Muslim99Muslim99
← Tafsir library

10. Yunus

Jonas · Meccan · 109 ayahs

سُورَةُ يُونُسَ

Reading Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas

Ayahs 101–109 of 109

101

قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ

Say, "Observe what is in the heavens and earth." But of no avail will be signs or warners to a people who do not believe

استئناف ناشىء عن قوله : { ولو شاء ربك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس } [ يونس : 99 ] الخ . قسّم الناس إلى قسمين : مؤمنين وكافرين ، أي فادعهم إلى النظر في دلائل الوحدانية والإرشاد إلى تحصيل أسباب الإيمان ودفع غشاوات الكفر ، وذلك بالإرشاد إلى النظر والاستدلال بما هو حول الإنسان من أحوال الموجودات وتصاريفها الدالة على الوحدانية ، مثل أجرام الكواكب ، وتقادير مسيرها ، وأحوال النور والظلمة والرياح والسحاب والمطر ، وكذلك البحار والجبال .وافتتحت الجملة ب { قل } للاهتمام بمضمونها . وقد عمم ما في السماوات والأرض لتتوجه كلّ نفس إلى ما هو أقرب إليها وأيسر استدلالاً عليه لديها .والنظر : هنا مستعمل فيما يصلح للنظر القلبي والنظر البصري ، ولذلك عدل عن إعماله عمل أحد الفعلين لكيلا يتمحض له ، فَجيءَ بعده بالاستفهام المعلّق لكلا الفعلين بحيث أصبح حمل النظر على كليهما على حد السواء فصار صالحاً للمعنيين الحقيقي والمجازي ، وذلك من مقاصد القرآن .و { ماذا } بمعنى ما الذي ، و ( ما ) استفهام ، و ( ذا ) أصله اسم إشارة ، وهو إذا وقع بعد ( ما ) قَام مقام اسم موصول . و { في السماوات والأرض } قائم مقام صلة الموصول . وأصل وضع التركيب : مَا هذا في السماوات والأرض ، أي ما المشار إليه حال كونه في السماوات والأرض ، فكثر استعماله حتى صار في معنى : ما الذي . والمقصود : انظروا ما يدلكم على جواب هذا الاستفهام ، فكل شيء له حالة فهو مراد بالنظر العقلي بتركيبه في صورة مفعولين ، نحو : انظروا الشمس طالعة ، وانظروا السحاب ممطراً ، وهكذا ، وكل شيء هو في ذاته آية فهو مراد بالنظر البصري نحو : انظروا إنبات الأرض بعد جدبها فهو آية على وقوع البعث . ف ( ذا ) لما قام مقام اسم الموصول صار من صيغ العموم تشمل جميع الأجرام وأعراضها الدالة على وحدانية الله وحكمته ، وأخص ذلك التأمل في خُلق النبي صلى الله عليه وسلم ونشأة دعوته ، والنظر فيما جاء به . فكل ذلك دلائل على كماله وصدقه .وقد طوي في الكلام جواب الأمر لوقوع الأمر عقب أسباب الإيمان ، فالتقدير : انظروا تَرَوا آيات مُوصّلة إلى الإيمان .وجملة : { وما تغني الآيات } معترضة ذيلت بها جملة : { انظروا ماذا في السماوات والأرض } فيجوز أن تكون متممة لمقول القول مما أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم ويجوز أن تكون استئناف كلام من الله تعالى . والمعنى أبلغهم ما أمرت بتبليغه إليهم وليست تغني الآيات عن قوم لا يؤمنون ، أي الذين جعل الله نفوسهم لا تؤمن ، ولما كان قوله : { انظروا ماذا في السماوات والأرض } مفيداً أن ذلك آيات كما تقدم حَسُن وقع التعبير عنها بالآيات هنا ، فمعنى { وما تغني الآيات } : وما يغني ما في السماوات والأرض عن قوم لا يؤمنون ، فكان التعبير بالآيات كالإظهار في مقام الإضمار .وزيدت ( النذر ) فعطفت على الآيات لزيادة التعميم في هذه الجملة حتى تكون أوسع دلالة من التي قبلها لتكون كالتذييل لها ، وذلك أن القرآن جاء للناس بالاستدلال وبالتخويف ثم سجل على هذا الفريق بأنه لا تنجع فيه الآيات والأدلة ولا النذر والمخوفات .ولفظ { قوم لا يؤمنون } يفيد أن انتفاء الإيمان عنهم وصف عرفوا به وأنه مستقر من نفوسهم ، لأن اجتلاب لفظ { قوم } هنا مع صحة حلول غيره محله يشير إلى أن الوصف المذكور بعده من مقومات قوميتهم لأنه صار من خصائصهم ، بخلاف ما لو قيل : عمن لا يؤمنون . ألا ترى إلى قول العنبريقومٌ إذا الشرُّ أبدى ناجذيه لهم: ...طاروا إليه زَرافات ووُحدانا ... أي قوم هذه سجيتهم . وقد تقدم عند قوله تعالى : { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار } إلى قوله : { لآياتتٍ لقوم يعقلون } في سورة البقرة ( 164 ). وتقدم في هذه السورة غير مرة آنفاً . وهو هنا أبدع لأنه عدل به عن الإضمار . وهذا من بدائع الإعجاز هنا .

