْمالِهِ عَمَلَ أحَدِ الفِعْلَيْنِ لِكَيْلا يَتَمَحَّضَ لَهُ، فَجِيءَ بَعْدَهُ بِالِاسْتِفْهامِ المُعَلِّقِ لِكِلا الفِعْلَيْنِ بِحَيْثُ أصْبَحَ حَمْلُ النَّظَرِ عَلى كِلَيْهِما عَلى حَدِّ السَّواءِ فَصارَ صالِحًا لِلْمَعْنَيَيْنِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ، وذَلِكَ مِن مَقاصِدِ القُرْآنِ.

صفحة ٢٩٦

وماذا بِمَعْنى ما الَّذِي، وما اسْتِفْهامٌ، وذا أصْلُهُ اسْمُ إشارَةٍ، وهو إذا وقَعَ بَعْدَ ما قامَ مَقامَ اسْمٍ مَوْصُولٍ. و﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قائِمٌ مَقامَ صِلَةِ المَوْصُولِ. وأصْلُ وضْعِ التَّرْكِيبِ: ما هَذا في السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ ما المُشارُ إلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ في السَّماواتِ والأرْضِ، فَكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى صارَ في مَعْنى: ما الَّذِي. والمَقْصُودُ: انْظُرُوا ما يَدُلُّكم عَلى جَوابِ هَذا الِاسْتِفْهامِ، فَكُلُّ شَيْءٍ لَهُ حالَةٌ فَهو مُرادٌ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ بِتَرْكِيبِهِ في صُورَةِ مَفْعُولَيْنِ، نَحْوَ: انْظُرُوا الشَّمْسَ طالِعَةً، وانْظُرُوا السَّحابَ مُمْطِرًا، وهَكَذا، وكُلُّ شَيْءٍ هو في ذاتِهِ آيَةٌ فَهو مُرادٌ بِالنَّظَرِ البَصَرِيِّ نَحْوَ: انْظُرُوا إنْباتَ الأرْضِ بَعْدَ جَدْبِها فَهو آيَةٌ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ. فَـ ذا لَمّا قامَ مَقامَ اسْمِ المَوْصُولِ صارَ مِن صِيَغِ العُمُومِ تَشْمَلُ جَمِيعَ الأجْرامِ وأعْراضِها الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، وأخَصُّ ذَلِكَ التَّأمُّلُ في خُلُقِ النَّبِيءِ ﷺ ونَشْأةِ دَعْوَتِهِ، والنَّظَرِ فِيما جاءَ بِهِ. فَكُلُّ ذَلِكَ دَلائِلُ عَلى كَمالِهِ وصِدْقِهِ.

وقَدْ طُوِيَ في الكَلامِ جَوابُ الأمْرِ لِوُقُوعِ الأمْرِ عَقِبَ أسْبابِ الإيمانِ، فالتَّقْدِيرُ: انْظُرُوا تَرَوْا آياتٍ مُوصِلَةٍ إلى الإيمانِ.

وجُمْلَةُ ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ ذُيِّلَتْ بِها جُمْلَةُ ﴿انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَمِّمَةً لِمَقُولِ القَوْلِ مِمّا أمَرَ النَّبِيءُ ﷺ أنْ يَقُولَهُ لَهم ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى أبْلِغْهم ما أُمِرْتَ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ ولَيْسَتْ تُغْنِي الآياتُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ، أيِ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ نُفُوسَهم لا تُؤْمِنُ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مُفِيدًا أنَّ ذَلِكَ آياتٌ كَما تَقَدَّمَ حَسُنَ وقْعُ التَّعْبِيرِ عَنْها بِالآياتِ هُنا، فَمَعْنى ﴿وما تُغْنِي الآياتُ﴾: وما يُغْنِي ما في السَّماواتِ …

102

فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

So do they wait except for like [what occurred in] the days of those who passed on before them? Say, "Then wait; indeed, I am with you among those who wait."

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنَجِّ المُومِنِينَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ﴾ [يونس: ١٠١] بِاعْتِبارِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ النُّذُرِ. فَهي خِطابٌ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - لِرَسُولِهِ ﷺ أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى انْتِفاءِ انْتِفاعِهِمْ بِالآياتِ والنُّذُرِ وعَلى إصْرارِهِمْ أنْ يَسْألَ عَنْهم: ماذا يُنْتَظَرُونَ، ويُجابُ بِأنَّهم ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ ما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ سِيقَتْ قَصَصُهم في الآياتِ الماضِيَةِ، ووَقَعَ الِاسْتِفْهامُ بِـ هَلْ لِإفادَتِها تَحْقِيقَ السُّؤالِ وهو بِاعْتِبارِ تَحْقِيقِ المَسْؤُولِ عَنْهُ وأنَّهُ جَدِيرٌ بِالجَوابِ بِالتَّحْقِيقِ.

