Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 101–109 of 109

101

قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ

Say, "Observe what is in the heavens and earth." But of no avail will be signs or warners to a people who do not believe

﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾: أمَرَ تَعالى بِالفِكْرِ فِيما أوْدَعَهُ تَعالى في السَّماواتِ والأرْضِ، إذِ السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَتِهِ تَعالى هو بِالتَّفَكُّرِ في مَصْنُوعاتِهِ، فَفي العالَمِ العُلْوِيِّ في حَرَكاتِ الأفْلاكِ ومَقادِيرِها وأوْضاعِها والكَواكِبِ، وما يَخْتَصُّ بِذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ، وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ في أحْوالِ العَناصِرِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وخُصُوصًا حالُ الإنْسانِ. وكَثِيرًا ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ الحَضَّ عَلى الفِكْرِ في مَخْلُوقاتِهِ تَعالى وقالَ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ، والعاقِلُ يَتَنَبَّهُ لِتَفاصِيلِها وأقْسامِها. ثُمَّ لَمّا أمَرَ بِالنَّظَرِ أخْبَرَ أنَّهُ مَن لا يُؤْمِنُ لا تُغْنِيهِ الآياتُ.

والنُّذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ، إمّا مَصْدَرٌ فَمَعْناهُ: الإنْذاراتُ، وإمّا بِمَعْنى: مُنْذِرٌ فَمَعْناهُ: المُنْذِرُونَ والرُّسُلُ. وما: الظّاهِرُ أنَّها لِلنَّفْيِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ تُغْنِي الآياتُ وهي الدَّلائِلُ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ. وفي الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ والكِسائِيُّ: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ بِضَمِّ اللّامِ، وقُرِئَ: ﴿وما تُغْنِي﴾ بِالتّاءِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وبِالياءِ. وماذا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: (في السَّماواتِ) . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ: ذا بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ (في السَّماواتِ) . وانْظُرُوا مُعَلَّقَةٌ، فالجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَبْعُدُ أنْ تَكُونَ ماذا كُلُّهُ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، ويَكُونُ مَفْعُولًا لِقَوْلِهِ: انْظُرُوا؛ لِأنَّهُ إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً تَعَدَّتْ بِإلى، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً تَعَدَّتْ بِفي.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما في قَوْلِهِ: وما تُغْنِي، مَفْعُولَةً لِقَوْلِهِ: (انْظُرُوا)، مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ماذا، أيْ: تَأمَّلُوا نُذُرَ غِنى الآياتِ والنُّذُرِ عَنِ الكُفّارِ إذا قَبِلُوا ذَلِكَ كَفِعْلِ قَوْمِ يُونُسَ، فَإنَّهُ يَرْفَعُ العَذابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ويُنْجِي مِنَ الهَلَكاتِ.

والآيَةُ عَلى هَذا تَحْرِيضٌ عَلى الإيمانِ، وتَجَوُّزُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إنَّما هو في قَوْلِهِ: لا يُؤْمِنُونَ، انْتَهى. وهَذا احْتِمالٌ فِيهِ ضَعْفٌ. وفي قَوْلِهِ: مَفْعُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ (ماذا) تَجَوُّزٌ يَعْنِي أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ الَّتِي هي ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، لِأنَّ ماذا مَنصُوبٌ وحْدَهُ بِانْظُرُوا، فَيَكُونُ ماذا مَوْصُولَةً، وانْظُرُوا بَصَرِيَّةً لِما تَقَدَّمَ، والأيّامُ هُنا: وقائِعُ اللَّهِ فِيهِمْ، كَما يُقالُ أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِها.

وفِي الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرٌ وتَوَعَّدٌ وحَضٌّ عَلى الإيمانِ، والمَعْنى: إذا لَجُّوا في الكُفْرِ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ، وإذا آمَنُوا نَجَوْا، هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ.

قُلْ فانْتَظِرُوا: أمْرُ تَهْدِيدٍ، أيِ: انْتَظِرُوا ما يَحِلُّ بِكم كَما حَلَّ بِمَن قَبْلَكم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ.

102

فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

So do they wait except for like [what occurred in] the days of those who passed on before them? Say, "Then wait; indeed, I am with you among those who wait."

﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾: أمَرَ تَعالى بِالفِكْرِ فِيما أوْدَعَهُ تَعالى في السَّماواتِ والأرْضِ، إذِ السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَتِهِ تَعالى هو بِالتَّفَكُّرِ في مَصْنُوعاتِهِ، فَفي العالَمِ العُلْوِيِّ في حَرَكاتِ الأفْلاكِ ومَقادِيرِها وأوْضاعِها والكَواكِبِ، وما يَخْتَصُّ بِذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ والفَوائِدِ، وفي العالَمِ السُّفْلِيِّ في أحْوالِ العَناصِرِ والمَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وخُصُوصًا حالُ الإنْسانِ. وكَثِيرًا ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ الحَضَّ عَلى الفِكْرِ في مَخْلُوقاتِهِ تَعالى وقالَ: ﴿ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ، والعاقِلُ يَتَنَبَّهُ لِتَفاصِيلِها وأقْسامِها. ثُمَّ لَمّا أمَرَ بِالنَّظَرِ أخْبَرَ أنَّهُ مَن لا يُؤْمِنُ لا تُغْنِيهِ الآياتُ.

والنُّذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ، إمّا مَصْدَرٌ فَمَعْناهُ: الإنْذاراتُ، وإمّا بِمَعْنى: مُنْذِرٌ فَمَعْناهُ: المُنْذِرُونَ والرُّسُلُ. وما: الظّاهِرُ أنَّها لِلنَّفْيِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ تُغْنِي الآياتُ وهي الدَّلائِلُ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ. وفي الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِحاضِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ والكِسائِيُّ: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ بِضَمِّ اللّامِ، وقُرِئَ: ﴿وما تُغْنِي﴾ بِالتّاءِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وبِالياءِ. وماذا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: (في السَّماواتِ) . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ: ذا بِمَعْنى الَّذِي، وصِلَتُهُ (في السَّماواتِ) . وانْظُرُوا مُعَلَّقَةٌ، فالجُمْلَةُ الِابْتِدائِيَّةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَبْعُدُ أنْ تَكُونَ ماذا كُلُّهُ مَوْصُولًا بِمَعْنى الَّذِي، ويَكُونُ مَفْعُولًا لِقَوْلِهِ: انْظُرُوا؛ لِأنَّهُ إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً تَعَدَّتْ بِإلى، وإنْ كانَتْ قَلْبِيَّةً تَعَدَّتْ بِفي.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما في قَوْلِهِ: وما تُغْنِي، مَفْعُولَةً لِقَوْلِهِ: (انْظُرُوا)، مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ: ماذا، أيْ: تَأمَّلُوا نُذُرَ غِنى الآياتِ والنُّذُرِ عَنِ الكُفّارِ إذا قَبِلُوا ذَلِكَ كَفِعْلِ قَوْمِ يُونُسَ، فَإنَّهُ يَرْفَعُ العَذابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ويُنْجِي مِنَ الهَلَكاتِ.

والآيَةُ عَلى هَذا تَحْرِيضٌ عَلى الإيمانِ، وتَجَوُّزُ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إنَّما هو في قَوْلِهِ: لا يُؤْمِنُونَ، انْتَهى. وهَذا احْتِمالٌ فِيهِ ضَعْفٌ. وفي قَوْلِهِ: مَفْعُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى قَوْلِهِ (ماذا) تَجَوُّزٌ يَعْنِي أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ الَّتِي هي ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، لِأنَّ ماذا مَنصُوبٌ وحْدَهُ بِانْظُرُوا، فَيَكُونُ ماذا مَوْصُولَةً، وانْظُرُوا بَصَرِيَّةً لِما تَقَدَّمَ، والأيّامُ هُنا: وقائِعُ اللَّهِ فِيهِمْ، كَما يُقالُ أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِها.

وفِي الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرٌ وتَوَعَّدٌ وحَضٌّ عَلى الإيمانِ، والمَعْنى: إذا لَجُّوا في الكُفْرِ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ، وإذا آمَنُوا نَجَوْا، هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في الأُمَمِ الخالِيَةِ.

قُلْ فانْتَظِرُوا: أمْرُ تَهْدِيدٍ، أيِ: انْتَظِرُوا ما يَحِلُّ بِكم كَما حَلَّ بِمَن قَبْلَكم مِن مُكَذِّبِي الرُّسُلِ.