102

فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِهِمْ ۚ قُلْ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ

So do they wait except for like [what occurred in] the days of those who passed on before them? Say, "Then wait; indeed, I am with you among those who wait."

تفريع على جملة { ما تغني الآيات والنذر } [ يونس : 101 ] باعتبار ما اشتملت عليه من ذكر النُذُر . فهي خطاب من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أي يتفرع على انتفاء انتفاعهم بالآيات والنذر وعلى إصْرارهم أنْ يُسأل عنهم : ماذا ينتظرون ، ويجاب بأنهم ما ينتظرون إلا مِثل ما حلّ بمن قبلهم ممن سِيقت قصصهم في الآيات الماضية ، ووقع الاستفهام ب { هل } لإفادتها تحقيق السؤال وهو باعتبار تحقيق المسؤول عنه وأنه جدير بالجواب بالتحْقيق .والاستفهام مجاز تهكمي إنكاري ، نزلوا منزلة من ينتظرون شيئاً يأتيهم ليؤمنوا ، وليس ثمة شيء يصلح لأن ينتظروه إلا أن ينتظروا حلول مثل أيام الذين خلوا من قبلهم التي هلكوا فيها . وضمن الاستفهام معنى النفي بقرينة الاستثناء المفرَّغ . والتقدير : فهل ينتظرون شيئاً مَا ينتظرون إلاّ مثل أيام الذين خلوا من قبلهم . وأطلقت الأيام على ما يقع فيها من الأحداث العظيمة . ومن هذا إطلاق «أيام العرب» على الوقائع الواقعة فيها .وجملة : { قل فانتظروا } مفرعة على جملة : { فهل ينتظرون }. وفصل بين المفرّع والمفرّع عليه ب { قُل } لزيادة الاهتمام . ولينتقل من مخاطبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إلى مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم قومه وبذلك يصير التفريع بين كلامين مختلفَي القائل شبيهاً بعطف التلقين الذي في قوله تعالى : { قال ومن ذريتي } [ البقرة : 124 ]. على أن الاختلاف بين كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم في مقام الوحي والتبليغ اختلاف ضعيف لأنهما آئلان إلى كلام واحد . وهذا موقع غريب لفاء التفريع .وبهذا النسج حصل إيجاز بديع لأنه بالتفريع اعتبر ناشئاً عن كلام الله تعالى فكأنّ الله بلغه النبي صلى الله عليه وسلم ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلّغه قومه فليس له فيه إلاّ التبليغ ، وهو يتضمن وعد الله نبيئه بأنه يرى ما ينتظرهم من العذاب ، فهو وعيد وهو يتضمن النصر عليهم . وسيصرح بذلك في قوله : { ثم ننجي رسلنا }.وجملة : { إني معكم من المنتظرين } استئناف بياني ناشىء عن جملة : { انتظروا } لأنها تثير سؤال سائل يقول : ها نحن أولاء ننتظر وأنت ماذا تفعل . وهذا مستعمل كناية عن ترقبه النصر إذ لا يظن به أنه ينتظر سوءاً فتعين أنه ينتظر من ذلك ضد ما يحصل لهم ، فالمعية في أصل الانتظار لا في الحاصل بالانتظار . و ( مع ) حال مؤكدة . و { من المنتظرين } خبر ( إنّ ) ومفاده مفاد ( مع ) إذ ماصدق المنتظرين هم المخاطبون المنتظرون .