صفحة ٢٩٨

والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ تَهَكُّمِيٌّ إنْكارِيٌّ، نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا يَأْتِيهِمْ لِيُؤْمِنُوا، ولَيْسَ ثَمَّةُ شَيْءٍ يَصْلُحُ لِأنْ يَنْتَظِرُوهُ إلّا أنْ يَنْتَظِرُوا حُلُولَ مِثْلِ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مَن قَبْلِهِمُ الَّتِي هَلَكُوا فِيها.

وضُمِّنَ الِاسْتِفْهامُ مَعْنى النَّفْيِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ. والتَّقْدِيرُ: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا، ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ.

وأُطْلِقَتِ الأيّامُ عَلى ما يَقَعُ فِيها مِنَ الأحْداثِ العَظِيمَةِ. ومِن هَذا إطْلاقُ (أيّامِ العَرَبِ) عَلى الوَقائِعِ وجُمْلَةُ ﴿قُلْ فانْتَظِرُوا﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ . وفُصِلَ بَيْنَ المُفَرَّعِ والمُفَرَّعِ عَلَيْهِ بِـ قُلْ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ. ولِيَنْتَقِلَ مِن مُخاطَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ إلى مُخاطَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْمَهُ وبِذَلِكَ يَصِيرُ التَّفْرِيعُ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُخْتَلِفَيِ القائِلِ شَبِيهًا بِعَطْفِ التَّلْقِينِ الَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] . عَلى أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ في مَقامِ الوَحْيِ والتَّبْلِيغِ اخْتِلافٌ ضَعِيفٌ لِأنَّهُما آئِلان إلى كَلامٍ واحِدٍ. وهَذا مَوْقِعٌ غَرِيبٌ لِفاءِ التَّفْرِيعِ.

وبِهَذا النَّسْجِ حَصَلَ إيجازٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ بِالتَّفْرِيعِ اعْتُبِرَ ناشِئًا عَنْ كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - فَكَأنَّ اللَّهَ بَلَّغَهُ النَّبِيءَ ﷺ ثُمَّ أمَرَ النَّبِيءَ - صَلّى اٌللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَلِّغَهُ قَوْمَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلّا التَّبْلِيغُ، وهو يَتَضَمَّنُ وعْدَ اللَّهِ نَبِيَهُ بِأنَّهُ يَرى ما يَنْتَظِرُهم مِنَ العَذابِ، فَهو وعِيدٌ وهو يَتَضَمَّنُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ. وسَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ انْتَظَرُوا لِأنَّها تُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: ها نَحْنُ أُولاءِ نَنْتَظِرُ وأنْتَ ماذا تَفْعَلُ. وهَذا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ تَرَقُّبِهِ النَّصْرَ إذْ لا يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يَنْتَظِرُ سُوءًا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ

صفحة ٢٩٩

يَنْتَظِرُ مِن ذَلِكَ ضِدَّ ما يَحْصُلُ لَهم، فالمَعِيَّةُ في أصْلِ الِانْتِظارِ لا في الحاصِلِ بِالِانْتِظارِ.

ومَعَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. ومِنَ المُنْتَظَرِينَ خَبَرُ إنَّ ومُفادُهُ مُفادُ مَعَ إذْ ماصَدَقَ، المُنْتَظِرِينَ: هُمُ المُخاطَبُونَ المُنْتَظِرُونَ.

و﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ لِأنَّ مِثْلَ تِلْكَ …

103

ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Then We will save our messengers and those who have believed. Thus, it is an obligation upon Us that We save the believers

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنَجِّ المُومِنِينَ﴾

تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ﴾ [يونس: ١٠١] بِاعْتِبارِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ النُّذُرِ. فَهي خِطابٌ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - لِرَسُولِهِ ﷺ أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى انْتِفاءِ انْتِفاعِهِمْ بِالآياتِ والنُّذُرِ وعَلى إصْرارِهِمْ أنْ يَسْألَ عَنْهم: ماذا يُنْتَظَرُونَ، ويُجابُ بِأنَّهم ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ ما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ سِيقَتْ قَصَصُهم في الآياتِ الماضِيَةِ، ووَقَعَ الِاسْتِفْهامُ بِـ هَلْ لِإفادَتِها تَحْقِيقَ السُّؤالِ وهو بِاعْتِبارِ تَحْقِيقِ المَسْؤُولِ عَنْهُ وأنَّهُ جَدِيرٌ بِالجَوابِ بِالتَّحْقِيقِ.

صفحة ٢٩٨

والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ تَهَكُّمِيٌّ إنْكارِيٌّ، نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا يَأْتِيهِمْ لِيُؤْمِنُوا، ولَيْسَ ثَمَّةُ شَيْءٍ يَصْلُحُ لِأنْ يَنْتَظِرُوهُ إلّا أنْ يَنْتَظِرُوا حُلُولَ مِثْلِ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مَن قَبْلِهِمُ الَّتِي هَلَكُوا فِيها.