103

ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Then We will save our messengers and those who have believed. Thus, it is an obligation upon Us that We save the believers

﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] وكانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِما حَلَّ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ المُكَذِّبَةِ ومُصَرِّحًا بِهَلاكِهِمْ في غَيْرِ ما آيَةٍ، أخْبَرَ تَعالى عَنْ حِكايَةِ حالِهِمُ الماضِيَةِ فَقالَ: ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا، والمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ خَلَوْا أهْلَكْناهم لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ، ثُمَّ نَجَّيْنا الرُّسُلَ والمُؤْمِنِينَ. ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ نُنَجِّي مَعْطُوفٌ عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ﴾ [يونس: ١٠٢] كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ الأُمَمَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا عَلى مِثْلِ الحِكاياتِ الماضِيَةِ.

والظّاهِرُ أنَّ كَذَلِكَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ تَقْدِيرُهُ: مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ الَّذِي نَجَّيْنا الرُّسُلَ ومُؤْمِنِيهِمْ، نُنَجِّي مَن آمَنَ بِكَ يا مُحَمَّدُ، ويَكُونُ حَقًّا عَلى تَقْدِيرِ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.

وقالَ أبُو البَقاءِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَقًّا بَدَلًا مِنَ المَحْذُوفِ النّائِبِ عَنْهُ الكافُ تَقْدِيرُهُ: إنْجاءُ مِثْلِ ذَلِكَ حَقًّا. وأجازَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وحَقًّا مَنصُوبَيْنِ بِنُنْجِي الَّتِي بَعْدَهُما، وأنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مَنصُوبًا بِـ (نُنَجِّي) الأُولى، وحَقًّا بِـ (نُنْجِي) الثّانِيَةِ، وأجازَ هو تابِعًا لِـ ابْنِ عَطِيَّةَ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقَدَّرَهُ الأمْرُ كَذَلِكَ، وحَقًّا مَنصُوبٌ بِما بَعْدَها.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ الإنْجاءِ نُنَجِّي المُؤْمِنِينَ مِنكم ونُهْلِكُ المُشْرِكِينَ، وحَقًّا عَلَيْنا: اعْتِراضٌ يَعْنِي: حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا حَقًّا. قالَ القاضِي: حَقًّا عَلَيْنا المُرادُ بِهِ: الوُجُوبُ، لِأنَّ تَخْلِيصَ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ إلى الثَّوابِ واجِبٌ، ولَوْلاهُ ما حَسُنَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُلْزِمَهُمُ الأفْعالَ الشّاقَّةَ.

وإذا ثَبَتَ لِهَذا السَّبَبِ جَرى مَجْرى قَضاءِ الدَّيْنِ لِلسَّبَبِ المُتَقَدِّمِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ حَقٌّ بِحَسَبِ الوَعْدِ والحُكْمِ لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ، لِما ثَبَتَ أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ عَلى خالِقِهِ شَيْئًا. وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَفْصٌ: ﴿نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] بِالتَّخْفِيفِ مُضارِعُ أنْجى، وخَطُ المُصْحَفِ نُنْجِ بِغَيْرِ ياءٍ.

104

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Say, [O Muhammad], "O people, if you are in doubt as to my religion - then I do not worship those which you worship besides Allah; but I worship Allah, who causes your death. And I have been commanded to be of the believers

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ ما أنا عَلَيْهِ فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْتِفاءِ مِن عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ تَسْفِيهًا لِآرائِهِمْ، وأثْبَتَ ثانِيًا مَنِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو اللَّهُ الَّذِي يَتَوَفّاكم.

وفِي ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الوَسَطِ الدّالِّ عَلى التَّوَفِّي دِلالَةٌ عَلى البَدْءِ وهو الخَلْقُ وعَلى الإعادَةِ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم ويَتَوَفّاكم ويُعِيدُكم، وكَثِيرًا ما صُرِّحَ في القُرْآنِ بِهَذِهِ الأطْوارِ الثَّلاثَةِ، وكانَ التَّصْرِيحُ بِهَذا الوَصْفِ لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ، وإرْهابِ النُّفُوسِ بِهِ، وصَيْرُورَتِهِمْ إلى اللَّهِ بَعْدَهُ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يُخافَ ويُتَّقى ويُعْبَدَ لا الحِجارَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها.

﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وكانَتِ العِبادَةُ أغْلَبَ ما عَلَيْها عَمَلُ الجَوارِحِ، أخْبَرَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُفْرِدُونَ لَهُ بِالعِبادَةِ، وانْتَقَلَ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ إلى نُورِ المَعْرِفَةِ، وطابَقَ الباطِنُ الظّاهِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِما رَكَّبَ فِيَّ مِنَ العَقْلِ، وبِما أوْحى إلَيَّ في كِتابِهِ.

وقِيلَ مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ومِمّا أنا عَلَيْهِ، أأثْبُتُ أمْ أتْرُكُهُ وأُوافِقُكم ؟ فَلا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالمُحالِ، ولا تَشُكُّوا في أمْرِي، واقْطَعُوا عَنِّي أطْماعَكم، واعْلَمُوا أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ولا أخْتارُ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ [يونس: ٧٢]: أصْلُهُ بِأنْ أكُونَ، فَحُذِفَ الجارُ وهَذا الحَذْفُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ المُطَّرِدِ، الَّذِي هو حَذْفُ الحُرُوفِ الجارَّةِ مَعَ أنْ وأنَّ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] انْتَهى.

يَعْنِي بِالحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، إنَّهُ لا يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي إلّا في أفْعالٍ مَحْصُورَةٍ سَماعًا لا قِياسًا وهي: اخْتارَ واسْتَغْفَرَ وأمَرَ وسَمّى ولَبّى ودَعا بِمَعْنى: سَمّى وزَوَّجَ وصَدَّقَ خِلافًا لِمَن قاسَ الحَذْفَ بِحَرْفِ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، حَيْثُ يَعْنِي الحَرْفَ، ومَوْضِعُ الحَذْفِ نَحْوُ: بَرَيْتُ القَلَمَ بِالسِّكِّينِ، فَيُجِيزُ السِّكِّينَ بِالنَّصْبِ. وجَوابُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ قَوْلُهُ: فَلا أعْبُدُ، والتَّقْدِيرُ: فَأنا لا أعْبُدُ، لِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا إذا وقَعَ جَوابًا انْجَزَمَ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ عُلِمَ أنَّهُ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ لَوِ …

105

وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًۭا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

And [commanded], 'Direct your face toward the religion, inclining to truth, and never be of those who associate others with Allah;

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ ما أنا عَلَيْهِ فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْتِفاءِ مِن عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ تَسْفِيهًا لِآرائِهِمْ، وأثْبَتَ ثانِيًا مَنِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو اللَّهُ الَّذِي يَتَوَفّاكم.

وفِي ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الوَسَطِ الدّالِّ عَلى التَّوَفِّي دِلالَةٌ عَلى البَدْءِ وهو الخَلْقُ وعَلى الإعادَةِ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم ويَتَوَفّاكم ويُعِيدُكم، وكَثِيرًا ما صُرِّحَ في القُرْآنِ بِهَذِهِ الأطْوارِ الثَّلاثَةِ، وكانَ التَّصْرِيحُ بِهَذا الوَصْفِ لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ، وإرْهابِ النُّفُوسِ بِهِ، وصَيْرُورَتِهِمْ إلى اللَّهِ بَعْدَهُ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يُخافَ ويُتَّقى ويُعْبَدَ لا الحِجارَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها.

﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وكانَتِ العِبادَةُ أغْلَبَ ما عَلَيْها عَمَلُ الجَوارِحِ، أخْبَرَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُفْرِدُونَ لَهُ بِالعِبادَةِ، وانْتَقَلَ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ إلى نُورِ المَعْرِفَةِ، وطابَقَ الباطِنُ الظّاهِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِما رَكَّبَ فِيَّ مِنَ العَقْلِ، وبِما أوْحى إلَيَّ في كِتابِهِ.