103

ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Then We will save our messengers and those who have believed. Thus, it is an obligation upon Us that We save the believers

و { ثم ننجّي رسلنا } عطف على جملة : { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا } لأن مثل تلك الأيام يومُ عذاب . ولما كانوا مهددين بعذاب يحل بموضع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عجل الله البشارة للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأنه ينجيهم من ذلك العذاب بقدرته كما أنجى الرسل من قبله .وجملة : { كذلك حقاً علينا ننجِّي المؤمنين } تذييل . والإشارة ب { كذلك } إلى الإنجاء المستفاد من { ثم ننجِّي }.و { حقّاً علينا } جملة معترضة لأن المصدر بدل من الفعل ، أي حق ذلك علينا حقاً .وجعله اللّهُ حقاً عليه تحقيقاً للتفضل به والكرامة حتى صار كالحق عليه .وقرأ الجمهور { نُنَجّي المؤمنين } بفتح النون الثانية وتشديد الجيم على وزان { ننجي رسلنا }. وقرأ الكسائي ، وحفص عن عاصم { نُنْجي المؤمنين } بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم من الإنجاء . فالمخالفة بينه وبين نظيره الذي قبله تفنن ، والمعنى واحد .وكتب في المصحف { ننج المؤمنين } بدون ياء بعد الجيم على صورة النطق بها للاتقاء الساكنيْن . ”

104

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّۢ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

Say, [O Muhammad], "O people, if you are in doubt as to my religion - then I do not worship those which you worship besides Allah; but I worship Allah, who causes your death. And I have been commanded to be of the believers

هذه الجملة متصلة المعنى بجملة : { قُل انظروا ماذا في السماوات والأرض } [ يونس : 101 ] ، إذ المقصود من النظر المأمور به هُنالك النظرُ للاستدلال على إثبات الوحدانية ، فإن جحودهم إيّاها هو الذي أقدمهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله : إن الله بعثه بإثباتها وأبطل الإشراك ، فلما أمرهم بالنظر المؤدي إلى إثبات انفراده تعالى بالإلهية أعقبه بأن يخبرهم بأنهم إن استمروا على الشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ثابت على ما جاء به وأن دلائل صحة دينه بينة للناظرين . والمراد ب«الناس» في هذا الخطاب المشركون من أهل مكة ، أو جميع أمة الدعوة الذين لمَّا يستجيبوا للدعوة .و ( في ) من قوله : { في شك } للظرفية المجازية المستعملة في التمكن تشبيهاً لتمكن الصفة بتمكن الظرف من المظروف من جهة الإحاطة .وعلق الظرف بذات الدين ، والمراد الشك في حالة من أحواله وهي الحالة الملتبسة بهم أعني حالة حقيته .و ( من ) في قوله : { من ديني } للابتداء المجازي ، أي شككٍ آتتٍ من ديني . وهو ابتداء يَؤول إلى معنى السببية ، أي إن كنتم شاكين شكاً سببه ديني ، أي يتعلق بحقيته ، لأن الشك يُحمل في كل مقام على ما يناسبه ، كقوله : { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } [ يونس : 94 ]. وقد تقدم آنفاً . وقوله : { وإن كنتم في ريب مما نَزّلنا على عبدنا } [ البقرة : 23 ].والشك في الدين هو الشك في كونه حقاً ، وكونِه من عند الله . وإنما يكون هذا الشك عند عدم تصور حقيقة هذا الدين بالكنه وعدم الاستدلال عليه ، فالشك في صدقه يستلزم الشك في ماهيته لأنهم لو أدركوا كنهه لمَا شكُّوا في حقيته .وجملة : { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله } واقعة موقع جواب الشرط ودالة عليه في المعنى . فالتقدير الجواب : فأنا على يقين من فساد دينكم ، فلا أتبعه ، فلا أعبد الذين تعبدونهم ولكن أعبد الله .ولما كان مضمون هذه الجملة هو أصل دين الإسلام . فيجوز أن يكون في الآية معنى ثان ، أي إن كنتم في شك من معرفة هذا الدين فخلاصته أني لا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكني أعبد الله وحده ، فيكون في معنى قوله تعالى : { قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } [ الكافرون : 1 ، 2 ] ثم قوله : { لكم دينكم ولي دين } [ الكافرون : 6 ] فيتأتى في هذه الآية غرضان . فيكون المراد بالناس في قوله : { قل يأيها الناس } جميع أمة الدعوة الذين لم يُسلموا .والذين يعبدونهم الأصنام . وعوملت الأصنام معاملة العقلاء فأطلق عليها اسم الموصول الذي لجماعة العقلاء مجاراة لما يعتقدونه فيها من العقل والتدبير . ونظير هذا في القرآن كثير .واختيار صلة التوفّي هنا في نعت اسم الجلالة لما فيها من الدلالة على كمال التصرف في المخلوق فإن المشركين لم يبلغ بهم الإشراك إلى ادعاء أن الأصنام تُحيي وتميت .واختيار ذلك من بين الصفات الخاصة بالله تعالى تعريض بتذكيرهم بأنهم مُعَرَّضون للموت فيقصّرون من طغيانهم .والجمع بين نفي أن يَعبد الأصنام ، وبين إثبات أنه يعبد الله؛ يقوم مقام صيغة القصر لو قال : فلا أعبد إلا اللّهَ ، فوجه العدول عن صيغة القصر : أنّ شأنَها أن يطوى فيها الطرف المنفي للاستغناء عنه بالطرف المثبَت لأنه المقصود . وذلك حين يكون الغرض الأصلي هو طرف الإثبات ، فأما إذا كان طرف النفي هو الأهم كما هنا وهو إبطال عبادة الأصنام أوّلاً عدل على صيغة القصر إلى ذكر صيغتي نفي وإثبات . فهو إطناب اقتضاه المقام ، كقول عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي أو السموأل: ... تسيل على حد الظُبَات نفوسناوليست على غير الظُبات تسيل ... و { أمرت } عطف على جملة : { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله }.و { أن أكون } متعلق ب { أمرت } بحذف حرف الجر . وهو الباء التي هي لتعدية فعل ( أمرت ) ، و ( أن ) مصدرية لأن نصب الفعل المضارع بعدها يعين أنها مصدرية ويمنع احتمال أنها تفسيرية …