وضُمِّنَ الِاسْتِفْهامُ مَعْنى النَّفْيِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ. والتَّقْدِيرُ: فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا، ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ.

وأُطْلِقَتِ الأيّامُ عَلى ما يَقَعُ فِيها مِنَ الأحْداثِ العَظِيمَةِ. ومِن هَذا إطْلاقُ (أيّامِ العَرَبِ) عَلى الوَقائِعِ وجُمْلَةُ ﴿قُلْ فانْتَظِرُوا﴾ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ . وفُصِلَ بَيْنَ المُفَرَّعِ والمُفَرَّعِ عَلَيْهِ بِـ قُلْ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ. ولِيَنْتَقِلَ مِن مُخاطَبَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ إلى مُخاطَبَةِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْمَهُ وبِذَلِكَ يَصِيرُ التَّفْرِيعُ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُخْتَلِفَيِ القائِلِ شَبِيهًا بِعَطْفِ التَّلْقِينِ الَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] . عَلى أنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ في مَقامِ الوَحْيِ والتَّبْلِيغِ اخْتِلافٌ ضَعِيفٌ لِأنَّهُما آئِلان إلى كَلامٍ واحِدٍ. وهَذا مَوْقِعٌ غَرِيبٌ لِفاءِ التَّفْرِيعِ.

وبِهَذا النَّسْجِ حَصَلَ إيجازٌ بَدِيعٌ لِأنَّهُ بِالتَّفْرِيعِ اعْتُبِرَ ناشِئًا عَنْ كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - فَكَأنَّ اللَّهَ بَلَّغَهُ النَّبِيءَ ﷺ ثُمَّ أمَرَ النَّبِيءَ - صَلّى اٌللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يُبَلِّغَهُ قَوْمَهُ فَلَيْسَ لَهُ إلّا التَّبْلِيغُ، وهو يَتَضَمَّنُ وعْدَ اللَّهِ نَبِيَهُ بِأنَّهُ يَرى ما يَنْتَظِرُهم مِنَ العَذابِ، فَهو وعِيدٌ وهو يَتَضَمَّنُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ. وسَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ انْتَظَرُوا لِأنَّها تُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: ها نَحْنُ أُولاءِ نَنْتَظِرُ وأنْتَ ماذا تَفْعَلُ. وهَذا مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ تَرَقُّبِهِ النَّصْرَ إذْ لا يُظَنُّ بِهِ أنَّهُ يَنْتَظِرُ سُوءًا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ

صفحة ٢٩٩

يَنْتَظِرُ مِن ذَلِكَ ضِدَّ ما يَحْصُلُ لَهم، فالمَعِيَّةُ في أصْلِ الِانْتِظارِ لا في الحاصِلِ بِالِانْتِظارِ.

ومَعَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ. ومِنَ المُنْتَظَرِينَ خَبَرُ إنَّ ومُفادُهُ مُفادُ مَعَ إذْ ماصَدَقَ، المُنْتَظِرِينَ: هُمُ المُخاطَبُونَ المُنْتَظِرُونَ.

و﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا﴾ لِأنَّ مِثْلَ تِلْكَ …

104

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Say, [O Muhammad], "O people, if you are in doubt as to my religion - then I do not worship those which you worship besides Allah; but I worship Allah, who causes your death. And I have been commanded to be of the believers

صفحة ٣٠٠

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةُ المَعْنى بِجُمْلَةِ ﴿قُلُ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، إذِ المَقْصُودُ مِنَ النَّظَرِ المَأْمُورِ بِهِ هُنالِكَ النَّظَرُ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ، فَإنَّ جُحُودَهم إيّاها هو الَّذِي أقْدَمَهم عَلى تَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ في قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ بِإثْباتِها وأبْطَلَ الإشْراكَ، فَلَمّا أمَرَهم بِالنَّظَرِ المُؤَدِّي إلى إثْباتِ انْفِرادِهِ - تَعالى - بِالإلَهِيَّةِ أعْقَبَهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهم إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى الشَّكِّ فِيما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ ثابِتٌ عَلى ما جاءَ بِهِ وأنَّ دَلائِلَ صِحَّةِ دِينِهِ بَيِّنَةٌ لِلنّاظِرِينَ. والمُرادُ بِـ النّاسِ في هَذا الخِطابِ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، أوْ جَمِيعِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ الَّذِينَ لَمّا يَسْتَجِيبُوا لِلدَّعْوَةِ.

و(في) مِن قَوْلِهِ: (في شَكٍّ) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ المُسْتَعْمَلَةِ في التَّمَكُّنِ تَشْبِيهًا لِتَمَكُّنِ الصِّفَةِ بِتَمَكُّنِ الظَّرْفِ مِنَ المَظْرُوفِ مِن جِهَةِ الإحاطَةِ.