وقِيلَ مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ومِمّا أنا عَلَيْهِ، أأثْبُتُ أمْ أتْرُكُهُ وأُوافِقُكم ؟ فَلا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالمُحالِ، ولا تَشُكُّوا في أمْرِي، واقْطَعُوا عَنِّي أطْماعَكم، واعْلَمُوا أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ولا أخْتارُ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ [يونس: ٧٢]: أصْلُهُ بِأنْ أكُونَ، فَحُذِفَ الجارُ وهَذا الحَذْفُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ المُطَّرِدِ، الَّذِي هو حَذْفُ الحُرُوفِ الجارَّةِ مَعَ أنْ وأنَّ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] انْتَهى.

يَعْنِي بِالحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، إنَّهُ لا يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي إلّا في أفْعالٍ مَحْصُورَةٍ سَماعًا لا قِياسًا وهي: اخْتارَ واسْتَغْفَرَ وأمَرَ وسَمّى ولَبّى ودَعا بِمَعْنى: سَمّى وزَوَّجَ وصَدَّقَ خِلافًا لِمَن قاسَ الحَذْفَ بِحَرْفِ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، حَيْثُ يَعْنِي الحَرْفَ، ومَوْضِعُ الحَذْفِ نَحْوُ: بَرَيْتُ القَلَمَ بِالسِّكِّينِ، فَيُجِيزُ السِّكِّينَ بِالنَّصْبِ. وجَوابُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ قَوْلُهُ: فَلا أعْبُدُ، والتَّقْدِيرُ: فَأنا لا أعْبُدُ، لِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا إذا وقَعَ جَوابًا انْجَزَمَ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ عُلِمَ أنَّهُ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ لَوِ …

106

وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًۭا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And do not invoke besides Allah that which neither benefits you nor harms you, for if you did, then indeed you would be of the wrongdoers.'"

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ ما أنا عَلَيْهِ فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْتِفاءِ مِن عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ تَسْفِيهًا لِآرائِهِمْ، وأثْبَتَ ثانِيًا مَنِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو اللَّهُ الَّذِي يَتَوَفّاكم.

وفِي ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الوَسَطِ الدّالِّ عَلى التَّوَفِّي دِلالَةٌ عَلى البَدْءِ وهو الخَلْقُ وعَلى الإعادَةِ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم ويَتَوَفّاكم ويُعِيدُكم، وكَثِيرًا ما صُرِّحَ في القُرْآنِ بِهَذِهِ الأطْوارِ الثَّلاثَةِ، وكانَ التَّصْرِيحُ بِهَذا الوَصْفِ لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ، وإرْهابِ النُّفُوسِ بِهِ، وصَيْرُورَتِهِمْ إلى اللَّهِ بَعْدَهُ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يُخافَ ويُتَّقى ويُعْبَدَ لا الحِجارَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها.

﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وكانَتِ العِبادَةُ أغْلَبَ ما عَلَيْها عَمَلُ الجَوارِحِ، أخْبَرَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُفْرِدُونَ لَهُ بِالعِبادَةِ، وانْتَقَلَ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ إلى نُورِ المَعْرِفَةِ، وطابَقَ الباطِنُ الظّاهِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِما رَكَّبَ فِيَّ مِنَ العَقْلِ، وبِما أوْحى إلَيَّ في كِتابِهِ.

وقِيلَ مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ومِمّا أنا عَلَيْهِ، أأثْبُتُ أمْ أتْرُكُهُ وأُوافِقُكم ؟ فَلا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالمُحالِ، ولا تَشُكُّوا في أمْرِي، واقْطَعُوا عَنِّي أطْماعَكم، واعْلَمُوا أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ولا أخْتارُ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ [يونس: ٧٢]: أصْلُهُ بِأنْ أكُونَ، فَحُذِفَ الجارُ وهَذا الحَذْفُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ المُطَّرِدِ، الَّذِي هو حَذْفُ الحُرُوفِ الجارَّةِ مَعَ أنْ وأنَّ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] انْتَهى.