105

وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًۭا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

And [commanded], 'Direct your face toward the religion, inclining to truth, and never be of those who associate others with Allah;

موقع هذه الجملة مُعضل لأن الواو عاطفة على محالة ، ووقعت بعدها ( أنْ ). فالأظهر أن تكون ( أنْ ) مصدرية ، فوقوع فعل الطلب بعدها غير مألوف لأن حق صلة ( أنْ ) أن تكون جملة خبرية . قال في «الكشاف» : قد سوغ سيبويه أن توصف ( أن ) بالأمر والنهي ، لأن الغرض وصل ( أن ) بما تكون معه في معنى المصدر ، وفعلا الأمر والنهي دالان على المصدر لأنه غيرهما من الأفعال اه . يشير إلى ما في «كتاب سيبويه» «بابٌ تكون ( أنْ ) فيه بمنزلة ( أيْ ) » . فالمعنى : وأمرت بإقامة وجهي للدين حنيفاً ، ويكون العطف عطف مفرد على مفرد .وقيل الواو عطفتْ فعلاً مقدّراً يدل عليه فعل ( أمرت ). والتقدير : وأوحي إلي ، وتكون ( أنْ ) مفسرة للفعل المقدر ، لأنه فيه معنى القول دون حروفه .وعندي : أن أسلوب نظم الآية على هذا الوجه لم يقع إلا لمقتضًى بلاغي ، فلا بد من أن يكون لصيغة { أقم وجهك } خصوصية في هذا المقام ، فلنُعرض عمّا وقع في «الكشاف» وعن جعل الآية مثالاً لما سوغه سيبويه ولنجعل الواو متوسعاً في استعمالها بأن استعملت نائبة مَناب الفعل الذي عَطفت عليه ، أي فعلَ { أمرت } [ يونس : 104 ] دون قصد تشريكها لمعطوفها مع المعطوف عليه بل استعملت لمجرد تكريره . والتقديرُ : أمرت أنْ أقم وجهك فتكون ( أن ) تفسيراً لما في الواو من تقدير لفظ فعل ( أمرْت ) لقصد حكاية اللفظ الذي أمره الله به بلفظه ، وليتأتّى عطف { ولا تكونن من المشركين } عليه . وهذا من عطف الجمل لا من عطف المفردات ، وقد سبق مثل هذا عند قوله تعالى : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } في سورة [ العقود : 49 ] ، وهو هنا أوْعب .والإقامة : جعل الشيء قائماً . وهي هنا مستعارة لإفراد الوجه بالتوجه إلى شيء معين لا يترك وجهه ينثني إلى شيء آخر . واللام للعلة ، أي لأجل الدين ، فيصير المعنى : محّض وجهك للدين لا تجعل لغير الدين شريكاً في توجهك . وهذه التمثيلية كناية عن توجيه نفسه بأسرها لأجل ما أمره الله به من التبليغ وإرشاد الأمة وإصلاحها . وقريب منه قوله : { أسلمت وجهي لله } في سورة [ آل عمران : 20 ].و { حنيفاً } حال من { الدين } وهو دين التوحيد ، لأنه حنف أي مال عن الآلهة وتمحض لله . وقد تقدم عند قوله تعالى : { قل بل ملة إبراهيم حنيفاً } في سورة [ البقرة : 135 ].نهي مؤكد لمعنى الأمر الذي قبله تصريحاً بمعنى { حنيفاً }. وتأكيد الفعل المنهي عنه بنون التوكيد للمبالغة في النهي عنه اعتناء بالتبرّؤ من الشرك .وقد تقدم غير مرة أن قوله : { من المشركين } ونحوَه أبلغ في الاتصاف من نحو : لا تكن مشركاً ، لما فيه من التبرؤ من الطائفة ذات نحلة الإشراك .