وعَلَّقَ الظَّرْفَ بِذاتِ الدِّينِ، والمُرادُ الشَّكُّ في حالَةٍ مِن أحْوالِهِ وهي الحالَةُ المُلْتَبِسَةُ بِهِمْ أعْنِي حالَةَ حَقِّيَّتِهِ.

ومِن في قَوْلِهِ: مِن دِينِي لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ، أيْ شَكٌّ آتٍ مِن دِينِي. وهو ابْتِداءٌ يَئُولُ إلى مَعْنى السَّبَبِيَّةِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ شاكِّينَ شَكًّا سَبَبُهُ دِينِي، أيْ يَتَعَلَّقُ بِحَقِّيَّتِهِ؛ لِأنَّ الشَّكَّ يُحْمَلُ في كُلِّ مَقامٍ عَلى ما يُناسِبُهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤] . وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ [البقرة: ٢٣]

صفحة ٣٠١

والشَّكُّ في الدِّينِ هو الشَّكُّ في كَوْنِهِ حَقًّا، وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وإنَّما يَكُونُ هَذا الشَّكُّ عِنْدَ عَدَمِ تَصَوُّرِ حَقِيقَةِ هَذا الدِّينِ بِالكُنْهِ وعَدَمِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ، فالشَّكُّ في صِدْقِهِ يَسْتَلْزِمُ الشَّكَّ في ماهِيَّتِهِ لِأنَّهم لَوْ أدْرَكُوا كُنْهَهُ لَما شَكُّوا في حَقِّيَّتِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ ودالَّةٌ عَلَيْهِ في المَعْنى. فَتَقْدِيرُ الجَوابِ: فَأنا عَلى يَقِينٍ مِن فَسادِ دِينِكم، فَلا أتَّبِعُهُ، فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ.

ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ هو أصْلُ دِينِ الإسْلامِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في الآيَةِ مَعْنًى ثانٍ، أيْ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن مَعْرِفَةِ هَذا الدِّينِ فَخُلاصَتُهُ أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ ولَكِنِّي أعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ، فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١] ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] فَيَتَأتّى في هَذِهِ الآيَةِ غَرَضانِ. فَيَكُونُ المُرادُ بِالنّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ﴾ جَمِيعُ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا.

والَّذِينَ يَعْبُدُونَهُمُ الأصْنامُ. وعُومِلَتِ الأصْنامُ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ فَأُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ المَوْصُولِ الَّذِي لِجَماعَةِ العُقَلاءِ مُجاراةً لِما يَعْتَقِدُونَهُ فِيها مِنَ العَقْلِ …

105

وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًۭا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

And [commanded], 'Direct your face toward the religion, inclining to truth, and never be of those who associate others with Allah;

﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾

مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُعْضِلٌ لِأنَّ الواوَ عاطِفَةٌ لا مَحالَةَ، ووَقَعَتْ بَعْدَها أنْ. فالأظْهَرُ أنْ تَكُونَ أنْ مَصْدَرِيَّةً، فَوُقُوعُ فِعْلِ الطَّلَبِ بَعْدَها غَيْرُ مَأْلُوفٍ لِأنَّ حَقَّ صِلَةِ أنْ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً. قالَ في الكَشّافِ: قَدْ سَوَّغَ سِيبَوَيْهِ أنْ تُوصَلَ أنْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ وصْلُ أنْ بِما تَكُونُ مَعَهُ في مَعْنى المَصْدَرِ، وفِعْلا الأمْرِ والنَّهْيِ دالّانِ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ غَيْرُهُما مِنَ الأفْعالِ ا ه. يُشِيرُ إلى ما في كِتابِ سِيبَوَيْهِ " بابٌ تَكُونُ (أنْ) فِيهِ بِمَنزِلَةِ (أيْ) . فالمَعْنى: وأُمِرْتُ بِإقامَةِ وجْهِيَ لِلدِّينِ حَنِيفًا، ويَكُونُ العَطْفُ عَطْفَ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ.

صفحة ٣٠٣

وقِيلَ الواوُ عَطَفَتْ فِعْلًا مُقَدَّرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ أُمِرْتُ. والتَّقْدِيرُ: وأُوحِيَ إلَيَّ، وتَكُونُ أنْ مُفَسِّرَةً لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ؛ لِأنَّهُ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.