يَعْنِي بِالحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، إنَّهُ لا يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي إلّا في أفْعالٍ مَحْصُورَةٍ سَماعًا لا قِياسًا وهي: اخْتارَ واسْتَغْفَرَ وأمَرَ وسَمّى ولَبّى ودَعا بِمَعْنى: سَمّى وزَوَّجَ وصَدَّقَ خِلافًا لِمَن قاسَ الحَذْفَ بِحَرْفِ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، حَيْثُ يَعْنِي الحَرْفَ، ومَوْضِعُ الحَذْفِ نَحْوُ: بَرَيْتُ القَلَمَ بِالسِّكِّينِ، فَيُجِيزُ السِّكِّينَ بِالنَّصْبِ. وجَوابُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ قَوْلُهُ: فَلا أعْبُدُ، والتَّقْدِيرُ: فَأنا لا أعْبُدُ، لِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا إذا وقَعَ جَوابًا انْجَزَمَ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ عُلِمَ أنَّهُ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ لَوِ …

107

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍۢ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

And if Allah should touch you with adversity, there is no remover of it except Him; and if He intends for you good, then there is no repeller of His bounty. He causes it to reach whom He wills of His servants. And He is the Forgiving, the Merciful

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكم وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿ولا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ ما أنا عَلَيْهِ فَأنا أُبَيِّنُهُ لَكم، فَبَدَأ أوَّلًا بِالِانْتِفاءِ مِن عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ تَسْفِيهًا لِآرائِهِمْ، وأثْبَتَ ثانِيًا مَنِ الَّذِي يَعْبُدُهُ وهو اللَّهُ الَّذِي يَتَوَفّاكم.

وفِي ذِكْرِ هَذا الوَصْفِ الوَسَطِ الدّالِّ عَلى التَّوَفِّي دِلالَةٌ عَلى البَدْءِ وهو الخَلْقُ وعَلى الإعادَةِ، فَكَأنَّهُ أشارَ إلى أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم ويَتَوَفّاكم ويُعِيدُكم، وكَثِيرًا ما صُرِّحَ في القُرْآنِ بِهَذِهِ الأطْوارِ الثَّلاثَةِ، وكانَ التَّصْرِيحُ بِهَذا الوَصْفِ لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالمَوْتِ، وإرْهابِ النُّفُوسِ بِهِ، وصَيْرُورَتِهِمْ إلى اللَّهِ بَعْدَهُ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يُخافَ ويُتَّقى ويُعْبَدَ لا الحِجارَةَ الَّتِي تَعْبُدُونَها.

﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وكانَتِ العِبادَةُ أغْلَبَ ما عَلَيْها عَمَلُ الجَوارِحِ، أخْبَرَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يَكُونَ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُفْرِدُونَ لَهُ بِالعِبادَةِ، وانْتَقَلَ مِن عَمَلِ الجَوارِحِ إلى نُورِ المَعْرِفَةِ، وطابَقَ الباطِنُ الظّاهِرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي بِما رَكَّبَ فِيَّ مِنَ العَقْلِ، وبِما أوْحى إلَيَّ في كِتابِهِ.

وقِيلَ مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي ومِمّا أنا عَلَيْهِ، أأثْبُتُ أمْ أتْرُكُهُ وأُوافِقُكم ؟ فَلا تُحَدِّثُوا أنْفُسَكم بِالمُحالِ، ولا تَشُكُّوا في أمْرِي، واقْطَعُوا عَنِّي أطْماعَكم، واعْلَمُوا أنِّي لا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، ولا أخْتارُ الضَّلالَةَ عَلى الهُدى كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ﴾ [يونس: ٧٢]: أصْلُهُ بِأنْ أكُونَ، فَحُذِفَ الجارُ وهَذا الحَذْفُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ المُطَّرِدِ، الَّذِي هو حَذْفُ الحُرُوفِ الجارَّةِ مَعَ أنْ وأنَّ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ ﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] انْتَهى.

يَعْنِي بِالحَذْفِ غَيْرِ المُطَّرِدِ وهو قَوْلُهُ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ، إنَّهُ لا يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي إلّا في أفْعالٍ مَحْصُورَةٍ سَماعًا لا قِياسًا وهي: اخْتارَ واسْتَغْفَرَ وأمَرَ وسَمّى ولَبّى ودَعا بِمَعْنى: سَمّى وزَوَّجَ وصَدَّقَ خِلافًا لِمَن قاسَ الحَذْفَ بِحَرْفِ الجَرِّ مِنَ المَفْعُولِ الثّانِي، حَيْثُ يَعْنِي الحَرْفَ، ومَوْضِعُ الحَذْفِ نَحْوُ: بَرَيْتُ القَلَمَ بِالسِّكِّينِ، فَيُجِيزُ السِّكِّينَ بِالنَّصْبِ. وجَوابُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ قَوْلُهُ: فَلا أعْبُدُ، والتَّقْدِيرُ: فَأنا لا أعْبُدُ، لِأنَّ الفِعْلَ المَنفِيَّ بِلا إذا وقَعَ جَوابًا انْجَزَمَ، فَإذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الفاءُ عُلِمَ أنَّهُ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ. وكَذَلِكَ لَوِ …