106

وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًۭا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And do not invoke besides Allah that which neither benefits you nor harms you, for if you did, then indeed you would be of the wrongdoers.'"

عطف على { ولا تكونن من المشركين } [ يونس : 105 ]. ولم يؤكد الفعل بنون التوكيد؛ لئلا يمنع وجودها من حذف حرف العلة بأن حذفه تخفيف وفصاحة ، ولأن النهي لما اقترن بما يومىء إلى التعليل كان فيه غنية عن تأكيده لأن الموصول في قوله : { ما لا يَنفعك ولا يضرك } يومىء إلى وجه النهي عن دعائك ، إذ دعاء أمثالها لا يقصده العاقل .و { من دون الله } اعتراض بين فعل { تدع } ومفعوله ، وهو إدماج للحث على دعائه الله .وتفريع { فإن فعلت } على النهيين للإشارة إلى أنه لا معذرة لمن يأتي ما نهي عنه بعد أن أكد نهيه وبينت علته ، فمن فعله فقد ظلم نفسه واعتدى على حق ربه .وأكّد الكون من الظالمين على ذلك التقدير ب ( إنّ ) لزيادة التحذير ، وأُتي ب ( إذن ) للإشارة إلى سؤال مقدر كأن سائلاً سأل : فإن فعلت فماذا يكون؟ .وفي قوله : { من الظالمين } من تأكيدٍ مثل ما تقدم في قوله : { من المشركين } [ يونس : 105 ] ونظائره .والمقصود من هذا الفرض تنبيه الناس على فظاعة عظم هذا الفعل حتى لو فعله أشرف المخلوقين لكان من الظالمين ، على حد قوله تعالى : { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر : 65 ].

107

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍۢ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ

And if Allah should touch you with adversity, there is no remover of it except Him; and if He intends for you good, then there is no repeller of His bounty. He causes it to reach whom He wills of His servants. And He is the Forgiving, the Merciful