وعِنْدِي: أنَّ أُسْلُوبَ نَظْمِ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ لَمْ يَقَعْ إلّا لِمُقْتَضًى بَلاغِيٍّ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ لِصِيغَةِ أقِمْ وجْهَكَ خُصُوصِيَّةٌ في هَذا المَقامِ، فَلْنُعْرِضْ عَمّا وقَعَ في الكَشّافِ وعَنْ جَعْلِ الآيَةِ مِثالًا لِما سَوَّغَهُ سِيبَوَيْهِ ولْنَجْعَلِ الواوَ مُتَوَسَّعًا في اسْتِعْمالِها بِأنِ اسْتُعْمِلَتْ نائِبَةً مَنابَ الفِعْلِ الَّذِي عُطِفَتْ عَلَيْهِ، أيْ فِعْلِ أُمِرْتُ دُونَ قَصْدِ تَشْرِيكِها لِمَعْطُوفِها مَعَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بَلِ اسْتُعْمِلَتْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِيرِهِ. والتَّقْدِيرُ: أُمِرْتُ أنْ أقِمْ وجْهَكَ فَتَكُونُ أنْ تَفْسِيرًا لِما في الواوِ مِن تَقْدِيرِ لَفْظِ فِعْلِ أُمِرْتُ لِقَصْدِ حِكايَةِ اللَّفْظِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ بِلَفْظِهِ، ولِيَتَأتّى عَطْفُ ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ عَلَيْهِ. وهَذا مِن عَطْفِ الجُمَلِ لا مَن عَطَفِ المُفْرَداتِ، وقَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] في سُورَةِ العُقُودِ، وهو هُنا أوَعْبُ.

والإقامَةُ: جَعْلَ الشَّيْءِ قائِمًا. وهي هُنا مُسْتَعارَةٌ لِإفْرادِ الوَجْهِ بِالتَّوَجُّهِ إلى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لا يَتْرُكُ وجْهَهُ يَنْثَنِي إلى شَيْءٍ آخَرَ. واللّامُ لِلْعِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ الدِّينِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: مَحِّضْ وجْهَكَ لِلدِّينِ لا تَجْعَلْ لِغَيْرِ الدِّينِ شَرِيكًا في تَوَجُّهِكَ. وهَذِهِ التَّمْثِيلِيَّةُ كِنايَةٌ عَنْ تَوْجِيهِ نَفْسِهِ بِأسْرِها لِأجْلِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ وإرْشادِ الأُمَّةِ وإصْلاحِها. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وحَنِيفًا حالٌ مِنَ الدِّينِ وهو دِينُ التَّوْحِيدِ؛ لِأنَّهُ حَنِفَ أيْ مالَ عَنِ الآلِهَةِ وتَمَحَّضَ لِلَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

صفحة ٣٠٤

﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ نَهْيٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الأمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ تَصْرِيحًا بِمَعْنى حَنِيفًا. وتَأْكِيدُ الفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْهُ اعْتِناءً بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الشِّرْكِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ المُشْرِكِينَ ونَحْوَهُ أبْلَغُ في الِاتِّصافِ مِن نَحْوِ: لا تَكُنْ مُشْرِكًا، لِما فِيهِ مِنَ التَّبَرُّؤِ مِنَ الطّائِفَةِ ذاتِ نِحْلَةِ الإشْراكِ.

106

وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًۭا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And do not invoke besides Allah that which neither benefits you nor harms you, for if you did, then indeed you would be of the wrongdoers.'"

﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٥]

ولَمْ يُؤَكَّدِ الفِعْلُ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِئَلّا يَمْنَعَ وُجُودُها مِن حَذْفِ حَرْفِ العِلَّةِ بِأنَّ حَذْفَهُ تَخْفِيفٌ وفَصاحَةٌ، ولِأنَّ النَّهْيَ لَمّا اقْتَرَنَ بِما يُومِئُ إلى التَّعْلِيلِ كانَ فِيهِ غُنْيَةٌ عَنْ تَأْكِيدِهِ لِأنَّ المَوْصُولَ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ يُومِئُ إلى وجْهِ النَّهْيِ عَنْ دُعائِكَ، إذْ دُعاءُ أمْثالِها لا يَقْصِدُهُ العاقِلُ.

ومِن دُونِ اللَّهِ اعْتِراضٌ بَيْنَ فِعْلِ تَدْعُ ومَفْعُولِهِ، وهو إدْماجٌ لِلْحَثِّ عَلى دُعائِهِ اللَّهَ.

وتَفْرِيعُ: فَإنْ فَعَلْتَ عَلى النَّهْيَيْنِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا مَعْذِرَةَ لِمَن يَأْتِي ما نُهِيَ عَنْهُ بَعْدَ أنْ أُكِّدَ نَهْيُهُ وبُيِّنَتْ عِلَّتُهُ، فَمَن فَعَلَهُ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ واعْتَدى عَلى حَقِّ رَبِّهِ.

وأكَّدَ الكَوْنَ مِنَ الظّالِمِينَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ بِـ إنَّ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ، وأُتِيَ بِـ إذَنْ لِلْإشارَةِ إلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّ سائِلًا سَألَ: فَإنْ فَعَلْتَ فَماذا يَكُونُ ؟ .