108

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ

Say, "O mankind, the truth has come to you from your Lord, so whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul, and whoever goes astray only goes astray [in violation] against it. And I am not over you a manager."

﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ الحَقُّ: القُرْآنُ، أوِ الرَّسُولُ، أوْ دِينُ الإسْلامِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ والمَعْنى: فَإنَّما ثَوابُ هِدايَتِهِ حاصِلٌ لَهُ، ووَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، والهِدايَةُ والضَّلالُ واقِعانِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ العَبْدِ، هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ.

وأنَّ مَن حُكِمَ لَهُ في الأزَلِ بِالِاهْتِداءِ فَسَيَقَعُ ذَلِكَ، وأنَّ مَن حُكِمَ لَهُ بِالضَّلالِ فَكَذَلِكَ، ولا حِيلَةَ في ذَلِكَ.

وقالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أكْمَلَ الشَّرِيعَةَ وأزاحَ العِلَّةَ وقَطَعَ المَعْذِرَةَ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ فَلا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ السَّعْيِ في إيصالِكم إلى الثَّوابِ العَظِيمِ، وفي تَخْلِيصِكم مِنَ العَذابِ الألِيمِ أزْيَدُ مِمّا فَعَلْتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ ولا عَلى اللَّهِ تَعالى حُجَّةٌ، فَمَنِ اخْتارَ الهُدى واتِّباعَ الحَقِّ فَما نَفَعَ بِاخْتِيارِهِ إلّا نَفْسَهُ، ومَن آثَرَ الضَّلالَ فَما ضَرَّ إلّا نَفْسَهُ.

واللّامُ وعَلى: عَلى مَعْنى النَّفْعِ والضُّرِّ، وكَّلَ إلَيْهِمُ الأمْرَ بَعْدَ إزاحَةِ العِلَلِ وإبانَةِ الحَقِّ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى إتْيانِ الهُدى واطِّراحِ الضَّلالِ مَعَ ذَلِكَ، ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾: بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إلَيَّ أمْرُكم وحَمْلُكم عَلى ما أُرِيدُ، إنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ، انْتَهى.

وكَلامُهُ تَذْيِيلُ كَلامِ القاضِي، وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ. وأمْرُهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِاتِّباعٍ ما يُوحى إلَيْهِ أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ وبِالصَّبْرِ عَلى ما يَنالُكَ في اللَّهِ مِن أذى الكُفّارِ وإعْراضِهِمْ، وغَيّا الأمْرَ بِالصَّبْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾، وهو وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ ونَصْرِهِ عَلى أعْدائِهِ كَما وقَعَ. وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ (اصْبِرْ): مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ مُحْكَمٌ، وحَمَلُوا ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾: عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِحَفِيظٍ عَلى أعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْها، بَلْ ذَلِكَ لِلَّهِ. وقَوْلُهُ: (واصْبِرْ): عَلى الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وحَمْلِ أثْقالِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الرِّسالَةِ، وعَلى هَذا لا تَعارُضَ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وبَيْنَ آيَةِ السَّيْفِ، وإلى هَذا مالَ المُحَقِّقُونَ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: واصْبِرْ، جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأنْصارَ فَقالَ: «إنَّكم سَتَجِدُونَ بِعْدِي أثَرَةً فاصْبِرُوا حَتّى تَلْقَوْنِي» قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنِّي أُمِرْتُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّبْرِ عَلى ما سامَنِي الكَفَرَةُ، فَصَبَرْتُ واصْبِرُوا أنْتُمْ عَلى ما يَسُومُكُمُ الأُمَراءُ الجَوَرَةُ. قالَ أنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ، ثُمَّ ذَكَرَ حِكايَةً جَرَتْ بَيْنَ أبِي قَتادَةَ ومُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يُوقَفُ عَلَيْها مِن كِتابِهِ.