عطف على جملة : { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } [ يونس : 106 ] لقصد التعريض بإبطال عقيدة المشركين أن الأصنام شفعاء عند الله ، فلما أبطَلت الآية السابقة أن تكون الأصنام نافعة أو ضارة ، وكان إسناد النفع أو الضر أكثر ما يقع على معنى صدورهما من فاعلهما ابتداء ، ولا يتبادر من ذلك الإسناد معنى الوساطة في تحصيلهما من فاعل ، عقبت جملة { ولا تدْعُ من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك } [ يونس : 106 ] بهذه الجملة للإعلام بأن إرادة الله النفع أو الضر لأحد لا يستطيع غيره أن يصرفه عنها أو يتعرض فيها إلا من جعل الله له ذلك بدعاء أو شفاعة .ووجه عطفها على الجملة السابقة لما بينهما من تغاير في المعنى بالتفصيل والزيادة ، وبصيغتي العموم في قوله : { فلا كاشف له إلا هو } وفي قوله : { فلا رادَّ لفضله } الداخل فيهما أصنامهم وهي المقصودة ، كما صُرح به في قوله تعالى في سورة [ الزمر : 38 ] { أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن مُمسكات رحمته }وتوجيهُ الخطاب للنبيء لأنه أولى الناس بالخير ونفي الضر . فيعلم أن غيره أولى بهذا الحكم وهذا المقصود .والمس : حقيقته وضع اليد على جسم لاختبار ملمسه ، وقد يطلق على الإصابة مجازاً مرسلاً . وقد تقدم عند قوله تعالى : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان } في آخر سورة [ الأعراف : 201 ].والإرادة بالخير : تقديرُه والقصدُ إليه . ولما كان الذي لا يعجزه شيء ولا يتردد علمه فإذا أراد شيئاً فعله ، فإطلاق الإرادة هنا كناية عن الإصابة كما يدل عليه قوله بعده : يصيب به من يشاء من عباده }. وقد عبر بالمس في موضع الإرادة في نظيرها في سورة [ الأنعام : 17 ] { وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير } ولكن عبر هنا بالإرادة مبالغة في سلب المقدرة عمن يريد معارضة مراده تعالى كائناً من كان بحيث لا يستطيع التعرض لله في خيره ولو كان بمجرد إرادته قبل حصول فعله ، فإن التعرض حينئذٍ أهون لأن الدفع أسهل من الرفع ، وأما آية سورة الأنعام فسياقها في بيان قدرة الله تعالى لا في تنزيهه عن المعارض والمعاند .والفضل : هو الخير ، ولذلك فإيقاعه موقع الضمير للدلالة على أن الخير الواصل إلى الناس فضل من الله لا استحقاق لهم به لأنهم عبيد إليه يصيبهم بما يشاء .وتنكير ( ضُر ) و ( خير ) للنوعية الصالحة للقلة والكثرة .وكل من جملة؛ فلا كاشف له إلا هو } وجملة : { فلا رادَّ لفضله } جواب للشرط المذكور معها ، وليس الجواب بمحذوف .وجملة : { يصيب به من يشاء من عباده } واقعة موقع البيان لما قبلها والحوصلة له ، فلذلك فصلت عنها .والضمير المجرور بالباء عائد إلى الخير ، فيكون امتناناً وحثاً على التعرض لمرضاة الله حتى يكون مما حقت عليهم مشيئة الله أن يصيبهم بالخير؛ أو يعودُ إلى ما تقدم من الضر ، والضمير باعتبار أنه مذكور فيكون تخويفاً وتبشيراً وتحذيراً وترغيباً .وقد أجملت المشيئة هنا ولم تبين أسبابها ليسلك لها الناس كل مسلك يأملون منه تحصيلها في العطاء وكل مسلك يتقون بوقعهم فيها في الحرمان .والإصابة : اتصال شيء بآخر ووروده عليه ، وهي في معنى المس المتقدم ، فقوله : { يصيب به من يشاء } هو في معنى قوله في سورة [ الأنعام : 17 ] { وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير }والتذييل بجملة : وهو الغفور الرحيم } يشير إلى أن إعطاء الخير فضل من الله ورحمة وتجاوز منه تعالى عن سيئات عباده الصالحين ، وتقصيرهم وغفلاتهم ، فلو شاء لما تجاوز لهم عن شيء من ذلك فتورطوا كلهم .ولولا غفرانه لَما كانوا أهلاً لإصابة الخير ، لأنهم مع تفاوتهم في الكمال لا يخلون من قصور عن الفضل الخالد الذي هو الكمال عند الله ، كما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : « إني ليُغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة »ويشير أيضاً إلى أن الله قد تجاوز عن كثير من سيئات عباده …

108

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍۢ

Say, "O mankind, the truth has come to you from your Lord, so whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul, and whoever goes astray only goes astray [in violation] against it. And I am not over you a manager."