صفحة ٣٠٥

وفِي قَوْلِهِ: مِنَ الظّالِمِينَ مِن تَأْكِيدٌ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: مِنَ المُشْرِكِينَ ونَظائِرِهِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا الفَرْضِ تَنْبِيهُ النّاسِ عَلى فَظاعَةِ عِظَمِ هَذا الفِعْلِ حَتّى لَوْ فَعَلَهُ أشْرَفُ المَخْلُوقِينَ لَكانَ مِنَ الظّالِمِينَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]

107

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍۢ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

And if Allah should touch you with adversity, there is no remover of it except Him; and if He intends for you good, then there is no repeller of His bounty. He causes it to reach whom He wills of His servants. And He is the Forgiving, the Merciful

﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهْوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

عَطَفٌ عَلى جُمْلَةِ ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ لِقَصْدِ التَّعْرِيضِ بِإبْطالِ عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ أنَّ الأصْنامَ شُفَعاءٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمّا أبْطَلَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ أنْ تَكُونَ الأصْنامُ نافِعَةً أوْ ضارَّةً، وكانَ إسْنادُ النَّفْعِ أوِ الضُّرِّ أكْثَرَ ما يَقَعُ عَلى مَعْنى صُدُورِهِما مِن فاعِلِهِما ابْتِداءً، ولا يَتَبادَرُ مِن ذَلِكَ الإسْنادِ مَعْنى الوَساطَةِ في تَحْصِيلِهِما مِن فاعِلٍ، عُقِّبَتْ جُمْلَةُ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ﴾ [يونس: ١٠٦] بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِلْإعْلامِ بِأنَّ إرادَةَ اللَّهِ النَّفْعَ أوِ الضُّرَّ لِأحَدٍ لا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ أنْ يَصْرِفَهُ عَنْها أوْ يَتَعَرَّضَ فِيها إلّا مَن جَعَلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ بِدُعاءٍ أوْ شَفاعَةٍ.

ووَجْهُ عَطْفِها عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِما بَيْنَهُما مِن تَغايُرٍ في المَعْنى بِالتَّفْصِيلِ والزِّيادَةِ، وبِصِيغَتَيِ العُمُومِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الدّاخِلِ فِيهِما أصْنامُهم وهي المَقْصُودَةُ، كَما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ الزُّمَرِ ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]

صفحة ٣٠٦

وتَوْجِيهُ الخِطابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ أوْلى النّاسِ بِالخَيْرِ ونَفْيِ الضُّرِّ. فَيَعْلَمُ أنَّ غَيْرَهُ أوْلى بِهَذا الحَكَمِ وهَذا المَقْصُودُ.

والمَسُّ: حَقِيقَتُهُ وضْعُ اليَدِ عَلى جِسْمٍ لِاخْتِبارِ مَلْمَسِهِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الإصابَةِ مَجازًا مُرْسَلًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ [الأعراف: ٢٠١] في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ.

والإرادَةُ بِالخَيْرِ: تَقْدِيرُهُ والقَصْدُ إلَيْهِ. ولَمّا كانَ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ولا يَتَرَدَّدُ عِلْمُهُ فَإذا أرادَ شَيْئًا فَعَلَهُ، فَإطْلاقُ الإرادَةِ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإصابَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . وقَدْ عَبَّرَ بِالمَسِّ في مَوْضِعِ الإرادَةِ في نَظِيرِها في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] . ولَكِنْ عَبَّرَ هُنا بِالإرادَةِ مُبالَغَةً في سَلْبِ المَقْدِرَةِ عَمَّنْ يُرِيدُ مُعارَضَةَ مُرادِهِ - تَعالى - كائِنًا مَن كانَ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ التَّعَرُّضَ لِلَّهِ في خَيْرِهِ ولَوْ كانَ بِمُجَرَّدِ إرادَتِهِ قَبْلَ حُصُولِ فِعْلِهِ، فَإنَّ التَّعَرُّضَ حِينَئِذٍ أهْوَنُ لِأنَّ الدَّفْعَ أسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ، وأمّا آيَةُ سُورَةِ الأنْعامِ فَسِياقُها في بَيانِ قُدْرَةِ اللَّهِ - تَعالى - لا في تَنْزِيهِهِ عَنِ المُعارِضِ والمُعانِدِ.

والفَضْلُ: هو الخَيْرُ، ولِذَلِكَ فَإيقاعُهُ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الخَيْرَ الواصِلَ إلى النّاسِ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لا اسْتِحْقاقَ لَهم بِهِ لِأنَّهم عَبِيدٌ إلَيْهِ يُصِيبُهم بِما يَشاءُ.

وتَنْكِيرُ ضُرٍّ وخَيْرٍ لِلنَّوْعِيَّةِ الصّالِحَةِ لِلْقِلَّةِ والكَثْرَةِ.

وكُلٌّ مِن جُمْلَةِ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هُوَ﴾ وجُمْلَةِ ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ المَذْكُورِ مَعَها، ولَيْسَ الجَوابُ بِمَحْذُوفٍ.