109

وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And follow what is revealed to you, [O Muhammad], and be patient until Allah will judge. And He is the best of judges.

﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ واصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ الحَقُّ: القُرْآنُ، أوِ الرَّسُولُ، أوْ دِينُ الإسْلامِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ والمَعْنى: فَإنَّما ثَوابُ هِدايَتِهِ حاصِلٌ لَهُ، ووَبالُ ضَلالِهِ عَلَيْهِ، والهِدايَةُ والضَّلالُ واقِعانِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ العَبْدِ، هَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ.

وأنَّ مَن حُكِمَ لَهُ في الأزَلِ بِالِاهْتِداءِ فَسَيَقَعُ ذَلِكَ، وأنَّ مَن حُكِمَ لَهُ بِالضَّلالِ فَكَذَلِكَ، ولا حِيلَةَ في ذَلِكَ.

وقالَ القاضِي: إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أكْمَلَ الشَّرِيعَةَ وأزاحَ العِلَّةَ وقَطَعَ المَعْذِرَةَ: ﴿فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ فَلا يَجِبُ عَلَيَّ مِنَ السَّعْيِ في إيصالِكم إلى الثَّوابِ العَظِيمِ، وفي تَخْلِيصِكم مِنَ العَذابِ الألِيمِ أزْيَدُ مِمّا فَعَلْتُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمْ يَبْقَ لَكم عُذْرٌ ولا عَلى اللَّهِ تَعالى حُجَّةٌ، فَمَنِ اخْتارَ الهُدى واتِّباعَ الحَقِّ فَما نَفَعَ بِاخْتِيارِهِ إلّا نَفْسَهُ، ومَن آثَرَ الضَّلالَ فَما ضَرَّ إلّا نَفْسَهُ.

واللّامُ وعَلى: عَلى مَعْنى النَّفْعِ والضُّرِّ، وكَّلَ إلَيْهِمُ الأمْرَ بَعْدَ إزاحَةِ العِلَلِ وإبانَةِ الحَقِّ. وفِيهِ حَثٌّ عَلى إتْيانِ الهُدى واطِّراحِ الضَّلالِ مَعَ ذَلِكَ، ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾: بِحَفِيظٍ مَوْكُولٍ إلَيَّ أمْرُكم وحَمْلُكم عَلى ما أُرِيدُ، إنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ، انْتَهى.

وكَلامُهُ تَذْيِيلُ كَلامِ القاضِي، وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ. وأمْرُهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِاتِّباعٍ ما يُوحى إلَيْهِ أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ وبِالصَّبْرِ عَلى ما يَنالُكَ في اللَّهِ مِن أذى الكُفّارِ وإعْراضِهِمْ، وغَيّا الأمْرَ بِالصَّبْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾، وهو وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ ونَصْرِهِ عَلى أعْدائِهِ كَما وقَعَ. وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ (اصْبِرْ): مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ مُحْكَمٌ، وحَمَلُوا ﴿وما أنا عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾: عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِحَفِيظٍ عَلى أعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْها، بَلْ ذَلِكَ لِلَّهِ. وقَوْلُهُ: (واصْبِرْ): عَلى الصَّبْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ وحَمْلِ أثْقالِ النُّبُوَّةِ وأداءِ الرِّسالَةِ، وعَلى هَذا لا تَعارُضَ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وبَيْنَ آيَةِ السَّيْفِ، وإلى هَذا مالَ المُحَقِّقُونَ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: واصْبِرْ، جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأنْصارَ فَقالَ: «إنَّكم سَتَجِدُونَ بِعْدِي أثَرَةً فاصْبِرُوا حَتّى تَلْقَوْنِي» قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنِّي أُمِرْتُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالصَّبْرِ عَلى ما سامَنِي الكَفَرَةُ، فَصَبَرْتُ واصْبِرُوا أنْتُمْ عَلى ما يَسُومُكُمُ الأُمَراءُ الجَوَرَةُ. قالَ أنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ، ثُمَّ ذَكَرَ حِكايَةً جَرَتْ بَيْنَ أبِي قَتادَةَ ومُعاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - يُوقَفُ عَلَيْها مِن كِتابِهِ.

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.