استئناف ابتدائي هو كذيل لما مضى في السورة كلها وحوصلة لما جرى من الاستدلال والمجادلة والتخويف والترغيب ، ولذلك جاء ما في هذه الجملة كلاماً جامعاً وموادعة قاطعة .وافتتاحها ب { قل } للتنبيه على أنه تبليغ عن الله تعالى فهو جدير بالتلقي .وافتتاح المقول بالنداء لاستيعاء سماعهم لأهمية ما سيقال لهم ، والخطاب لجميع الناس من مؤمن وكافر ، والمقصود منه ابتداءً المشركون ، ولذلك أطيل الكلام في شأنهم ، وقد ذكر معهم من اهتدى تشريفاً لهم .وأكد الخبر بحرف { قد } تسجيلاً عليهم بأن ما فيه الحق قد أبلغ إليهم وتحقيقاً لكونه حقاً .والحق : هو الدين الذي جاء به القرآن ، ووصفه ب { من ربكم } للتنويه بأنه حق مبين لا يخلطه باطل ولا ريب ، فهو معصوم من ذلك .واختيار وصف الرب المضاف إلى ضمير { الناس } على اسم الجلالة للتنبيه على أنه إرشاد من الذي يحب صلاح عباده ويدعوهم إلى ما فيه نفعهم شأن من يربّ ، أي يسوس ويدبر .وتفريع جملة : { فمن اهتدى } على جملة : { قد جاءكم } للإشارة إلى أن مجيء الحق الواضح يترتب عليه أن إتباعه غنم لمتبعه وليس مزية له على الله ، ليتوصل من ذلك إلى أن المعرض عنه قد ظلم نفسه ، ورتب عليها تبعة الإعراض .واللام في قوله : { لنفسه } دالة على أن الاهتداء نعمة وغنى وأن الإعراض ضر على صاحبه .ووجه الإتيان بطريقتي الحصر في { فإنما يهتدي لنفسه } وفي { فإنما يضل عليها } للرد على المشركين إذ كانوا يتمطَّون في الاقتراح فيقولون : { لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً } [ الإسراء : 90 ] ونحو ذلك مما يفيد أنهم يمنون عليه لو أسلموا ، وكان بعضهم يظهر أنه يغيظ النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء على الكفر فكان القصر مفيداً أن اهتداءه مقصور على تعلق اهتدائه بمعنى اللام في قوله : { لنفسه } أي بفائدة نفسه لا يتجاوزه إلى التعلق بفائدتي . وأن ضلاله مقصور على التعلق بمعنى على نفسه ، أي لمضرتها لا يتجاوزه إلى التعلق بمضرتي .وجملة { وما أنا عليكم بوكيل } معطوفة على جملة { من اهتدى } فهي داخلة في حيز التفريع ، وإتمام للمفرع ، لأنه إذا كان اهتداء المهتدي لنفسه وضلال الضال على نفسه تحقق أن النبي صلى الله عليه وسلم غير مأمور من الله بأكثر من التبليغ وأنه لا نفع لنفسه في اهتدائهم ولا يضره ضلالهم ، فلا يحسبوا حرصه لنفع نفسه أو دفع ضر عنها حتى يتمطّوا ويشترطوا ، وأنه ناصح لهم ومبلغ ما في اتباعه خيرهم والإعراض عنه ضُرُّهم .والإتيان بالجملة الاسمية المنفية للدلالة على دوام انتفاء ذلك الحكم وثباته في سائر الأحوال .ومعنى الوكيل : الموكول إليه تحصيل الأمر . و { عليكم } بمعنى على اهتدائكم فدخل حرف الجر على الذات والمراد بعض أحوالها بقرينة المقام .

109

وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَٱصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And follow what is revealed to you, [O Muhammad], and be patient until Allah will judge. And He is the best of judges.

عطف على { قل } أي بلغ الناس ذلك القول { واتّبع ما يوحى إليك } ، أي اتبع في نفسك وأصحابك ما يوحى إليك . و { اصبر } أي على معاندة الذين لم يؤمنوا بقرينة الغاية بقوله : { حتى يحكم الله } فإنها غاية لهذا الصبر الخاص لا لمطلق الصبر .ولما كان الحكم يقتضي فريقين حذف متعلقه تعويلاً على قرينة السياق ، أي حتى يحكم الله بينك وبينهم .وجملة : { وهو خير الحاكمين } ثناء وتذييل لما فيه من العمُوم ، أي وهو خير الحاكمين بين كل خصمين في هذه القضية وفي غيرها ، فالتعريف في { الحاكمين } للاستغراق بقرينة التذييل .و { خير } تفضيل ، أصله أخير فحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال . والأخيرية من الحاكمين أخيرية وفَاء الإنصاف في إعطاء الحقوق . وهي هنا كناية عن معاقبة الظالم ، لأن الأمر بالصبر مشعر بأن المأمور به معتدًى عليه ، ففي الإخبار بأن الله خير الحاكمين إيماء بأن الله ناصر رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الذين كذبوا وعاندوا . وهذا كلام جامع فيه براعة المقطع .

Commentary: Tanwir al-Miqbas min Tafsir Ibn 'Abbas by Attributed to Ibn 'Abbas. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.