وجُمْلَةُ …

108

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ

Say, "O mankind, the truth has come to you from your Lord, so whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul, and whoever goes astray only goes astray [in violation] against it. And I am not over you a manager."

صفحة ٣٠٨

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ هو كَذَيْلٍ لِما مَضى في السُّورَةِ كُلِّها وحَوْصَلَةٍ لِما جَرى مِنَ الِاسْتِدْلالِ والمُجادَلَةِ والتَّخْوِيفِ والتَّرْغِيبِ، ولِذَلِكَ جاءَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ كَلامًا جامِعًا ومُوادَعَةً قاطِعَةً.

وافْتِتاحُها بِـ قُلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - فَهو جَدِيرٌ بِالتَّلَقِّي.

وافْتِتاحُ المَقُولِ بِالنِّداءِ لِاسْتِيعاءِ سَماعِهِمْ لِأهَمِّيَّةِ ما سَيُقالُ لَهم، والخِطابُ لِجَمِيعِ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، والمَقْصُودُ مِنهُ ابْتِداءً المُشْرِكُونَ، ولِذَلِكَ أُطِيلُ الكَلامُ في شَأْنِهِمْ. وقَدْ ذُكِرَ مَعَهم مَنِ اهْتَدى تَشْرِيفًا لَهم.

وأكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ قَدْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما فِيهِ الحَقُّ قَدْ أُبْلِغَ إلَيْهِمْ وتَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ حَقًّا.

والحَقُّ: هو الدِّينُ الَّذِي جاءَ بِهِ القُرْآنُ، ووَصَفَهُ بِـ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِأنَّهُ حَقٌّ مُبِينٌ لا يَخْلِطُهُ باطِلٌ ولا رَيْبٌ، فَهو مَعْصُومٌ مِن ذَلِكَ.

واخْتِيارُ وصْفِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ النّاسِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ إرْشادٌ مِنَ الَّذِي يُحِبُّ صَلاحَ عِبادِهِ ويَدْعُوهم إلى ما فِيهِ نَفْعُهم شَأْنُ مَن يَرُبُّ، أيْ يَسُوسُ ويُدَبِّرُ.

وتَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿قَدْ جاءَكُمُ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مَجِيءَ الحَقِّ الواضِحِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أنَّ إتْباعَهُ غُنْمٌ لِمُتَّبِعِهِ ولَيْسَ مَزِيَّةً لَهُ عَلى اللَّهِ، لِيُتَوَصَّلَ مِن ذَلِكَ إلى أنَّ المُعْرِضَ عَنْهُ قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، ورَتَّبَ عَلَيْها تَبِعَةَ الإعْراضِ.

صفحة ٣٠٩

واللّامُ في قَوْلِهِ: لِنَفْسِهِ دالَّةٌ عَلى أنَّ الِاهْتِداءَ نِعْمَةٌ وغِنًى وأنَّ الإعْراضَ ضُرٌّ عَلى صاحِبِهِ.

ووَجْهُ الإتْيانِ بِطَرِيقَتَيِ الحَصْرِ في ﴿فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ وفي ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ كانُوا يَتَمَطَّوْنَ في الِاقْتِراحِ فَيَقُولُونَ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُفِيدُ أنَّهم يَمُنُّونَ عَلَيْهِ لَوْ أسْلَمُوا، وكانَ بَعْضُهم يُظْهِرُ أنَّهُ يَغِيظُ النَّبِيءَ ﷺ بِالبَقاءِ عَلى الكُفْرِ فَكانَ القَصْرُ مُفِيدًا أنَّ اهْتِداءَهُ مَقْصُورٌ عَلى تَعَلُّقِ اهْتِدائِهِ بِمَعْنى اللّامِ في قَوْلِهِ: لِنَفْسِهِ أيْ بِفائِدَةِ نَفْسِهِ لا يَتَجاوَزُهُ إلى التَّعَلُّقِ بِفائِدَتِي. وأنَّ ضَلالَهُ مَقْصُورٌ عَلى التَّعَلُّقِ بِمَعْنى عَلى نَفْسِهِ، أيْ لِمَضَرَّتْها لا يَتَجاوَزُهُ إلى التَّعَلُّقِ بِمَضَرَّتِي.

وجُمْلَةُ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ فَهي داخِلَةٌ في حَيِّزِ التَّفْرِيعِ، وإتْمامٌ لِلْمُفَرَّعِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ اهْتِداءُ المُهْتَدِي لِنَفْسِهِ وضَلالُ الضّالِّ عَلى نَفْسِهِ تَحَقَّقَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ غَيْرُ مَأْمُورٍ مِنَ اللَّهِ بِأكْثَرَ مِنَ التَّبْلِيغِ وأنَّهُ لا نَفْعَ لِنَفْسِهِ في اهْتِدائِهِمْ ولا يَضُرُّهُ ضَلالُهم، فَلا يَحْسَبُوا حِرْصَهُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ عَنْها حَتّى يَتَمَطَّوْا ويَشْتَرِطُوا، وأنَّهُ ناصِحٌ لَهم ومُبَلِّغٌ ما في اتِّباعِهِ خَيْرُهم والإعْراضُ عَنْهُ ضُرُّهم.

والإتْيانُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المَنفِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ انْتِفاءِ ذَلِكَ الحُكْمِ …

109

وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And follow what is revealed to you, [O Muhammad], and be patient until Allah will judge. And He is the best of judges.

صفحة ٣١٠

﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهْوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ .

عَطْفٌ عَلى قُلْ أيْ بَلِّغِ النّاسَ ذَلِكَ القَوْلَ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ﴾، أيِ اتَّبِعْ في نَفْسِكَ وأصْحابِكَ ما يُوحى إلَيْكَ. واصْبِرْ أيْ عَلى مُعانَدَةِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِقَرِينَةِ الغايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ فَإنَّها غايَةٌ لِهَذا الصَّبْرِ الخاصِّ لا لِمُطْلَقِ الصَّبْرِ.

ولَمّا كانَ الحُكْمُ يَقْتَضِي فَرِيقَيْنِ حَذَفَ مُتَعَلِّقَهُ تَعْوِيلًا عَلى قَرِينَةِ السِّياقِ، أيْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم.

وجُمْلَةُ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ ثَناءٌ وتَذْيِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ، أيْ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ بَيْنَ كُلِّ خَصْمَيْنِ في هَذِهِ القَضِيَّةِ وفي غَيْرِها، فالتَّعْرِيفُ في الحاكِمِينَ لِلِاسْتِغْراقِ بِقَرِينَةِ التَّذْيِيلِ.

وخَيْرُ تَفْضِيلٌ، أصْلُهُ أخْيَرُ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. والأخْيَرِيَّةُ مِنَ الحاكِمِينَ أخْيَرِيَّةُ وفاءِ الإنْصافِ في إعْطاءِ الحُقُوقِ. وهي هُنا كِنايَةٌ عَنْ مُعاقَبَةِ الظّالِمِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالصَّبْرِ مُشْعِرٌ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُعْتَدًى عَلَيْهِ، فَفي الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ خَيْرُ الحاكِمِينَ إيماءٌ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرٌ رَسُولَهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوا وعانَدُوا. وهَذا كَلامٌ جامِعٌ فِيهِ بَراعَةُ المَقْطَعِ.

* * *

صفحة ٣١١

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ هُودٍ

سُمِّيَتْ في جَمِيعِ المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ والسُّنَّةِ سُورَةَ هُودٍ، ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قالَ: شَيَّبَتْنِي هُودٌ، والواقِعَةُ، والمُرْسَلاتُ، وعَمَّ يَتَساءَلُونَ، وإذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» . رَواهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن سُورَةِ الواقِعَةِ. ورُوِيَ مِن طُرُقٍ أُخْرى بِألْفاظٍ مُتَقارِبَةٍ يَزِيدُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ.

وسُمِّيَتُ باسِمِ هُودٍ لِتَكَرُّرِ اسْمِهِ فِيها خَمْسَ مَرّاتٍ، ولِأنَّ ما حُكِيَ عَنْهُ فِيها أطْوَلُ مِمّا حُكِيَ عَنْهُ في غَيْرِها، ولِأنَّ عادًا وُصِفُوا فِيها بِأنَّهم قَوْمُ هُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠]، وقَدْ تَقَدَّمَ في تَسْمِيَةِ سُورَةِ يُونُسَ وجْهٌ آخَرُ لِلتَّسْمِيَةِ يَنْطَبِقُ عَلى هَذِهِ وهو تَمْيِيزُها مِن بَيْنِ السُّوَرِ ذَواتِ الِافْتِتاحِ بِـ الر

وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عِنْدَ الجُمْهُورِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ، وقَتادَةَ إلّا آيَةً واحِدَةً وهي ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] إلى قَوْلِهِ: لِلذّاكِرِينَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ. وهي قَوْلُهُ - تَعالى:

صفحة ٣١٢

﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [هود: ١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [هود: ١٧] قِيلَ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] الآيَةَ. قِيلَ نَزَلَتْ في قِصَّةِ أبِي اليَسَرِ كَما سَيَأْتِي، والأصَحُّ أنَّها كُلَّها مَكِّيَّةٌ وأنَّ ما رُوِيَ مِن أسْبابِ النُّزُولِ في بَعْضِ آيِها تَوَهُّمٌ لِاشْتِباهِ الِاسْتِدْلالِ بِها في قِصَّةٍ بِأنَّها نَزَلَتْ حِينَئِذٍ كَما يَأْتِي، عَلى أنَّ الآيَةَ الأُولى مِن هَذِهِ الثَّلاثِ واضِحٌ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.