الٓر ۚ تِلْكَ ءَايَٰتُ ٱلْكِتَٰبِ ٱلْحَكِيمِ
Alif, Lam, Ra. These are the verses of the wise Book
هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ إلى آخِرِهِنَّ [يونس: ٩٤ - ٩٦]، هَكَذا رَوى القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وحُكِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَتَيْنِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] فَإنَّها نَزَلَتْ في المَدِينَةِ.
وحُكِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ، أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] فَإنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
وحُكِيَ عَنِ الحَسَنَ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ، أنَّها مَكِّيَّةٌ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ يُونُسَ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانَتْ سُورَةُ يُونُسَ بَعْدَ السّابِعَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ أعْطانِي الرّائِيّاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، عَنِ الأحْنَفِ قالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عُمَرَ غَداةً فَقَرَأ يُونُسَ وهُودَ وغَيْرَهُما.
* *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ: ( الر ) قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مُسْتَوْفًى عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ الواقِعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ، فَفِيهِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ.
وقَدْ قَرَأ بِالإمالَةِ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وخَلَفٌ وغَيْرُهم.
وقَرَأ جَماعَةٌ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مَعْنى ( الر ) أنا اللَّهُ أرى.
قالَ النَّحّاسُ: ورَأيْتُ أبا إسْحاقَ يَمِيلُ إلى هَذا القَوْلِ، لِأنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ حَكى مِثْلَهُ عَنِ العَرَبِ، وأنْشَدَ:
؎بِالخَيْرِ خَيْراتٌ وإنْ شَرًّا فا
أيْ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
وقالَ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ ( الر ) قَسَمٌ، وقالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتادَةَ، ( الر ) اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ تَكَلُّفٌ لِعِلْمِ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وقَدِ اتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى أنَّ ( الر ) لَيْسَ بِآيَةٍ، وعَلى أنَّ طه آيَةٌ، وفي مُقْنِعِ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ أنَّ العادِّينَ لِطه آيَةً هُمُ الكُوفِيُّونَ فَقَطْ، قِيلَ: ولَعَلَّ الفَرْقَ أنَّ ( الر ) لا يُشاكِلُ مَقاطِعَ الآيِ الَّتِي بَعْدَهُ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِنَ الآياتِ، والتَّبْعِيدُ لِلتَّعْظِيمِ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أرادَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وسائِرَ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّ تِلْكَ إشارَةٌ إلى غائِبٍ مُؤَنَّثٍ، وقِيلَ: تِلْكَ بِمَعْنى هَذِهِ: أيْ هَذِهِ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وهو القُرْآنُ، ويُؤَيِّدُ كَوْنَ الإشارَةِ إلى القُرْآنِ أنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ ذِكْرٌ، وأنَّ الحَكِيمَ مِن صِفاتِ القُرْآنِ لا مِن صِفاتِ غَيْرِهِ، والحَكِيمُ المُحْكَمُ بِالحَلالِ والحَرامِ والحُدُودِ والأحْكامِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الحَكِيمُ مَعْناهُ الحاكِمُ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقِيلَ: الحَكِيمُ بِمَعْنى المَحْكُومِ فِيهِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ: حَكَمَ اللَّهُ فِيهِ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: الحَكِيمُ ذُو الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ لِإنْكارِ …